:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الأربعاء، ديسمبر 27، 2023

محطّات


  • في الوقت الذي غامر عدد قليل من الأمريكيين بالوصول الى غرب نهر المسيسيبي، قدّمت لوحة "النظر أسفل وادي يوساميتي في كاليفورنيا" منظرا ترحيبيّا لواحدة من عجائب الطبيعة على الجانب البعيد من القارّة. وبعد رحلته الأولى إلى الغرب الأمريكي عام 1859، رسم ألبيرت بيرشتات سلسلة من لوحات المناظر الطبيعية التي أثبتت شعبيّتها لدى جمهور الساحل الشرقي لدرجة أن الرسّام كان حريصا على العودة لرسم المزيد. وأدّى نشوب الحرب الأهلية إلى تأجيل رحلته، ولكن في عام 1863 انطلق بيرشتات من فيلادلفيا للقيام برحلة عبر القارّات بالقطار والحافلة وعلى ظهور الخيل.
    وعندما وصل أخيرا إلى كاليفورنيا، تجاوزت مناظرها الطبيعية توقّعاته. والمعروف أن بيرشتات ولد وتعلّم في ألمانيا، وكان على دراية جيّدة بجمال جبال الألب. لكنه كان يصرّ على انه لا توجد في أيّ مكان في أوروبّا مناظر طبيعية يمكن مقارنتها بمناظر سييرا نيفادا في مقاطعة يوساميتي. وتدعم لوحته "النظر إلى أسفل وادي يوساميتي" هذا الادّعاء القومي وتعبّر عن إحساس الفنّان بالدهشة عندما رأى لأوّل مرّة المناظر الطبيعية لتلك الجبال المهيبة.
    وقد اعترض بعض النقّاد آنذاك على اللوحة، بحجّة أن أسلوب بيرشتات جعل الصورة تبدو وكأنها مشهد مسرحي أكثر من كونها فنّا جميلا. ولكن ربّما كان هذا في الواقع هو التأثير المطلوب. ولم يقدّم بيرشتات أيّ أشخاص في لوحته ولا مسافرا واحدا أو صيّادا أو مستوطنا أو هنديّا أمريكيّا. وفي وسط التوليف، حيث نتوقّع أن نجد ذروة درامية للحدث، لا يوجد سوى مساحة شاغرة مغمورة بضوء ذهبي يخترق الغيوم. وفي صورة بيرشتات، يأخذ المشاهد وجهة نظر الفنّان ويكتشف أنه أمام هذا المشهد الرائع فإن البشر يتضاءلون إلى حدّ التفاهة.
    كانت منطقة يوساميتي معزولة بسبب جغرافيّتها حتى ما قبل منتصف القرن التاسع عشر بقليل، عندما جلبت حمّى البحث عن الذهب في كاليفورنيا عام 1848 موجة من السكّان غير الأصليين إلى جبال سييرا وتمّ "اكتشاف" الوادي. وكان الأمريكيون مفتونين بالوادي المخفيّ منذ فترة طويلة، وأشبع بيرشتات فضولهم من خلال توثيق معالمه الرئيسية رغم انه بالغ في تصوير أبعاده المهيبة. وقد يكون المقصود من الضباب الذهبيّ الذي وظّفه بيرشتات لتنعيم حوافّ المنحدرات الرائعة تبرير تلاعبه الخلاق بالحقيقة. وكما لاحظ أحد نقّاد سان فرانسيسكو عام 1865، يبدو الأمر كما لو أن المنظر رُسم في إلدورادو، في أرض الذهب البعيدة التي سرى ذكرها في أغنية أو قصّة أو شوهدت في حلم دون أن تُرى".
    كان بيرشتات يمتلك فهماً غريباً لما أراد الأميركيون في عصره أن يعتقدوا أنه ينتظرهم على الحدود الغربية: جنّة عدن التي باركها الله ولم تمسّها حرب أهلية وتحمل وعدا ببداية جديدة. لوحاته الرومانسية تجسّد الأمل الجماعي في أن المناظر الطبيعية النائية يمكن أن تشفي جراح الأمّة. وقد أكّد جون موير، أحد دعاة الحفاظ على البيئة ومؤسّس نادي سييرا، وهو من معاصري بيرشتات القريبين، على فكرة أن وادي يوساميتي يمكن أن ينعش الروح: "ستهبّ الرياح وتهبك نضارتها والعواصف طاقتها بينما تتساقط الهموم كأوراق الخريف."
    كان من الممكن أن تُرسم لوحة "النظر إلى أسفل وادي يوساميتي" في محترف بيرشتات في نيويورك عام 1864، عندما خصّص أبراهام لينكولن المنطقة كمتنزّه حكومي. وكانت تلك هي المرّة الأولى التي تنقذ فيها الحكومة الفيدرالية مساحة من الأراضي ذات المناظر الخلابة من عمليات التطوير. ولكن عندما تمّ الانتهاء من بناء خطّ السكّة الحديد العابر للقارّة بعد خمس سنوات، امتلأت المنطقة بالسيّاح الذين أرادوا أن يروا بأنفسهم الأماكن الرائعة التي عرفوها فقط من خلال اللوحات والصور الفوتوغرافية. وعندما عاد بيرشتات إلى يوساميتي عام 1872، عبّر عن أسفه لخسارة البرّية البكر التي صوّرها قبل ذلك ببضع سنوات فقط.


  • من المفردات الشائعة في اللغة اليابانية مفردة تسوندوكوTsundoku التي تعني فنّ شراء الكتب بأكثر مما يمكن للمرء أن يقرأه. وهي تتكوّن من كلمتين: تسونو وتعني تراكم، ودوكو وتعني يقرأ أو قراءة.
    وربّما تظن ان تسوندوكو هي معادل للكلمة الانغليزية ببليومانيا Bibliomania التي تعني الهوس بالكتب. غير ان هناك فرقا دقيقا بين الكلمتين، فالمهووس بالكتب يشتري الكتب بنيّة إنشاء مجموعة من الكتب. في حين ان الشخص الذي يصفه مصطلح تسوندوكو الياباني يشتري الكتب بنيّة قراءتها، لكن في نهاية المطاف تتكدّس تلك الكتب ولا تُقرأ.
    وفي الثقافة اليابانية لا توجد دلالة سلبية لهذه الكلمة. وإذا وصفت بها شخصا ما فلا يعني ذلك أنك تنتقده على شراء الكثير من الكتب دون أن يقرأها.
    الأديب الإيطالي امبرتو ايكو مؤلّف رواية "اسم الوردة" تحدّث مرّة عن كيف أن بعض الضيوف الذين اعتادوا أن يأتوا إلى منزله لزيارته ورؤية مجموعته المكوّنة من 30 ألف كتاب عبّروا عن دهشتهم من هذا العدد الكبير من الكتب وسألوه إن كان قرأها كلّها.
    وكان يردّ على ذلك مازحا بقوله: هذه الكتب قرأتها بالفعل، اما غير المقروءة فأتركها عادةً في مكتبي في الجامعة". بالطبع كان إيكو يعلم أن كلّ شخص هو فضوليّ فكريّا وأن المكتبة ليست مجرّد مجموعة من الكتب التي يعلوها الغبار، بل هي في المقام الأوّل أداة للبحث، وكلّ كتاب غير مقروء في مكتباتنا لا يقلّ أهميّة عن الكتب المقروءة.
    فالأخيرة تبيّن حدود معرفتنا ومستوى جهلنا، وكلّما عرفت أكثر ازداد عدد الكتب غير المقروءة، ولا يمكنك ان تكون نشطا فكريا دون إدراك مدى جهلك. وبطبيعة الحال، شراء الكتب وقراءتها يمكن أن تصبح هاجسا وحتى إدمانا. وهي تصبح إدمانا عندما تقرأ كتابا تلو الآخر دون ان تلتقط انفاسك ودون ان تتوقّف لاستيعاب ما قرأته.
    وأوضح علامة لمدمن الكتب هو انه ينسى ما قرأه منذ شهر فقط. وعلى النقيض من ذلك، لا يمكن للقرّاء الحقيقيين أن يستسلموا للنوم في الليل، لأنهم يظلّون يفكّرون في الرسائل الدقيقة والعميقة التي صادفوها أثناء قراءتهم الأخيرة.
  • يحكى أن رجلا رأى مجموعة من الفيلة الضخمة مربوطة بحبال صغيرة في أرجلها في سيرك. وتساءل: لماذا لم تحرّر الأفيال أنفسها بما أن لديها القدرة والقوّة على تحقيق ذلك. قال أحد المدرّبين: عندما كانت هذه الأفيال صغيرة، كانت مربوطة بنفس هذا الحبل ولم تتمكّن من تحرير أنفسها لأنها لم تكن قادرة بسبب عجزها. وعندما كبرت اعتقدت أن الحبل ما يزال يقيّدها، لذا لم تحاول الهرب.
    هذه القصّة تذكّرنا بأن المعتقدات المعوّقة يمكن أن تمنعنا من تحقيق إمكاناتنا الكاملة. والقصّة تشجّعنا أيضا على التخلّي عن الأحكام المسبقة والثقة في تغيّر الظروف والأحداث وعلى أن نتعرّف على القوّة الموجودة بداخلنا. كما أنها تدعونا إلى إعادة النظر في آرائنا وإيجاد معنى أعمق لتجارب الحياة.

  • Credits
    albertbierstadt.org