:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, June 12, 2013

الفيلسوف والذئب

بعض الدراسات تشير إلى أن الآسيويين الشرقيين كانوا أول من دجّن الذئاب وأن حيواناتهم الأليفة والمخلصة تبعتهم في رحلتهم الطويلة والباردة إلى ارض العالم الجديد. لكن لماذا أراد البشر الأوائل ترويض الذئاب وتحويلها إلى كلاب؟! قد يكون للأمر علاقة بتوق الإنسان الغريزيّ في أن يجعل الحيوانات تتصرّف على هواه ووفقا لمشيئته، وليس تبعا لطبيعتها الخاصّة التي خُلقت عليها.
الذئب يتمتّع، ربّما أكثر من أيّ حيوان آخر، بحضور قويّ في الحكايات والقصص الشعبيّة منذ أقدم العصور. أحيانا يُصوّّر كمخلوق شرّير، وأحيانا كمحسن غامض أو كقوّة مهدّدة في الظلام. فخامة الذئب وعنفه وصمته وعواؤه ظلّت دائما مصدر ولع للإنسان.
في هذا الكتاب بعنوان "الفيلسوف والذئب: دروس من البرّية عن الحبّ والموت والسعادة"، يصوّر الكاتب والأكاديميّ مارك رولاندز الذئاب كمخلوقات بطوليّة ونقيّة ونبيلة، ما يجعل كلّ البشر يبدون سيّئين.
رولاندز هو أستاذ فلسفة عاش مع شبل ذئب يُدعى "برينين" لأكثر من عشر سنوات، أو بدقّة أكبر، عاش الذئب معه وتدرّب إلى أن أصبح حيوانا مطيعا ومستأنسا.
والكتاب هو عبارة عن مذكّرات فلسفية حول حياة المؤلّف وما تعلّمه عنها من خلال معيشته مع الذئب. أما الغرض الرئيسيّ من الكتاب فهو بحث كيف أن ما نسمّيه "بالذكاء الاجتماعي" يؤثّر على الطريقة التي نفكّر بها وننظر من خلالها إلى العالم.
الذكاء الاجتماعي، بحسب رولاندز، هو السمة التي تسمح للبشر بالتعاطف، كما انه من بين العناصر المهمّة التي تجعل البشر مميّزين عن غيرهم ويسمح لهم بأن يعيشوا في مجتمعات متحضّرة. الذئاب، هي الأخرى، ذكيّة. ولكن وفقا للمؤلّف، فإن ذكاءها ميكانيكيّ وليس اجتماعيّا.
وبحكم طبيعة تخصّص رولاندز، يأخذ الكتاب انعطافات مثيرة للاهتمام نحو ارض الفلسفة، فيناقش مواضيع مثل معنى السعادة والخير والشرّ، بالإضافة إلى التصوّرات المختلفة عن الزمن والموت.
رولاندز، من خلال القصص التي يرويها، يعطي انطباعا بأنه لا يعرف الخوف. لكنّه عمليّ في ما يتعلّق بإدراكه لقدرة صديقه الذئب على التدمير. وفي إحدى المرّات، يعرف انه لم يعد بإمكانه أن يتركه لوحده في أيّ مكان وأن عليه أن يصطحبه معه أينما ذهب. "ذات مرّة تركته في سيّارتي الجيب. وقد بدأ الحيوان المحبط بالتهام كلّ ما وجده في السيارة فمزّق المقاعد والأحزمة ثم التهم أغطية وبطانة السقف، وفي النهاية لم يبق سوى القليل جدّا من ديكور السيّارة الداخلي".
في الكتاب أيضا، يسرد المؤلّف مغامراته المشتركة مع الذئب. فالأخير يجلس بهدوء إلى جواره وهو يلقي محاضراته أمام الطلاب. كما انه يحضر المباريات الرياضية التي يشارك فيها رولاندز ويسافر بصحبته إلى الخارج، إلى ايرلندا ولندن ثم فرنسا التي يلفظ فيها الذئب أنفاسه الأخيرة.
ومع موت الذئب يأخذ الكتاب زخما جديدا ويبدأ المؤلّف، بمساعدة من نيتشه، في طرح أسئلة تأمّلية عن معنى موت الذئب. لكنّه يتجاهل إلى حدّ كبير التناقض ما بين استنتاجاته الخاصّة والطريقة التي يتصرّف بها نحو الذئب الموشك على الموت، عندما يتدخّل لإبقائه على قيد الحياة باستخدام تدابير لا تؤدّي سوى إلى إدامة إحساسه بالألم والمعاناة. وفي نهاية الكتاب، عندما يموت الذئب، يهمس رولاندز في أذنه بكلماته الأخيرة: سوف نلتقي مرّة أخرى في الأحلام".
جزء كبير من هذا الكتاب هو عن الدروس الفلسفيّة والشخصيّة التي تعلّمها رولاندز من تجربته مع الذئب. كما يستعير بعض أفكار ومقولات سارتر وهايديغر ونيتشه عن الحالة الإنسانية.
وإعجاب المؤلّف بالذئب يتجاوز الجوانب الجمالية ليشمل الجانب الميتافيزيقي. يقول مثلا واصفا رؤية الإنسان التقليدية عن الذئب: نحن نقف في ظلّ الذئب، ليس الظلّ الذي يتركه الذئب نفسه، وإنّما الظلال التي نتخيّل نحن أنها له".
ويكتب رولاندز عن كيف أننا نحن البشر، كنوع، "نهندس الضعف" في الآخرين حتى يتسنّى لنا الاستفادة من التفوّق الذي نكتسبه نتيجة لذلك. وهو يشير بكلّ سرور إلى الذئب بـ "أخي"، وإلى نفسه باعتباره وصيّا وحارسا للذئب. والحقيقة أن هناك شيئا مؤثّرا بعمق في إشارة إنسان إلى حيوان ما، بوضوح وبشكل عاطفيّ، على انه أخوه أو أفضل صديق له.
غير أن بعض القرّاء قد يتساءلون، ومعهم حقّ، عن ما إذا كان تملّك إنسان لذئب هو عمل ذكيّ أو حكيم أو ممّا يسمح به القانون في مجتمع متحضّر. ومن حقّ نشطاء حقوق الحيوان أيضا أن يشكّكوا في الظروف "غير الطبيعية" التي اُجبر فيها الذئب على العيش وفقا لمشيئة مالكه الإنسان.
ورولاندز يتّخذ موقفا دفاعيّا عن أفعاله، ويؤكّد بشكل قاطع أن اقتناءه للذئب كان له ما يبرّره. وحججه في دعم أفعاله قويّة، وإن لم تكن مقنعة تماما. لكن بعض الناس قد تصدمهم آراؤه القاطعة والواضحة عندما يكتب قائلا: إن الافتراض بأن الذئب لم يكن سعيدا لأنه ببساطة لم يكن يفعل ما يفعله الذئاب الطبيعيّون ليس أكثر من شكل من أشكال غطرسة الإنسان، كما انه استخفاف بذكاء الذئب وقدرته على المرونة". ويضيف: إننا نحتقر ذكاء الذئب وقدرته على التكيّف من خلال تبنّي وجهة نظر قاصرة ومبسّطة عن مكانه الملائم في العالم الطبيعي".
رولاندز يوضح تماما انه في أعماق قلبه شخص وحيد وكاره للبشر، كما انه، بشكل عام، يفضّل صحبة الحيوانات على البشر. وكفيلسوف محترف، يخبر القرّاء أن لا شيء أكثر بعدا عن الإنسانية من الفلسفة. ونفس الشيء يمكن قوله عن الرياضيّات البحتة والفيزياء النظريّة. "الفلسفة في النهاية تعبُد المنطق بكلّ برودته. ولكي تكون فيلسوفا يجب عليك أن تتمزّق وجوديّا وتَنبَتّ عن جذورك". "مترجم".

موضوع ذو صلة: الذيب سرحان

Monday, June 10, 2013

شاغال الحالم

الضوء اللازوردي المنعكس على المنحدرات الواقعة فوق شاطئ الريفييرا الفرنسية يُضفي على الطبيعة هناك ألقا شفّافا. الصخور تبدو مرصّعة بالذهب، والأزهار تتفتّح مثل قطرات ماء على قماش، وحتى العشب يتموّج بخضرة مضاعَفة.
هذا الضوء يتملّك الإنسان أيضا ويستولي على مشاعره. وبالنسبة للرسّام مارك شاغال، كان هذا احتفالا دينيّا يوميّا بالألوان وتماهياً مع كلّ هو طبيعيّ وبريء ومدهش.
المشي على الأقدام كان جزءا من روتين شاغال طوال حياته. كان يحبّ الريف أكثر من المدينة. ومنذ عام 1950، عاش في "فونس"، وهي بلدة ريفية قديمة من أصول رومانية تطفو فوق جبال الألب. كان كلّ يوم يخرج من حديقة منزله المطليّة جدرانه باللون الأبيض، ويمرّ من أمام أشجار البرتقال والسرو والزيتون تحت وهج الشمس الحارّة، ثم يعبر عددا من المسارات الصخرية التي تصطفّ على جانبيها الأزهار. وبعد ساعة يظهر ثانية وقد علت جبينه الشاحب حبّات عرق أشبه ما تكون باللؤلؤ. وفي تلك الأثناء يكون قد نال قسطا من الانتعاش وأصبح جاهزا للعمل.
كان شاغال يحبّ الحياة بفرح. وبالنسبة له، أن تشمّ رائحة الفواكه الرطبة وتسمع طقطقة الأشجار في الغابات وتشعر بحرارة الشمس اللافحة، هو طقس يوميّ لازم للتجدّد الروحيّ. "الفنّ العظيم يبدأ حيث تنتهي الطبيعة. والأرض تستمرّ في دورانها كلّ الوقت، ونحن أيضا ندور معها طوال الوقت، وحتى عندما نموت فإن الأرض لا تسكن أو تنام. بل تدور معنا أيضا". هكذا كان يقول.
لكن عندما أكمل شاغال عامه الثامن والسبعين، أصبحت حركته أسرع، وأحسّ بأنه أصبح اقرب من أيّ وقت مضى إلى إيقاع الطبيعة. كان يرى في الغيوم العابرة أفضل تجسيد لمرور الوقت وتغيّر الأزمنة بسرعة.
النقّاد طالما أشادوا برحلات شاغال الفانتازية الطائرة التي ابتكرها في لوحاته المبكّرة. وكثيرا ما كانوا يقارنونه بـ سترافينسكي في الموسيقى. لكنّ المؤسّسة الفنّية لم تعترف بإنجازاته حتى أوائل عشرينات القرن الماضي. ومؤخّرا فقط، اعترفت المتاحف بأن تاريخ الفنّ الحديث كان سيبدو باردا وسطحيّا، لولا مناظر شاغال الرقيقة التي كان يعكس من خلالها حبّه للناس وشغفه بالحياة.
عايش شاغال جميع المدارس الفنّية طوال قرن كامل، بدءا بالتكعيبية والسريالية وغيرهما. لكنّه لم يعتنق أيّا منها وبقي صامدا في سعيه وراء حلمه الخاصّ، حتى أصبح لفنّه هذه الجاذبيّة العالميّة الطاغية.
كان يرى انه ليس هناك عالم أكثر واقعيّة من ذلك العالم الذي يتألّف من رموز ينعدم فيها الوزن كتلك التي كان يضمّنها لوحاته. كان يملأ عالمه بمخلوقات وكائنات مختلفة تتحدّى قوانين الهندسة والجاذبية، حيوانات وآلات موسيقيّة وعشّاق طائرين، وكان يعتمد فيها على ذكريات من أيّام طفولته الأولى.
طبيعته المحمولة جوّا ربّما أراد من خلالها أن يحاول جرّ السماء إلى الأرض. "من حقّ أيّ إنسان ينظر إلى لوحاتي أن يفكّر في واقع آخر تتحوّل فيه التفاصيل إلى رموز من الأشكال والألوان. لم أولد كي ابحث عن المتعة. أردت، دون أن يكون في ذهني أيّة مذاهب فنّية، أن أجد شكلا روحانيّا للأشياء".
كانت الأزهار تملأ بيت شاغال وتتنافس مع لوحاته في كلّ مكان. وفي اللحظة التي تبدأ فيها بالذبول، كان يأمر زوجته بأن تلقي بها إلى الخارج. وعندما يقول إن "نهاية الحياة هي باقة ورد"، فإنه يقول ذلك كعاشق للجمال ومدرك لنظام الطبيعة. "عندما تنمو الأزهار بشكل كامل، فإنها تُقطف وهي في ريعان شبابها وتبرعمها. ثم يجمعها الناس لإهدائها كلفتة حبّ. لكنّ صنع الباقة في حدّ ذاته يعني تلاشيها وموتها في نهاية المطاف. لذا فمع اختلاطهما، تبدو الحياة والموت شيئا واحدا في الطبيعة".
الباحثون ما يزالون يجدون صعوبة في إعطاء رقم دقيق لأعمال شاغال المنتشرة في جميع أنحاء العالم. لكن يمكننا أن نضعها في خانة الآلاف.
لوحته المذهلة بعنوان "نزهة" مليئة بالرموز عن الحبّ والسعادة. وقد أصبحت نوعا من المنافيستو. نزهة هي أيضا صورة شخصية للرسّام مع زوجته بيلا. وفيها تبدو الزوجة وهي تحلّق في السماء، وشاغال، الواقف على الأرض بلا استقرار، على وشك أن يطير معها بينما يمسك في يده عصفورا يرمز إلى عمل الرسّام. التحليق تعبير مجازيّ عن الحرّية والسعادة. وشاغال يريد أن يقول إن الحبّ يفعل المعجزات وأن بإمكان العشّاق أن يطيروا ويحلّقوا في مشاعرهم الرومانسية.
في مذكّراته، يتحدّث شاغال مطوّلا عن حنينه لقريته وعشقه لوطنه الأصلي. "وطني فقط هو الذي يستقرّ في روحي. ذكرياتي عن قريتي توفّر لي ملاذا من الحزن والوحدة. أدخل القرية بلا جواز سفر، وعندما أنام أتدثّر بحجارتها المعطرّة".