:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, July 08, 2010

ظاهرة العمى في فنّ بيكاسو


العمى عاهة خطيرة. فالعينان هما نافذة الإنسان على العالم. والإبصار مهمّ لبقاء الدماغ نفسه. وبدون الإبصار، يبدأ الدماغ في نسيان العالم ويفقد الإنسان إحساسه بالواقع.
الأدب والفنّ الغربيان اهتمّا بظاهرة العمى منذ القدم. الأديب الأرجنتيني جورجي بورخيس عانى من العمى التامّ لبضع سنوات. ووصف تجربته تلك في بعض كتاباته. وقد حرمه العمى من رؤية جميع الألوان، وفي طليعتها الأحمر والأسود. وكان يرى الليل على هيئة ضباب باهت من الأزرق والأخضر.
والروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو كتب هو الآخر رواية عن مدينة يتعرّض سكّانها للعمى ولا يبقى منهم سوى شخص واحد مبصر.
والفيلسوف الفرنسي دينيس ديديرو ألّف كتابا مشهورا بعنوان "رسالة حول العميان" تطرّق فيه إلى العمى بمعناه الرمزي والمجازي.
في العصور الوسطى، كان الرسّامون يصوّرون العمى على انه مظهر من مظاهر ضعف الإنسان أمام جبروت الله أو عقوبة من الله على آثام وخطايا الإنسان. وبطبيعة الحال كان الهدف من ذلك تكريس الأفكار المسيحية وتذكير الإنسان بما يجب أن يكون عليه حال المؤمن.
في عصر النهضة اختفت الحمولة الدينية لمفهوم العمى وأصبح الإبصار رديفا للمعرفة، بدونه لا يستطيع الإنسان أن يبصر ومن ثمّ أن يعرف. رمبراندت رسم العميان استنادا إلى القصص الدينية، لكنه كان في لوحاته يتأمّل معنى ظاهرة العمى في زمانه.
وإحدى المشاكل التي واجهها الرسم في تصويره لهذه الظاهرة هي صعوبة تمثيل العمى صوريّا، لأنه شيء تجريدي صرف وليس له سمات جسدية كتلك التي تميّز أشكال الإعاقة الأخرى.
من أشهر الرسّامين الذين صوّروا العمى في لوحاتهم كلّ من آنغر ومونكاتشي ودافيد وبيتر بريغل وبُوسان. ومن الشخصيّات التاريخية التي ارتبطت بالعمى وتناولها الرسم كلّ من هوميروس وشمشون وبيليساريوس والشاعر جون ميلتون مؤلّف رواية الفردوس المفقود.
في القرن العشرين أصبح الرسّامون يستخدمون العمى كرمز للجهل أو العجز أو الضعف وفقدان الإنسان طريقه. وكثيرا ما كان يُصوّر الأعمى كشاعر أو موسيقيّ أو فيلسوف. الرسّام الاسباني بابلو بيكاسو اشتهر بأنه أكثر فنّان في القرن العشرين رسم العميان في لوحاته. وكان العمى موضوعا لعب دورا مهمّا في أسلوب بيكاسو المميّز خلال ما عُرف بالمرحلة الزرقاء.
جميس ريفين وجوناثان بيركنز يناقشان في المقال المترجم التالي ظاهرة العمى في لوحات بيكاسو من منظور سيكولوجي وطبّي وجمالي.

يُعتبر بابلو بيكاسو أهمّ رسّام ظهر في القرن العشرين. ومن المستحيل دراسة تطوّر الفنّ الحديث دون الإشارة إلى اسمه وإسهاماته. كان بيكاسو فنانا فريدا من نوعه. وقد عُرف عنه غزارة إنتاجه. فقد رسم أكثر من عشرين ألف لوحة خلال 75 عاما. كما انه أكثر رسّام تحدّث عنه النقاد وعن أعماله.
عندما كان بيكاسو ما يزال مراهقا، قام بعدّة زيارات إلى باريس عاصمة الفنّ في العالم آنذاك، حيث عرض فيها لوحاته ورسوماته. وخلال السنوات الأولى من حياته ظهرت ملامح شخصيّته القوية. كان بيكاسو ينظر إلى نفسه كفنان بطولي اقرب ما يكون إلى سوبرمان نيتشه. وفي وقت متأخّر من عام 1901 اخذ فنّه منعطفا مفاجئا عندما بدأ رسم لوحات مرحلته الزرقاء ذات اللون الأحادي. هذه الأعمال يسهل التعرّف عليها بألوانها الزرقاء وأشخاصها الحزانى.
وفي عدّة لوحات زيتية من هذه المرحلة يظهر العمى كفكرة. المزاج الحزين المكتئب في تلك الأعمال ربّما كان ردّ فعل على موت صديقه المقرّب وزميله الرسّام كارلوس كاساغيما الذي قضى إثر قصّة حبّ فاشلة.
صور العمى تعود في الأساس إلى اليونان القديمة. وقد اشتهر هوميروس نفسه بكونه شاعرا أعمى. في الفنّ والأدب الاسباني، كان الشاعر الأعمى يتطوّر إلى عازف غيتار أعمى. المتسوّلون العميان كان منظرهم مألوفا في شوارع اسبانيا طوال قرون. الفنان فرانشيسكو دي غويا رسم عدّة لوحات عن موضوع العمى. وبيكاسو رسم وحفر أعمالا ترتكز على نفس الفكرة. وقد تكرّر هذا في العديد من المرّات خلال المرحلة الزرقاء.
ومن حين لآخر كان يعود إلى صور العميان، مثل لوحته التي صوّر فيها كائن "مينوتور" أعمى.
الاستخدام الواسع النطاق للون الأزرق لم يكن احد اختراعات بيكاسو. فقد كان هناك قبله تاريخ طويل من توظيف هذا اللون في الرسم. أسلافه المباشرون في هذا الأسلوب كانوا الرسّامين الأسبان والفرنسيين الذين كانوا يستخدمون الأزرق للتأكيد على المشاعر الانفعالية التي تعبّر عن الحزن واليأس. كما ظهر اللون الأزرق في عدد من الأعمال الفنية في نهاية القرن التاسع عشر.
وأثناء حياته الفنّية، قام بيكاسو بدمج أساليب فنّانين آخرين في لوحاته. الآخرون كانوا يضعون الأزرق بطريقة حادّة. وهو كان يسرق من كلّ رسّام قديم أو معاصر ما يناسبه. تقول فرانسوا غيلو، إحدى عشيقاته، إن بيكاسو قال لها ذات يوم: عندما يكون هناك شيء ما يستحقّ السرقة، فإني اسرقه"!. لوحاته الزرقاء تدين أيضا ببعض الفضل إلى إل غريكو الذي يظهر تأثيره واضحا في الأيدي والوجوه الطويلة لشخوص بيكاسو.
كان بيكاسو يجد في الأزرق لونا يتوافق مع موضوعاته عن الفقراء والمعوّقين والمضطهدين. البعض قالوا إن شخصياته التي تعاني من الفقر إنما تعكس أسلوب حياته. في ذلك الوقت، لم يكن بيكاسو قد أصبح شخصا غنيّا. لكنه لم يكن مختلفا كثيرا عن بقيّة أقرانه في الوسط الفنّي والأدبي. فقد كان يتلقّى دعما ماليا من عائلته، كما استفاد ماليّا من معارضه الناجحة آنذاك.

كان بيكاسو وقتها ما يزال شابّا يجرّب أسلوبه الذي ثبت انه كان فعّالا. وهناك احتمال أنه كان يتماهى مع الأفراد التعساء الذين كان يرسمهم. تعليقاته المتناقضة عن باريس واضحة في رسالة كتبها إلى صديقه الفنان والشاعر ماكس جيكوب. وإذا كان بيكاسو قد اخبر أيّا من أصدقائه لماذا كان العمى مهمّا بالنسبة له، فإن ذلك ممّا لم يصل إلى علمنا. لكننا نعرف أن نظر والده في ذلك الوقت كان يتدهور باستمرار.
وقد حاول علماء النفس إخضاع حالة بيكاسو للدراسة والتحليل. كارل يونغ، مثلا، درس لوحاته عن قرب وتوصّل إلى انه كان يعاني من اضطراب نفسي وانفصام في الشخصية.
العمى مشكلة خطيرة بالنسبة إلى رسّام. وفي سيرته عن بيكاسو التي نُشرت مؤخّرا ولقيت اهتماما واسعا، لاحظ ريتشاردسون أن بيكاسو كان في بيته في برشلونة مع والديه عندما رسم بعض الأشخاص العميان في مرحلته الزرقاء. ورجّح المؤلّف أن اهتمام بيكاسو بتصوير الفكرة في لوحاته قد يكون مردّه انه كان يخشى العمى كثيرا في حياته وقد تكون تلك طريقته لحماية نفسه من تلك العاهة.
وأكثر مرّة اقترب فيها بيكاسو من مناقشة العمى كانت في إشارة غامضة منه تعود إلى منتصف الثلاثينات من القرن الماضي عندما قال: في الحقيقة، الحبّ هو ما يهمّ في النهاية. يجب أن يقتلعوا عيون الرسّامين كما يفعلون بعيون العصافير لجعلها تغنّي أفضل". رولاند بنروز الذي سجّل هذه الكلمات كتب يقول: لقد لازم رمز الرجل الأعمى بيكاسو طوال حياته وكأنه كان يتقرّب منه ليهديه رؤيته الفنّية الفريدة".
هذه الاقتباسات تصلح لأن تكون دليلا على أن بيكاسو كان يواجه ويسمّي مخاوفه. غير أنها لا تشرح معنى بورتريهاته عن العميان.
رسومات بيكاسو عن العميان غامضة ومن الصعوبة بمكان تشخيصها أو فهمها.
ورغم أن اسم الموديل في لوحته لا شليستينا معروف، إلا أننا لا نعرف ما الذي تسبّب في ابيضاض قرنيّتها التي يتباين لونها بشكل واضح مع الأزرق الذي يهيمن على بقيّة هذه اللوحة. هذه المرأة وحيدة العين هي نفسها بطلة رواية بنفس الاسم كتبها فرناندو دي روهاس وتعتبر الآن ثاني أهمّ عمل أدبي اسباني بعد دون كيخوت لـ سرفانتس.
سبب ضمور حدقة العين في لوحة بيكاسو الأخرى عازف الغيتار العجوز هو أيضا غير معروف. منطقة العين في هذه اللوحة تحيطها ظلال زرقاء قاتمة، وهي سمة ميّزت العديد من لوحات المرحلة الزرقاء.
وأيضا لا نستطيع تحديد سبب ضعف بصر الرجل الذي يظهر في لوحة بيكاسو بعنوان طعام الرجل الأعمى. بيكاسو وصف ما كان يرسمه في هذه اللوحة بطريقة موجزة عندما قال: إنني ارسم رجلا ضريرا يجلس إلى طاولة ويمسك ببعض الخبر بيمينه بينما يبحث بيساره عن آنية النبيذ".
لم يكن بيكاسو يرسم الأشخاص بتفاصيل كثيرة، لكنه كان ميّالا لجعلهم يبدون مثاليين. وقد اخذ عن إل غريكو الأيدي والجذوع والرؤوس الطويلة ووضعها في بيئة بدايات القرن العشرين.
وهناك من النقاد من تحدّثوا عن "رؤيا داخلية روحية" في مشاهد الأشخاص العميان المنعزلين الذين رسمهم بيكاسو بهذه الطريقة.
آخرون قالوا إن تلك اللوحات قد تكون انعكاسا لعزلة بيكاسو نفسه في تلك الفترة.

وخلال المائة عام الماضية كان هناك العديد من التعليقات النقدية التي تناولت لوحات بيكاسو تلك. لكن معناها الكامل ما يزال غير واضح إلى اليوم. الرسّام نفسه لم يقدّم أي مساعدة قد تعين على فكّ رموزها. لكنّنا نعتقد أن الشخصيات العمياء في المرحلة الزرقاء لم تُرسم لاستدرار عطف وشفقة الناظر فقط. ومن المرجّح أن بيكاسو كان يجد في حضور الحواسّ الأخرى بعض ما يعّوض شخوصه عن فقدان نعمة البصر. الأشكال الطويلة والأيدي الرفيعة في لوحتي العازف العجوز وطعام الرجل الأعمى قد تكونان وسيلتين فاعلتين في خلق الموسيقى وفي لمس الطعام.
في لوحة لا شليستينا، ربّما كان بيكاسو يستكشف قوّة العمى من خلال تصويره عينين جنبا إلى جنب، ترمز إحداهما للإبصار والأخرى للعمى. غير أن المفارقة هي أن العين العمياء هي التي تجذب انتباه الناظر أكثر من العين السليمة.
أسلوب بيكاسو في لوحات المرحلة الزرقاء يمكن اعتباره نوعا من التأمّل في ظاهرة العمى. وفي هذه الأعمال يحاول بيكاسو استكشاف الإمكانيات التعبيرية المتأتّية عن الاقتصاد في استخدام الألوان.
رؤية أعمال بيكاسو المبكّرة قد لا تمنح متعة مثل تلك التي تحسّ بها وأنت ترى أعمال الانطباعيين. غير أنها تستحقّ أن تُرى وأن تُحترم بالنظر إلى ما سيرمز إليه بيكاسو في ما بعد باعتباره المثال الأعلى لفنّ الحداثة.
إن الفنّ الأكثر أهميّة قد يصعب عليك فهمه ويمكن أن تنظر إليه بانزعاج. وبنفس الوقت، هناك فنّ قد تغريك جاذبيته السطحية، مع أنه قد يبدو بعد النظرة الأولى خاليا من أيّ معنى ولا ينطوي على أيّ أهمية على الإطلاق.
لقد جعل بيكاسو تقييم فنّه صعبا. فقد كان يحتقر محاولات تحليل أعماله وكان يقول انه يرسم ما يراه والأشياء التي كانت تحرّك مشاعره. "ارسم ما أجده، لا ما ابحث عنه. إن ما تفعله هو المهم وليس ما كنت تنوي فعله".
ألوان بيكاسو وموضوعاته أصبحت أكثر إشراقا مع نهاية عام 1904 عندما دخل مرحلته الزهرية. الألوان أصبحت أكثر دفئا والموضوعات أكثر إثارة للبهجة والسعادة.
لوحات المرحلتين الزرقاء والزهرية نالت قبول النقاد. لكن لو أن بيكاسو توقّف عن الرسم عند تلك النقطة لتذكّره التاريخ كرسّام من الدرجة الثانية أو الثالثة لم يبلغ مرحلة النضج الفنّي الكامل.
المرحلة التالية من حياته الفنية، خاصّة التكعيبية، هي التي حقّقت لـ بيكاسو الشهرة على مستوى العالم وجعلت منه أهمّ رسّام في القرن العشرين.

Wednesday, July 07, 2010

نشيد الفرح

يقول الموسيقي ليونارد بيرنستاين الذي درس بيتهوفن كثيرا وعزف موسيقاه وعاش في بيته وتنقّل في الأماكن التي كان يرتادها: موسيقى بيتهوفن تثير المشاعر وتروق لكلّ الناس. لقد اثبت بيتهوفن الطبيعة العالمية للموسيقى عندما كتب أعمالا تتحدّث إلى جميع الناس، كبارا وصغارا وعلى اختلاف أديانهم وتنوّع خلفياتهم وثقافاتهم.
سيمفونيته التاسعة تذهب إلى آفاق تتجاوز الشعر، إذ تتحدّث عن الحرّية والمحبة والأخوّة الإنسانية مثيرة شعورا بالسموّ والنبل. كما أنها أيضا تكشف عن الطفل الذي لم يكبر أبدا داخل بيتهوفن بحديثها عن الأمل والتفاؤل والبراءة والمستقبل والخلود.
يستحيل أن تستمع إلى هذه السيمفونية دون أن تغيّرك لتصبح أكثر إشراقا وتفاؤلا وأكثر ثراءً من الناحية الوجدانية. السيمفونية التاسعة ليست مجرّد عمل موسيقي وإنما يمكن اعتبارها احتفالا بالموسيقى نفسها.
السيمفونية التاسعة هي ولا شكّ أعظم سيمفونيات بيتهوفن. وكلّ شخص، تقريبا، يعرف نشيد الفرح الذي يغنّيه الكورال في ختام السيمفونية. تضمين بيتهوفن نشيد الفرح للشاعر شيللر يُعتبر في حدّ ذاته تحوّلا جريئا باتجاه الموسيقى الرومانسية.
كان بيتهوفن معجبا بـ شيللر. وبعض سوناتاته التي كتبها للبيانو كانت على الأرجح مستلهمة من مقالات وقصائد كتبها الشاعر الألماني في أوقات مختلفة.
والواقع أن لا أحد كان يفهم بيتهوفن. فيينا في زمانه كانت تعترف بعبقريّته الجامحة. لكنها لم تفهم أبدا لماذا كتب أعمالا تستعصي على فهم أكثر الناس.
ما رآه الناس كان أمرا غريبا: رأوا موسيقيا كان يتملّكه الغضب بسبب معاناته المتزايدة من فقدان سمعه وكان لا يهتمّ كثيرا بأمور اللباس والنظافة الشخصية. ومع ذلك، كان زملاؤه يقدّسونه ويعتبرونه قوّة من قوى القدر.
كان بيتهوفن أشبه ما يكون بالمخلوق المقدّس. ريتشارد فاغنر قال عنه انه الموسيقيّ الذي سعى لخلاص الإنسانية من خلال قوّة الفنّ.
ومن بين كافة أعماله تنفرد السيمفونية التاسعة بكونها الأكثر استعصاءً على الفهم.
ترى، ما الذي دفعه لتزيين ختام السيمفونية بغناء الكورال لقصيدة شيللر عن الفرح، مع أن السيمفونية هي في الأساس عن الأخوّة الإنسانية والتحرّر؟
هل تتحدّث السيمفونية عن الإصلاح الاجتماعي أم عن الحقوق الفردية؟
وهل تعني لنا اليوم ما كانت تعنيه لـ بيتهوفن عندما كتبها؟
هذه الأسئلة وغيرها ناقشها العديد من المؤرّخين ونقّاد الموسيقى على امتداد حوالي مائتي عام. وكان آخر هؤلاء الكاتب هارفي ساكس الذي حاول في كتابه اكتشاف جذور آخر سيمفونيات بيتهوفن.
الزمن: عام 1824م. في ذلك العام كانت أوربّا قد عادت إلى حكم الملكيات الاستبدادية وكأنها لم تمرّ بعصر التنوير والثورة الفرنسية.
عندما قدّم بيتهوفن أوّل عرض للسيمفونية التاسعة، كان جثمان اللورد بايرون يُرسَل إلى وطنه ليُدفن فيها رمزا للشهادة في سبيل قضية استقلال اليونان. موت بايرون في سنّ السادسة والثلاثين شكّل بداية العصر الرومانسي.
في روسيا، سُرّ الكسندر بوشكين لموت بايرون، إذ كان يرى في ذلك فكرة ترمز لقوّة الشعر وتساميه.
في تلك الأثناء كتب بوشكين ملحمته الكبرى بوريس غودونوف. وفي فرنسا التي كانت تنتقل من ثورة لأخرى كان ستندال يكتب مقالاته الملحمية، بينما كان ديلاكروا قد فرغ من رسم لوحته المشهورة الحرّية تقود الشعب وباشر رسم لوحته الأخرى مذبحة في كيوس التي تصوّرا مشهدا من حرب بايرون اليونانية.
اليوم، ثمّة شبه إجماع على أن بيتهوفن وهايني هما اللذان حرّرا نبض الإبداع من اشتراطات الدولة والمجتمع. ومن الآن فصاعدا سيذهب الفنان إلى حيث تقوده روحه.
عندما تستمع إلى السيمفونية التاسعة اليوم كنشيد للاتّحاد الأوربي، لا يمكن أن تتخيّل أن هذا هو ما فكّر به بيتهوفن عندما ألّفها.
غير أن السيمفونية العظيمة هي التي تجعل الموسيقى مرتبطة بكلّ مستمع على كلّ مستوى من مستويات المشاركة الفردية.
وهذا ما كان يرمي إليه بيتهوفن.

هامش:
بيتهوفن: السيمفونية التاسعة ، نشيد الفرح


Credits
classicalarchives.com

Monday, July 05, 2010

محطّات

رحلة بالقارب


في صيف عام 1874، كان ادوار مانيه يقيم في جينفيلييه خارج باريس، أي غير بعيد كثيرا عن المنزل الذي كان قد اقترحه على عائلة مونيه في ارجنتويل. وكان قد رفض المشاركة في المعرض المستقلّ الذي نظّمه الانطباعيون في ربيع ذلك العام.
ومع ذلك، كان مانيه راغبا بوضوح في تبنّي أسلوب رفاقه الشباب في تصوير أماكن النزهة والترفيه. وكانت هذه اللوحة هي البيان الذي أعلن من خلاله عن ولائه للانطباعية.
الذين كتبوا سيرة مانيه يقولون إن صهره رودولف لينهوف هو الرجل الذي اختاره كي يأخذ ملامح البحّار في هذه اللوحة.
بساطة التوليف هنا، واستخدام كتلات واسعة وقويّة من اللون، هما ملمحان يكشفان عن إعجاب مانيه بالأسلوب اليابانيّ في الرسم على الخشب.
من الملاحظ في هذه اللوحة أنها لا تتضمّن خطّ أفق يكشف عمّا وراء المنظر. والحافّة السفلية ربّما توحي بأن هذا جزء من جسر خشبيّ كان يجلس عليه الفناّن وهو يرسم. إلى أقصى اليمين تحت، هناك ما يشبه السمكة أو الطائر. واللوحة، رغم موضوعها، لا تشي بالحميمية أو المتعة والمرح. شوارب الرجل الكثّة ونظراته وهيئة فستان المرأة والخمار على وجهها كلّها سمات تعطي المنظر مسحة رسمية.
وهناك احتمال أن يكون مانيه أراد لهذه اللوحة أن تكون احتفاءً بفنّ الرسم نفسه.
الرسّامة الأمريكية ماري كاسات هي التي أوصت احد جامعي اللوحات في نيويورك بشراء هذه اللوحة. وقد كانت معجبة بها كثيرا لدرجة أنها وصفتها ذات مرّة بأنها "الكلمة الفصل في الرسم".

❉ ❉ ❉

عروس الجبال

مثل الكثير من الأغاني الفلكلورية القديمة، لا يُعرف على وجه التحديد متى ظهرت هذه الأغنية لأوّل مرّة ولا أين. لكنّ القصّة التي بُنيت عليها الأغنية معروفة وإن اختلفت تفاصيلها من مكان لآخر.
وهناك ثلاثة بلدان كلّ منها يزعم أن الأغنية جزء من تراثه الموسيقي: أذربيجان وأرمينيا وتركيا. والمعروف أن هناك تماثلا بين هذه الثقافات الثلاث من ناحية اللغة والموسيقى والفولكلور بحكم الروابط الجغرافية والتاريخية منذ القدم.
اسم الأغنية ساري غيلين. وتعني بالتركية عروس الجبال. لكنها أيضا تعني العروس ذات الملابس الصفراء أو الذهبية. واللون الأصفر يرمز عادة للذهب وأحيانا للحزن والموت.
إذن ساري غيلين هي أغنية تركية بقدر ما أنها أرمنية وآذارية في نفس الوقت. بل إن هناك نسخا إيرانية وكردية منها، مع أن اللحن بقي هو نفسه على مرّ السنين.
الأغنية تحكي عن قصّة حبّ أسطورية يقال أنها حدثت قبل أكثر من ثلاثمائة عام، وبالتحديد بعد انتصار السلاجقة الأتراك على الإمبراطورية البيزنطية.
تذكر القصّة إن شابّا تركيا رأى ذات يوم فتاة أرمنية جميلة فوقع في حبّها ثم سعى جاهدا للزواج منها. لكنّ المشكلة انه مسلم وهي مسيحية. ولأن عائلتيهما رفضتا تزويج كلّ منهما للآخر، فقد اتفق الشابّ والفتاة في النهاية على الهرب معا. غير أن والد الفتاة، وهو زعيم قبيلة قويّ وذو نفوذ، لحق بهما هو ورجاله وقاموا بقتل التركي.
وهناك رواية أخرى تقول إن الفتاة تحوّلت إلى الإسلام. لكن والد الشابّ، وبدافع من انتمائه القومي والقبلي، أقدم على قتل المرأة بسيفه رغم إقرارها بأنها أصبحت مسلمة.
وكلمات الأغنية ترد على لسان الشابّ الذي يتحدّث عن حبّه للفتاة ويتمنّى لو كانا على دين واحد.
بإمكانك مثلا أن تقول إن هذه نسخة أخرى من حكاية روميو وجولييت أو قيس وليلى، مع الفارق طبعا.
جوّ الأغنية وموسيقاها يثيران إحساسا بالمأساة، بل وحتّى الحداد. وليس أدلّ على هذا من طريقة أداء الموسيقي والمغنّي الآذاري المشهور عليم قاسموف للأغنية. استمع إليه وهو يغنّيها هنا.
الكاتب الآذاري علي اكبر عليّيف كتب مؤخّرا رواية ناقش فيها الشعارات القومية التي تزرع الأحقاد وتذكي الكراهية بين الشعوب. وقد اختار اسم الأغنية "ساري غيلين" عنوانا لروايته كي يقول إن القصّة لا تخصّ شعبا بعينه وأن ما يجمع بين هذه الشعوب أكثر ممّا يفرّقها.
الأرمن، من ناحيتهم، يستحضرون قصّة ساري غيلين عندما يتحدّثون عن أخبار المآسي التي حلّت بهم. وقد ظهر العديد من الأفلام السينمائية والبرامج الوثائقية التي تتناول هذه الحكاية، كلّ من منظور مختلف.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

امرأة بفستان أبيض

هذه اللوحة هي إحدى تحف بيكاسو من مرحلته النيوكلاسيكية، والتى استمرّت من عام 1918الى عام 1925. وفيها يصوّر امرأة جالسة وهي تفكّر أو ربّما يخامرها حلم يقظة.
وقد استخدم الرسّام في اللوحة عدّة طبقات من اللون الأبيض مع ظلال ناعمة من البنّي والرمادي.
وكما هو الحال في العديد من شخوصه الأخرى في تلك المرحلة، فإن بيكاسو تعامل مع ملامح وجه المرأة بأسلوب مثالي يعكس دراسته للفنّ الكلاسيكي.
الهيئة غير الرسمية التي تبدو عليها المرأة، إلى جانب لباسها الفضفاض والشفّاف إلى حدّ ما، يمنحانها طابعا رقيقا ومسترخيا. كما أن نظام الألوان الصامتة في اللوحة يخلع عليها هالة من الرومانسية والتأمّل.
قيل في بعض الأوقات إن المرأة الظاهرة في اللوحة هي زوجة بيكاسو الروسية اولغا كوكلوفا. لكن يُرجّح اليوم أنها سارا ميرفي، إحدى ملهمات بيكاسو في تلك الفترة. وكان قد فُتن بها ما بين عامي 1921 و 1924م.
كانت ميرفي وزوجها جزءا من جماعة من المغتربين الأمريكيين الأثرياء الذين كانوا يعيشون في باريس في عشرينات القرن الماضي.
وكان أسلوب حياتهما غير التقليدي يجتذب دائرة من الفنّانين والكتّاب كان من بينهم كلّ من سكوت فيتزجيرالد وإرنست همنغواي. وقد التقى بيكاسو وزوجته اولغا الزوجين الأمريكيين في خريف العام 1921، وارتبطت العائلتان بعلاقة وثيقة منذ ذلك الحين.
قد لا نعرف الهويّة الحقيقية لهذه المرأة. لكن كان من عادة بيكاسو أن يمزج ملامح عدّة أشخاص مختلفين في بورتريه مثاليّ واحد. ومن ثمّ، فإن هذا البورتريه قد لا يكون استثناءً.

Sunday, July 04, 2010

رحلة إلى شانغريلا

هناك من الكتب ما تقرأه ويظلّ حاضرا في الذهن حتى بعد انقضاء وقت طويل على قراءته. هذا الوصف ينطبق على رواية الكاتب البريطاني جيمس هيلتون بعنوان "الأفق المفقود". ورغم انقضاء سنوات طويلة على قراءتي تلك الرواية المشوّقة، إلا أنني ما زلت أتذكّر الكثير من الصور والمواقف التي تضمّنتها. وأزعم أن الأجواء الغرائبية والساحرة التي ذكرها هيلتون في روايته أسهمت إلى حدّ كبير في صياغة وتشكيل نظرتي إلى الصين وإلى الثقافة الصينية بوجه خاص.
رواية الأفق المفقود تتحدّث عن رحلة يقوم بها أربعة مغامرين غربيين إلى مكان يقال له شانغريلا يقع في بقعة نائية من بلاد الصين. وشانغريلا، كما تصفها الرواية، عبارة عن واد اخضر فسيح يقع وسط الجبال ويمتدّ إلى أعالي سهول الهمالايا الواقعة داخل الحدود الصينية. ويتصف ذلك الوادي بهوائه العليل وسمائه الزرقاء وسحبه البيضاء التي تكاد تعانق وجه الأرض. أما البشر الذين يسكنونه فيتميّزون بكرم الضيافة والبساطة والأمانة والدفء الإنساني.
ويسرد الروائي أحداث قصّته في قالب جميل يجمع بين النوستالجيا والرومانسية والحزن، ويثير في النفس مشاعر وانفعالات متباينة تخاطب توق الإنسان إلى مكان سمع عنه وربّما حلم به لكنه لم يره أبدا.
ومنذ أن ظهرت رواية هيلتون، أصبح هذا المكان المتخيّل مشهورا جدّا لدرجة انه أغرى جماعات كثيرة من المغامرين والسيّاح والرحالة بالذهاب إلى الصين على أمل أن يعثروا على شانغريلا ويجرّبوا العيش هناك لبعض الوقت.
ولأن لـ شانغريلا أصلا في لغة أهل التيبت، فقد ظنّ الكثيرون أنها لا بدّ وأنها تقع في أراضي ذلك الإقليم التي تسيطر عليه الصين منذ عقود.
غير أن كلّ المحاولات لاكتشافها فشلت، الأمر الذي دفع البعض إلى الاعتقاد أنها موجودة في مكان ما بأعالي جبال الهمالايا.
وبحسب الرواية، فإن شانغريلا أعجوبة من أعاجيب الطبيعة ومكان تلتقي فيه أشعّة الشمس بضوء القمر وسط غابات عذراء وغدران كالمرايا تطفو على سطحها أزهار اللوتس ويضوع في أرجائها عبير أزهار الشاي الممتزجة برائحة الهواء المنعش والنقيّ.
في شانغريللا يستطيع الإنسان أن يجلس في كنف الطبيعة الخضراء وإلى جوار البحيرات العذبة والمياه الصافية وفي مواجهة الجبال المكلّلة بالثلوج معظم أيّام السنة.
غير أن أجمل فصول الرواية هو ذلك التي يتحدّث فيه الكاتب عن طقوس الرهبان البوذيين وأسلوب عيشهم في ذلك المكان الهادئ والغامض. فهو يتحدّث، مثلا، عن مكان يقال له الوادي الأزرق، ويصف بأسلوب شاعري بديع منظرا لمعبد يلفّه الضّباب بينما يعكس القمر ضوءه الأزرق الشاحب على قمم الجبال التي يكسوها الثلج. ثم يشرح الكاتب كيف أن الرهبان في تلك المعابد النائية والبعيدة أصبحوا يستمتعون بسماع الموسيقى الكلاسيكية الغربية بعد أن تمكّن عدد قليل جدّا من المغامرين الغربيين من بلوغ ذلك المكان بما يشبه المعجزة.
رواية هيلتون وارتباطها في أذهان الغربيين بأراضي التيبت يمكن، ولو جزئيا، أن يفسّر تعاطف الكثيرين منهم مع قضيّة التيبت، بل وحتّى تحوّل بعضهم إلى الديانة البوذية وحالة الانبهار الذي ينظرون به إلى شخصية الزعيم الروحي للتيبت الدالاي لاما.
وفي أماكن كثيرة من الرواية، يسرد بطلها قصص لقاءاته مع أفراد ونسّاك صوفيين من شانغريلا يعيشون سعداء في تماسّ حميم مع الطبيعة ويكبرون ببطء ويعمّر بعضهم لأكثر من مائة عام في تلك الأرض المنعزلة عن متاعب ومشاكل البشر على الأرض.
أهالي التيبت ظلّوا يصرّون باستمرار على أن شانغريلا تقع في أرضهم وأن هيلتون إنما كان يشير في روايته إلى "شامبالا" التي تعني في لغتهم الجنّة أو الفردوس الأرضي.
وبعد ظهور الرواية راجت العديد من الأساطير، من بينها واحدة تقول إن ستالين أرسل إلى الصين عددا من العلماء في محاولة لاكتشاف المكان. وهناك أسطورة أخرى أكثر إثارة تزعم أن هتلر الذي عُرف باهتمامه بالتصوّف الشرقي هرب إلى شامبالا أو شانغريلا بعد سقوط الرايخ الثالث وأنه مكث هناك إلى أن توفّي.
وحسب التقاليد البوذية لأهل التيبت، فإن شامبالا مملكة غامضة تقع في مكان خفيّ خلف قمم الهمالايا الثلجية. والمعنى الحرفي لاسمها يعني السلام والسكينة والحكمة. وقد أتت على ذكرها بعض الكتب والمخطوطات البوذية القديمة. ويقال إن بعض تعاليم بوذا ما تزال مخبّأة في مكان ما هناك. وشامبالا مكان يعمره الهدوء والسكينة، إذ لا حروب ولا ظلم ولا طمع. كما يقوم على حكمها ملك رعاياه رجال ونساء يتصفون بجمال الخلقة ويسكنون بيوتا جميلة ومتواضعة. وتقول إحدى الأساطير انه بعد أن ينهار العالم نتيجة الطمع وكثرة الحروب والصراعات، سيخرج من شامبالا ملك مخلّص يقود جيشا ضخما ليهزم العالم الفاسد ويعلن مجيء العصر الذهبي لبني الإنسان على الأرض.
وفي العصر الحديث يرد اسم شامبالا كمرادف للبصيرة والحكمة وحبّ الخير في عدد غير قليل من الروايات الباطنية التي تجري أحداثها في أماكن سرّية وغامضة.
غير أن الصين تصرّ على أن شانغريلا التي تتحدّث عنها الرواية هي جزء لا يتجزّأ من أراضي البرّ الصيني وأن لا علاقة لها بأرض التيبت. وهناك اليوم آراء كثيرة تذهب في هذا الاتجاه وتؤكّد بأن شانغريلا ليست في التيبت بل في الصين، وبالتحديد في أقصى شمال محافظة يونان الصينية.
ولأجل هذه الغاية بادرت السلطات الصينية مؤخّرا إلى تغيير اسم مدينة شونغديان فأصبحت شانغريلا، تيمّنا برواية هيلتون ورغبة في اجتذاب السيّاح والاستثمارات الغربية إلى المنطقة.
لكن أحداث الصين الأخيرة والقمع الذي ووجهت به انتفاضة شعب الاوغور ألقت بظلالها على محاولات الصين تلك.
ويبدو أن شانغريلا، مثلها مثل المدينة الفاضلة واليوتوبيا والفردوس المفقود، ليست أكثر من مكان اخترعه خيال كاتب كان يتوق مثل غيره من البشر الحالمين إلى رؤية بقعة على الأرض لم تتلوّث بعد بأطماع البشر وحماقاتهم وشرورهم.
لكن في كثير من الأحيان، فإن ما يترسّخ في أذهاننا من تطلّعات وأحلام طوباوية نتيجة ما نقرأه سرعان ما يصطدم بالواقع الذي قد يكون أكثر رمادية وتشوّشا مما نتصوّر. كما أن الحياة نفسها ليست خيرا محضا أو شرّا خالصا، بل إن فيها الكثير من الأشياء والظواهر المتناقضة أو التي تجمع بين الشيء وضدّه.

هامش:
YouTube : شانغريلا – برنامج وثائقي من إعداد وإنتاج البي بي سي
طبيعة صينية: مقاطعة يونان