:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, October 03, 2012

ذات الخِمار

بعد سنوات طويلة من النسيان، تحاول السويد بعث الاهتمام بواحد من أشهر رسّاميها الذي عاش قبل أكثر من مائتي عام.
كان الكسندر روزلين رسّام الطبقة الأرستقراطية الأوروبّية في منتصف القرن الثامن عشر. وكان عمله مطلوبا من قبل أشهر العائلات الملكية في أوربّا. وما يزال هذا الرسّام شاهدا غير عادي على مجتمع كان فيه الارستقراطيون على علاقة حميمة بالفنّانين والمثقفين.
تعلّم روزلين الرسم على يد مواطنه الرسّام جورج إنغلهارد شرودر. لكن بمجرّد أن شعر أنه لم يعد قادرا على تعلّم المزيد من أستاذه، وضع عينه على أوروبّا، وبالتحديد على باريس. وبعد بضع سنوات قضاها في إيطاليا، وصل إلى باريس التي التحق بأكاديمية الفنون فيها.
عندما وصل روزلين إلى فرنسا عام 1752، عقد صداقة مع فرانسوا بوشيه الذي كان آنذاك أستاذا في أكاديمية الرسم الملكي. وقد أدّت تلك العلاقة إلى فتح الكثير من الأبواب أمامه، وحقّق نجاحا كبيرا في أوساط الفنّ الفرنسي. وعند وفاته عام 1793، كان أغنى فنّان في فرنسا.
أسلوب الكسندر روزلين في الرسم كان مذهلا. وعمله يثبت قدرته على تصوير العوالم الداخلية للشخصيات التي كان يرسمها، كما يظهر من بورتريهاته التي تتميّز بنغماتها الواضحة والجديدة وبتأثّره بأسلوب الروكوكو.
ومن أشهر أعماله، التي تربو على المائة، البورتريه المسمّى ذات الخِمار والذي اعتبره الناقد والفيلسوف دونيه ديدرو أفضل لوحة عرضها صالون باريس عام 1769م. المرأة ذات الابتسامة الغامضة في اللوحة لم تكن شخصية ملوكية ولا هي كانت عضوا في المجتمع الراقي أو الارستقراطي، بل كانت زوجة روزلين نفسه ماري سوزان غيروست.
تصوير روزلين الواقعي والرائع لزوجته مغرٍ ومستفزّ. كما انه يثير الإحساس بالغموض والأنوثة والإغواء، ويذكّر بعلاقة الحبّ الملتزم التي كانت تربط الفنّان بزوجته الجميلة.
لوحات روزلين، بشكل عام، تركّز على الثقافة المصطنعة والنخبوية للقرن الثامن عشر، بما كانت تتسم به من ميل إلى حياة البذخ والاستهلاك. كانت النخبة الأوروبية في ذلك الوقت ترغب في أن تنأى بنفسها عن بقيّة المجتمع. وكان أفرادها مهجوسين بالمثل الجمالية العالية وبتمثيل الأدوار واستهلاك السلع الكمالية.
وقد استخدم روزلين مهاراته الفنّية في رسم نمط الحياة الباذخة لرعاته وزبائنه ولم يتردّد في الامتثال لرغباتهم. وبفضل موهبته الفنّية وشبكة اتصالاته وصداقاته الواسعة، استطاع الرسّام وبطريقة منهجية أن يتقدّم إلى الأمام وأن يطوّر فنّه.
هناك سمة مميّزة في أعمال روزلين تتمثّل في قدرته على الاستنساخ، الفوتوغرافي تقريبا، للملابس والاكسسوارات والملامح الناعمة لشخصيّاته. كما أن الملابس وطبيعة الأماكن في اللوحات هي دليل لا يخطئ على مكانة ومهنة الأشخاص المرسومين.

Tuesday, October 02, 2012

المحظيّة والسلطان

بعض اللوحات لا يكفي أن تنظر إليها مرّة واحدة كي تفهمها، بل لا بدّ من معاودة النظر إليها أكثر من مرّة والتمعّن في تفاصيلها الصغيرة لتعرف ما الذي أراد الرسّام أن يقوله.
هذه اللوحة للرسّام البولندي فرانشيشيك زيموركو يصوّر فيها جسدا عاريا لامرأة مستلقية ووجهها محجوب عن الناظر. الأقمشة وقطع الأثاث في الغرفة متناثرة هنا وهناك وفي حال من الفوضى.
ولأوّل وهلة، لن تكتشف المعنى الكامن في الصورة. لكن بعد أن تدقّق في تفاصيلها قليلا ستدرك أن ما تراه هو عبارة عن مسرح لجريمة قتل مفترضة وأن المرأة فيها قُتلت بناءً على تعليمات سيّدها السلطان.
الجمال الايروتيكي للصورة يحجب عن الناظر علامات العنف التي بالكاد يمكن رؤيتها. غير أن هناك سكّينا تقطر دما وآثار دماء على عنق المرأة وعلى إحدى الوسائد.
لوحة زيموركو هي نموذج للفانتازيا المرتبطة بعصر الحريم والتي تنعكس في تصاوير العديد من الرسّامين الأكاديميين الأوربيّين. غير أننا نعرف اليوم أن معظم هذه المناظر كانت ثمرة خيال جامح، لأن أيّا من أولئك الرسّامين لم يستطع اختراق هذا العالم المليء بالأسرار والغموض.
جاذبية المواضيع الشرقية في الرسم الأوربّي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثّلت بداية نوع جديد من الرسم عُرف بالرسم الأكاديمي. ومن يومها أصبح الاستشراق في الرسم ظاهرة، وبات جزءا من اتجاه أكثر شمولا في الثقافة الأوروبية رأينا آثاره في العديد من المجالات مثل المعمار والموسيقى والعلوم والأدب.
اهتمام الفنّانين والعلماء الأوروبيّين بالشرق، والذي بلغ أوجه في العصر الرومانسي، ترافق مع جملة من الأحداث السياسية المهمّة، مثل حرب نابليون في مصر، واحتلال فرنسا للجزائر، ونضال اليونانيين من أجل الاستقلال. وأثناء تلك الأحداث، لعب العديد من الرسّامين الأدوار التي يضطلع بها هذه الأيّام المؤرّخون والصحفيون.
البعثات العلمية الأوربّية - ومعظمها كانت فرنسية وألمانية - أسهمت، هي الأخرى، في معرفة المزيد عن بلاد الشرق. وكان على الفنّانين أن يرسموا الأحداث السياسية والتاريخية التي كانت تجري أمام أعينهم. وقد نقلوا في صورهم الموتيفات الدينية والحريم والأسواق والمناظر الطبيعية والمعالم المعمارية. وكان هذا مصدر إلهام لظهور الأدب الخيالي الاستشراقي، بما في ذلك حكايات ألف ليلة وليلة.
الرومانسيون البولنديون لم يكونوا بعيدين عن ما يجري آنذاك. ومن أشهر هؤلاء المسرحي آدم ميتسكيفيتس ، والشاعر يوليوش سويفتسكي الذي ألّف من وحي رحلته المشرقية كتابا مصوّرا بعنوان "الرحلة إلى الشرق".
ولأن الرسّامين الاستشراقيين كانوا يركّزون، بشكل خاصّ، على تصوير مظاهر الثروة والأبّهة والطبيعة الحسّية للمناظر الاكزوتية أو الغرائبية، فقد ركّز زيموركو أيضا، وبقدر كبير من العناية، على الإمساك بنسيج الأقمشة النفيسة والأثاث وبريق المجوهرات الذهبية. ويبدو جسد المرأة متوهّجا ومرمري الطابع، مع نغمات لونية رائعة تتناغم مع الأشياء المحيطة المزخرفة بألوان ذهبية دافئة. والشكل المتطوّر للوحة لا يروق للعين فحسب، وإنما يخلق أيضا وهما باللمس.
هذا المزيج الغريب من الفتنة والعنف والثراء والشبق الذي كان يطبع اللوحات الاستشراقية فتن الأوربّيين وسكن مخيّلتهم زمنا طويلا. وقد أسهمت هذه اللوحات في إماطة أجواء الملل والرتابة التي كانت تتسم بها الصالونات البرجوازية في أوربّا في ذلك الحين. لكن الكثيرين يرون أن من الخطأ اعتبار الرسم الاستشراقي علامة على رغبة الأوربّيين في اكتساب مزيد من المعرفة عن أماكن بعيدة وغريبة، بل كانت وظيفته الأساسية إسقاط رغبات وتهويمات الإنسان الأوربّي على صورة الآخر.

Sunday, September 30, 2012

عن الصحّة والمرض

ذهبت إلى المستشفى وفي ذهني عبارة منسوبة إلى الأديب الروسيّ انطون تشيكوف، الذي كان طبيبا أيضا، يقول فيها: لا فرق كبيرا بين الأطبّاء والمحامين. الفارق الوحيد هو أن المحامين يسرقونك، بينما الأطبّاء يسرقونك ويقتلونك"!
وعندما دخلت على الطبيب، تمعّن قليلا في نتائج الفحوصات والتحاليل التي أمامه ثم قال: لقد تأخّرت كثيرا. هذا النزيف يثير الانزعاج فعلا. وأقدّر انك بحاجة إلى عمليّتين: الأولى لا بدّ من إجرائها دون إبطاء. ثمّ بعد شهرين على الأقلّ سنشرع في التفكير في الجراحة الثانية".
خلال السنوات العشر الأخيرة، وباستثناء مراجعتي المنتظمة لطبيب الأسنان، لا أتذكّر أنني زرت مستشفى أو رأيت طبيبا. ولطالما آمنت بأن الأطبّاء، أو معظمهم على الأصح، لا يحلّون مشاكل المرضى، وإنّما يضيفون إليها مشاكل جديدة.
كما أنني ممّن يؤمنون بأن الزمن أفضل معالج، وبأن كلّ إنسان هو، بمعنى ما، طبيب نفسه، وأنك كلما فكّرت اقلّ بصحّتك كلّما كان ذلك أفضل، لأن الانشغال أكثر مما ينبغي بأمور الصحّة والمرض قد يتطوّر إلى نوع من الهاجس أو الوسواس الذي يحرم الإنسان من الاستمتاع بمباهج الحياة.
قلت للطبيب: إذن أنت تقترح إجراء العملية الأولى الآن. وأنا موافق. لكن عليّ قبل ذلك أن انهي بعض الالتزامات على أن أعود إليك بعد أسبوع من اليوم. فقال مقاطعا: لا، الأمر لا يحتمل المزيد من التأخير. ولو كان الأمر بيدي لأمرت بتنويمك من هذه الساعة على أن اجري لك العملية غدا صباحا. والقرار في النهاية متروك لك. قلت: سآتيك بعد غد، أي بعد أن ابلغ عملي وأهيّئ نفسي للأمر. قال وهو يبتسم في محاولة لطمأنتي: لا تقلق، بعد الجراحة سيكون كلّ شيء على ما يرام، فاعقلها وتوكّل".
خرجت من العيادة وأنا اشعر بالارتياح، وبشيء من الخجل مبعثه أن انطباعاتي السابقة عن الأطبّاء لم تكن في محلّها بعد ما لمسته من إنسانية هذا الطبيب ولطفه. والحقيقة أنني لم اذهب إليه هو بالذات إلا بعد أن سمعت الكثيرين يثنون عليه ويمتدحون كفاءته.
عدت إلى المستشفى في الموعد المتّفق عليه. وأدخلت فجراً غرفة بسرير مفرد، وجاءت الممرّضة ومساعد الطبيب ومسئول التغذية لمعاينتي والسؤال عن بعض الأمور. وقيل لي: قرّر الدكتور أن تكون الأوّل في قائمة من سيجري لهم عمليات هذا اليوم. وموعد العملية سيكون الساعة التاسعة هذا الصباح.
بعد التاسعة بدقائق جاء ممرّض وممرّضة ليعلماني أنهما سيأخذاني إلى غرفة العمليات. وتذكّرت أن هذه هي أوّل مرّة اجري فيها عملية في حياتي تحت التخدير الكلّي. ولم أكن اشعر بأيّ انزعاج أو توتّر. كنت مرتاحا وهادئا ومستعدّا لخوض هذه التجربة الجديدة بالنسبة إليّ.
نزلنا إلى الدور السفلي وانتقلنا من ممرّ لآخر، وتخلّل ذلك بضع دقائق من الانتظار. وعندما وصلت إلى غرفة العمليات سمعت أصوات أشخاص يمازحون بعضهم ويضحكون وقرقعة أجهزة وآلات تُطوى ثم تُفتح. وبدّد هذا الجوّ ما كان علق بذهني من قبل من أن غرف العمليات تشبه في صمتها وبرودتها أجواء المقابر. ووسط ذلك الضجيج لمحت شخصا ضئيلا يضع على وجهه قناعا اخضر ويجلس في طرف الغرفة البعيد. وعندما مررت بالقرب منه قال لي بصوت خفيض: أهلا يا "..."، صباح الخير، أنا الدكتور "..."، هل أنت جاهز للعملية"؟ لوّحت بيدي ناحيته وقلت: صباح الخير يا دكتور، نعم أنا جاهز".
ولا أتذكّر شيئا ممّا حصل بعد ذلك. ولم أفق إلا على صوت الممرّض وهو يقول: انتهت العملية، ستعود الآن إلى غرفتك". في الغرفة كان هناك بعض الأشخاص الذين يروحون ويجيئون كالظلال. ونظرت إلى التلفزيون فبدت لي الصورة مشوّشة وغائمة من تأثير البنج. ونمت ساعتين تقريبا، وعندما صحوت كان كلّ شيء على ما يرام باستثناء بعض الألم الناتج عن جرح العملية.
بعد هذه التجربة لم تتغيّر الكثير من قناعاتي السابقة. صحيح أنّنا لا نعرف نعمة العافية إلا بعد أن نجرّب المرض، لكن إن كان المرض من النوع الخفيف الذي يجيء ويذهب فالأجدى في هذه الحالة ألا تتعب نفسك بمراجعة الأطبّاء. كما أن الشفاء لا يكمن في الأدوية بالضرورة، بل في تنظيم الحياة واختيار الغذاء السليم والمناسب.
وأختم بكلام قرأته لبعض الحكماء القدامى: أفضل الأطبّاء أشعّة الشمس والماء والراحة والهواء النظيف والتمارين والغذاء السليم. وأفضل وصفة للحفاظ على حياة متوازنة وخالية من العلل والمتاعب هي أن تداوم على الذهاب إلى البحر أو الصحراء عند الفجر وتأمّل الأزهار وقت شروق الشمس والمشي حافي القدمين على العشب. وإذا اضطرّتك الظروف للذهاب إلى طبيب، فحذارِ أن تذهب إلى طبيب توجد في مكتبه أشجار ميّتة!