:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, July 11, 2012

الشيطان في الرسم

أوّل إشارة إلى الشيطان وردت في كتاب العهد القديم. في البداية، لم يكن يُنظر إليه باعتباره تجسيدا للشرّ، وإنّما كعقبة في طريق صلاح الإنسان. وعبر القرون تحوّل الشيطان إلى رمز للشرّ والغواية. ثم أصبح أداة في يد الساسة ورجال الدين الذين عادة ما يصمون كلّ من لا ينتمي إلى جماعتهم أو يتبنّى معتقداتهم بالشيطان.
في العصور الوسطى، انتشرت الحكايات الشعبية عن الشياطين والساحرات على نطاق واسع. وفي العصر الحديث، ظهرت جماعات تعتقد أن الشيطان موجود فعلا وبأنه يجب أن يُعبد ضمن طقوس ما أصبح يُسمّى اليوم بعبادة الشيطان.
وعلى خلاف الأديان، فإن البهائيين لا ينظرون إلى الشيطان كقوّة شرّيرة مستقلّة بذاتها، بل هو جزء من الطبيعة الأساسية للبشر. وهو، بمعنى ما، الذات الشرّيرة في دواخلنا كبشر.
الفلاسفة والشعراء المعاصرون ينظرون إلى الشيطان باعتباره رمزا لإرادة الإنسان وتطلّعه نحو المثالية. والرسّامون الذين صوّروا الشيطان استلهموا صورته غالبا من الأعمال الأدبية.
الرسّام الفرنسيّ غوستاف دوري رسم الشيطان مرارا لرواية الفردوس المفقود لـ جون ميلتون ولكتاب الكوميديا الإلهية لـ دانتي أليغيري.
في إحدى رسومات دوري "فوق"، يظهر الشيطان وهو يمشي ذليلا منكسرا بعد أن طُرد من الجنّة. وفي لوحة أخرى يرسمه وهو يطير فوق الغيوم في طريقه لإسقاط آدم من الجنّة. وفي ثالثة وهو يشقّ طريقه صوب الأرض لإغواء البشر.
الرسّام الرمزي البلجيكي جان ديلفيل كان شخصا متديّنا ومتأثّرا بالأفكار الصوفية. وكان يؤكّد في أعماله على مخاطر المادّية والشهوات على الإنسان. في إحدى لوحاته بعنوان كنوز الشيطان ، يرسم ديلفيل الشيطان برأس مضطرب وناريّ، بينما يطوّق البشر الخاطئين والمثقلين بشهواتهم التي تأخذ هيئة الجواهر واللآليء والنساء. في اللوحة، لا يبدو البشر معاقَبين، بل عالقون في مستوى متدنّ من التطوّر الروحي.

الشيطان في لوحة ديلفيل يبدو على درجة من الوسامة وبأجنحة تشبه الزعانف. ذراعاه الشبيهان بأرجل الأخطبوط محاطان بموجات قرمزية، بينما يخطو فوق نهر من الرجال والنساء العراة والمنوّمين بفعل ما يُفترض انه سحر وفتنة الشيطان. الكنوز رمز لانجذاب الإنسان إلى المغانم الدنيوية. الكون في اللوحة غامض والنار متزاوجة مع الماء. لوحة ديلفيل صورة غير عاديّة عن الجمال الشرّير للشيطان. وربّما أراد الرسّام من خلالها تصوير مظاهر الانحلال التي كانت سائدة في عصره.
الرسّام الاسباني لويس ريكاردو فاليرو كان معروفا بلوحاته التي لم تكن تخلو من جمال ملحوظ وإيحاءات أثيرية، وهو أمر كان يروق للكثيرين في زمانه.
وقد رسم فاليرو الشيطان من وحي مسرحية يوهان غوته عن فاوست، العالم العجوز الذي قرّر أن يبيع روحه للشيطان مقابل الخلود والمعرفة الكاملة. واللوحة تصوّر جانبا من حلم رآه فاوست. في الحلم، يجرب فاوست مغامرة الدخول إلى عالم الشياطين والساحرات. وفاوست والشيطان "ميفستوفاليس" حاضران في اللوحة، تمشيّا مع السياق الديني للأسطورة. والجنّ والشياطين يظهرون وهم يطيرون في رحلتهم السنوية إلى مكان تجمّعهم فوق قمّة الجبل، على نحو ما تذكره القصّة القديمة. الرومانسيون كانوا ينظرون إلى الشيطان على انه الظلّ القاتم الذي لولا ظلمته العميقة لما تسنّى للبشر رؤية الضوء الإلهي وتقدير عظمة النور.
لقاء فاوست مع عالم الشياطين يحدث على هيئة حلم أكثر من كونه تجربة ماديّة أو حقيقية. وردّ فعله على هذه المخلوقات ذات العيون الصغيرة والأظافر الحادّة والأيدي الرفيعة هو مزيج من التشوّش والصدمة. وفاوست يتساءل ما إذا كان هؤلاء هم الذين أضاعوا أنفسهم وصدّقوا أكاذيب الشيطان.
في فاوست، يتحدّث غوته عن جانب من التجربة الإنسانية، يتمثّل في توق البشر إلى الخلاص من كافة أشكال السلطة وتعطّشهم للمعرفة ورغبة الإنسان في تطويع الطبيعة لإرادته.
بعض النقّاد يرون في فاوست إنسانا حديثا فقد ثقته بالدين والفلسفة والعلاقات الإنسانية. وقد انتشرت هذه الأسطورة كثيرا في الأدب والسينما والشعر والرسم. كما استلهمها العديد من المؤلّفين الموسيقيّين مثل شارل غونو وفرانز ليست وماندلسون وهيكتور بيرليوز وغيرهم.

Tuesday, July 10, 2012

عصير البرتقال

غرناطة، الوادي الكبير، دون كيشوت، قشتالة، مناظر سورويا ودي توريس ، قصر الحمراء .. لا يمكن أن تسمع موسيقى كونشيرتو ارانهويز للموسيقيّ الاسباني يواكين رودريغو دون أن تتداعى إلى مخيّلتك بعض من هذه الصور.
الكونشيرتو، بصوره المشهدية المتتالية وأنغامه المستوحاة من الفولكلور الاسباني، أصبح علامة فارقة على اسبانيا. كما انه يعكس ويجسّد روح موسيقى الغيتار الاسبانيّ.
وقد اختار رودريغو أن يسمّي موسيقاه على اسم ارانهويز، وهي بلدة في جنوب اسبانيا يعني اسمها عصير البرتقال. وتبعد البلدة عن مدريد حوالي خمسين كيلومترا ويقطنها أكثر من ستّين ألف شخص. وقد اشتهر هذا المكان بوجود قصر ملكيّ قديم يحيط به عدد من بساتين البرتقال والحدائق الوارفة الظلال.
رودريغو استلهم فكرة الكونشيرتو من هذه الحدائق التي شُيّدت قبل أكثر من أربعة قرون. وعندما كتبه قبل أكثر من 70 عاما لم يخطر بباله انه سيصبح، ليس فقط أشهر كونشيرتو للغيتار في جميع العصور، وإنما احد أكثر المعزوفات الموسيقية العالمية رواجا وانتشارا.
عندما تستمع إلى هذا الكونشيرتو سيساورك شعور انه كُتب بلا نوتة، وبأن الموسيقى هي نتاج إحساس عفويّ وصادق وعميق. الغيتار والاوركسترا يتبادلان الحوار والأنغام التي تتآلف وتتمازج معا. العنصر الانفعالي في هذه الموسيقى يبعث على الحزن. ومن السهل وأنت تستمع إلى الموسيقى أن تتخيّل مثل ذلك المكان الفخم بمناظره وأصواته وروائحه وبجماله السرمديّ والخالد.

رورديغو نفسه يصف الموسيقى بأنها تمسك بشذى أزهار الماغنوليا وأصوات الطيور وخرير النوافير في حدائق ارانهويز، ناقلة السامع إلى مكان وزمن مختلف.
الحركة الثانية من الكونشيرتو "أداجيو" هي الأشهر، وهي عبارة عن حوار بين الغيتار والآلات المنفردة. تبدأ الحركة بوتيرة بطيئة وبنغم هادئ من آلات الباسون والاوبو والهارب والبوق بمصاحبة أوتار الغيتار الناعمة. هذا المقطع يثير إحساسا بالأسى والحزن. ثم تتنامى الموسيقى وتهدأ مرّة أخرى. وأحيانا يضيع صوت الغيتار وسط الاوركسترا، وإن كان ما يزال بالإمكان سماعه.
الحزن الذي تثيره هذه الحركة دفع الكثيرين للقول إن رودريغو ربّما استوحاها من مأساة بلدة غورنيكا الاسبانية عام 1937م. غير أن زوجة رودريغو، وهي عازفة بيانو تركيّة الأصل، تشير في مذكّراتها إلى أن الموسيقى هي استدعاء لحادثة إجهاض طفلهما الأوّل، وأن رودريغو إنّما عزفها لكي يعبّر عن حزنه وكأنه يدير حوارا مع الله بعد موت طفله.
كونشيرتو ارانهويز يتضمّن مفارقتين: الأولى أن مؤلّفه كان شخصا أعمى منذ أن كان طفلا. غير انه كان يتمتّع بإحساس إنسانيّ وموسيقيّ عال جعله يحسّ بجمال الحدائق الذي لا يقدّره سوى إنسان حُرم من نعمة البصر. والمفارقة الثانية هي أن رودريغو كان عازفا ماهرا على البيانو ولم يعزف الغيتار أبدا.
المعروف أن الكونشيرتو عُزف لأوّل مرّة في باريس عام 1939م، أي قبل أشهر فقط من نشوب الحرب العالمية الثانية. وفي ما بعد، وُظّف في الكثير من الأفلام والبرامج التلفزيونية والإعلانات.