:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, December 23, 2015

نجمة الميلاد


كلّ عام والإخوة المسيحيون في كلّ مكان بخير وسلام بمناسبة أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة.
من بين الرسومات الجميلة التي تزيّن بطاقات الميلاد عادة في مثل هذا الوقت من كلّ عام صورة ظلّية لثلاثة رجال يرتدون ثيابا قشيبة ويمتطون ظهور الجمال في الليل ويحدّقون عبر التلال أو الكثبان الرملية بحرص قبل أن يوجّهوا أنظارهم نحو بيت صغير منعزل على مسافة.
الليل مظلم، وهناك نجمة ساطعة ووحيدة تحوم فوق البيت الصغير وترسل شعاعا من الضوء الساطع باتجاه الأرض يضيء حدود البيت. وفي داخل البيت ثمّة ضوء آخر.
الإشارات الدينية تذكر أن نجمة ظهرت لثلاثة من حكماء المجوس في الشرق. كان هؤلاء طبقة من الكهّان والحكماء من بلاد فارس، وكانوا على دراية بالفلك والنجوم والسحر.
وقد رأوا في السماء شيئا نبّههم إلى أن المسيح كان على وشك أن يولد. وحفّزتهم النجمة للسفر من فارس إلى أورشليم، أي إلى المكان الذي يُرجّح أن ملك اليهود الموعود سيولد فيه.
علم فلك المجوس كان يفترض أن النجوم تصوغ حياة الإنسان من الميلاد إلى الموت. كانوا يعتقدون أن الظهور المفاجئ لنجم جديد ولامع في السماء هو علامة على ولادة إنسان مهم. وكانوا يرون فيه تحقيقا لنبوءة ما.
عندما وصل الحكماء الثلاثة إلى أورشليم بدءوا البحث عن الطفل. حاكم المدينة، أي الملك الرومانيّ هيرود، انزعج ممّا سمعه منهم، ثم نادى على كبار الكهنة والأعيان في قصره ليسألهم عن ولادة النبيّ الجديد.
وعندما لم يجد الحكماء أثرا للطفل في أورشليم، واصلوا رحلتهم إلى بيت لحم. وقد اهتدوا أخيرا إلى بيته ودخلوه ورأوا الطفل وأمّه وخرّوا سُجّدا عند قدميه وصلّوا له، كما تقول الرواية الدينية. كانوا يحملون معهم ثلاث هدايا: آنية من الذهب، وأخرى من البخور، وآنية ثالثة من المُرّ. وكلّ واحدة من هذه الهدايا لها رمزيّتها الخاصّة. أما الملك الطاغية هيرود فقد أرسل جنوده إلى بيت لحم وكلّفهم بأن يقتلوا كلّ طفل رضيع في المدينة، في ما أصبح يُعرف في ما بعد بمذبحة الأبرياء.
قصّة الحكماء مشهورة في التراث المسيحي. وقد أصبح الرجال الثلاثة من أكثر الشخصيات حضورا في الرسم، وهم يظهرون غالبا وهم يركبون الجمال ليلا ويتابعون نجمة في السماء، أو وهم يصلّون مع الرعاة للنبيّ الطفل بعد أيّام من ولادته. كما كُتبت أغاني وأشعار عديدة عن هذه القصّة وعُرضت عنها الكثير من الأفلام والمسرحيات.
لكن السؤال: نجمة الميلاد، أو نجمة بيت لحم كما تُسمّى أحيانا، هذه النجمة الخارقة للعادة والتي أصبحت رمزا رئيسيا للكريسماس .. ما هي حقيقتها؟
الواقع أن إنجيل متّى هو المكان الوحيد التي ذُكرت فيه هذه النجمة، وتحديدا في الآية التي تقول: عندما سمعوا الملك رحلوا، بينما النجمة التي رأوها في الشرق كانت تسير أمامهم إلى أن توقّفت حيث يوجد الصبيّ الصغير". وحتى هنا فإن المعلومات عنها متفرّقة ونادرة.
وبالنسبة لأيّ شخص يميل إلى الأخذ بالتفسير الحرفيّ للنصوص المقدّسة، فإن هذه الآية تحلّ المسألة. وإذا كانت هذه الآية صحيحة، فإن نجمة بيت لحم قد لا تكون أيّ ظاهرة طبيعية معروفة، لأنه ببساطة لا شيء يتحرّك في السماء بتلك الطريقة.
ومع ذلك، إذا ما سلّمنا بكلام مؤلّف إنجيل متّى، والذي لم يكن بالتأكيد أحد شهود العيان في كنيسة المهد، فإن النجمة قد لا تكون ظهرت حرفيّا بالطريقة الموصوفة. وفي هذه الحالة يمكن أن نفكّر في بعض الاحتمالات الفلكية الطبيعية.


في الواقع هناك بعض الشكوك حول استخدام كلمة "نجمة" في المخطوطة اليونانية. مثلا، يؤكّد بعض العلماء أن كلمة "نجم" قد تعني ضمنا أيّ جرم فضائي آخر غير النجوم المعروفة. وبعض الأوصاف الفنّية تُظهر ما يبدو وكأنه نيزك ساطع أو نجم ساقط.
ورغم أن النيازك المتفجّرة يمكن أن تكون مذهلة ومثيرة للإعجاب، إلا أنها لا تدوم سوى ثوان فقط، ويمكن أن تحدث في أيّ وقت. ومثل هذه الظواهر العابرة لا يمكن أن تقود الرجال الحكماء إلى بيت لحم.
وهناك أجرام أو أجسام فلكية أخرى قد تبدو أكثر أهمّية. لكن هناك مشاكل أخرى، فنحن أوّلا لا نعرف على وجه اليقين متى ولد المسيح. فبسبب خطأ ارتكبه احد رجال الكنيسة بعد ذلك بمئات السنين، فإن ولادته يُعتقد أنها حدثت بعد التاريخ المعروف اليوم بأربع سنوات على الأقل.
واليوم نعرف أن ولادته كانت في موعد لم يتجاوز العام الرابع قبل الميلاد، ويمكن أن تكون حدثت قبل ذلك بقليل. وبالتأكيد لم تكن ولادته في يوم الخامس والعشرين من ديسمبر. والإنجيل لا يقول شيئا عن هذه النقطة ولا يترك لنا سوى القليل من الأدلّة.
غير أن هناك دليلا واحدا يتمثّل في الإشارة إلى أن الرعاة كانوا في الحقل و"كانوا يراقبون غنمهم ليلا"، وهو أمر يقول العلماء إن من المحتمل القيام به فقط في فصل الربيع عندما تولد الحملان الصغيرة. وبالتالي كانت الولادة على الأرجح في الربيع، وربّما بين العامين السابع والرابع قبل الميلاد.
وهناك قليل من السجلات الفلكية التي حُفظت في ذلك الوقت، باستثناء سجلات الصينيين والكوريين. وقد سجّل هؤلاء ما قد يكون "مذنّبات" في العام الخامس ثمّ الرابع قبل الميلاد. والمشكلة الرئيسية هنا هي أن الصينيين، وأيضا المنجّمين المجوس، كانوا يعتبرون المذنّبات نُذر شؤم أو علامات على الحظّ السيّئ.
وهناك احتمال آخر، هو أن نجمة عيد الميلاد كانت سوبرنوفا أو نجما متفجّرا، وهو نجم لم يُرَ قبل ذلك، يضيء فجأة ويكاد ضوؤه يخطف الأبصار. وفي الحقيقة تمّ رصد نجم مشابه من هذه النجوم من قبل الصينيين في ربيع العام الخامس قبل الميلاد، وقد ظلّ يُرى لأكثر من شهرين. ومع ذلك فإن موقعه في كوكبة الجدي كان يعني أنه ما كان من المرجّح أن "يقود" الحكماء بالطريقة التي يتحدّث عنها ضمنا الكتاب المقدّس.
وبالنسبة للبعض، فإن هذا "النجم" لم يكن نجما على الإطلاق، وإنّما كان كوكب المشتري. أو بتعبير أدقّ، كان اقترانا عن قرب بين كوكب المشتري وكوكبين آخرين هما زحل والمرّيخ.
القدماء كانوا يعتبرون الكواكب "نجوما متجوّلة"، وكانوا يؤمنون بأنها تحمل دلالات فلكية وباطنية كبيرة. وعلماء الفلك يعرفون أن سلسلة من هذه الاقترانات حدثت في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في كوكبة الحوت التي يقول البعض إنها العلامة الفلكية لليهود. ولإضفاء المزيد من المصداقية على كُتّاب المسيحية الذين أتوا لاحقا مثل متّى، فإن علامة الحوت أصبحت في ما بعد العلامة السرّية للمسيحيين.
قد يكون الحكماء الثلاثة رأوا نجما من تلك النجوم التي يزداد حجمها ووهجها ثم لا تلبث أن تأفل وتتلاشى. لكن هذه النظرية تفشل في تفسير كيف أن النجم الذي رأوه جهة المشرق ظهر أمام أعينهم إلى أن توقّف حيث يوجد الطفل. إذ ليس بمقدور نجم ثابت أن يتحرّك أمام الحكماء ليقودهم إلى بيت لحم، ثم ليس من طبيعة النجوم أو المذنّبات أن تختفي ثم تعاود الظهور ثم تقف ساكنة.
وما لم يتمّ العثور على اكتشاف أثريّ كبير ولا يقبل الجدل كي يحلّ هذه المسألة نهائيا، فإن غموض نجمة عيد الميلاد سيظلّ عنصرا من عناصر عالم الإيمان. العلم نفسه لا يستطيع أن يفسّرها كجرم فيزيائيّ معروف، والتاريخ لا يقدّم سجلا واضحا، والدين لا يقدّم سوى طيف خارق للطبيعة وغير قابل للفحص أو التثبّت.
ولكن على الرغم من عدم وجود اتفاق على طبيعة النجمة أو حتى على ما إذا كانت قد رؤيت فعلا قبل ألفي عام، فإن جميع الأطراف يمكنها أن تتّفق على طبيعة الرسالة التي بشّرت بها نجمة عيد الميلاد: على الأرض السلام، وفي الناس المسرّة".

Credits
planetsave.com
universetoday.com

Sunday, December 13, 2015

بورتريه لديكارت


عادة ما يكون الفلاسفة عرضة للاتهام بالكثير من الأخطاء والخطايا. أكثرهم نفوذا، أي أفلاطون وأرسطو وجون لوك وشركاءهم، ما يزالون يجتذبون حشدا من الأعداء الذين ينقّبون في أعمالهم، بحثا عن أخطاء أو لشجب تأثيرهم على الفكر الغربيّ.
وفي أيّامنا هذه، فإن رينيه ديكارت، المفكّر الفرنسي من القرن السابع عشر والذي كثيرا ما يوصف بأنه مؤسّس الفلسفة الحديثة، يُعتبر كيس اللكم المفضّل.
ومن علامات اتّساع نطاق تأثير هذا الرجل أنه صنع لنفسه الكثير من الأعداء، من بينهم علماء نفس ومدافعون عن حقوق النساء وعلماء أحياء ومدافعون عن حقوق الحيوان.
وكانت هناك ضربات أخرى وُجّهت له في الآونة الأخيرة أيضا. فطبيب الأعصاب أنطونيو داماسيو، في تقريره بعنوان "خطأ ديكارت"، هاجم فصل ديكارت العقل عن العاطفة. وفي تاريخ حقوق الحيوان، يوصف ديكارت باعتباره شخصا شرّيرا لادعائه أن الحيوانات ليست أكثر من مكائن متطوّرة وليس لها القدرة على الشعور بالألم. وقد كتب بمرح إلى صديق له عام 1638 يقول: فتحت صدر أرنب حيّ ثم أزلت الضلوع لأرى القلب وجذع الشريان الأورطي".
أمّا بالنسبة للبيئة، فإن التصوّر الديكارتي عن قصّة الإنسان "يسمح لنا بأن نعتقد بأننا منفصلون عن الأرض"، كما يقول آل غور في كتابه الصادر عام 1992 بعنوان "الأرض في الميزان". بل إن بعض المفكّرين الماركسيين يعزون اغتراب العامل في ظلّ الرأسمالية إلى تأثير ديكارت.
في كتابه الجديد والصغير بعنوان "الفيلسوف والكاهن والرسّام: بورتريه لديكارت"، يحاول الكاتب ستيفن نادلر أن يضع ديكارت في زمانه ومكانه الصحيحين ويوضّح الأسباب التي جعلت منه النجم والمفكّر الساطع في زمانه، أو بعبارته هو - أي المؤلّف - أعظم فيلسوف في قرن مليء بالفلاسفة.
عَرْض نادلر لحياة ديكارت يبدأ بلوحة. فأشهر صورة لهذا الفيلسوف تُعزى تاريخيّا للرسّام الهولندي العظيم فرانز هولس، مع انه لا يوجد دليل يُثبت أن الاثنين التقيا. كان هولس ملتزما بإنجاز لوحات لرعاته فقط. ولم يكن هؤلاء مفكّرين، بل رجال أعمال أثرياء في الغالب.
هل من رسم هذه الصورة هو هولس فعلا؟ وإذا كان هو من رسمها، فهل من يظهر فيها هو ديكارت حقّا؟ وإذا كان هو، فأين التقيا وكيف؟
المؤلّف يبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها من خلال إعادة بناء حياة ديكارت في هولندا التي أقام فيها طويلا ونشر عددا من كتبه المهمّة. وبحسب نادلر، فإن ديكارت ينتمي للثقافة الفكرية للعصر الذهبيّ الهولنديّ بقدر ما ينتمي لتاريخ الفلسفة الغربية.
ولكي يتحقّق من قصّة البورتريه، يباشر بسرد ثلاث قصص: قصّة ديكارت، وقصّة الرسّام هولس، وقصّة الكاهن الكاثوليكي اوغستين بولمارت الذي كلّف الفنّان برسم اللوحة.
هولس في البورتريه رسم شيئا بسيطا وسريعا بضربات فرشاة واسعة وقصيرة، رسم رأس ومنكبي رجل في منتصف العمر بشعر طويل فاحم وشارب وذؤابة صغيرة تحت شفته. كما أضاف له ياقة بيضاء مطويّة فوق معطفه الأسود، على طريقة القرن السادس عشر.
ويقال إن فكرة البورتريه، الموجود اليوم في متحف بكوبنهاغن والذي تمّ استنساخه مرارا، جاءت بناءً على طلب الكاهن بولمارت الذي كان صديقا حميما لديكارت. وقد أراد الكاهن أن يحتفظ بتذكار للفيلسوف قبل أن يغادر "أي ديكارت" هولندا حيث كان يعيش، قاصدا استوكهولم كي يدرّس الفلسفة لكريستينا ملكة السويد. وكان ديكارت يقيم في هولندا ابتداءً من عام 1629، وقضى معظم حياته فيها بعيدا عن أعين الكنيسة.
ولد رينيه ديكارت عام 1596م. وفي سنّ العاشرة حضر دروسا في إحدى أفضل الكلّيات اليسوعية في فرنسا. ومنها حصل على أفضل تعليم في الفلسفة الارسطية. وبكلمات المؤلّف نادلر، أتاحت له تلك الدراسة "الاطلاع على نظريات بالية علميّا عن الكون، ولكنها مقبولة دينيّا". وهذه هي الأفكار التي سينقلب عليها ديكارت في ما بعد.
وبينما يتمّ تذكّره اليوم على انه الفيلسوف الذي قال "أنا أفكّر، إذن أنا موجود"، فإن أعمال ديكارت هي أوسع وأهمّ من ذلك بكثير.
كان عالم رياضيات لامعا، وكتب على نطاق واسع في علم الأحياء والبصريات وعلم الكونيات.
في العلم، كان مشروع ديكارت الكبير هو استبدال تجريدات أرسطو بصورة آليّة للكون لا يمكن أن تُفسّر إلا من منظور المادّة والحركة والتأثير. وفي الفلسفة، كان يبحث عن نقطة من اليقين المطلق أو الأساس المتين الذي يمكن أن يقيم عليه منظومة فكرية جديدة.
ثمّ يقدّم المؤلّف شرحا لفلسفة وعِلم ديكارت، ويعطي القاري لمحة عن طبيعة الحياة في العصر الذهبيّ الهولنديّ. كما يخصّص فصلا من الكتاب لتحفة ديكارت، أي كتاب "التأمّلات"، الذي يشبه كتاب "الحوارات" لأفلاطون وكتاب "ما وراء الخير والشرّ" لنيتشه.
تأمّلات ديكارت تتكشّف في وقت متأخّر من الليل، وتبدأ وهو يرسم لنفسه صورة بينما يجلس إلى جانب المدفأة ويرتدي ملابس شتوية. انه يضع مشهدا مألوفا يمكن لأيّ قارئ أن يتخيّل نفسه فيه أيضا. في التأمّل الأوّل يقرّر أن ينبذ كلّ معتقداته التي يمكن أن يخالطها أقلّ قدر من الشك. وهدفه هو أن يكتشف حقيقة لا يمكن دحضها ويمكن أن يبني عليها أساسا لفلسفته الجديدة.
ديكارت لم يكن مجرّد فيلسوف بالمعنى الحديث للكلمة، بل يمكن فهمه أفضل كعالِم. في هولندا نراه يتجوّل في الريف ويُجري تجارب على الدواجن ليرى كيف تتشكّل الفراخ الصغيرة، أو يشرف على عمل المزارعين المحليين وهم يذبحون الأبقار لكي يتمكّن من فحص نموّ صغارها.
الكنيسة لم تكن على وفاق مع ديكارت، بسبب حديثه عن الشكّ واليقين، ومن ثمّ اتهمته بأنه يريد تقويض الإيمان بالله. وبعد وفاته، وضعت السلطات الكنسية معظم كتاباته في خانة الكتابات الممنوعة. ومن الواضح أن رؤيته للأشياء لم تكن تتّفق مع تلك التي للاهوت.
بعد طول تفكير، قبِل ديكارت دعوة ملكة السويد بالذهاب إلى الشمال المتجمّد. كان يكره البرد دائما. ولطالما قضى ليالي الشتاء مع الكاهن بولمارت في الاستماع إلى الموسيقى المبهجة.
وفي السويد، كان من عادته أن يبقى في سريره الدافئ حتى ساعة متأخّرة من الصباح. وقد أصيب بالتهاب رئويّ وتوفّي بعد أشهر قليلة من وصوله إلى هناك.
صديقه بولمارت كان يستمتع بالنظر إلى البورتريه بعد أن فقد صاحبه. أما الملكة التي تعيش في قصر ثلجيّ، أي كريستينا، فقد اعتنقت أفكار معلّمها بعد موته. ومن جهتهم، قضى الفلاسفة ورجال الدين مئات السنين ودمّروا فدادين من الغابات ليكتبوا الكتب والمقالات الكثيرة التي تتحدّى فلسفة ديكارت وتهاجمه وتحاول دحض أقواله والتقليل من جهده.

Credits
slate.com
the-tls.co.uk

Friday, November 06, 2015

الخروج عن القطيع

المفكّر السعودي إبراهيم البليهي له عبارة جميلة يقول فيها أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بقدر تحرّره من البرمجة التلقائية وأنه يفقد من إنسانيّته بقدر ذوبانه التلقائيّ في ثقافة الجماعة.
والمجتمعات التي يغيب فيها الاختلاف والتعدّد والتنوّع واحترام الآخر المختلف يشيع فيها بالضرورة الجهل والاستبداد والتطرّف والجمود. وهي لا تحتقر شيئا قدر احتقارها لكلّ عقل يدعو للتطوّر والإبداع والتجديد والابتكار، أي أنها محكومة بما يُسمّى ثقافة القطيع.
اللوحة فوق اسمها "الشرود عن القطيع"، وهي لرسّام بولنديّ مغمور اسمه توماس كوبيرا. قد لا تثير اللوحة اهتمامك للوهلة الأولى لبساطة توليفها ولأن شكلها يذكّرنا بعشرات اللوحات التي ألفنا رؤيتها في بعض برامج الرسوميات. غير أن الرسّام يصوّر فيها، بطريقة عميقة ومثيرة للإعجاب، ماهيّة ثقافة القطيع وتأثيرها على صناعة الذات.
القطيع في اللوحة يأخذ شكل طابور من البشر، ملامحهم زرقاء، كئيبة ومتجمّدة وهم أشبه ما يكونون بقوالب الثلج. الهيئات المتجمّدة لأفراد القطيع قد تكون كناية عن أن نموّهم توقّف عند مرحلة معيّنة، كما أنهم متشابهون وبلا ملامح نتيجة كون أفكارهم وعقلياتهم مقولبة ومسبقة الصنع.
لكن هناك شيئا غريبا في هذه الصورة. إنه الشخص المندفع بقوّة إلى خارج القطيع. هذا هو التفصيل الذي يجتذب العين أكثر من سواه في اللوحة. ومن المثير للانتباه أن الرسّام لوّنه بالأحمر، أو ربّما الأصح أن نقول أن لونه يتحوّل شيئا فشيئا إلى الأحمر؛ لون النار ورمز التحدّي والإصرار والتمرّد.
الرجل إلى أقصى اليمين يظهر انه زعيم القطيع أو رمز السلطة الأبويّة. يبدو هذا الشخص وهو يجاهد مع زميله الآخر إلى يمينه للإمساك بالرجل الخارج وإعادته إلى بيت الطاعة، أي إلى حظيرة القطيع. الواقع أن فعله ليس فقط فعل خروج ولا حتى شرود عن القطيع، حركته حركة انشقاق أو انسلاخ في عنفها وقسوتها. القطيع يشدّه كي يبقى، فيما هو يشقّ طريقه منطلقا بكلّ قوّة للفكاك والانعتاق من الأسر الذي ضاق به.
شكل القطيع الذي يشبه أمواج البحر ربّما قصد الرسّام أن يرمز به إلى طغيان القطيع وجبروته وقدرته على البطش بكلّ من يحاول الخروج على الأعراف المستقرّة والجاهزة.
هذه اللوحة عبارة عن دراسة رائعة عن الذاتيّة وعن بحث الإنسان عن وجه وهويّة في المجتمعات القطيعية أو الشمولية. تأمّل قليلا تعبيرات وجه الرجل، إنها مملوءة بالمعاناة والألم، عيناه تصرخان لكن روحه تقاوم، عينه مثبّتة على شيء يراه من بعيد، قد يكون نجمه الهادي؛ حلمه الذي يريد بلوغه، توقه لأن يصبح إنسانا مختلفا ومتميّزا عن البقيّة.
الهارب من سجن القطيع في اللوحة ربّما يصحّ فيه وصف احد الكتّاب بأنه واحد ممّن قضوا معظم حياتهم وهم يعتقدون بأنهم يدافعون عن أفكارهم وقناعاتهم الخاصّة. ثم اكتشفوا ذات يوم أنهم إنما كانوا يدافعون عن أفكار وتصوّرات زرعها في عقولهم أناس آخرون.

Wednesday, November 04, 2015

عش حياتك

هذا كتاب جميل ورشيق ويتضمّن الكثير من المتعة والفائدة. وفيه تسرد الكاتبة سيندي هاينز جملة من النصائح والإرشادات عن كيف تعيش حياة أكثر سعادة واطمئنانا. بعض من هذه النصائح مثيرة للتأمّل والاهتمام فعلا. هنا بعضها..

  • لا تستمع أبدا إلى الذين يؤنّبونك قائلين: ألم اقل لك هذا؟
  • إقرأ أعمال وكتابات هنري ديفيد ثورو في الليالي التي تكون فيها وحيدا.
  • قابل من يسيئون إليك ويجرحون مشاعرك بالحبّ والإحسان.
  • إبحث عن نجمة لامعة في السماء، وتمنّ أمنية كلّ ليلة وأنت تنظر إليها قبل أن تذهب إلى النوم.
  • بين وقت وآخر، قم بزيارة المرضى في إحدى دور المسنّين أو الأطفال المعاقين. هذا سيجعلك تنسى أحزانك.
  • تجنّب مخالطة الأشخاص سيّئي النوايا أو الذين لا يتحلّون بأخلاق كريمة أو الذين ليسوا مثلك في الطباع. أنت تستحقّ معاملة أفضل.
  • تخيّل وكأنك ترى العالم لأوّل مرّة.
  • ضع قائمة تضمّ أسماء كلّ من تشكو منهم. والآن اصفح عنهم جميعا.
  • إذهب في زيارة إلى إحدى مناطق الطبيعة، واعلم انك ستجد الكثير من المرح في الحياة الريفية البسيطة، وربّما تحتاج لأن تجعل حياتك أكثر بساطة وانسيابية.
  • عندما تكون في مكان عملك، حاول أن تبتعد عن جلسات النميمة والغيبة التي تضرّ ولا تنفع.
  • من وقت لآخر، إقض ليلة في نزل ريفيّ هادئ كي تنعم ببعض الخصوصية وتستمتع فيه بوقتك.
  • عندما تشعر بالحزن، إجعل الإضاءة في غرفتك جيّدة حتى تجعل الأشياء المحيطة بك تبدو مبهجة.
  • إقضِ ليلة في البيت الذي ولدت فيه وقضيت فيه طفولتك واستمتع بمشاعر الدفء التي تهبّ عليك نسماتها من شذى الماضي.
  • نحن مجرّد بشر، فلا تتوقّع أن تكون شخصا كاملا أو أن تعيش حياة مثالية.
  • لا تحاول اقتناء أشياء كثيرة لا فائدة منها حتى تخلق لنفسك بيئة أكثر هدوءا.
  • سامح أيّ شخص اخطأ في حقّك مهما كان حجم هذا الخطأ. الواقع أنه كلّما كان الخطأ كبيرا، كلّما زاد احتياجك إلى العفو عنه.
  • إقض يوما وكأنك سائح في بلدك وشاهد كلّ معالمها بعين السائح الحريص.
  • إلتزم بالميزانية التي وضعتها لنفسك ولا تنفق أكثر منها لأن ذلك سيضعك في مشاكل مالية أنت في غنى عنها.
  • إذهب هذا المساء إلى المتنزّه وقم بإطعام الطيور. أنت لا تعرف كم تُشعرك مثل هذه الأشياء البسيطة بالراحة وتدخل على قلبك السرور.
  • تظاهر بأن كلّ شيء في حياتك على ما يُرام، فمع الوقت سيصبح ما تتظاهر به حقيقة.
  • الموسيقى علاج فعّال للإرهاق والاكتئاب والتوتّر. من وقت لآخر إستمع إلى قطعة موسيقية لأحد هؤلاء الموسيقيين العظام: موزارت، تشايكوفسكي، كوبلاند، سترافنسكي أو باخ.
  • قم بزيارة إحدى المقابر لتدرك أن هؤلاء الذين في القبور هم الوحيدون في هذا العالم الذين بلا مشاكل.
  • في الليالي شديدة البرودة التي تشعر فيها بالوحدة، قم بإضاءة بعض الشموع الفوّاحة وتدثّر بلحاف رائع التطريز والنقوش لتضيف لمسة دافئة إلى منزلك.
  • إذهب إلى المعارض الفنّية وإلى المتاحف فإن ذلك سيسرّ عينك وروحك معا. ولا تنسَ أن تشتري لوحة فنّية تحبّها ويلامس مرآها مشاعرك وضعها في المكان الذي تجلس فيه غالبا في البيت.
  • إعلم انه قد يأتينا من وراء الشعور بالألم أعظم ما في الحياة من نِعَم.
  • إن كنت لا تحبّ الحيوانات الأليفة ولا تتحمّل تربية قطّة أو كلب في بيتك، فاذهب إلى محلّ لبيع اسماك الزينة واشترِ منه بضع سمكات ذهبية وضعها في حوض لتكون أنيسك في المنزل.
  • امض خمس عشرة دقيقة يوميّا في تعلّم لغة أجنبية طالما تمنّيت أن تتقنها.
  • إبحث عن قوس قزح في كلّ مكان تذهب إليه بعد هدوء العاصفة.
  • قم بزيارة احد الأماكن الأثرية وحاول أن تتعلّم من أحداث الماضي.
  • جرّب يوما أن تؤلّف موسيقى بينك وبين نفسك، فمن يدري قد يأتي اليوم الذي تصبح فيه موسيقيّا عظيما.
  • تنزّه على شاطئ جميل وانسَ نفسك وتوحّد مع روعة المنظر.
  • إملأ إبريقا كبيرا بالأزهار الطبيعية وضعه بجوار فراشك. لا شيء أجمل من أن تستيقظ على عبيرها الفوّاح.
  • إقض على الأقل ثلاثين دقيقة يوميّا خارج المنزل في الهواء الطلق.
  • إجعل من نفسك شخصا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لشخص آخر في هذا العالم.
  • من وقت لآخر، إذهب إلى فندق أو منتجع مترف. نعم، بإمكانك أن تهرب من مشاكلك في بعض الأحيان بهذه الطريقة.
  • إن كان منزلك مليئا بالذكريات المؤلمة، فلتفكّر جدّيا في الرحيل عنه.
  • من وقت لآخر، تسلّق شجرة وستشعر حينها انك عدت إلى زمن الطفولة.
  • اكتب قائمة بكلّ صفاتك الحسنة. لا تكن متواضعا واكتب كلّ شيء تراه حسنا في نفسك، لأن ذلك سيزيد من تقديرك لنفسك ومن شعورك بالثقة.
  • كفّ عن محاولة قراءة أفكار الآخرين واسألهم مباشرة عمّا يفكّرون أو يشعرون به.
  • انظر إلى النجوم في الليل واعلم أن مشاكلك ضئيلة للغاية مقارنة بهذا الكون الفسيح.
  • هل تحتاج أحيانا إلى أنيس مختلف؟ إذن اذهب إلى اقرب متجر للعب الأطفال واشترِ منه دمية كبيرة على شكل دبّ ثم ضعها على فراشك أو اجعلها معك دائما.
  • إذا كانت نشرات الأخبار المسائية لا تنقل سوى الأخبار التي تصيبك بالإحباط والغمّ فأغلق التلفزيون.
  • إعلم أن هناك الملايين في هذا العالم ممّن يتمنّون أن يكونوا في مكانك وأن لهم نفس ظروفك.
  • واجه المشاكل على أنها تحدّيات، وانظر إلى الأزمات على أنها فرص.
  • هناك شعار عظيم ينبغي أن تتبنّاه في حياتك من الآن فصاعدا، وهو: إذا كنت سأعيش الحياة فسوف أعيشها كما يحلو لي، لا كما يريد منّي الآخرون.
  • عندما تشعر بأنك بحاجة لأن تختلي بنفسك، ضع لافتة على باب غرفتك تقول: ذهب للصيد!
  • وأخيرا توقّف عن قراءة هذه النصائح الآن واذهب للتخطيط لما ستفعله مساء الغد.
  • Tuesday, November 03, 2015

    ثعالب وقنافذ


    من عادة البشر أن ينجذبوا إلى الحيوانات لسببين: الأوّل لأنها توفّر نافذة رمزية على عالم الإنسان نفسه. والثاني أن الحيوانات تستثير الأفكار وتدفع الإنسان إلى تأمّل أوجه الشبه بينها وبين البشر.
    وفي معظم القصص التي تتضمّن "عنصر حيوان"، يتمّ تقديم الطبيعة في حالة تناغم تامّ مع البشر كما أنها تسهم في تعليمهم دروسا ثمينة ومفيدة.
    وبينما نجد أن القصص الشعبية والفولكلورية التي تحكي عن الثعلب كثيرة ومتواترة، فإنه لا تتوفّر عن حيوان مثل القنفذ سوى القليل من القصص. ومع ذلك فالقنفذ مخلوق ذكيّ، إذ يقال انه يمكن أن يعيش لسبع سنوات، وأحيانا أكثر.
    والحقيقة أن من الأشياء المسليّة مراقبة قنفذ وهو يتجوّل خلسة في الليل بحثا عن طعام أو فريسة. ومن المشاهد التي لا أنساها عن الحياة الفطرية منظر من فيلم ألمانيّ، على ما أذكر، يصوّر صراعا رهيبا بين قنفذ صغير وأفعى كوبرا ضخمة. وبعد نزال دامٍ وعنيف تمكّن القنفذ في النهاية من تهشيم رأس الأفعى ثم مزّق جسدها إلى قطع صغيرة قبل أن يلتهمه.
    وهناك اعتقاد شعبيّ بأن القنافذ تجمع التفّاح والعنب وتحملها إلى مستودعاتها السرّية التي تختارها غالبا بين أكوام الحطب المتراكمة في الحدائق والمزارع.
    وفي الرسومات التي تعود إلى القرون الوسطى، تظهر القنافذ وهي تحمل الفاكهة إلى بيوتها. وهناك رسومات أخرى تصوّر القنفذ وهو يتلذّذ بشرب الحليب. وبعض سكّان القرى الأوربّية ظلّوا يعتقدون أن القنافذ تمتصّ اللبن من أثداء الأبقار. لكن علميّا ثبت الآن أن القنافذ لا تحتمل اللاكتوز.
    الناقد الأدبيّ المشهور ايسايا بيرلين كان قد كتب في خمسينات القرن الماضي مقالا عن الروائي الروسيّ الكبير ليو تولستوي وصفه فيه بأنه "قنفذ كلاسيكيّ"، في إشارة إلى انه كاتب ذو رؤية واحدة متفرّدة وتركيز مكثّف.
    وقد وضع الناقد نموذج تولستوي في مواجهة نموذج آخر من الكتّاب ممّن يسعون لغايات عديدة لا صلة بينها أحيانا، وأحيانا تكون متناقضة ولا يربطها مبدأ أخلاقيّ أو جماليّ.
    بيرلين نفسه اعتمد في مقارنته أو تصنيفه للكتّاب على مقطع من قصيدة للشاعر اليونانيّ القديم اركيلوغوس يقول فيه إن الثعلب يعرف أشياء كثيرة، بينما القنفذ لا يعرف سوى شيء واحد، لكنه كبير ومهم. وطبعا لا يُعرف إن كان هناك شبه حقيقيّ أو فعليّ بين القنفذ وبين تولستوي.
    ومنذ بضع سنوات، صدرت عن دار غاليمار الباريسية رواية بعنوان "أناقة القنفذ" للكاتبة الفرنسية وأستاذة الفلسفة مورييل باربري. وفي السنة التالية لصدورها، باعت الرواية أكثر من مليوني نسخة وتُرجمت لأكثر من أربعين لغة.
    الرواية تناقش مسائل الحياة والموت وتتناول أسئلة مثل: هل الحياة بسيطة أم معقّدة، منطقية أم متناقضة، وما هي وظيفة الذكاء، ولماذا لدينا فنّ وموسيقى وأدب؟
    ويروي الأحداث شخصان يعيشان في شقّتين تقعان في مبنى بورجوازيّ في باريس. الراوي الأول هو رينيه، عمرها 54 عاما، وتعشق الأدب والفنّ، لكنها تشعر أنها يجب أن تتخفّى في هيئة شخص بلا اسم. تقول رينيه في مكان من الرواية: قد أكون فقيرة باسمي ووظيفتي ومظهري، ولكن في عقلي أنا آلهة لا تُنافَس".
    أما الراوي الثاني فيُدعى بالوما، وهي فتاة غير مستقرّة، لكنها شديدة الذكاء. وبالوما ابنة عائلة من الطبقة الباريسية الرفيعة تعيش بنفس البناية التي تعمل فيها رينيه. ورغم سنّها الغضّ، فإن بالوما ذكيّة جدّا وناضجة عقليّا. كما أنها تعتبر أن الحياة سخيفة ومملّة.
    ومن الواضح أن القنفذ هو رمز لكلّ من رينيه وبالوما، حيث المظهر الخشن يُخفي شيئا من الجمال الداخلي.
    والرواية مكتوبة في سلسلة من الفصول القصيرة تتناوب على كتابتها كلّ من البطلتين. وتبدأ القصّة عندما ينتقل اوزو، وهو رجل أعمال يابانيّ، إلى نفس المبنى الذي تعيش فيه المرأتان ليصبح الثلاثة أصدقاء.
    رواية "أناقة القنفذ" تتضمّن بالإضافة إلى الشخصيّتين الرئيسيّتين عددا من الشخصيات واسعة المعرفة. وهي مليئة بالإشارات إلى الأعمال الأدبية والموسيقية والأفلام واللوحات التشكيلية، كما تمتلئ بالحوارات والتأمّلات الفلسفية. هنا أمثلة منها على سبيل المثال لا الحصر..
  • البشر يرنون بأبصارهم إلى النجوم، وينتهي بهم الأمر في حفرة. وأتساءل أليس من الأسهل أن نعلّم الأطفال منذ البداية أن الحياة ليست سوى ضرب من العبث؟
  • إذا لم يكن لديك سوى صديق واحد، فتأكّد انك أحسنت اختياره.
  • مدام ميشيل لها أناقة القنفذ، من الخارج مغطّى بالأشواك، قلعة حقيقية. ولكن مظهره من الداخل بسيط، إنه مخلوق صغير وكسول على نحو خادع، منعزل بضراوة وأنيق برعب.
  • عندما أكون منزعجا من شيء ما، أبحث عن ملاذ. لا حاجة بي لأن أسافر بعيدا. رحلة إلى ذاكرة الأدب تكفي. إذ أين بإمكان المرء أن يجد صحبة أكثر نبلا ومدعاة للبهجة من الأدب؟
  • نظنّ أننا نستطيع أن نصنع العسل دون أن نشارك النحل مصيره. وحال الإنسان ليس بأفضل من حال النحل المسكين الذي ينجز مهمّته ثم يموت.
  • راحة البال التي يجدها الإنسان في العزلة لا تُعتبر شيئا مقارنة مع السلاسة والانفتاح والانعتاق الذي يجده الإنسان بصحبة رفيق حميم ووفيّ.
  • هنالك قدر كبير من الإنسانية في حبّ الأشجار. جلال الأشجار ولا مبالاتها تُشعرنا نحن البشر كم أننا مخلوقات طفيلية وتافهة تدرج على الأرض.
  • عندما يموت شخص تحبّه، فإن الأمر يشبه احتراق شهاب ناريّ في السماء فجأة، ثم يسود بعده الظلام.
  • Tuesday, September 29, 2015

    البيت القديم


    ممّا يُؤثر عن جبران خليل جبران قوله: إن كنت لا ترى غير ما يكشف عنه الضوء ولا تسمع غير ما يعلن عنه الصوت، فأنت في الحقيقة لا ترى ولا تسمع".
    هذه العبارة البليغة ذكّرتني بعبارة أخرى، جميلة هي أيضا وتناسب هذا المقام، قرأتها منذ بعض الوقت، يقول كاتبها أنك عندما تدخل بيتا قديما رحل عنه أهله ستداهمك رهبة غامضة ولن تشعر أبدا انك في العراء. فالبيوت المهجورة ما تزال تنبض بأرواح وأنفاس وملامح الراحلين الذين كانوا يملئونها بالحياة. وما يزال هناك أصوات وآثار وروائح وخُطى.
    ولا شكّ أن في حياة كلّ واحد منّا بيتا قديما يخبّئ الكثير من الذكريات الملوّنة والقصص الجميلة من زمن الطفولة.
    قبل أعوام، وكان قد مضى على انتقالنا إلى بيتنا الجديد حوالي عشر سنوات، كنت معتادا على أن ازور بيتنا القديم مرّة في العام متفقّدا ممرّاته وغرفه ومتذكّرا كلّ زاوية فيه ارتبطت بقصّة أو حكاية من الزمن الماضي عندما كنّا نعيش هناك.
    وكنت كلّما ذهبت إلى هناك تمثّلتُ كلمات أغنية الفنّان الجميل وديع الصافي رحمه الله: يا بيتنا يا موطن الاحرار ، مثل دارك ما تعمّر دار. رجعنا نضوّي سراجك المطفي، ونسمع حكاية جدّنا الختيار".
    وفي إحدى السنوات، وأثناء إحدى زياراتي للبيت، لاحظت أن الحديقة التي كانت أمّي قد زرعت فيها بعض الأزهار ونباتات الزينة، بالإضافة إلى شجرتين كبرتا في ما بعد وأصبحت ظلالهما الوارفة تغطّي الفناء كلّه، قد جفّت تماما تقريبا وأن سقف المطبخ المبنيّ فوق السطوح أصبح متداعيا بفعل المطر والرياح.
    جلست أتأمّل المنظر بحزن. وفي ذلك المكان المكشوف تحت السماء مباشرة وحيث الأفق المفتوح المشبع بالنسائم الجبلية، لمحت التنّور، أو بالأصح ما تبقّى منه. هنا كانت والدتي تعدّ لنا الخبز ونحن صغار في عزّ الشتاء. ولم يكن يثنيها عن تلك المهمّة البرد القارس ولا الأمطار الغزيرة أو أصوات الرعد التي تصمّ الآذان.
    في تلك الأيّام، كانت الشمس تختفي طوال شهر كامل لا تكفّ خلاله الأمطار عن الهطول، سواءً في النهار أو الليل. وكانت درجة الحرارة تصل بالكاد إلى ما فوق الصفر بقليل، مع طبقة من الضباب الذي يتشكّل فوق قمم الجبال ثم لا يلبث أن يأخذ طريقه نزولا إلى القرى المتناثرة أسفل متخلّلا دروبها وأزقّتها وبساتينها. ومع ذلك كنّا ونحن أطفال نفرح كثيرا بتلك الأجواء لأنها تعفينا عن الذهاب إلى المدرسة وتقنع أهلنا بإبقائنا داخل البيوت كي ننعم بالدفء والراحة.
    مرّت سنوات والبيت المهجور يقاوم كلّ علامات البِلى والتلاشي. وذات سنة كاشَفَنا أبي، الطيّب والخيّر بطبعه، بنيّته بهدم البيت وتحويل أرضه إلى مقبرة يدفن فيها الناس موتاهم.
    وبالفعل تمّ هدم البيت وسُوّي بالأرض ثمّ اُحيط فراغه بسياج. صحيح أنني حزنت على المصير الذي انتهى إليه، لكن ما خفّف ذلك الشعور كان حقيقة أن البيت تحوّل إلى وقف ينتفع به عامّة الناس.
    والمفارقة أن أمّي كانت أوّل من دُفن هناك، إذ كانت تعاني، لسنوات قبل ذلك، من مرض اختصر حياتها مبكّرا لأنه لم يكن قابلا للشفاء. وفكّرتُ وقتها في أن أبي ربّما استشعر أيضا قرب رحيل الوالدة، وكان في نيّته أن تسكن روحها في ذلك المكان الذي طالما عاشا فيه معا أعواما طوالا.
    الآن عندما أتذكّر بيتنا القديم، يطلّ من ثنايا الذاكرة الوجهان الوضّاءان لأبي وأمّي رحمهما الله. وأتذكّر أيضا، من ضمن أشياء أخرى كثيرة، ليالي سمرنا وموقد النار ورائحة الليمون والجوّاف والنعناع والقهوة المرّة في الصباح.
    كما أتذكّر عبق البخور ممزوجا برائحة المطر والتراب في بدايات المساء وهي تعطّر أرجاء البيت، قبل أن تتسلّل مع الهواء إلى الخارج لتضفي على الأجواء حميميةً ودفئاً.
    وأيضا لا يمكن أن أنسى الأرواح الجميلة التي عرفناها هناك وأسعدتنا وآنستنا. ومن بين هؤلاء جارنا الشاميّ الطيّب الأستاذ مصطفى وزوجته نهلة.
    كانت الزوجة ذات تقاطيع جميلة ودقيقة. وإلى اليوم ما أزال أتذكّر ملامحها كلّما رأيت وجه المرأة/الملاك التي تطلّ من لوحة رافائيل المشهورة "مادونا كنيسة سيستينا"، أو كلّما استمعت إلى أغنية بعينها لفيروز لم تكن تملّ من سماعها.
    بعد سنوات من وفاة الوالدة، توفّي أبي، هو أيضا، ودُفن إلى جوارها على ثرى بيتنا القديم. وبين هذين التاريخين وبعدهما، احتضنت أرض البيت العديد من رفات أقاربنا الآخرين وغيرهم من الناس البعيدين ممّن اختارهم الله إلى جواره.
    منذ أن كنت صبيّا، لا أتذكّر أن أبي عاد إلى البيت ليلة دون أن يصطحب معه ضيفا، عابر سبيل أو غريبا صادفه في الطريق أو لقيه في المسجد، ليكرمه ويؤويه. أرواح كثيرة، بعضها نعرفه ومعظمها لا نعرفه، عبرت باب بيتنا وحلّت في فنائه وضمّتها مجالسه وغرفه عندما كان ما يزال عامرا وضاجّاً بالحياة. وإلى اليوم ما يزال البيت يقوم بتلك المهمّة، وإن بطريقة مختلفة، حتى بعد أن زال من الوجود وأصبح أثرا بعد عين.
    للحديث بقيّة..

    Thursday, September 17, 2015

    أماكن شفّافة/2


    الافتتان بالأماكن الغامضة شغل عقول البشر منذ آلاف السنين. الشعوب القديمة كانت تضع علامات على الأماكن التي تعتبرها خاصّة وتستحقّ أن يتذكّرها الناس، وكأن في هذا إشارة إلى أن شيئا ما مقدّسا واستثنائيّا حدث هنا، وأن عليك أن تأتي إلى المكان لتغيّر نفسك وتتذكّر بأن البشر جميعهم مترابطون داخل وخارج الزمان والمكان.
    وغالبا فإن هذه الأماكن توحي بالارتباط بالروح العظيمة "أو الله" وبالعالم الآخر وبأولئك الذين عاشوا قبلنا على هذه الأرض.
    سكّان أوربّا القدماء كانوا يعتقدون بوجود فتحات في سطح الأرض يستخدمها ساكنو العالم الآخر للتنقّل ما بين العوالم. وفي ثقافات الشعوب القديمة، كانت الأبواب والعتبات والجسور وغيرها من المنافذ ترتبط بحرّاس أو حُجّاب مهمّتهم مساعدة الناس في العبور إلى أمكنة أخرى.
    كان القدماء يحسّون، بعمق، بهذه الأماكن. وكانوا عندما يزورونها يشعرون بالسعادة والرهبة، وبعد أن يغادروها يعاودهم الحنين إليها فيزورونها مجدّدا، ومع كلّ زيارة يشعرون بخصوصية المكان وبكونه مختلفا.
    الأماكن الشفّافة بالمفهوم التقليدي توجد غالبا في أماكن عليها علامات مثل الأبنية الحجرية التي نصبها أقوام منذ أزمنة قديمة جدّا، مثل تلك التي في انجلترا وايرلندا وتركيا واليونان والبيرو والمكسيك غيرها.
    الحجارة نفسها هي علامات على الحدود بين المعلوم والمجهول، مثلما أن الغسق والفجر يمثّلان علامتين على تحوّل النهار إلى ليل أو العكس.
    والأماكن الشفّافة لا تقتصر على المعابد والأديرة والأضرحة القديمة ولا على المناطق الأثرية في قلب الصحراء من قبيل تلك تحدّث عنها صاحبنا. بل يمكنك أيضا أن تجد لمحة من شفافية عندما تنظر إلى جبل مضيء في الليل، أو عندما تتذوّق ثمار فاكهة تنمو في البرّية، أو عندما تراقب السماء في ليلة يزيّنها قمر كامل وترصّعها النجوم، أو عندما تشرب من نبع ماء بارد وصافٍ أو من نافورة مخبّأة بعيدا عن الأعين.
    وطبعا الكثيرون منّا يعرفون ما للماء من سمات تحوّلية وخصائص تأمّلية، ويفهمون أيضا العلاقة الأزلية بين الضوء والعتمة. أمّا القمر فلطالما نُظر إليه باعتباره منفذا من الدنيويّ والمؤقّت إلى الخالد والأبديّ. والفكرة هنا هي أنه، وأيّا ما كان إدراكك للعالم الآخر، فإن المكان الشفّاف هو الذي يربطك بذلك العالم.
    الأماكن الشفّافة تمنحك إحساسا بالماضي وانه ما يزال حاضرا في المكان. وهي مرتبطة أكثر بالطبيعة الفطرية. كما أن إمكانية السيطرة عليها أقلّ، وما لا يمكن التنبّؤ به فيها يصبح وسيلة استكشاف.
    والمكان الشفّاف لا تكتشفه بمجرّد انتقالك إلى حالة من التأمّل أو النشوة الروحية. المكّان نفسه شفّاف بطبيعته، ما يتيح للتأمّل أن يصبح أكثر قوّة وعمقا. وغالبا فإن ما يحدّد أنه شفّاف قد يكون طبيعة الظلال أو الضوء أو الصمت أو نوعية الأصوات فيه.
    والمتصوّفة يطلقون على هذه الحالة "الإشراق" أو "النورانية". ووظيفتها أنها تجعلك أكثر وعيا بالقناع الشفّاف الفاصل ما بين الواقع الظاهريّ وعالم الخفاء أو الغيب.
    والمكان الشفّاف ليس بالضرورة مكانا هادئا ولا حتى جميلا، رغم انه قد يكون كذلك أحيانا. وهناك من هذه الأماكن ما قد يثير في النفس الرهبة والخشوع، مثل المعابد القديمة التي يقصدها الناس للتعبّد والصلاة.
    عندما تذهب إلى أماكن مثل مكّة أو القدس أو الفاتيكان مثلا، تحسّ أنك انتقلت قرونا إلى الوراء بلمح البصر. ثمّة قدسيّة لإيقاع الحياة في مثل هذه الأماكن. وكثيرا ما نسمع بعض الأشخاص وهم يتحدّثون عن رؤيتهم لطيف نبيّ أو قدّيس أو ملاك في هذا المعبد أو ذلك المزار.
    في عالم الروايات الخيالية، يحاول الكاتب أو الروائي الدخول إلى عوالم مجهولة. ونفس الشيء ينطبق على الأماكن الشفّافة، فأنت من خلالها تعبر من عالم إلى آخر.
    وفي بعض الخرافات والأساطير التي تختزنها الذاكرة الثقافية من زمن الطفولة، نستطيع أن نرى أمثلة على الأخطار والأعاجيب التي يمكن أن تواجهنا ونحن نعبر بعض الأمكنة، من وحوش وجان وأرواح ومخلوقات غريبة.. إلى آخره.
    وهناك أساطير عن أناس مشوا عبر بعض الأماكن وقضوا ليالي وأيّاما مع الجان، ثم عادوا ليجدوا أن عشرات السنين انقضت من أعمارهم دون أن يشعروا. وهذه القصص، على غرابتها وصعوبة تصديقها، يُفترض أنها هي أيضا تحدث في أماكن شفافّة يتقاطع فيها عالمنا مع عوالم أخرى.
    الروحانيون من جهتهم يتحدّثون عن طبقات متعدّدة للوجود: الطبقات السفلية لها بعد مادّي، والعلوية ذات بعد روحاني. لكنّها ليست أماكن متمايزة تماما، بل يفصل بينها حجُب رقيقة وشفّافة يُعبّر عنها في الأساطير القديمة بالضباب، وكلّ منها يعكس حالات ذهنية مختلفة ومستويات متباينة من الوعي.
    وأخيرا، المكان الشفّاف له معنى مجازيّ يتمثّل في أهميّة أن ندرك أن جميع الأماكن يمكن أن تكون شفّافة، وأن نتدرّب على أن نجعل الأماكن الأخرى في حياتنا أكثر شفافية. وفي الواقع فإن في حياتنا أمكنة يمكننا أن نجد فيها عمقا بالارتباط أكثر مع الخالق، وبما يحفّزنا على المحبّة وعلى النيّة الخالصة والعمل الطيّب.

    Credits
    patheos.com
    onbeing.org

    Thursday, September 10, 2015

    أماكن شفّافة


    هل سبق لك يوما أن ذهبت إلى مكان ما وشعرت بأنه يدعوك، يجذبك إليه, وينقلك إلى عالم آخر؟ مثل هذه الأماكن الغريبة نرتادها من وقت لآخر في حياتنا، أحيانا دون أن ندري أو نشعر، وبعضنا يدركون طبيعتها الخاصّة والبعض الآخر لا يفعلون.
    ذات مرّة، كنّا ثلاثة أشخاص نتسامر ونتبادل الأحاديث والقصص في ليلة هادئة من ليالي الصيف. وقصّ علينا أحدنا كيف انه ذهب في احد الأيّام إلى أعماق الصحراء للنزهة والاستكشاف. وأثناء رحلته حدث أن تاه في بعض تلك النواحي وأضاع طريقه.
    وبينما هو يجهد للبحث عن درب آمن يخرجه من التيه ويعيده من حيث أتى، إذا به يتعثّر فجأة بمشهد خُيّل إليه انه ينتمي إلى عالم آخر. وقال انه رأى صروحا فخمة تبرز من وسط الرمال وتعود إلى عصور قديمة، وصخورا منقوشا عليها صور لطيور وحيوانات وبشر.
    كان هناك أيضا في وسط ذلك المكان جدول ماء جارٍ تحفّه أشجار وحجارة غريبة الأشكال. كان الصمت المطبق يلفّ المكان مع إحساس بالرهبة والتوجّس. وقال وهو يصف شعوره في تلك اللحظات: داهمني إحساس بالانفصال عن كلّ شيء، ثم شعرت كما لو أن جزءا منّي ثابت على الأرض والجزء الآخر يرقى مرتفعا في الهواء".
    وأضاف: للحظات أحسست كما لو أن حجابا انزاح من أمامي وأنني، من مكاني في العالم المنظور الذي أراه وأشعر به، أقف على عتبات عالم آخر خفيّ لا أراه رأي العين لكنّي أتخيّله بعين الإدراك والبصيرة".
    كنّا نستمع بفضول إلى حديث صاحبنا وهو يصف المزيد مما رآه في تلك البقعة. ولولا أننا نعرف الرجل جيّدا ونعرف عنه صدقه وركادته لشككنا في حديثه. وبعد أن انتهى من كلامه قلت معلّقا: هذه القصّة وإن بدت غريبة بعض الشيء، إلا أنني لا استغرب حدوثها فعلا. فهناك شيء يُسمّى الأماكن الشفّافة، وهو مصطلح معروف ومتداول منذ القدم. واعتمادا على وصف ذلك الصديق، قد يكون ما رآه احد هذه الأماكن.
    الكلت مثلا، وهم قبائل وثنية كانت تسكن غرب أوربّا قبل ظهور المسيحية بزمن طويل، يصفون المكان الشفّاف بأنه مكان يمتزج فيه العالمان الطبيعيّ والمقدّس ويتشارك فيه المرئيّ والمخفيّ على صعيد واحد.
    وأنت تدخل أحد هذه الأمكنة، تحسّ وكأنك تمشي بين عالمين، والمكانان ممتزجان معا ومترابطان بحيث تتلاشى الفوارق بينهما ويصبحان بطريقة ما عالما واحدا. ومثل هذه الأماكن لا تُدرك عادة بالحواسّ الخمس، بل إن إدراكها يذهب إلى ما هو ابعد من ذلك بكثير.
    أتذكّر، وكنت ما أزال صبيّا، بعض بيوت الحجر التي كنت أراها في الجبال القريبة من بيتنا. تلك البيوت بُنيت بالكامل من قطع الحجارة قبل مئات، وربّما آلاف السنين ولم يتبقّ منها من الناحية الفيزيائية سوى جدران مهدّمة إنمحت معالمها وحجارة مصفوفة على هيئة دوائر أو مبعثرة هنا وهناك.
    كنت أتأمّل تلك البيوت البدائية أو ما تبقّى منها، وأشعر بأرواح من سكنوها وهي تخيّم فوق المكان. ولطالما أحسست بأن هناك قوّة غامضة وقويّة تتخلّل كلّ تفاصيل المكان. إنها القوّة الخفيّة التي تحاول أن تُشعرنا بوجودها، لكنّها عصيّة على كل إثبات، بسبب أنها تختلف عن كلّ ما ندركه بالحواسّ العاديّة ولأنها تتجاوزها وتسمو عليها.
    وكنت أتساءل كلّما ذهبت إلى ذلك المكان: ترى من كان يعيش هنا، من مشى بقدميه وسط هذا المكان، ومن لمس بيديه هذه الحجارة، ومن تسلّق تلك الشجرة الضخمة في حضن الجبل والتي عمّرت لمئات السنين، ومن صلّى هنا، وكيف كانت ملامح النساء اللاتي طالما مشين هنا مع أطفالهنّ وأغنامهنّ أو جلسن عند حافّة الغدير الذي غيض ماؤه وتغيّرت تضاريسه كثيرا بعد مرور كلّ هذه القرون.
    والناس الذين كانوا يسكنون هذا المكان، ترى كيف كانت حياتهم وكيف كانوا يقضون لياليهم وأيّامهم، وماذا كانت تراودهم من أمانٍ وأحلام؟ الأرجح أن حياتهم كانت بسيطة، وبالتالي كانت طموحاتهم سهلة ومتواضعة.
    وبينما أنت تفكّر في هذه الأسئلة، تشعر بأن الوقت قد توقّف، وأنك في حالة توحّد مع روح الإنسان الذي عاش هنا في العصور الخوالي ومع أرواح آلاف البشر الآخرين الذين سيأتون ويعيشون في نفس هذا المكان من بعدنا.
    عندما تقف عند أطلال قديمة وتتساءل عن القصص التي حدثت في الماضي هناك ولم تُقل بعد، أو عندما تقف على قمّة جبل وتتأمّل الطبيعة من حولك والتي لا يحدّها حدود، فتلك بلا شكّ تجربة فريدة من نوعها وتتجاوز الحواسّ.
    وهذه الأماكن تؤدّي بمعنى ما وظيفة آلات الزمن. فأنت تقف في المكان ثم تطلق العنان لعقلك كي يعود إلى الوراء مئات وآلاف السنين ويتخيّل طبيعة حياة الأقدمين الذين تعاقبوا على سكنى المكان.
    ولأن طبيعة الأماكن الشفافّة تتجاوز حدود الزمان والمكان، فإنها تأسر الخيال ويشعر الإنسان إزاءها بالضآلة إذ يصبح هو جزءا من شيء اكبر من أن يدركه أو يفهمه.
    والمكان الشفّاف يمكن أيضا أن يكون بحيرة هادئة وسط جبال أو تلال. ويمكنك أن تحسّ بالمكان لأنه يجلب لك وعيا ما، كأن يذكّرك بطفولتك أو بفترة من فترات حياتك مثلا. والجبال والأنهار مفضّلة عادةً كأماكن شفّافة، لكونها علامات على الحدود الأفقية والعمودية التي تفصل بين الأشياء، ومن ثمّ لقدرتها على أن تخلق وعيا بلحظة ما أو حالة أو تجربة معيّنة.
    للحديث بقيّة ..

    Saturday, September 05, 2015

    رحلة إلى العملاق الثلجي


    الصورة فوق متخيّلة. وهي تُظهر كيف كان سيبدو حجم وشكل ولون كوكب أورانوس من الأرض لو انه يقع على نفس المسافة التي يبعد بها القمر عن الأرض.
    عندما تنظر إلى هذه الصورة المركّبة ربّما يعتريك شعور بالرهبة، تماما مثل ما حصل معي وأنا أتأمّلها. لاحظ كيف أن جوّ الليل اكتسى ضوءا مشوبا بزرقة شاحبة. والأزرق هنا لا يشيع إحساسا بالطمأنينة أو الارتياح، وإنما بالضيق والكآبة وربّما الخوف.
    ثم قارن هذا المنظر السوريالي الغريب بالقمر الذي نعرفه والذي يثير منظره وضوؤه في النفس إحساسا بالبهاء والأمان والسكينة. الشاهد من هذا الكلام هو أن الخالق الجميل قدّر كلّ شيء في هذا الكون بقدَر وأحصى النسب والاحتمالات بدقّة ولم يترك شيئا للحظّ أو الصدفة.
    في موضوع سابق قبل بضعة أشهر، ذهبنا في زيارة سريعة إلى كوكب الزهرة أو "أرض جهنّم". واليوم نترك الزهرة خلفنا ونتّجه أكثر فأكثر إلى الأطراف البعيدة جدّا للنظام الشمسيّ؛ إلى العوالم الغازيّة الضخمة حيث الجوّ أكثر برودة وضوء الشمس اشدّ خفوتا، لنتوقّف عند العملاق الثلجيّ المسمّى أورانوس.
    لكن في البداية: من أين أخذ هذا الكوكب اسمه؟
    أورانوس هو اسم إله السماء الإغريقيّ. وفي أساطير الفلك، كان اسم الأرض غايا باليونانية. وغايا "أو الأرض" كانت أمّ الجبال والوديان والجداول وكافّة التشكيلات البرّية الأخرى. وكانت متزوّجة من أورانوس الذي كان هو نفسه ملك الآلهة، إلى أن أطاح به ابنه ساتورن "أو زُحل".
    وأورانوس، الكوكب، هو واحد من تلك العوالم الغريبة التي تبدو منسيّة تقريبا في المخطّط الكبير للنظام الشمسيّ، على الرغم من اسمه غير العاديّ والذي كثيرا ما يخطئ الناس في نطقه. فلنعتبره شقيق نبتون النائي جدّا في نظامنا الشمسي. ومع ذلك فهو يستحقّ الاستكشاف لأن من شأن دراسته أن تعطي فكرة عن تشكّل العوالم الغازيّة في نظامنا.
    وأورانوس هو سابع أبعد كوكب عن الشمس. ولأنه بعيد جدّا عن الأرض، فإنه لا يتحرّك بسرعة في السماء الليلية. لذا فإن العديد من الفلكيين القدماء ظنّوا انه نجم. بل وحتى العلماء الذين أتوا في ما بعد، ومنهم مكتشفه وليام هيرشل، اعتقدوا في البداية انه مذنّب.
    المركبة فويجر 2 سبق أن حلّقت بالقرب منه عام 1986 في رحلتها الطويلة عبر النظام الشمسيّ وجمعت الكثير من المعلومات والصور. وعندما وصلت أوّل تلك الصور إلى الأرض في يناير 1986، شعر العلماء بخيبة أمل عندما رأوا فيها كوكبا أزرق شاحبا وبلا ملامح. لكن تلك المعلومات والصور ساعدت في تحديد مهامّ مستقبلية لدراسة هذا الكوكب الغامض.
    أورانوس هو الكوكب الوحيد في نظامنا الشمسيّ الذي لا يدور حول محوره. كما انه، وخلافا لبقيّة الكواكب، مائل بمقدار 99 درجة، أي أنه يدور على جانبه. وبسبب ميلان محوره بشدّة، فإن طقسه غير مألوف، وتثور في أجوائه عواصف ربيعية عملاقة يمكن أن تصل أحيانا إلى حجم أمريكا الشمالية.
    ويسود اعتقاد بأن جسما ضخما ارتطم بهذا الكوكب منذ أزمنة سحيقة. وعلى ما يبدو كان الارتطام قويّا جدّا لدرجة انه غيّر تماما وإلى الأبد اتّجاه دورانه.
    لكن هناك نظرية أكثر حداثة تقول إن الميلان الشديد لمحور أورانوس قد يكون ناجما عن قمر كبير جُذب ببطء بعيدا عنه من قبل كوكب كبير آخر. ويُحتمل أن يكون هذا حدث منذ فترة طويلة جدّا عندما كان نظامنا الشمسيّ ما يزال في بدايات تشكّله.
    وعلى الرغم من أنه يمكن رؤية أورانوس بالعين المجرّدة في السماء ليلا، تماما مثل الكواكب الكلاسيكية الأخرى، أي عطارد والزهرة والمرّيخ والمشتري وزُحل، إلا انه ساد ولفترة طويلة اعتقاد خاطئ بأنه نجم بسبب ضوئه الخافت ودورانه البطيء.


    وهذا الكوكب هو عبارة عن عالم غازيّ أخضر مشوب بزرقة. وهو أصغر من كوكب المشتري وزُحل الضخمين. ومثل هذا الأخير، فإن له سلسلة من الحلقات المتّحدة المركز. وفي حين أنها ليست مميّزة من حيث الحجم كما حلقات زُحل، إلا أنها غير عاديّة، بل وفريدة من نوعها. والأكثر غرابة هو أن هذه الحلقات مموضعة جانبيّا كما هو وضع الكوكب نفسه.
    ويُعتقد أنه يتألّف من الصخور والجليد، كما أن له نواة صلبة كبيرة. وبسبب الضغط الهائل في الكوكب، ثمّة احتمال بوجود كمّيات كبيرة من قطع الألماس الضخمة فيه أو على سطحه.
    قطر أورانوس يبلغ أكثر من 50 ألف كم، أي حوالي 4 أضعاف قطر الأرض. وهو يبعد عن الشمس بحوالي 3 بلايين كيلومتر. ويلزمه 84 عاما كي يدور مرّة واحدة حول الشمس. وهذا يعني أن العام الواحد على الكوكب يساوي 84 عاما بزمن الأرض.
    أما النهار على أورانوس فيستغرق 17 ساعة فقط بزمن الأرض. ولكن ميلان الكوكب أدّى إلى أن أحد قطبيه فقط هو الذي يواجه الشمس. لذلك، عندما تقف على القطب الشماليّ للكوكب، يمكنك أن ترى الشمس وهي ترتفع في السماء وتدور حول الكوكب لمدّة 42 عاماً بزمن الأرض قبل أن تغرب أخيرا تحت خطّ الأفق. وعند غروب الشمس وراء الأفق، تبدأ 42 عاما أخرى من الظلام.
    ويتألّف أورانوس في الغالب من غاز الميثان الذي أعطاه لونه الأزرق المميّز. ويظهر في سمائه 27 قمرا يحمل معظمها أسماء شخصيّات من أعمال وليام شكسبير وألكسندر بوب. وأكبر هذه الأقمار هو تيتانيا، يليه أوبيرون فـ أرييل وميراندا وكورديليا وجولييت وكريسيدا وأوفيليا. وتتألّف هذه الأقمار في الغالب من الجليد والصخور.
    وأورانوس يُعتبر أبرد كوكب في النظام الشمسيّ كلّه. ورغم أن نبتون أبعد عن الشمس منه بأكثر من بليوني كيلومتر، إلا أن أورانوس أشدّ من نبتون برودة. كما انه يمتصّ حرارة من الشمس بأكثر مما يشعّه منها. بل إن ما يشعّه من حرارة قليل جدّا.
    ورغم ذلك، يرجّح العلماء إمكانية وجود محيط ضخم تحت سطحه. والمثير للاهتمام أنه يُعتقد أن درجة حرارة هذا المحيط قد تكون ساخنة للغاية، وربّما تبلغ 2760 درجة مئوية!
    أورانوس كان أوّل كوكب في النظام الشمسيّ يتمّ "اكتشافه". والكواكب التي كانت معروفة وقت اكتشافه هي عطارد والزهرة وزُحل والمرّيخ والمشتري. وهذه الكواكب هي التي كان قد رآها علماء الفلك القدامى عيانا دونما حاجة إلى تليسكوبات أو مناظير وأطلقوا عليها أسماء آلهة.
    أمّا أورانوس فلم يُكتشف إلا في وقت متأخّر جدّا، وبالتحديد في مارس من عام 1781، على يد عالم الفلك البريطاني وليام هيرشل وباستخدام أجهزة علمية.
    في ذلك الوقت كان علماء الفلك يبحثون في السماء الليلية عن المزيد من الكواكب، وسرعان ما وجدوا أورانوس ونبتون. وتلا ذلك اكتشاف الكوكب التاسع بلوتو الذي أصبح الآن مصنّفا كنجم.
    وكان من بين الأسماء التي اقتُرحت للكوكب في البداية "مينيرفا" إلهة الحكمة الرومانية و"هيرشل"، أي اسم مكتشفه. وفي محاولة منه لمجاملة ملك انجلترا آنذاك جورج الثالث، عرض هيرشل أن يطلق على الكوكب اسم كوكب جورج. لكن الفكرة لم تلاق استحسانا خارج انجلترا. ثم جاء الفلكيّ الألمانيّ يوهانس بود الذي دوّن معلومات مهمّة عن مدار الكوكب وأطلق عليه اسمه الحالي، أي أورانوس.
    وكان اختيار هذا الاسم مناسبا كثيرا. فـ ساتورن "أو زُحل" هو اسم والد جوبيتر "أو المشتري". ومن المنطقيّ أن يحمل الكوكب الذي يليه إلى الخارج اسم والد ساتورن، أي أورانوس.

    Credits
    universetoday.com
    space.com

    Thursday, August 27, 2015

    عشّاق الراست


    قرّاء وأصدقاء هذه المدوّنة مقامهم عندي دائما عالٍ وهم أعزّاء كثيرا على قلبي ونفسي. وأنا في الواقع مدين لهم بالشكر والعرفان لأن صدورهم تتّسع لبعض ما اكتب، ولأنهم يتفاعلون إيجابا، وأحيانا سلبا، مع الكثير ممّا يُكتب هنا. وبفضل تشجيعهم ودعمهم وملاحظاتهم، بقيت المدوّنة واستمرّت على مرّ هذه السنوات.
    وأنتهز هذه الفرصة لأشكر وأثني على كلّ من كتبوا إليّ مؤخّرا متسائلين عن السبب في أن المواضيع أصبحت قليلة ومتباعدة في الأشهر الأخيرة.
    وأقول لهم إن ملاحظتهم في مكانها، وأن هذا الوضع سيتغيّر في الفترة القادمة بعد أن قرّرت أن اخصّص وقتا أطول للكتابة هنا، متمنّيا أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق.
    ومن أجل هذا الغرض، أوقفت مؤقّتا حسابي في تويتر وفي غيره من مواقع التواصل بعد أن تبيّن لي، ودون أن اشعر أحيانا، أن الكثير من الوقت يُهدر هناك بلا طائل أو فائدة، في حين أنه يُفترض أن يُستغلّ في المطالعة والكتابة وفي ما هو أكثر منفعة وجدوى.
    موضوع اليوم أردته أن يكون خفيفا وسهل الهضم إلى حدّ ما. وهل هناك ما يمكن أن ينطبق عليه هذا الوصف أكثر من الموسيقى؟!
    في الأشهر الأخيرة اكتشفت أنني بدأت أميل إلى قراءة ومعرفة كلّ شيء ذي صلة بالموسيقى التراثية الشرقية. وبدأت هذا النوع من حبّ الاكتشاف بمحاولة الاقتراب من كلّ ما له علاقة بأغاني التراث، وخاصّة بالمقامات الموسيقية.
    ثم خطر ببالي أن أفضل ما يمكن أن أبدأ به هو التعرّف إلى المقام الأكثر قربا من نفسي، ألا وهو مقام الراست. وشغفي بالراست قديم ولا يمكن وصفه. ولطالما استوقفتني تلك المسحة من الشجن والإحساس بالتوق والحزن الشفيف التي يثيرها هذا المقام في نفس السامع.
    ولكي لا يأخذ عليّ احد أنني أتحدّث في مجال لا يخصّني، أبادر للقول أن كلّ الكلام الذي أكتبه هنا قد لا تكون له علاقة بالعلميّة، بل هو في نهاية الأمر مجرّد انطباعات وأفكار شخصيّة.
    وأظنّ أن أفضل تمهيد لموضوع عن مقام الراست هو هذا السؤال الذي اطرحه على القارئ العزيز: ترى هل لاحظت أحيانا أنك تميل إلى سماع نوع معيّن من الأغاني والألحان التي تطرب لها أكثر من غيرها؟ إستمع مثلا الى هذا الموشّح ، أو الى هذه الأغنية ، أو هذه ، أو إلى هذا الموشّح المشهور ، أو هذه الاغنية أو هذه ..
    إن كانت هذه الأغاني، أو بعضها على الأقل، تستهويك وتطربك وتعشقها روحك، فأنت بدون شكّ، مثلي، من عشّاق مقام الراست.
    الراست يقال انه فارسيّ الأصل، ومعنى الكلمة في الفارسية الخطّ المستقيم. لكن بعد ان استوعبته الموسيقى العربية، اصبح الراست سيّد المقامات العربية بلا منازع.
    والمعروف أن هناك سبعة مقامات اخرى في الموسيقى العربية بالاضافة الى الراست، وهي الصبا والنهاوند والعجم والبياتي والسيكا والحجاز والكرد. وبداخل كلّ واحد من هذه المقامات، يوجد عدد من المقامات او "الاجناس" الفرعية.
    الراست، مثلا، يتفرّع عنه حوالي خمسين مقاما آخر. وعملية التحويل المقامي داخل الراست تعني مثلا انه يمكن تغيير نغمة الجارغاه إلى ميم حجاز، والسيغا إلى بوسيليك، والنهاوند إلى نوى.. وهكذا. وهذه الاجناس الفرعية هي التي تتلوّن وتتمدّد حتى تعطينا سلالم أخرى ضمن عائلة الراست نفسها.
    لكن هل من سمات محدّدة تميّز هذا المقام الموسيقيّ عن غيره؟ والجواب نعم. لكنّي بصراحة لا أعرفها لأنني غير ملمّ بالموضوع بما فيه الكفاية. لكن ومن خلال تجربة السماع المتواتر، يمكنني أن ازعم أنني استطيع بمجرّد سماع بداية أيّ أغنية أن أعرف إن كانت من مقام الراست أم لا.
    والآن هناك احتمال بأن أغنية واحدة على الأقلّ من الأغاني السابقة قد حرّكت مشاعرك أو ضربت على وتر حسّاس داخل نفسك. وربّما أتخيّلك وأنت تهزّ رأسك انتشاءً وتأثّرا بينما تستمع إلى الموسيقى. وهنا يكمن سحر مقام الراست، التطريبي بامتياز والرقيق الناعم بلا حدود والقادر على استثارة الذكريات والصور القديمة.
    والآن هل تريد أن تستمع إلى المزيد من الأغاني كي تنطبع فكرة وصورة الراست في ذهنك أكثر؟
    إذن إستمع إلى هذه الأغنية ، أو هذه ، أو هذه ، أو هذه . اما إن أردت اغنية تكون مسك الختام بنكهة الراست وأريج القصيد الجميل فلا اعتقد ان هناك افضل من هذه الأغنية الخالدة والعظيمة.

    Saturday, August 15, 2015

    موزارت: القدّاس الجنائزي


    من أكثر أعمال الموسيقى الكلاسيكية شهرة وإثارة وغرابة القدّاس الجنائزي لموزارت. وأحد أهمّ الأسباب في كون هذا العمل مثيرا ومشهورا هو طبيعة القصص التي نُسجت حوله والتي يشبه بعضها الأساطير.
    وأنت تسمع قدّاس موزارت، يُخيّل إليك انك تمشي باتّجاه حفرة كبيرة. والحفرة تقع على الجانب الآخر من هاوية لا يمكن أن تراها إلا عندما تصل إلى حافّتها.
    موتك ينتظرك في هذا الجُبّ. وأنت لا تعرف هيئته ولا صوته ولا رائحته. أيضا أنت لا تعرف ما إذا كان جيّدا أو سيّئا. فقط تمشي باتجاهه.
    إرادتك عبارة عن آلة كلارينيت وخطى قدميك مجموعة من آلات الكمان. وكلّما اقتربت من الحفرة، كلّما ساورك إحساس بأن أمرا ما مرعبا ينتظرك هناك.
    ومع ذلك فأنت تمرّ بهذا الرعب كنوع من النعمة أو المنحة. مشيك الطويل ما كان ليكون له معنى لولا وجود هذه الحفرة في نهايته.
    وأنت تحدّق في الهاوية، تسمع فجأة ضوضاء أثيرية تتهشّم فوقك. في الحفرة ثمّة جوقة كبيرة. هذه الجوقة هي المُضيف السماويّ، وفي الوقت نفسه جيش الشيطان. وهي أيضا كلّ شخص أحدث فيك تغييرا أثناء حياتك على هذه الأرض: الأفراد الكثيرون الذين أحبّوك، عائلتك، أعداؤك، والنساء البلا اسم أو ملامح اللاتي نمن في فراشك، والمرأة التي كنت تعتقد انك ستتزوّجها، والمرأة التي تزوّجتها فعلا.
    وظيفة هذه الجوقة هي إصدار الحكم. الرجال يغنّون أوّلا، وحكمهم شديد للغاية. وعندما تنضمّ إليهم النساء، لا تكون هناك فترة راحة، فقط يتنامى النقاش بصوت أعلى وأكثر صرامة. إذن هو نقاش، تدرك ذلك الآن. الحكم لم يتقرّر حتى الآن. ومن المدهش كيف يتحوّل هذا الجَيَشان إلى صراع مثير على روحك التافهة.
    هكذا تصف زادي سميث قدّاس موزارت. لكن ما هي قصّة هذا العمل وكيف ظهر إلى الوجود؟
    في الواقع، قصّة القداس أشبه ما تكون برواية بوليسية تمتلئ فصولها بكلّ عناصر الغموض والتشويق والإثارة. ولنبدأ القصّة من أوّلها..
    في احد أيّام شهر يوليو من عام 1791، وهي السنة التي توفّي موزارت في نهايتها، حدث شيء غريب. فقد زاره في بيته وهو على فراش المرض شخص مجهول قدّم نفسه على انه مبعوث من الكونت فون والسيغ. ولم يكن لموزارت سابق معرفة لا بالكونت ولا بالشخص الذي أرسله.
    وأبلغ المبعوث موزارت بأن سيّده يريد تكليفه بتأليف قدّاس جنائزي يحيي به ذكرى زوجته المتوفّاة. ثمّ دفع الرجل نصف المبلغ مقدّما، وأصرّ على أن يظلّ اسمه واسم سيّده مجهولا.
    كان الكونت فون والسيغ شخصا غريب الأطوار. وقد دخل التاريخ كمحتال ولصّ. كان عازف حجرة هاويا، وكان من عادته أن يكلّف المؤلّفين سرّا بتأليف أعمال موسيقية ثمّ يستلمها وينسبها لنفسه.
    وقد دأب الرجل على إقامة حفلات موسيقية لأصدقائه في منزله كان يعزف خلالها تلك الأعمال المسروقة زاعما انه هو من ألّفها. وفي حالة موزارت أيضا، من الواضح أن الكونت كان يبحث عن شهرة ومجد موسيقيّ لا يستحقّهما عن طريق الادعاء بأن القدّاس من تأليفه.
    موزارت، من ناحيته، قبل التكليف. لكن زيارة ذلك الغريب أنهكت عقله وهدّت جسده الذي كان منهكا أصلا بسبب كثرة العمل والكحول، وأيضا بسبب المرض الغامض الذي سيقتله بعد أشهر.


    بدأ موزارت العمل على القدّاس. وفي الأثناء كانت تساوره الظنون بأن الزائر الغريب لم يكن سوى رسول أتى إليه من وراء القبر وأن الله هو من بعثه وأن الموسيقى ستكون من أجل موته.
    ولهذا كرّس كلّ طاقته لإنجاز العمل. ومن فترة لأخرى، كان ينصرف عنه ليعود للعمل على مؤلّفاته الأخرى. وعندما عاد إلى القدّاس ثانية كان قد أصبح مريضا جدّا. وحينما حضرته الوفاة في فيينا في الخامس من ديسمبر من نفس تلك السنة عن 35 عاما، لم يكن قد انتهى تماما من تأليف القدّاس.
    لكن بعد أيّام من وفاته، كانت أرملته كونستانزا حريصة على أن تحصل على بقيّة الأجر. ولذا قرّرت أن تعهد بالعمل سرّاً إلى عازف آخر كي ينجزه، على أن تسلّمه إلى الكونت كما لو أن موزارت نفسه هو الذي ألّفه بالكامل.
    ومن أوائل من فاتحتهم بالأمر المؤلّف الموسيقيّ جوزيف ايبلر الذي كتب أجزاءً منه قبل أن يعيده إلى كونستانزا. ثمّ سلّمته إلى فرانز سوسماير تلميذ موزارت وصديقه المقرّب الذي أضاف إليه وعدّل فيه بما يناسب طبيعته كـ قدّاس.
    سوسماير كتب الحركات الأربع الأخيرة من القدّاس بما فيها القطعة المسمّاة لاكريموزا، أي الحِداد (الأولى فوق). لكن طريقته في إعادة بناء العمل كثيرا ما تعرّضت للانتقاد، وقيل انه لم يجوّد عمله ولم يكن "موزارتيّاً" بما فيه الكفاية.
    في القدّاس أجزاء مظلمة وتضجّ بالحزن، وأحيانا بالثورة. لكن فيه أيضا أجزاءً مليئة بالسموّ والجمال. خذ مثلا المقطع المسمّى ريكوردير ، أو "تذكّر". الموسيقى هنا حميمة، رقيقة وذات جمال فتّاك. ثمّ إن هذا المقطع يمثّل الرؤية الوحيدة في القدّاس عن عالم لم يفسده الألم والحزن؛ لحظات عابرة من الصفاء لا تدوم طويلا. والحقيقة أن هناك غموضا فاتنا في هذا الموسيقى التي تحرّك الوجدان وتهزّ المشاعر بعمق.
    بموازاة قصّة موزارت مع الكونت، راجت أسطورة أخرى لا تقلّ إثارة. وقد بدأت هذه الأسطورة بعد وفاة موزارت بأربعين عاما، أي عام 1830، عندما كتب الشاعر الروسيّ الكسندر بوشكين دراما قصيرة بعنوان "موزارت وسالييري"، زعم فيها أن الأخير قام بتسميم موزارت عند إتمامه القدّاس. ثم تعزّزت القصّة أكثر عندما ألّف الموسيقيّ الروسيّ ريمسكي كورساكوف قطعة تتحدّث عن تلك المؤامرة المزعومة.
    في فيلم "اماديوس" للمخرج ميلوش فورمان، يظهر سالييري وهو يأخذ القدّاس من موزارت وينسبه لنفسه. وسالييري يُصوّر في الفيلم كشخص نذل وحاقد وحسود يسعى لإبعاد موزارت عن الرعاة والجمهور قبل أن يقوم بقتله بالسمّ.
    أما موزارت فيظهر في الفيلم كشخص غير ناضج ومجنون ومهووس بالجنس والشراب. وهذه الأوصاف في الحقيقة ليست بلا أساس. فموزارت كان، من عدّة وجوه، يشبه الطفل في تصرّفاته، تماما كما هو الحال مع معظم العباقرة.
    طبعا اليوم ليس هناك سوى عدد قليل ممّن يؤمنون بنظرية المؤامرة والسم. صحيح أن ثمّة من يقول إن سالييري اعترف بالجريمة، لكن هذا حدث بعد أن أصبح شيخا هرِما وبعد أن أصابه الخرف بعد محاولة انتحار. غير أن المقرّبين منه ظلّوا ينكرون تماما انه صدر منه مثل ذلك الاعتراف.
    وعلى الأرجح فإن موزارت مات متأثّرا بإصابته بمرض مُعدٍ بعد أن أنهك جسده لأشهر بسبب إسرافه في الكحول ومعاناته من مرض السيفلس.

    Credits
    classicalnotes.net
    baroque.org

    Wednesday, July 29, 2015

    أغاني جياكومو ليوباردي


    يقال أن الأرواح القلقة لا يناسبها التأمّل، والأرواح الهادئة لا تنجذب نحو التعصّب، والأشخاص الحسّاسين والميّالين للفنون يجدون ضالّتهم في الطقوس الصوفية، والأشخاص العقلانيين والفلاسفة يجدون متعتهم في العصف الذهني أو العقلي.
    ومع ذلك اعتقد أن الأشخاص المتأمّلين هم أكثر الناس عرضة للحزن والاكتئاب، ربّما لأنهم يفكّرون أكثر ويعملون أقل. وعلى رأس هؤلاء يأتي الفنّانون والشعراء على وجه الخصوص. لكنْ هناك طبعا أسباب مهمّة أخرى تستحقّ أن يُفرد لها موضوع مستقلّ.
    من أشهر المتشائمين في تاريخ الأدب العالمي الشاعر الايطاليّ الكبير جياكومو ليوباردي (1798-1837) الذي ظلّ ولفترة طويلة يحتلّ مكانة رفيعة في تاريخ التشاؤم الأوربّي. نظرة ليوباردي العدمية إلى الوجود لا يمكن أن نجد لها مثيلا إلا عند فلاسفة من أمثال شوبنهاور ونيتشه اللذين كانا معجبين به.
    منظور ليوباردي المتشائم والكئيب عن الحياة عبّر عنه في العديد من قصائده. في عام 1826 كتب يقول: كلّ شيء شرّ. أعني، كلّ شيء موجود لغاية شرّيرة. هذا الوجود معيب وشاذّ ومتوحّش. والشرّ هو الغاية والغرض النهائي من الكون. والشيء الوحيد الجيّد حقّا هو العدم".
    وفي خريف العام 1821، ألّف قصيدة يحتفي فيها بزواج شقيقته الصغرى باولينا. وفي حقيقة الأمر كانت تلك القصيدة نشيدا جنائزيّا أكثر منها ترنيمة فرح على شرف العروس. وعلى الأرجح لم تكن أخته تتوقّع أن تسمع قصيدة ابتهاج من شقيقها الكئيب والحزين دائما.
    لكن ليوباردي كان شاعرا يحترم الحقيقة كثيرا مهما كانت جارحة. وكان طوال حياته القصيرة يشعر انه لم يكن فقط محبوسا في منزل تحت سلطة أمّه المتعصّبة دينيّا ووالده العاجز، وإنما أيضا معزولا في المياه الخلفية المتهرّئة لـ ريكاناتي، وهي بلدة متواضعة لم يكن يحدث فيها شيء غير عاديّ.
    والأسوأ من هذا كلّه أن وطنه الحبيب ايطاليا كان قد أصبح خرابة. كان الناس قد نسوا مجد روما القديم، بل وأصبحوا يحتقرونه. فأيّ مستقبل يمكن أن يحلم به طفل لأخته "في بلد مهزوم ومنكسر لا يجد فيه السعادة غير الجبناء"، بحسب ما كتبه ليوباردي في إحدى قصائده؟
    الوجود نفسه بالنسبة للشاعر بدا مسموما. والأمل بتغيير الأحوال كان مجرّد وهم. لكن قلّة الأمل كانت لا تُحتمل. والطبيعة، مع كلّ جمالها، كانت متوحّشة ومستبدّة.
    مثل هذه الأفكار المظلمة يبدو أنها شكّلت وعي وعقل ليوباردي منذ سنواته المبكّرة. كان عبقريّا عندما كان ما يزال طفلا. ففي العاشرة من عمره استوعب المناهج الأكاديمية، ثم علّم نفسه العبرية واليونانية لدرجة انه أصبح يصوغ قصائد على النمط القديم، ثم يقدّمها إلى معلّميه الذين كانوا يظنّون أنها أشعار أصلية. وقبل أن يكمل سنوات المراهقة كان قد استهلك معظم مكتبة عائلته.
    الميزة الوحيدة لوالده هي انه كان جامع كتب، وكان يقرأ الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني وكذلك أعمال آباء الكنيسة.
    وعند بلوغ ليوباردي سنّ الخامسة عشرة كان قد كتب تاريخا للفلك. وليس من المدهش، بالنظر إلى قراءاته المكثّفة، أن نظره بدأ يضعف. كما عانى من انحناء في عموده الفقري، وهو تشوّه وجد انه مُذلّ وجعل من الصعب عليه أن يقترب من النساء.
    لكنه كثيرا ما كان يقع في الحبّ من مسافة. وقد أحبّ نساءً متزوّجات ظللن يجهلن حقيقة مشاعره. ومن ثمّ أصبح خبيرا بارعا في أكثر أشكال الحبّ عذابا وإحباطا. ولطالما غذّى خياله لسنوات صوت امرأة هنا أو نظرة عجلى من أخرى هناك.
    وديوانه الموسوم "كانتي" أو الأغاني ، هو تحفته التي تتألّف من إحدى وأربعين قصيدة كتبها على مدى عشرين عاما. وأشهر قصائد الديوان هي "اللانهائية" والتي تحمل بصمته الخاصّة.


    وقد لاحظ النقّاد أن معظم قصائد الشاعر تحدث ليلا على ضوء القمر الذي يذكره في كتاباته أكثر من خمسمائة مرّة. وظهور القمر يأتي إمّا على هيئة جرم سماويّ، أو كنظير للشاعر يقيم معه حوارا، أو كأنثى خالدة. "على النقيض من اللغة العربية، فإن القمر في اللغات اللاتينية مؤنّث والشمس مذكّر".
    وقبل ليوباردي بقرنين، كتب باسكال الذي كثيرا ما يُقارَن بـ ليوباردي، يقول إن الصمت الأبدي لتلك الفراغات اللانهائية يرعبني". (يقصد البقع الرمادية التي تظهر على سطح القمر).
    وليام بليك، هو الآخر، بحث وتأمّل الأمر كثيرا، ثمّ وجد أن صمت الأبدية كامن "وراء الصوت الرفيع لرياح التلال".
    احد الجوانب الأدبيّة المهمّة في ليوباردي هو انه رفض الأساليب المنمّقة والصيغ الطنّانة في الشعر الايطالي. وهذا بلا شكّ كان جزءا من تميّزه العظيم، فمفرداته بسيطة، وهو يتجنّب الايهامات والاستعارات. كما انه دقيق وبارع في وضع الكلمات في مكانها وسياقها الصحيحين.
    ومن عدّة وجوه، يمكن مقارنة حياة ليوباردي بحياة الشاعر جون كيتس. فالشاعر الإيطالي مولود عام 1798، بينما وُلد الشاعر الإنجليزي عام 1795. وقد عانى الأوّل من انحناء في العمود الفقري ربّما كان سبب وفاته مبكّرا وهو في سنّ الثامنة والثلاثين، بينما عانى كيتس من السلّ الذي قتله وهو بعدُ في سنّ السادسة والعشرين. والاثنان كانا قلقين باستمرار وكانا دائمي التنقّل بلا راحة من مكان لآخر.
    لكن كيتس استخدم لغة تشبه أغنية العندليب، تسحر الموت وتحوّله إلى نشوة، إذ يقول: الآن أكثر من أيّ وقت مضى، يبدو من الجيّد أن أموت، أن أتوقّف عن الحياة عند منتصف الليل بلا ألم".
    وعلى النقيض من كيتس، لا ينظر ليوباردي إلى الموت إلا باعتباره مجرّد فصل أخير في تعاسة بلا معنى، وهذا هو جوهر وجودنا على الأرض، كما يعكسه مضمون قصيدته "أغنية الراعي المتجوّل في آسيا".
    بالإضافة إلى إعاقته، عاني ليوباردي من ضعف البصر ومن مرض عصبيّ غامض. احد أصدقائه الذي رآه في أيّامه الأخيرة لاحظ أن كلّ شيء كان يؤذيه: الرياح والضوء والهواء وكلّ أنواع الطعام، والراحة والحركة، والعمل والسكون.
    وثمّة اعتقاد بأن إعاقة الشاعر منعته من إقامة أيّ نوع من العلاقات العاطفية، عدا عن بعض قصص الحبّ الفاشلة التي سجّلها في أشعاره. ومن الواضح انه مات دون أن يجرّب النساء.
    في قصيدته "أغنية سافو الأخيرة"، يستذكر النموذج القديم عن "قبح الشاعر" لكي يعبّر عن إحساسه بالنبذ. وإذ يفعل هذا فإنما يتذكّر دانتي الذي كتب يقول إن أسوأ أشكال المعاناة أن تتذكّر الأوقات السعيدة أثناء إحساسك بالتعاسة. لكن بالنسبة لليوباردي، فإن تذكّر الأوقات التعيسة يُشعره بنوع من السعادة، على ما يبدو.
    في نهايات حياته، أصبحت تأمّلات ليوباردي أكثر قتامة وحزنا. وإذا كان من عادة الشعراء أن يصفوا فترة الشباب بشروق الشمس، فإن ليوباردي، وخلافا لكلّ توقّع، يشبّهها بأفول القمر، وهذا هو عنوان إحدى آخر قصائده.
    وحتى عندما كان الشاعر في ريعان شبابه، لم يكن هناك أيّ حضور لضوء الشمس في أشعاره، فقط تلك الظلال الشبحية المحبّبة التي يعكسها ضوء القمر.
    في آخر قصيدة له، يشرح ليوباردي نظرته عن مصير الإنسان، فيشبّهه بالشجيرات الدبقة التي تبرز من بين الرماد البركاني حول جبل فيزوف. ثم يقارن سكّان بومبي الذين أبادهم البركان بمستعمرة من النمل سحقتهم تفّاحة ساقطة. الموت، بالنسبة للشاعر، لا ينهي الحياة فحسب، وإنما يلغيها.
    عندما توفّي جياكومو ليوباردي عام 1837 كان قد أصبح يوُصف بأنه أعظم شعراء الحداثة في ايطاليا. النقش المكتوب على قبره خارج نابولي التي قضى فيه سنواته الأخيرة يصفه بأنه "احد ارفع الشعراء والفلاسفة ولا يمكن مقارنته سوى بكتّاب الإغريق الكبار".

    Credits
    poetryfoundation.org
    newrepublic.com

    Tuesday, July 07, 2015

    عن الكتب والقراءة


    صديقي، الذي يفاخر دائما "ومعه حقّ" بأنه قرأ كتبا أكثر بكثير ممّا قرأت، حدّثني منذ أيّام عن قائمة الكتب التي يقرؤها منذ بداية شهر رمضان. وقد اختار لقراءاته الرمضانية مجموعة من الكتب القديمة والمعروفة، وذكر في ما ذكر كتبا مثل الكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب الجمهورية لأفلاطون والقانون في الطبّ لابن سينا وكتاب التواريخ لهيرودوت، بالإضافة إلى كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو.
    طبعا أعرف أن صديقي لا يبالغ، وهو بالتأكيد لا يدّعي شيئا ليس فيه، فأنا اعرف انه "دودة كُتُب" من النوع الذي لا يكلّ ولا يملّ من قرض والتهام كلّ ما تقع عليه يده. وهو يقرأ في جميع التخصّصات، ولهذا لا أبالغ إن وصفت ثقافته بأنها موسوعية على مستوى ما.
    في اليوم التالي لحديثنا، جلست أفكّر في ما سمعته منه، ومرّت بذهني أسماء بعض الكتب القديمة والمشهورة التي ظللت احلم بقراءتها يوما ما، ولم يتسنّ لي تحقيق ذلك بسبب كثرة الأعمال والمشاغل. وكلّ تلك الكتب التي ذكرها لي صديقي هي من الكتب التي يبدو أنني اكتفيت بالسماع عنها دون أن يسعفني الحظّ والوقت لقراءتها.
    ثم خطرت ببالي بعض الأسئلة عن جدوى قراءة مثل هذه النوعية من الكتب الآن، وبعضها قديم جدّا يعود إلى أكثر من ألفي عام، وكيف أن مضمون بعضها قد لا يكون ذا صلة بواقع العالم الذي نعيش فيه اليوم. وبطبيعة الحال فإن مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والثقافية ملحّة جدّا بحيث أنها تتطلّب عمليّا كلّ الوقت والطاقة التي يمكن أن نكرّسها للقراءة المعاصرة والجادّة.
    والسؤال ليس عن قيمة الكتب القديمة، إذ قد تكون لها قيمة عند المتخصّصين، ولكن عن جدوى قراءتها هذه الأيّام. مثلا، ما فائدة قراءة كتاب الجمهورية لأفلاطون أو كتاب العقد الاجتماعي أو كتاب هيرودوت في عالم تطوّرت فيه نظريات السياسة وتغيّرت جذريا طبيعة دراسة التاريخ والعلوم التي تتناول دراسة المجتمع والدولة وأنظمة الحكم؟
    وما فائدة قراءة كتاب في الطبّ أو في الفلك ألّفه أناس عاشوا قبل أكثر من ألف عام وأصبحت مقولاتهم وآراؤهم متقادمة بعد أن عفا عليها الزمن ونسختها الطفرات المتسارعة من المعارف والنظريات والابتكارات المستجدّة التي نراها من حولنا كل يوم؟
    وأيضا ما جدوى قراءة كتب ابن بطّوطة أو ماركو بولو عن عجائب وأساطير العالم القديم؟ أيّ فائدة معرفية يمكن أن تعود علينا الآن من قراءة مثل هذه النوعية من الكتب التي لا شكّ كانت عظيمة في وقتها، لكنها الآن تُعتبر بسيطة وساذجة بنظر البعض؟ وأليس من الأفضل قراءة كتب لها علاقة بالحاضر وبهموم وقضايا اليوم؟
    من بين أهمّ من ناقشوا مثل هذه الأسئلة الكاتب الأمريكي مورتيمر ادلر الذي كان فيلسوفا ومنظّرا في التربية وفي طرق التعليم. تخيّل ادلر ذات مرّة جامعة تتألّف هيئة تدريسها من مشاهير الكتّاب والفلاسفة والمفكّرين. فمثلا هيرودوت وثوسيداديس يدرّسان في هذه الجامعة تاريخ اليونان. وغِيبون يحاضر في سقوط روما. وأفلاطون يعطي دورة في الميتافيزيقيا أو الغيبيات. وفرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل يناقشان منطق العلم. وأرسطو وسبينوزا وإيمانويل كانت يتناولون المسائل الأخلاقية. ومكيافيللي وتوماس هوبز وجون لوك يتحدّثون في السياسة.
    وفي هذه الجامعة، يمكنك اخذ سلسلة من الدورات في الرياضيات والفلسفة من اقليدس وديكارت، وسيضاف إليهما كلّ من برتراند راسل ووايتهيد في نهاية المطاف. كما بإمكانك الاستماع إلى توما الاكويني ووليم جيمس وهما يتحدّثان عن طبيعة الإنسان والعقل البشري، وربّما يقوم بالتعليق على محاضراتهما جاك ماريتان.
    وإن كنت متخصّصا في الاقتصاد فستستمع إلى محاضرات من كلّ من آدم سميث وريكاردو وكارل ماركس وماكلوهان مارشال. بينما يناقش جون ديوي المشاكل الاقتصادية والسياسية للديمقراطية الأمريكية ويحاضر لينين عن الشيوعية.
    وإذا كان تخصّصك في الفنون، فستكون على موعد مع محاضرات في النحت والرسم يلقيها ميكيل انجيلو وليوناردو دا فينشي، ومحاضرات أخرى عن ليوناردو نفسه، حياته وفنّه، يلقيها فرويد!
    ثم يتساءل ادلر: تُرى من منّا لا يرغب في الذهاب إلى هذه الجامعة التي تضمّ كلّ هذه الأسماء المفكّرة واللامعة؟


    الشرط الوحيد للقبول في هذه الجامعة العظيمة أن تدفع رسما بسيطا. وهذا الرسم لا علاقة له بالمال من قريب أو بعيد، بل يتمثّل في شرط واحد فقط: أن تتوفّر لديك المقدرة والرغبة في القراءة والمناقشة.
    والجامعة متاحة للجميع، أي لكلّ من يرغب في أن يتعلّم ويناقش، وهي متوفّرة لكلّ شخص راغب وقادر على أن يتعلّم على يد معلّمين من ارفع مستوى.
    ثم ينتقل ادلر لمحاولة الإجابة على السؤال الذي طرحته آنفا وهو: هل ثمّة جدوى من قراءة "الكتب العظيمة" التي تتعامل مع مشاكل وهموم العصور الغابرة؟ وهل هناك أيّة قيمة، عدا الأهمية التاريخية، في قراءة الكتب التي كُتبت في ثقافات قديمة وبسيطة؟
    ويجيب بقوله: الناس الذين يشكّكون، أو حتى يحتقرون دراسة الماضي وأعماله، عادة ما يفترضون أن الماضي مختلف تماما عن الحاضر، وأننا بالتالي لا يمكن أن نتعلّم شيئا مفيدا من الماضي. ولكن هذا غير صحيح، فبإمكاننا أن نتعلّم الكثير من تشابه واختلاف القيم الآن وفي الماضي.
    لقد حدث تغيير هائل في ظروف حياة الإنسان وفي معرفتنا بالسيطرة على عالم الطبيعة منذ العصور القديمة. القدماء لم يكن لديهم العون ولا البصيرة التي تتوفّر في بيئتنا التقنية والاجتماعية الحالية، وبالتالي هم لا يملكون مشورة يقدّمونها لنا لتعيننا على حلّ المشاكل التي نواجهها اليوم.
    ولكن على الرغم من أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تختلف باختلاف الزمان والمكان، إلا أن الإنسان يظلّ هو الإنسان. ونحن والقدماء نشترك في نفس الطبيعة البشرية، وبالتالي في بعض التجارب والمشاكل الإنسانية المشتركة.
    الإنسان القديم، تماما مثلنا اليوم، كان يرى شروق الشمس وغروبها ويشعر بهبوب الرياح وهطول المطر، وكانت تتملّكه مشاعر الحبّ والرغبة. كما جرّب النشوة والغبطة، فضلا عن الإحباط وخيبة الأمل وعرف الخير والشرّ.
    القدماء يتحدّثون إلينا من وراء القرون، وأحيانا بشكل أكثر مباشرة ووضوحا من بعض كتّابنا المعاصرين. والأنبياء والفلاسفة القدامى، من خلال تعاملهم مع المشاكل الأساسية للبشر الذين عاشوا في تلك المجتمعات، ما يزال لديهم شيء يقولونه ويقدّمونه لنا.
    ويضيف ادلر قائلا: صحيح أنه لم يحدث في أيّ عصر سابق أن تعرّضت الحياة على الأرض لخطر الإبادة بحرب نووية. غير أن العصور الماضية أيضا عرفت الحروب والإبادة واستعباد شعوب بأكملها. مفكّرو الماضي كانوا يتأمّلون مشاكل الحرب والسلام وقدّموا اقتراحات تستحقّ الاستماع إليها. شيشرون ولوك، مثلا، أثبتا أن الطريقة المثلى في تسوية النزاعات بين البشر هي من خلال المفاوضات والقانون، في حين اقترح دانتي إنشاء حكومة عالمية تسعى لتكريس السلام والوئام بين أمم الأرض.
    وصحيح أيضا أن الناس الذين عاشوا في العصور السابقة لم يواجهوا أشكالا معيّنة من الديكتاتورية التي عرفناها في هذا القرن. ولكنهم مرّوا بتجارب مباشرة مع الاستبداد المطلق وقمع الحرّيات السياسية. وأطروحة أرسطو في السياسة تتضمّن تحليلا معمّقا عن الديكتاتوريات، وكذلك توصية بالتدابير التي يجب اتخاذها لتجنّب الأشكال المتطرّفة من الاستبداد والفوضى.
    ونحن اليوم أيضا – يضيف ادلر - يمكننا أن نتعلّم من الماضي وذلك من خلال التمعّن في العناصر التي يختلف بها عن الزمن الحاضر. ويمكننا أن نكتشف ما نحن فيه اليوم من خلال ما أصبحنا نعرفه عن أنماط تفكير وتصرّف الشعوب والأمم التي سبقتنا. وجزء من الماضي، أي ماضينا نحن وأيضا ماضي الجنس البشري بأكمله، يعيش في داخلنا دائما.
    ويخلص الكاتب إلى القول إن التفضيل الحصري، إمّا للماضي أو الحاضر، هو شكل من أشكال الغباء والتكبّر والإسراف، وأننا يجب أن نسعى لكلّ ما هو صالح ومفيد في أعمال المعاصرين والسالفين. وعندما نفعل ذلك، سنجد أن الشعراء والفلاسفة القدماء هم بقدر ما معاصرون في عالم العقل لأكثر كتّاب العصر الحاضر فطنة وقوّة ملاحظة.
    بل ويمكن القول إن العديد من الكتابات القديمة تتحدّث بصورة أكثر مباشرة إلى تجربتنا وأحوالنا وظروفنا اليوم بأفضل ممّا تفعله بعض أكثر الكتب حداثة ورواجا هذه الأيّام.

    Monday, June 29, 2015

    خواطر موسيقية


    هذه القطعة "فوق" اسمها "آريا دا كابو"، وهي المعزوفة الأولى من تنويعات غولدبيرغ ليوهان سيباستيان باخ. "آريا" تعني نغم، و"دا كابو" تعني من الرأس أو من البداية.
    ويُعتقد أن باخ لم يؤلّف النغم نفسه، ولكنّه قام بتكييفه من رقصة فرنسية انقرضت ولم يعد لها أثر اليوم.
    علماء الموسيقى يذهبون إلى أن باخ كُلّف بتأليف التنويعات من قبل الكونت كايزرلينغ السفير الروسي في بلاط دريسدن لكي يعزفها يوهان غولدبيرغ رئيس موسيقى الغرفة في بلاط الكونت.
    ويقال إن كايزرلينغ كان يعاني من الأرق المزمن. وقد أراد بعض الموسيقى التي من شأنها أن تكون ناعمة ومهدّئة كي تساعده على النوم. ويبدو أن موسيقى باخ المسكّنة هذه فعلت فعلها للكونت وأدّت إلى تحسّن حالته. وقد كافأ باخ على عمله بأن أهدى إليه إناءً مذهّبا يحتوي على مائة قطعة من الذهب.
    النسخة الأكثر شهرة من تنويعات غولدبيرغ هي تلك التي وضعها عازف البيانو الكندي غلين غولد في عام 1955. وكان هذا أوّل تسجيل مهمّ لها.
    وقد أبدت شركة التسجيل الراعية قلقها في ذلك الوقت من احتمال أن لا يكون هذا العمل ملائما لذوق الجمهور. ومع ذلك، عندما طُرح التسجيل في السوق لقي إقبالا ومديحا هائلا وكان من بين أفضل تسجيلات الموسيقى الكلاسيكية في تلك الفترة مبيعا ورواجا.
    المشكلة أن هذه القطعة الأنيقة على البيانو، أي المعزوفة الأولى من تنويعات غولدبيرغ، أصبحت معروفة في العقل الشعبي على أنها الموسيقى المفضّلة لعالم النفس والمجرم آكل لحوم البشر هانيبال ليكتر، وهو سفّاح متخيّل سيّئ السمعة لعب دوره الممثّل أنتوني هوبكنز في فيلم صمت الحملان. وبطبيعة الحال، أصبح من الصعب أن تقنع الناس أن هذه المعزوفة الرقيقة والهادئة كُتبت، ولغاية أخرى مختلفة، قبل حوالي ثلاثة قرون من ظهور هذا الفيلم.
    المجرم ليكتر كان مغرما بسماع موسيقى باخ هذه. وقد وظّف المخرج تسجيل غلين غولد لهذه القطعة في مستهلّ الفيلم. وأيضا في احد المشاهد يقوم المجرم بقتل حارسين على أنغام هذه الموسيقى.
    كما ظهرت القطعة أيضا في الموسيقى التصويرية لفيلم المريض الانجليزي الذي أُنتج عام 1996.
    بشكل عام يمكن القول أن الـ آريا دا كابو هو شكل من أشكال الموسيقى التي كانت سائدة خلال عصر الباروك. وكان يُغنّى من قبل عازف منفرد بمرافقة الآلات الموسيقية، وغالبا مع اوركسترا صغيرة.


    وكان هذا النوع من الموسيقى شائعا جدّا في الأشكال الموسيقية مثل الأوبرا والاوراتوريو أو الموسيقى الدينية. ووفقا للمؤرّخ راندل، فإن عددا من موسيقيّي الباروك (وأشهرهم جورج فريدريك هاندل) ألّفوا أكثر من ألف نغم من هذا النوع أثناء حياتهم. وكان نصّ نغم دا كابو عادة عبارة عن قصيدة أو تسلسل من أبيات شعرية مكتوبة في مقطوعتين.
    والواقع أن من بين العديد من المزايا الفريدة لموسيقى باخ الصوتية هي استخدام ما يُسمّى الـ دا كابو 'الحرّة' أو 'المعدّلة'. والسبب في تبنّي باخ لهذا الشكل المميّز من الموسيقى كان موضوعا لتكهنّات كثيرة من قبل خبراء الموسيقى الذين وجدوا سوابق في أعمال سكارلاتي وأمثلة موازية في موسيقى هاندل.
    لكن، ومن خلال التحليل الدقيق للنصّ والموسيقى في أمثلة عديدة، اتّضح أن نسخة باخ من هذه الموسيقى تختلف عن أيّ شيء في موسيقى أسلافه ومعاصريه.
    ولا يوجد تفسير واحد عن سرّ استخدامه لذلك الأسلوب. لكن معظم الأمثلة تثبت اهتمام باخ بالسمات الرسمية أو البلاغية للنصوص الشعرية.
    وبما أن الحديث عن باخ وموسيقاه، قد يكون من المناسب أن اختم الموضوع بالقطعة الثانية إلى فوق، وهي كونشيرتو الكمان رقم 2. هذه القطعة سبق أن وضعتها في هذه المدوّنة مرارا لأنني أحببتها دونما سبب واضح، ربّما بسبب عزف الكمان الرائع أو التوزيع الموسيقي البديع فيها.
    صديق عزيز لهذه المدوّنة وصف المعزوفة هكذا: رائعة ومليئة بالحياة، وأوّل صورة تنطبع في خيالي عندما اسمعها هي رقصة لـ "باروكيين" في قصر مُذهّب ومليء بالشموع، وفساتين ملوّنة ومنتفخة من الخصر".
    بينما أنا استمع إلى هذا الكونشيرتو، للمرّة العشرين أو الثلاثين ربّما، تساءلت: موسيقى بمثل هذه الأناقة والفخامة، ترى كيف كانت تُعزف في زمن باخ الذي لم يكن فيه اوركسترات كبيرة وضخمة؟ وكيف كان تجاوب الناس مع العزف؟ وإلى أيّ حدّ تتشابه أو تختلف طريقتا العزف هذه الأيّام وفي عصر الباروك؟!

    Credits
    jsbach.org
    baroquemusic.org

    Thursday, May 21, 2015

    عن أسفار وكتابات روزيتا فوربس


    روزيتا فوربس (1890-1967) اسم ربّما لم يسمع به الكثيرون. لكن في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، كانت هذه المرأة واحدة من أشهر كتّاب السفر والرحلات. وقد ذهبت إلى أماكن بعيدة في الشرقين الأوسط والأقصى. وفي بحثها عن الأماكن الأسطورية التي نادرا ما يزورها الغربيون، كانت تذهب متخفيّة غالبا.
    كانت فوربس شخصية جسورة وملوّنة عرفها الملوك وزعماء القبائل. وقد الّفت ثلاثين كتابا سجّلت فيها رحلاتها وانطباعاتها التي تصف فيها أماكن فاتنة زارتها ورأتها. والكثير من هذه الأماكن اختفت اليوم أو تغيّرت ملامحها بفعل الحداثة. كما تصف الرجال والنساء الذين قابلتهم في أسفارها وتتحدّث عن الطقس السيّئ والأدلاء الغادرين والمساكن الرديئة.
    وقد قادها حبّ المغامرة والاستكشاف إلى الصحراء الليبية وأبحرت في البحر الأحمر باتجاه اليمن. كما سافرت إلى جنوب شرق آسيا والصين والمغرب وتركيا والعراق وفارس وأفغانستان. وكان احد اكبر انجازاتها الاستكشافية رحلتها إلى واحة الكفرة في الصحراء الكبرى عام 1921.
    ولدت روزيتا فوربس عام 1893 في لنكولنشاير وتعلّمت في مدرسة خاصّة سمحت لها بأن تصبح عاشقة للخرائط ونمّت في نفسها الرغبة في اقتحام أسرار العالم الغامضة.
    كانت امرأة جميلة جدّا. وقد تزوّجت الكولونيل رونالد فوربس وعمرها 17 عاما، وسافرت بصحبته إلى الهند والصين واستراليا. وبعد مرور بضع سنوات على زواجهما، تركها زوجها وعادت هي لوحدها عبر أفريقيا. وبعد ذلك اشترت حصانا ومسدّسا وآلة تصوير. ثمّ بدأت ما سيصبح مغامرة طويلة ككاتبة ورحاّلة.
    جابت فوربس العديد من البلدان وتجوّلت في الصحراء الليبية والعراق وأفغانستان والصين في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وفي أغسطس من عام 1922، ذهبت لأداء مناسك الحجّ في مكّة بعد أن ارتدت عباءة سوداء وقدّمت نفسها على أنها نصف تركية ونصف مصرية. وبدأت الرحلة مع مئات الحجّاج المسلمين على سفينة أبحرت في البحر الأحمر من مصر متوجّهة إلى المملكة العربية السعودية.
    وفي العام التالي عملت فوربس صحفية في باريس، ثمّ في نوفمبر من عام 1920، وصلت إلى واحة اجدابيا على بعد 200 كيلومتر إلى الجنوب الغربيّ من بنغازي. وهناك قابلت دبلوماسيا ومكتشفا مصريّا شابّا اسمه احمد حسنين باشا. وقد سافر الاثنان معا بالجمال إلى الجنوب عبر الصحراء الليبية لزيارة واحة الكفرة النائية التي كانت ذات زمن مركزا للسنوسيين. كانت الرحلة غير عاديّة وقد وصلا في النهاية إلى واحة سيوة.
    بالنسبة لبعض العرب الذين قرءوا كتابها عن تلك الرحلة، كانت فوربس مجرّد مسافرة، بينما كان الرحّالة المصري هو العقل المفكّر والمخطّط للرحلة.
    تقول إحدى القصص إن فوربس وحسنين كانت لهما سمعة فضائحية وقد كانا يحبّان بعضهما البعض. غير انه، لسبب ما، لم يستطع الزواج منها. وقد انتقمت هي منه في صفحات الكتاب بتعمّدها تجاهله وتهميش دوره في الرحلة، فهي لا تذكره إلا باعتباره شخصية طفولية.


    حسنين نفسه كان إنسانا مهذّبا من المدرسة القديمة بحيث لم ينتقدها بكلمة. وحتى في كتابه "الواحة المفقودة"، والذي يصف فيه رحلاته معها عبر الصحراء، لا يتناولها ولا بكلمة نقد واحدة.
    كان حسنين ابنا لأحد شيوخ الأزهر وحفيد قائد البحرية المصرية. وكانت علاقته بالقصر وثيقة. وقد رشّحه الملك فؤاد ليكمل تعليمه في أكسفورد. وخلال الحرب العالمية الأولى كان جزءا من استراتيجية مصر وانجلترا الرامية لتحويل السنوسيين في ليبيا من عدوّ إلى حليف.
    فوربس الّفت العديد من الكتب منها كتاب "الريسوني سلطان الجبال" والذي تحكي فيه سيرة حياة احد حكّام الريف المغربيّ. كما أن لها كتابا آخر عنوانه "الطريق الممنوع من كابول إلى سمرقند" والمنشور عام 1937.
    وعندما كانت تعمل في الصحافة، انتدبتها جريدتا الديلي تلغراف والصندي تايمز لعمل مقابلات مع أهمّ الشخصيات المشهورة في ذلك الحين، مثل هتلر وعبدالكريم الخطابي والملك عبدالعزيز آل سعود وكمال اتاتورك.
    اهتمام فوربس بالسلطة وكاريزما الحكّام قادها إلى مهامّ غير عادية وسهّل لها إجراء مقابلات نادرة. لكنه أيضا جلب لها إعجاب بعض الشخصيات الفاشيّة، مثل موسوليني الذي يشاع أنه أقام علاقة عابرة معها.
    ما أن حلّت بداية القرن العشرين حتى كانت روزيتا فوربس قد رأت كلّ شيء وذهبت إلى كلّ مكان تقريبا. ورغم أن أفغانستان وقتها كانت عصيّة على الغرباء، إلا أن فوربس حطّت رحالها هناك واستأجرت سيّارة قادتها في ما بعد من كابول إلى سمرقند.
    المعروف تاريخيّا أن أفغانستان تعرّضت للغزو مرارا. الاسكندر المقدوني سار بجيشه في جبالها، وجنكيز خان وقطعانه أقاموا مراكز لهم في طرقاتها. ومع ذلك لا احد تمكّن من نزع أسلحة الأفغان كما فعلت هذه المرأة.
    وقد بدأت رحلاتها في بيشاور، تلك المدينة الفاتنة؛ مدينة الخارجين على القانون التي تجلس مثل بيضة حمامة على سفح ممرّ خيبر. ثم ذهبت إلى بازارات وأسواق المدينة، ثم إلى كابول ومزار شريف ثم إلى سمرقند. وما تلا ذلك كان واحدة من أهمّ الرحلات المليئة بالمغامرات.
    في كتب فوربس مقاطع شاعرية عن جمال الصحراء التي رأتها وتجوّلت فيها. وهي تبدو في أفضل حالاتها عندما تتحدّث عن مشايخ البدو وتناولها الطعام مع ملوك الصحراء أو عندما تروي العديد من القصص الأخرى التي تملأ صفحات كتبها التي ما تزال فاتنة وطازجة حتى بعد مرور كلّ هذه الأعوام الطويلة.
    بحلول عام 1940، كانت شهرة روزيتا فوربس قد تضاءلت أو تلاشت عندما اختتمت حياتها كمغتربة في المنفى في جزر البهاما. لكن يوما ما سيتذكّرها الناس كواحدة من الرحّالات البريطانيات العظيمات، وذلك على قدم المساواة مع أسماء مثل ايزابيل بيرد وفريا ستارك وماريان نورث وغيرهن.

    Credits
    classictravelbooks.com
    books.google.com

    Wednesday, May 13, 2015

    محطّات

    غاريتا: رسالة حبّ


    لأوّل وهلة، لن تجد ما يشدّك أو يثير اهتمامك في لوحات الرسّام الاسباني ريموندو غاريتا. لكنه كان مشهورا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد عُرف بلوحاته التي تتناول الجانب المريح من الحياة.
    مناظره ذات الطابع الكلاسيكي والأكاديمي عن الحياة اليومية تتضمّن صورا لنساء منهمكات في أنشطة الراحة وفي الرياضة أو الحفلات. وهذا النوع من اللوحات كان رائجا كثيرا في بدايات القرن الماضي وكان الأغنياء يبحثون عنها ويقتنونها.
    وفي أعماله التي ألهمتها إيّاها موديله المفضّلة ألين ماسون تبرز قمّة نضجه الفنّي وبراعته في استخدام الألوان ومزجها بالمشاعر المرهفة والتنفيذ المتقن الذي لا يخلو من إثارة وأناقة.
    هذا البورتريه بعنوان "رسالة حبّ" رسمه ريموندو غاريتا لـ ماسون واستخدم في تنفيذه ضربات الفرشاة الفضفاضة والسمات الزخرفية. في ذلك الوقت كان الرسّام قد انتقل من باريس إلى نيويورك حيث عمل هناك لبعض الوقت.
    ولد ريموندو غاريتا عام 1841 في روما لعائلة اسبانية من الرسّامين المشهورين. ودرس الرسم على يد والده، ثمّ في مدرسة الفنون الجميلة في مدريد.
    جدّه ووالده كانا رسّامين مشهورين. كما أن شقيق زوجته هو ماريانو فورتوني الذي أصبح احد أشهر وأهمّ رسّامي اسبانيا في القرن التاسع عشر.
    ابتداءً من عام 1860، عاش غاريتا ودرس في باريس لسنوات ثمّ أسّس له محترفا هناك. وأثناء إقامته في فرنسا، فصل الرسّام نفسه تماما عن المشهد الفنّي الاسباني، لدرجة انه لم يشارك في أيّ معرض فنّي في اسبانيا. كما لم تشترِ الدولة الاسبانية أيّا من لوحاته في حياته.
    أعمال غاريتا المبكّرة تتّسم بمسحة أكاديمية واضحة. وبعد أن جرّب الرسم الأكاديمي لبعض الوقت، تحوّل إلى الرسم الزخرفي. كما أن في أسلوبه شيئا من الروكوكو ومن الأساليب اليابانية.
    وقد أهّلته مقدرته الفنّية الكبيرة لأن يكون رسّام بورتريه ناجحا جدّا بأسلوب الصالون. وكان يتقاضى مبالغ طائلة مقابل عمله.
    كان غاريتا كثير الترحال مع علاقات واسعة ومتنوّعة. وكان صديقا للرسّام الايطالي جوسيبي دي نيتيس. كما كان جهده ملموسا في الترويج لباريس كعاصمة للفنّ في مطلع القرن الماضي. وقد أضاف غاريتا لمسة أناقة شخصية إلى البورتريه الفرنسي.
    اليوم يمكنك أن تجد لوحاته في العديد من المتاحف، وخاصّة في المتروبوليتان الذي يمتلك عددا منها، وكذلك في متحفي البرادو في مدريد والأورسيه في باريس. ومن أشهر لوحاته الأخرى المعروفة "باقة الورد" و"بورتريه سيّدة" و"الغجرية" و"شوكولاته ساخنة" وغيرها.

    ❉ ❉ ❉

    في الكون.. كلّ شيء يدور


    هل سبق وأن تخيّلت حصانا يعدو بسرعة ألف ميل في الساعة دون أن يصاب بالإعياء أو التعب؟
    الأرض هي ذلك الحصان. وهي تدور بسرعة 1040 ميلا كلّ ساعة، ومع ذلك لا نشعر بحركتها أبدا.
    والواقع أن لا شيء ساكن في هذا الكون، كلّ شيء فيه يدور ولا يتوقّف عن الدوران، من اصغر اليكترون إلى أضخم مجرّة. وكلّ دوران لجرم في الكون يخبرنا الكثير عن طريقة دورانه وبُنيته وتاريخ حياته.
    المعروف أن الفلكيّ اليوناني بونتيكوس الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد هو أوّل من جاء بالفكرة الثورية القائلة بأن الأرض هي أيضا تدور وتتفاعل مع حركة الشمس والنجوم.
    من ناحية أخرى، كشف تتبّع النجوم أن مجرّتنا "درب التبّانة" مغمورة في صدفة عملاقة من المادّة، مثل سفينة في زجاجة. وبعض مناطق المجرّة مخفية، ليس في المكان وإنما في الزمان.
    وعلى مدى عمر الإنسان، فإن هيكل المجرّة لم يتغيّر. ولكن كلّ نجمة في السماء، بما في ذلك الشمس، مع الأرض، تدور حول مركز المجرّة مرّة واحدة كل 240 مليون سنة بسرعة 137 ميلا في الثانية الواحدة.
    وحتى مع هذه السرعة الفائقة جدّا، فإننا نكون قد أكملنا بالكاد 20 دورة منذ ولادة كوكبنا.

    ❉ ❉ ❉

    السنتور: لمحة تاريخية


    صوت السنتور فيه توق وشجن. تسمع نغمات هذه الآلة الشرقية فتتذكّر أشعار العارفين وتتخيّل محطّات القوافل والمعابد القديمة والواحات في وسط الصحراء وحكايات السحر والأساطير القديمة.
    أوّل إشارة إلى السنتور وردت في كتاب مروج الذهب للمؤرّخ المسعودي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي. وقد ذكره في معرض حديثه عن الموسيقى الفارسية وعن آلاتها المختلفة خلال حكم الدولة الساسانية. كما ورد ذكر السنتور في قصيدة للشاعر الفارسي مانوشهري من القرن الحادي عشر الميلادي.
    وعلى الرغم من أن الموسيقيّ الفارسي عبد القادر مراقي من القرن الثالث عشر تحدّث في كتاباته عن آلة موسيقية تُسمّى الياتوفان والتي تشبه كثيرا السنتور، إلا أن آلة السنتور التي نعرفها اليوم كانت غائبة عن تاريخ الموسيقى الإيرانية حتى القرن التاسع عشر. ومع ذلك فإن آلة القانون التي تشبه السنتور كثيرا كانت موجودة في إيران طوال قرون قبل ذلك.
    وقد أورد الفيلسوف والموسيقيّ الفارابي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي وصفا مصوّرا للقانون في مؤلّفه الشهير "كتاب الموسيقى الكبير".
    كما تظهر هذه الآلة في اللوحات والمنمنمات التي تعود للقرن السادس عشر. لكن ينبغي توضيح نقطة مهمّة، وهي أن آلة السنتور لا تشبه القانون سوى في الشكل. ومعظم المؤرّخين يعتقدون أن أصل الآلة يعود إلى إيران. غير أنها موجودة، مع بعض الاختلافات في الشكل، في أنحاء مختلفة من العالم كالصين والهند وبعض البلدان الغربية.
    وأخيرا، ارتبط السنتور بأسماء العديد من العازفين. وبعض هؤلاء أصبحوا يتمتّعون بشهرة عالمية، مثل فارامارز بيوار وبرويز مشكاتيان وسياماك نوري ومانوشهر صادقي ومجيد كياني وقوروش زولاني وغيرهم.








    ❉ ❉ ❉

    غرام وانتقام على الطريقة الانجليزية


    ترى ما الأشياء التي يُفترض أن تفعلها امرأة تعيش في منتصف القرن الثامن عشر كي تجذب اهتمام رجل؟ قد يكفي لهذه المهمّة ارتداء بعض الشرائط والأطواق مع فستان مبهرج الألوان وزوج من الأحذية الأنيقة.
    ميري، وهي ابنة لمحام مرموق، كانت تحوز كلّ هذه المؤهّلات بالإضافة إلى أنف جميل إلى حدّ ما. وعندما بلغت السنّ المطلوبة للزواج وجدت نفسها أمام عدد لا يُحصى من الخاطبين.
    والدها كان رجلا غنيّا. وربّما لهذا السبب كان طالبو يدها للزواج كثيرين، خاصّة بعد أن عرض الأب مهرا مغريا على أيّ شخص يصلح لأن يكون صهرا مقبولا ومناسبا.
    وكما يقال أحيانا، لا شيء يجذب كثرة الخُطّاب مثل خصر ضيّق وحضن واسع ومبلغ مغرٍ من المال. وفي النهاية، قرّرت ميري أن تختار من بين هؤلاء جميعا شخصا يُدعى هنري، وهو سليل عائلة ارستقراطية من اسكتلندا.
    وقد وافق والد ميري على اختيارها للرجل ورحّب به في منزل العائلة كخطيب لابنته. ولم يكن هناك سوى مشكل واحد صغير يقف حائلا في طريق السعادة المستقبلية للفتاة. كان ذلك التفصيل الصغير والتافه يتمثّل في كون الخطيب متزوّجا من امرأة أخرى تقيم في اسكتلندا وله منها طفل.
    وعلى الرغم من تأكيدات هنري أن زواجه من تلك المرأة كان غير شرعيّ، إلا أن والد ميري سحب على الفور موافقته على الزواج وركل الرجل خارج منزله.
    ميري، العالقة في الحبّ حتى كعب حذائها المبطّن بالحرير، لم تستطع تحمّل قرار والدها واستمرّت في اقترانها بالرجل الذي بدأ ينسج خيوط مؤامرة مستترة نوعا ما ومجنونة بعض الشيء.
    بدأ يرسل لميري مسحوق الغفران، وهو وصفة يقال إن مصدرها نساء اسكتلندا العجائز. واقترح هنري على ميري أن تدسّ بعض ذلك المسحوق في عشاء أبيها على أمل أن يُليّن قلبه على نسيبه ويعيده في نهاية المطاف إلى رشده.
    ولم يكن ذلك مسحوق غفران من أيّ نوع، بل كان الزرنيخ. وبعد بضعة أشهر، كان والد ميري قد مات. واتُهمت ابنته بقتله، بينما تمكّن خطيبها من الهرب إلى باريس.
    أثناء محاكمتها، اعترفت ميري بدسّ المسحوق لوالدها. وفي احد أيّام ابريل من عام 1752 نُفّذ فيها حكم الإعدام شنقا خارج قلعة أكسفورد بعد أن أدينت رسميّا بقتل والدها.
    كان طلبها الأخير أن لا تكون المشنقة عالية مراعاة لحشمتها، كما قالت. ولم يكن يهمّها أنها قتلت والدها أو أنها ستُعدم على الملأ.
    ولكن هل كانت ميري هي الملومة حقّا على وفاة أبيها؟ لقد قالت للمحكمة أنها وضعت المسحوق في طعامه بعد أن أكّد لها زوجها انه سيجعله يحبّه ولم تعرف انه سيقتله. لكن المحلّفين لم يصدّقوا مزاعمها وشكّكوا في أنها تقول الحقيقة.
    قد يكون الجاني الحقيقيّ هو العمى المؤلم الذي يسبّبه الحبّ الممنوع. وقد يكون كيد الزوج ونهمه للمال وبحثه عن المكسب من خلال الخداع والجمع بين زوجتين. وقد يكون قسوة المجتمع الذي لم يوفّر للمرأة سوى القليل من الفرص والخيارات. الجاني قد يكون كلّ هذه الأشياء مجتمعة. ولكن في الغالب كان دسّ السمّ من قبل ميري في أكل والدها هو السبب الرئيس في موته.
    بعض الناس يعتقدون أن شبح ميري ما يزال يحوم حول منزلهم على ضفّة النهر ويظهر في الحانات المجاورة ومن وراء النوافذ المواربة. ربّما كانت تبحث عن السعادة في الحبّ التي افتقدتها أثناء حياتها. البعض الآخر من الناس الأكثر عقلانية يقولون إن قصّة الأشباح تلك مجرّد تخيّلات.

    Credits
    santur.com
    archive.org
    wikipedia.org

    Sunday, April 19, 2015

    خواطر في الأدب والفن

    تيشيان: شمس بين الأقمار


    ولد الرسّام الايطالي تيشيان في بلدة كادوري الايطالية لعائلة نبيلة. وعندما بلغ العاشرة أظهر ميلا للفنون والرسم، فأرسله والده إلى بيت احد أعمامه في فينيسيا. وقد استطاع الأخير أن يلمس محبّة الصبيّ للرسم، فعهد به إلى الرسّام البارع والمشهور جدّا وقتها جيوفاني بيلليني.
    في ذلك الوقت، كانت فينيسيا أغنى مدينة في العالم، وكان الرسم فيها مزدهرا كثيرا. كانت صناعة الرسم في هذه المدينة تضمّ رسّامين وباعة أصباغ وصانعي زجاج وناشري كتب وخبراء ديكور وصانعي أدوات خزفية وما إلى ذلك.
    عندما أصبح تيشيان رسّاما يُشار إليه بالبنان، كان من بين تلاميذه جورجيوني. لكن عندما صار عمل التلميذ غير مختلف عن عمل أستاذه، قرّر جورجيوني انه لم يعد راغبا في أن يكون تلميذا لتيشيان واختطّ لنفسه طريقا آخر مختلفا.
    لكن تيشيان لم يلبث أن تفوّق على معاصريه في مدرسة فينيسيا للرسم مثل تنتوريتو وفيرونيزي ولوتو. بل لقد تجاوز حتى القيود الثقافية والفنّية لعصر النهضة وأصبح معروفا باعتباره مؤسّس الرسم الحديث الذي هيمن هو عليه خلال حياته الطويلة. وقد عُرف على وجه الخصوص بابتكاريّته واستخدامه البارع للألوان.
    وأجمل لوحات تيشيان مستوحاة من الأساطير التي كان يشبّهها بالشعر البصري. ولوحاته تلك تصوّر ضعف وهشاشة الإنسان بأسلوب يتّسم بالرقّة والغنائية.
    في إحدى المرّات، وبناءً على تكليف من ماري ملكة المجرّ، رسم تيشيان مجموعة من أربع لوحات تصوّر شخصيات ملعونة في الأساطير: تيتيوس وسيزيف وتانتالوس وليكسيون. وجميع هؤلاء محكوم عليهم باللعنة وبالعذاب الأبديّ لإثارتهم غضب الآلهة.
    ومثل ما فعل أسلافه الذين كانوا يرسمون على أواني الزهور، رسم تيشيان في إحدى هذه اللوحات "فوق" البطل الأسطوري سيزيف ببنية قويّة ومفعمة بالحياة، كما أظهره عَزوماً ثابت الخطى.
    في اللوحة، كلّ جسد سيزيف منشغل ووجهه مشدود بفعل الثقل الذي يحمله. وهو لا يدفع بالصخرة لأعلى التلّ، وإنما يحملها فوق كتفه بحسب ما ذكره أوفيد في كتاب التحوّلات، وهو عمل أدبيّ كان مألوفا كثيرا لتيشيان، بل وربّما كان نموذجه الصوريّ.
    سيزيف يبدو أنه كان شخصا حكيما، وربّما كان نموذجا للإنسان الذي ينافس الآلهة. تقول القصّة أن سيزيف، عندما حضره ملك الموت، قام بخداعه ثم أحكم وثاقه. ونتيجة لذلك، ولفترة من تاريخ الإنسانية، لم يكن احد من البشر يموت، إلى أن تدخّل زيوس كبير الإلهة وأعاد الأمور إلى نصابها.
    الروح المتمرّدة وحبّ الحياة هما سمتان إنسانيّتان ضروريتان، وسيزيف كان يجسّدهما. ورغم كلّ الظلام والعدمية في العالم، فقد تخيّل تيشيان سيزيف وهو يقوم بمهمّته تلك إلى قمّة الجبل بعزيمة وثبات.
    البير كامو، الكاتب والفيلسوف الفرنسيّ، اختصر القصّة في أن الصراع لبلوغ الأعالي يكفي لأن يملأ قلب الإنسان بالأمل وأن على المرء أن يتخيّل سيزيف وهو سعيد في مهمّته برغم كلّ المشاقّ والمعاناة التي تحمّلها.
    أعمال تيشيان الأخيرة، والتي وصفها المؤرّخ جورجيو فاساري بأنها جميلة ومدهشة، نُفّذت بضربات فرشاة جريئة وبخطوط عريضة بحيث لا يمكن رؤيتها إلا من مسافة. وقد قال بعض النقّاد إن قصائده البصريّة تجسيد لعظمة ميكيل انجيلو ورافائيل، كما أنها تعبير عن الألوان الحقيقية للطبيعة.
    بمعنى ما، كان تيشيان شمسا وسط أقمار صغيرة. وقد حرّر الرسم من التخطيط الأوّلي وكرّس ضربات الفرشاة باعتبارها أداة تعبير بحدّ ذاتها.
    توفّي تيشيان أثناء انتشار وباء الطاعون في فينيسيا، وتوفّي معه في نفس تلك السنة ابنه وذراعه الأيمن اوراتسيو. والحقيقة أنه لم يترك وراءه أيّة رسائل أو مفاتيح تدلّ على حياته الخاصّة أو رؤيته الفنّية. ولوحاته التي يربو عددها على الخمس مائة تشهد على وفائه الأسطوري لمهنته.
    نموّ تيشيان الفنّي رافقه حتى مماته، وأصبحت فرشاته في آخر عمره أكثر حرّية وأقلّ وصفية وأكثر تجريدا. "ها أنا أتعلّم أخيرا كيف أرسم".

    ❉ ❉ ❉

    بترارك ودي نوفيس


    ألّف فرانشيسكو بترارك، شاعر عصر النهضة الايطالي، عدّة قصائد عبارة عن تأمّلات حول طبيعة الحبّ. وقد كتبها من وحي علاقته العاطفية مع ملهمته لاورا دي نوفيس التي كان لها تأثير كبير على حياته وأشعاره.
    في إحدى تلك القصائد، يتأمّل الشاعر في الحالة المحيّرة التي وضعه فيها حبّه لتلك المرأة. فهو في حبّه لها يشعر بأنه مسجون وفي نفس الوقت حرّ، وبأنه محترق بالنار وفي الوقت نفسه مغمور بالثلج. وفي قصيدة أخرى يصف حالة الجمال والصفاء في حبّه وأثر ذلك على السماء والطبيعة.
    الموسيقيّ "فرانز ليست" قد تكون سوناتات "أو رباعيّات" بترارك حرّكت مشاعره، لذا ترجم بعضها موسيقيّا على البيانو بطريقة جميلة أمسك من خلالها بجوّ ومشاعر كلمات الشاعر. ومن أشهر ما ألّفه من وحي ديوان بترارك الرباعيّة رقم 104 . المعروف أن "ليست" قضى سنوات في ايطاليا، ألّف خلالها أيضا مقطوعات موسيقية أخرى من وحي بعض الأعمال التشكيلية التي رآها هناك مثل زواج العذراء لرافائيل وتمثال لورينزو دي ميديتشي لميكيل انجيلو وغيرهما.
    المرأة التي ألهمت بترارك، أي لاورا دي نوفيس، كانت زوجة للكونت هيوز دي ساد الذي يُعتبر من أسلاف الماركيز دي ساد. غير أن المعلومات التاريخية المتوفّرة عنها قليلة. لكن معروف أنها ولدت في افينيون بفرنسا عام 1310 وكانت تكبر بترارك بستّ سنوات.
    وقد رآها الشاعر للمرّة الأولى في إحدى الكنائس وذلك بعد زواجها بعامين، فوقع في حبّها من النظرة الأولى وأصبح مهجوسا بجمالها بقيّة حياته. وقضى السنوات التالية في فرنسا يغنّي لها حبّه الأفلاطوني ويتبع خطاها إلى الكنيسة وفي مشاويرها اليومية.
    ديوان بترارك المسمّى كتاب الأغاني ألّفه في مديحها واتّبع فيه أسلوب الشعراء المتجوّلين أو التروبادور. ولم يتوقّف عن الكتابة عن لاورا بعد وفاتها، بل كتب عنها قصيدة دينية في رثائها.
    دي نوفيس توفّيت عام 1348، أي بعد واحد وعشرين عاما من رؤية بترارك لها. كان عمرها آنذاك لا يتجاوز الثامنة والثلاثين. ولا يُعرف سبب وفاتها. لكن ربّما كان السبب إصابتها بالطاعون أو السلّ، بعد أن وضعت احد عشر طفلا.
    وبعد وفاتها بعدّة سنوات عُثر على قبرها واكتُشف بداخله صندوق من الرصاص يحتوي على ميدالية منقوش عليها صورة امرأة وتحتها إحدى قصائد بترارك التي نظمها فيها.

    ❉ ❉ ❉

    بورودين: قصّة حبّ مغولية


    من سمات موسيقى المؤلّف الروسي الكسندر بورودين أنها تمتلئ بالأنغام التي يسهل تذكّرها وتعلق بالذهن بسهولة. من بين مقطوعاته الموسيقية المفضّلة لديّ هذه القطعة بعنوان "في سهوب آسيا الوسطى".
    مفردة "السهوب" في العنوان تحيل تلقائيا إلى منغوليا وجنكيزخان والقبيلة الذهبية. والكلمة توازيها في المعنى كلمة "براري" في اللغة العربية.
    هذه الموسيقى هي جزء من مسرحية بعنوان الأمير إيغور تتحدّث عن قصّة حبّ بين أمير روسيّ وإحدى نساء المغول.
    الانطباع السائد لدى الكثيرين عن المغول هو أنهم قوم قساة متوحّشون ومتعطّشون للحروب وسفك الدماء. لكن المسرحية تقدّمهم بشكل مغاير، فهم في العموم لا يختلفون عن غيرهم من حيث المشاعر والعواطف الإنسانية.
    وكلّ ما في هذه القطعة، من بناء وتوليف وأنغام، شرقيّ الطابع، وبالتحديد روسي. وقد وظّف فيها المؤلّف عددا من الأنغام الروسية. وهي تبدأ بعزف رقيق لآلتي الكمان والكلارينيت المفرد، ثمّ يتطوّر النغم شيئا فشيئا مع دخول الآلات الوترية.
    وأنت تستمع إلى هذه الموسيقى ستتخيّل انك تشاهد قافلة تجارية وهي تقترب شيئا فشيئا. والموسيقى تعطيك هذا الانطباع بمرور موكب من الناس والحيوانات. وربّما مع شيء من التركيز قد تشعر بإحساس بالمشي وبوقع أقدام.
    وأكثر ما يثير الانتباه في النغم الأوّل الذي يعزفه الكلارينيت هو كيف أنه يتطوّر ويتداخل مع العناصر الموسيقية الشرقية، وفي النهاية ينتهي بالفلوت والبيانو، ثم يتلاشى النغم، ويُخيّل للسامع انه يرى القافلة وهي تبتعد شيئا فشيئا إلى أن تتحوّل إلى نقطة صغيرة في الأفق البعيد.
    إن أعجبتك هذه المقطوعة وأردت سماع شيء مختلف لبورودين أكثر رومانتيكية وقدرة على مخاطبة العواطف، فأظن أن لا شيء أجمل من معزوفته الليلية المشهورة "نوكتورن". توجد توزيعات كثيرة لهذه المعزوفة، لكن التوزيع الذي اعتبره الأفضل هو الموجود هنا ..

    ❉ ❉ ❉

    فيلاسكيز: بورتريه اوليفاريز


    هذا هو أشهر بورتريه فروسي رسمه دييغو فيلاسكيز عام 1634، ويصوّر فيه كونت اوليفاريز الذي كان وقتها أقوى رجل في مملكة اسبانيا؛ أقوى حتى من الملك نفسه.
    وقد أراد فيلاسكيز التعبير عن كبرياء الرجل فرسمه فوق صهوة حصان، وهو شرف لا يناله غالبا سوى الملوك وزعماء الدول.
    كان اوليفاريز مشهورا بحبّه للخيل. وهو يظهر هنا بقبّعة وعصا ودرع مزيّن بالذهب، بينما يجلس فوق حصانه هابطا من مكان عال، وشخصه يملأ كامل مساحة اللوحة.
    الجواد الرائع الكستنائي اللون يميل برأسه في الاتجاه الآخر وينظر إلى أسفل اللوحة حيث تدور معركة ويرتفع دخان نار وذخيرة فوق السهل تحت.
    اللوحة لا تصوّر معركة بعينها، بل تشير إلى المهارة العسكرية للرجل الذي كان يقود جيوش الملك من نصر إلى نصر.
    الزاوية اليسرى إلى أسفل تظهر فيها ورقة بيضاء مثبّتة في حجر. لم يكن من عادة فيلاسكيز أن يوقّع لوحاته أو يسجّل عليها تواريخ. ورغم ذلك ترك هذه الورقة البيضاء في الصورة ولم يكتب عليها شيئا.
    شغل اوليفاريز منصب الوزير الأوّل في اسبانيا بدءا من عام 1623. وطوال أكثر من عشرين عاما كان هو الحاكم المطلق للبلاد.
    وقد انتهز توسّع حرب الثلاثين عاما كفرصة، ليس فقط لاستئناف الأعمال العدائية ضدّ الهولنديين، ولكن أيضا من اجل محاولة استعادة السيطرة الاسبانية على أوربّا بالتعاون مع أسرة هابسبيرغ.
    وفي مرحلة تالية حاول اوليفاريز أن يفرض على الدولة نمط إدارة مركزيّا. لكن تلك الخطوة تسبّبت في اندلاع ثورة ضدّه في كاتالونيا والبرتغال أدّت في النهاية إلى سقوطه.
    وأخيرا، إن كان سبق لك أن رأيت لوحة الفرنسي جاك لوي دافيد التي يصوّر فيها نابليون على ظهر حصانه فلا بدّ وأن تلاحظ الشبه الكبير بين تلك اللوحة وبين لوحة فيلاسكيز هذه. وأغلب الظن أن دافيد رسم نابليون بتلك الكيفية وفي ذهنه هذه اللوحة التي يبدو انه كان معجبا بها كثيرا.

    Credits
    titian-tizianovecellio.org
    petrarch.petersadlon.com
    diego-velazquez.org