:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, December 23, 2015

نجمة الميلاد


كلّ عام والإخوة المسيحيون في كلّ مكان بخير وسلام بمناسبة أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة.
من بين الرسومات الجميلة التي تزيّن بطاقات الميلاد عادة في مثل هذا الوقت من كلّ عام صورة ظلّية لثلاثة رجال يرتدون ثيابا قشيبة ويمتطون ظهور الجمال في الليل ويحدّقون عبر التلال أو الكثبان الرملية بحرص قبل أن يوجّهوا أنظارهم نحو بيت صغير منعزل على مسافة.
الليل مظلم، وهناك نجمة ساطعة ووحيدة تحوم فوق البيت الصغير وترسل شعاعا من الضوء الساطع باتجاه الأرض يضيء حدود البيت. وفي داخل البيت ثمّة ضوء آخر.
الإشارات الدينية تذكر أن نجمة ظهرت لثلاثة من حكماء المجوس في الشرق. كان هؤلاء طبقة من الكهّان والحكماء من بلاد فارس، وكانوا على دراية بالفلك والنجوم والسحر.
وقد رأوا في السماء شيئا نبّههم إلى أن المسيح كان على وشك أن يولد. وحفّزتهم النجمة للسفر من فارس إلى أورشليم، أي إلى المكان الذي يُرجّح أن ملك اليهود الموعود سيولد فيه.
علم فلك المجوس كان يفترض أن النجوم تصوغ حياة الإنسان من الميلاد إلى الموت. كانوا يعتقدون أن الظهور المفاجئ لنجم جديد ولامع في السماء هو علامة على ولادة إنسان مهم. وكانوا يرون فيه تحقيقا لنبوءة ما.
عندما وصل الحكماء الثلاثة إلى أورشليم بدءوا البحث عن الطفل. حاكم المدينة، أي الملك الرومانيّ هيرود، انزعج ممّا سمعه منهم، ثم نادى على كبار الكهنة والأعيان في قصره ليسألهم عن ولادة النبيّ الجديد.
وعندما لم يجد الحكماء أثرا للطفل في أورشليم، واصلوا رحلتهم إلى بيت لحم. وقد اهتدوا أخيرا إلى بيته ودخلوه ورأوا الطفل وأمّه وخرّوا سُجّدا عند قدميه وصلّوا له، كما تقول الرواية الدينية. كانوا يحملون معهم ثلاث هدايا: آنية من الذهب، وأخرى من البخور، وآنية ثالثة من المُرّ. وكلّ واحدة من هذه الهدايا لها رمزيّتها الخاصّة. أما الملك الطاغية هيرود فقد أرسل جنوده إلى بيت لحم وكلّفهم بأن يقتلوا كلّ طفل رضيع في المدينة، في ما أصبح يُعرف في ما بعد بمذبحة الأبرياء.
قصّة الحكماء مشهورة في التراث المسيحي. وقد أصبح الرجال الثلاثة من أكثر الشخصيات حضورا في الرسم، وهم يظهرون غالبا وهم يركبون الجمال ليلا ويتابعون نجمة في السماء، أو وهم يصلّون مع الرعاة للنبيّ الطفل بعد أيّام من ولادته. كما كُتبت أغاني وأشعار عديدة عن هذه القصّة وعُرضت عنها الكثير من الأفلام والمسرحيات.
لكن السؤال: نجمة الميلاد، أو نجمة بيت لحم كما تُسمّى أحيانا، هذه النجمة الخارقة للعادة والتي أصبحت رمزا رئيسيا للكريسماس .. ما هي حقيقتها؟
الواقع أن إنجيل متّى هو المكان الوحيد التي ذُكرت فيه هذه النجمة، وتحديدا في الآية التي تقول: عندما سمعوا الملك رحلوا، بينما النجمة التي رأوها في الشرق كانت تسير أمامهم إلى أن توقّفت حيث يوجد الصبيّ الصغير". وحتى هنا فإن المعلومات عنها متفرّقة ونادرة.
وبالنسبة لأيّ شخص يميل إلى الأخذ بالتفسير الحرفيّ للنصوص المقدّسة، فإن هذه الآية تحلّ المسألة. وإذا كانت هذه الآية صحيحة، فإن نجمة بيت لحم قد لا تكون أيّ ظاهرة طبيعية معروفة، لأنه ببساطة لا شيء يتحرّك في السماء بتلك الطريقة.
ومع ذلك، إذا ما سلّمنا بكلام مؤلّف إنجيل متّى، والذي لم يكن بالتأكيد أحد شهود العيان في كنيسة المهد، فإن النجمة قد لا تكون ظهرت حرفيّا بالطريقة الموصوفة. وفي هذه الحالة يمكن أن نفكّر في بعض الاحتمالات الفلكية الطبيعية.


في الواقع هناك بعض الشكوك حول استخدام كلمة "نجمة" في المخطوطة اليونانية. مثلا، يؤكّد بعض العلماء أن كلمة "نجم" قد تعني ضمنا أيّ جرم فضائي آخر غير النجوم المعروفة. وبعض الأوصاف الفنّية تُظهر ما يبدو وكأنه نيزك ساطع أو نجم ساقط.
ورغم أن النيازك المتفجّرة يمكن أن تكون مذهلة ومثيرة للإعجاب، إلا أنها لا تدوم سوى ثوان فقط، ويمكن أن تحدث في أيّ وقت. ومثل هذه الظواهر العابرة لا يمكن أن تقود الرجال الحكماء إلى بيت لحم.
وهناك أجرام أو أجسام فلكية أخرى قد تبدو أكثر أهمّية. لكن هناك مشاكل أخرى، فنحن أوّلا لا نعرف على وجه اليقين متى ولد المسيح. فبسبب خطأ ارتكبه احد رجال الكنيسة بعد ذلك بمئات السنين، فإن ولادته يُعتقد أنها حدثت بعد التاريخ المعروف اليوم بأربع سنوات على الأقل.
واليوم نعرف أن ولادته كانت في موعد لم يتجاوز العام الرابع قبل الميلاد، ويمكن أن تكون حدثت قبل ذلك بقليل. وبالتأكيد لم تكن ولادته في يوم الخامس والعشرين من ديسمبر. والإنجيل لا يقول شيئا عن هذه النقطة ولا يترك لنا سوى القليل من الأدلّة.
غير أن هناك دليلا واحدا يتمثّل في الإشارة إلى أن الرعاة كانوا في الحقل و"كانوا يراقبون غنمهم ليلا"، وهو أمر يقول العلماء إن من المحتمل القيام به فقط في فصل الربيع عندما تولد الحملان الصغيرة. وبالتالي كانت الولادة على الأرجح في الربيع، وربّما بين العامين السابع والرابع قبل الميلاد.
وهناك قليل من السجلات الفلكية التي حُفظت في ذلك الوقت، باستثناء سجلات الصينيين والكوريين. وقد سجّل هؤلاء ما قد يكون "مذنّبات" في العام الخامس ثمّ الرابع قبل الميلاد. والمشكلة الرئيسية هنا هي أن الصينيين، وأيضا المنجّمين المجوس، كانوا يعتبرون المذنّبات نُذر شؤم أو علامات على الحظّ السيّئ.
وهناك احتمال آخر، هو أن نجمة عيد الميلاد كانت سوبرنوفا أو نجما متفجّرا، وهو نجم لم يُرَ قبل ذلك، يضيء فجأة ويكاد ضوؤه يخطف الأبصار. وفي الحقيقة تمّ رصد نجم مشابه من هذه النجوم من قبل الصينيين في ربيع العام الخامس قبل الميلاد، وقد ظلّ يُرى لأكثر من شهرين. ومع ذلك فإن موقعه في كوكبة الجدي كان يعني أنه ما كان من المرجّح أن "يقود" الحكماء بالطريقة التي يتحدّث عنها ضمنا الكتاب المقدّس.
وبالنسبة للبعض، فإن هذا "النجم" لم يكن نجما على الإطلاق، وإنّما كان كوكب المشتري. أو بتعبير أدقّ، كان اقترانا عن قرب بين كوكب المشتري وكوكبين آخرين هما زحل والمرّيخ.
القدماء كانوا يعتبرون الكواكب "نجوما متجوّلة"، وكانوا يؤمنون بأنها تحمل دلالات فلكية وباطنية كبيرة. وعلماء الفلك يعرفون أن سلسلة من هذه الاقترانات حدثت في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في كوكبة الحوت التي يقول البعض إنها العلامة الفلكية لليهود. ولإضفاء المزيد من المصداقية على كُتّاب المسيحية الذين أتوا لاحقا مثل متّى، فإن علامة الحوت أصبحت في ما بعد العلامة السرّية للمسيحيين.
قد يكون الحكماء الثلاثة رأوا نجما من تلك النجوم التي يزداد حجمها ووهجها ثم لا تلبث أن تأفل وتتلاشى. لكن هذه النظرية تفشل في تفسير كيف أن النجم الذي رأوه جهة المشرق ظهر أمام أعينهم إلى أن توقّف حيث يوجد الطفل. إذ ليس بمقدور نجم ثابت أن يتحرّك أمام الحكماء ليقودهم إلى بيت لحم، ثم ليس من طبيعة النجوم أو المذنّبات أن تختفي ثم تعاود الظهور ثم تقف ساكنة.
وما لم يتمّ العثور على اكتشاف أثريّ كبير ولا يقبل الجدل كي يحلّ هذه المسألة نهائيا، فإن غموض نجمة عيد الميلاد سيظلّ عنصرا من عناصر عالم الإيمان. العلم نفسه لا يستطيع أن يفسّرها كجرم فيزيائيّ معروف، والتاريخ لا يقدّم سجلا واضحا، والدين لا يقدّم سوى طيف خارق للطبيعة وغير قابل للفحص أو التثبّت.
ولكن على الرغم من عدم وجود اتفاق على طبيعة النجمة أو حتى على ما إذا كانت قد رؤيت فعلا قبل ألفي عام، فإن جميع الأطراف يمكنها أن تتّفق على طبيعة الرسالة التي بشّرت بها نجمة عيد الميلاد: على الأرض السلام، وفي الناس المسرّة".

Credits
planetsave.com
universetoday.com

4 comments:

Haitham Al-Sheeshany said...

شكرًا للمعلومات و السرد المتقن (ممتع وشادّ) كعهدك.

أتذكر -بأسف- أني كنت أحاول دومًا إثبات أن تاريخ ال ٢٥ من كانون الأول ليس دقيقًا و أحاجج معارفي المسيحيين في ذلك وأسهو عن ال
!

لم أكن أعلم بهذه التفاصيل عن النجمة!
هذه ٣ سنة لنا في بلد أوروبي مسيحي. لن أضيف جديدًا بقولي أن ما يجمعنا كبشر هو أكثر وأغزر مما يفرقنا.
هذه السنة ميلاد الرسول المصطفى جاء متقاربًا لميلاد المسيح؛ ما أحزنني -والكلام بدائرة شخصية لا أكثر- كيف أنني كمسلم لم أبذل جهداً كفاية لإعلام أخي في الإنسانية بأن عيسى رسول وله مكان متميز في عقيدتي. يظن الكثير أننا لا نلقي بالا بالسيد المسيح وأننا في أحسن الأحوال انتقائيون في إظهار احترامنا وحبنا له ولتاريخه ولاصطفائه. المسألة متشعبة، نعم. ولكن جزئية أن علي أنا مسؤولية ولو بسيطة بإظهار ذلك كانت لفترة ليست بالبسيطة غائبة (ولا أقول مغيبة لأبرئ نفسي)
* مثال بسيط (ومجدداً أتكلم عن رأي لشخص واحد هنا، لكيلا ينزعج قارئ ما) - فزعتنا (المبررة) للرسوم المسيئة لشخص الرسول وتغاضينا (النسبي على الأقل) للرسوم عن سيدنا عيسى (هو سيد لنا كذلك!)

أشكرك.

Ramzi Hakami said...

جولة ممتعة وتحقيق أسترونومي مثير
شكرا لك يا صديقي
ومن الملفت في هذا العام أن ميلاد النبي محمد وميلاد النبي عيسى -أو الاحتفال بهذا الميلاد- جاءا في يومين متتاليين.
بل من الأشد لفتا أن تاريخ ميلاد النبي محمد في التقويم الهجري تكرر مرتين هذا العام، وهي ظاهرة يقال إنها لا تتكرر إلا كل 33 سنة.

أعياد ميلاد مجيدة

Prometheus said...

عزيزي هيثم:
كل عام وأنت بخير.
وشكرا لك على التعليق الجميل كعادتك.
بالنسبة للتاريخ، هو مختلف عليه من قديم ويحيطه الكثير من الجدل.
تزامن ميلاد محمّد وعيسى ربّما هو تذكير بان الأديان حتى وان كانت مختلفة في الكثير من الأمور إلا أن جوهرها واحد. وما قلته عن الرسوم المسيئة صحيح، لكن أصل المشكلة في نظري له علاقة بالثقافة والقوانين وبحدود حرّية الرأي عندنا وعندهم.
سرّني أن رأيتك هنا مجدّدا فلك الشكر ووافر الاحترام.
تحيّاتي ومودّتي لك.

Prometheus said...

عزيزي رمزي:
أهلا وسهلا بك من جديد وكل سنة وأنت طيّب.
ملاحظتك في مكانها وأنا لاحظتها أيضا، لكن ملاحظتك الثانية، أي تكرار تاريخ ميلاد نبّينا عليه السلام مرّتين هذا العام، لم اعرف عنها إلا الآن منك.
أريد أن أشكرك على الموضوعات الرائعة التي اقرؤها بانتظام في مدوّنتك. أنت كاتب خاصّ جدّا بالنسبة لي، وتفردّك وتميّز موضوعاتك وأسلوبك الراقي في الكتابة هي من الأشياء التي تجعلني أتابعك واستمتع كثيرا بما تكتبه هناك.
ابهرني من كم يوم تحليلك الشاعري الأكثر من رائع لأغنية شادي لفيروز. وأنا اقرأ ما كتبت أحسست وكأنني امشي على نفس التلال محاطا بالثلج والأطفال وبراءة السنين.
تحيّاتي ومودّتي لك.