درس من برتراند راسل

من العبارات الجميلة التي تستحقّ أن تُتذكّر زمنا طويلا قول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: لن أموت أبدا دفاعا عن قناعاتي أو مبادئي، فقد أكون مخطئا". والعبارة تتضمّن درسين مهمّين: الأوّل هو أن ما نعتقد انه قناعات مطلقة أو نهائية لا يعدو كونه مجرّد آراء أو تصوّرات قد تخطيء أو تصيب، وإن كانت صائبة اليوم فقد لا تكون كذلك غدا.
والدرس الثاني أن ما نعتقد انه قناعات أو مبادئ قد لا يعتبرها الآخرون كذلك، فهي في النهاية أفكارنا الشخصية الخاصّة وليس علينا حمل الآخرين أو إجبارهم قسرا على اعتناقها أو تبنّيها. راسل له مأثورات كثيرة عميقة المغزى، لكن هذه العبارة هي من أبلغ ما قاله.
لماذا يتعيّن على الإنسان أن يموت أو أن "يدفع حياته ثمنا لمبادئه"، وهي الفكرة التي كثيرا ما تساق كذريعة للاستخفاف بالحياة وإلقاء الإنسان بنفسه إلى التهلكة؟ إن تضحية أيّ إنسان بحياته دفاعا عمّا يظن انه عقيدة أو حرّية فكرية هو ضرب من الخَبال. ولو طبّق الناس مقولة راسل الذهبية لكانت البشرية قد وفّرت الكثير من الأفراد المتميّزين ممّن "دفعوا حياتهم ثمنا لمبادئهم".
يقال أن سقراط، مثلا، دفع حياته "ثمنا لتمسّكه بمبادئه. لكن هناك من اعتبر انه تصرّف بحماقة وعاطفة رغم كونه فيلسوفا عظيما. حتى تلاميذه في زمانه أنكروا عليه ذلك الموقف المتعنّت ونصحوه بأن يتراجع عنه كي يحافظ على حياته. لكنه أصرّ على موقفه غير العقلاني وفضّل تجرّع السمّ والانتحار.
كان بمقدوره أن يغيّر موقفه، على الأقلّ تكتيكيّا أو ظاهريّا، كي يحتفظ بحياته. وعندما تتغيّر الظروف يستطيع أن يجاهر بأفكاره الخلافية بعد أن يكيّفها ويخفّف من غلوائها لكي يتجنّب غضب السلطة وعوامّ الناس. يفترض بالمفكّر الحكيم أن يكون مدركا للتوازنات والتسويات وأن يدرك متى وكيف يناور لتفادي المخاطر والأضرار المحتملة.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

أساطير قديمة: العنقاء