:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, April 30, 2010

مَشاهد من لندن

لفتتني بحيويّتها وابتسامتها وأناقتها وبجسدها النحيل الذي يشبه قوام راقصات الباليه. لباسها أنيق ومتقشّف يغطّي بالكاد ركبتيها. ملامحها الشرقية لا تخطئها العين. قالت: من أين؟ قلت: من السعودية. بادلتها نفس السؤال وأنا أتوقّع الإجابة مسبقا: وأنت؟ قالت. إيرانية. قلت على الفور: آه، هو الجمال الفارسي إذن يكشف عن نفسه ثانية. انفجرت ضاحكة وقد علا وجهها الخجل. قالت: اسمي أتوسا. قلت: تشرّفنا. وماذا يعني؟ قالت: مجرّد اسم، وإن شئت الدقّة فهو اسم لإحدى أميرات الساسانيين. لم تمض دقائق حتى ازدحم المحلّ بجموع المتسوّقين والزوّار. قالت وهي تخطو مبتعدة في خفّة البجعة: إن احتجت إلى مساعدة فستجدني هناك. وأشارت بيدها إلى زاوية بعيدة من زوايا المتجر الكبير.
أتوسا هي واحدة من عشرات الآلاف الذين تمتلئ بهم هذه المدينة المضيافة التي تحتضن أخلاطا شتّى من البشر الذين ينتمون إلى مختلف الأعراق والديانات والجنسيات. وقد وجدوا في هذه المدينة ملاذا آمنا يوفّر لهم فرص العيش الرغيد والحياة الحرّة والكريمة. وفي الانتخابات الحالية، بإمكان المرء أن يلمس تأثير البريطانيين المتجنّسين والجاليات الوافدة على الحياة السياسية في بريطانيا من خلال محاولات المرشّحين الثلاثة خطب ودّ هذه الجماعات وإحاطة أنفسهم بمتحدّثين ومستشارين من الباكستانيين والهنود والعرب والأفارقة وغيرهم.
في زيارتي هذه المرّة، ذهبت إلى الشمال حيث هدوء الريف وجمال الطبيعة وبساطة الناس. وكنت قد خططت للإقامة في فندق أثري يقع على ناصية شارع تقوم على احد طرفيه عدد من المراكز التجارية والسكنية. الفندق يتميّز بهدوئه وبجمال تصميمه وأناقة ديكوره الداخلي. وهو يحتوي على صالة رئيسية تزيّن جدرانها تماثيل صغيرة منحوتة من خشب السنديان. والصالة مخصّصة للقراءة وفيها جهاز تلفزيون ضخم وطاولة كبيرة ومجموعة من الكنب والمقاعد. وفي الجوار مكتبة تحتوي على عدد من الكتب والمؤلّفات الكلاسيكية. وباختصار، كان الفندق مكانا مثاليا يوفّر للإنسان فرصة أن يختلي بنفسه وأن يقرأ ويشاهد التلفزيون ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ويبتعد لبعض الوقت عن صخب ومشاكل العالم في الخارج.
في إحدى الليالي، قصدت حيّ سوهو لتناول العشاء في مطعم تايلندي. فكرة الأكل في ذلك المطعم متميّزة بل ونادرة. تخيّل نفسك تجلس حول طاولة كبيرة يشاركك فيها عدد من الرجال والنساء الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك ولم يسبق لك الالتقاء بهم من قبل. بدت لي الفكرة حميمية وخاصّة وخُيّل إليّ أنها تعكس طبيعة المجتمع اللندني الذي يتّسم بالتنوّع الثقافي وتعدّد الأجناس والبشر. على تلك الطاولة، كان يجلس فرنسي وزوجته وصيني وصديقاه الانجليزيان وشابّ أفريقي بصحبة امرأة بيضاء، بالإضافة إلى شخص كان يتحدّث مع رفيقته بالانجليزية لكن ملامحه تدلّ على انه إمّا إيراني أو أفغاني.
وكان في برنامج الزيارة أيضا أن اذهب إلى التيت غاليري. وصلنا المكان صباحا بعد أن تجوّلنا في هارودز وشربنا القهوة في مقهى قريب. التيت غاليري لا يقلّ أهمّية عن الناشيونال غاليري من حيث انه يضمّ بين جنباته عددا من أشهر الأعمال الفنية العالمية. في بهو الغاليري لفت انتباهي وجود احد تماثيل هنري مور الضخمة وهو تمثال يصوّر امرأة مستلقية. وقد علمت أن الغاليري يقيم هذه الأيام معرضا تذكاريا للنحّات البريطاني المشهور يدوم حتى أغسطس. ولهذه الغاية تمّت طباعة كتاب جميل يحتوي على مجموعة أعماله النحتية. وقفت أتأمل التمثال الضخم الموضوع عند المدخل وتذكّرت أوّل مرّة رأيت فيها نسخا لبعض منحوتات هنري مور. كان ذلك منذ سنوات وبالتحديد في مدينة جدّة. وقد تصادف أن رأيت تلك القطع مرّة أخرى منذ حوالي الشهرين ولاحظت كمّية الإهمال والخراب التي لحقت بها وبغيرها من الأعمال النحتية التي أقيمت لتزيين الواجهة البحرية وأصبح حالها اليوم شاهدا على مستوى الإهمال والفساد والتخلّف الذي طال الكثير من مرافق المدينة وتجهيزاتها.
كان من عادة هنري مور أن يعمد إلى تبسيط وتنعيم الحوافّ الحادّة لمنحوتاته كي يضفي على الإنسان فيها سمة عالمية وخالدة. وبعض النقّاد لاحظوا كثرة الثقوب التي تتخلّل شخوصه الأنثوية وفسّروا ذلك على انه رمز لعنف النظرة الذكورية والهجوم العدائي على جسد الأنثى. ولعلّ بعضنا يتذكّر ذلك الخبر الغريب الذي نشرته الصحف منذ حوالي خمس سنوات، عندما تمّت سرقة احد تماثيل مور من داخل مؤسّسته الفنّية بـ لندن في واحدة من أكثر عمليات السطو الفنّي جرأة وإثارة. وقد قام اللصوص وقتها بتفكيك وتهريب التمثال الذي يزن أكثر من طنّين وتقدّر قيمته بأكثر من ستّة ملايين دولار. ويُعتقد اليوم أن التمثال قد تمّ صهره قبل أن يُشحن إلى خارج انجلترا لاستخدامه كحديد خردة.
في التيت غاليري، كما أسلفت، مجموعة من أفضل اللوحات والمنحوتات في العالم والتي يُقدّر عددها بحوالي سبعمائة عمل. هناك، مثلا، تمثال رودان بعنوان القبلة، بالإضافة إلى لوحات لكبار الرسّامين الذين ينتمون إلى عصور ومدارس فنية مختلفة مثل جون سنغر وجوزيف تيرنر ومارك روثكو وبيكاسو وبيرن جونز وكونستابل ولوسيان فرويد وجوشوا رينولدز ودانتي غابرييل روزيتي وروبنز ومونيه وغيرهم. لكن أكثر الأعمال الفنية اجتذابا للزوار كانت سيّدة جزيرة شالوت لـ وليام ووتر هاوس وأوفيليا لـ جون ميليه وسحر مارلين لـ ادوارد بيرن جونز. اللوحتان الأوليان بالذات نالتا اهتماما خاصّا من لدن الجمهور ومعظمهم كانوا من الأجانب. وكنت أظنّ قبل رؤيتي للوحتين أنهما لا بدّ وأن تكونا اكبر حجما ممّا رأيته. وخطر لي أن جزءا مهمّا من قيمتهما الفنية يعود إلى ارتباطهما بالأدب والشعر والأساطير الآرثرية.
مكتبة الغاليري هي الأخرى تلفت الانتباه. وهي تضمّ كتبا متنوّعة تتناول حياة كبار الفنانين وأعمالهم. وهناك نسخ مطبوعة بمقاس كبير لعدد من لوحات الغاليري مطروحة للبيع بأسعار معقولة لكلّ من يرغب باقتنائها. المهم، كانت الزيارة ممتعة للغاية وكان جوّ المكان نفسه موحيا بالهدوء والصفاء الذهني.

Thursday, April 29, 2010

مجتمع الآخرة

قال وقد علت وجهه علامات التعجّب والحيرة: شيء غير معقول هذا الذي يحدث.
قلت: خيرا؟ أعرفك، لا يعجبك شيء ولا تتوّقف عن الانتقاد والشكوى.
قال: تصوّر، لا يفتح احدهم جوّاله إلا وتنطلق منه نفس الأصوات المحشرجة التي تحاصرنا آناء الليل وأطراف النهار. مقطع من خطبة مخيفة يهدّد صاحبها الناس بعذاب النار وسوء العاقبة، أو جزء من محاضرة لآخر يبعث صوته المتهدّج الباكي القشعريرة في النفس وهو يحرّض الناس على حبّ الموت وكراهية الحياة.
قلت: يا عزيزي، الناس أحرار في ما يريدون أن يسمعوه في هواتفهم. فلماذا تضيّق واسعا وتسرف في لوم الآخرين. وعلى كلّ حال، هذا مجتمعك وعليك أن تقبله بحسنه وقبيحه.
ردّ قائلا: لكن الأمر لا يقتصر على الهواتف النقّالة. قبل كم يوم كنت في احد المستشفيات ودخلت غرفة اخذ العيّنات. ولأن رئيس المناوبين رجل متديّن كما يبدو من مظهره "لحية وزبيبة" فقد رأى أن من المناسب أن يشغّل القرآن وأن يرفع الصوت إلى آخره غير آبه بحقيقة أن من يعمل معه بعضهم من غير المسلمين وأن سماع القرآن ليس هذا مكانه ولا أوانه. المكان مخصّص للعمل، والقرآن مكانه المسجد أو البيت. أليس كذلك؟
قلت: ليس في ما تقوله شيء جديد. الكثير من مستشفياتنا تشغّل القرآن الكريم بدلا من الموسيقى الهادئة والخفيفة، بل وتضع على جدرانها آيات وأحاديث تحذّر من التودّد للكفار وحتى التعامل معهم، مع أن جزءا كبيرا ممن يعملون بتلك المستشفيات هم من غير المسلمين. ومن حسن الحظ أن أكثر الوافدين إلى بلدنا لا يقرءون العربية وبالتالي لا يفهمون تلك اللافتات.
قال: ما يحيّرني هو الطريقة التي تحوّلنا بها إلى مجتمع يزحف أفراده على رُكَبهم زحفا ويتنافسون بالمناكب للوصول إلى الآخرة. مظاهر الدروشة تحاصرنا في كل مكان وتزهّدنا في الدنيا مع أننا لم نذق من متع الحياة سوى النزر اليسير. نريد أوّلا أبسط حقوقنا كبشر أحياء. نريد أن نستمتع بحياتنا مثل الآخرين دون شوشرة أو منغّصات. ثم بعد ذلك ليتحدّثوا عن الموت والقبر وعذاب الآخرة ما شاء لهم الحديث.
قلت: أتفهّم كلامك جيّدا. وبالنسبة للجوّال ضع موسيقى في هاتفك أو أيّ شيء آخر يروق لك. أنت حرّ ولا احد سيعترض على اختياراتك. لكن لا تلزم الآخرين بأن يفكّروا مثل ما تفكّر. حريّتك الشخصية مصانة، شرط ألا تحجر على حرّيات الآخرين أو تصادر قناعاتهم.
قال: المجتمع هو من يصادر حرّيتي ويريدني أن أكون نسخة منه، بينما أنا أريد أن أكون نفسي وأن أتصرّف وفق قناعاتي وأفكاري. إسمع، يُخيّل لي أحيانا انك لا تعيش معنا. ذات مرّة وضعت نغمات عود في جوّالي. وعندما رنّ جرس الهاتف وعلا صوت الموسيقى نظر إليّ بعض من بالمكان نظرة استهجان بينما رمقني آخرون باحتقار وكأنّني شخص قليل التربية وناقص المروءة.
قلت: فلينظروا إليك بالطريقة التي يريدون. المهم كيف تنظر أنت إلى نفسك. لا تجعل ردود أفعال الآخرين وأفكارهم الخاصّة تتحكّم في أفعالك وقناعاتك. ما دمت مقتنعا بشيء فافعله ولا تعوّل على ما يقوله الآخرون أو ما يفكّرون به. لأنك إن وضعت في اعتبارك رضاهم أو سخطهم، فلن تفعل شيئا على الإطلاق.
قال: أنت تعرف أن التديّن عندنا لا يجاوز المظاهر والشكليات. وأعرف أشخاصا يرتكبون ما الله به عليم من صنوف العظائم والموبقات. لكنهم يدارون ذلك بمظاهر التقى الخادعة. وما أن يرنّ جوّال احد هؤلاء حتى ينطلق منه صوت السديس وهو يبكي أو تنبعث منه آيات قرآنية تحذّر من عذاب النار وسوء عقبى الخاطئين والأشرار. هذه المظاهر الدينية المزيّفة أصبحت تربّي في الناس صفات رديئة كالخداع والازدواجية والانتهازية والنفاق. يكفي أن يراك المجتمع وأنت ترتدي لبوس الصالحين والأخيار حتّى يحكموا عليك بالتقى والصلاح ويشهدوا لك بالجنّة حتى لو كنت مثالا في الإجرام والضلال.
قلت: كلامك فيه الكثير من الحقيقة. وأنا أرى انك شغلت نفسك أكثر مما ينبغي بمشكلة الجوّال مع أنها بنظري مسألة تافهة وبسيطة قياسا إلى مشاكل اكبر وأهمّ. الازدواجية مستشرية حتى بين من يدّعون وصايتهم على المجتمع وحرصهم على الفضيلة. احد المشايخ الذين يحرّمون الاختلاط بل وأيّد الفتوى السوداء للبرّاك بقتل كل من يروّج للاختلاط ذهب إلى الكويت منذ أيّام وألقى محاضرة في قاعة كان الحضور فيها جميعهم من النساء. وقيل انه مازح النساء هناك وتبسّط معهن وحوّل محاضرته إلى جلسة وناسة. وعندما عاد من رحلته استمرّ يحذّر الناس هنا من أخطار وشرور الاختلاط. ولا تنسَ الذين حرّموا ولا زالوا قيادة المرأة للسيّارة لكنهم أجازوا لها الاختلاء بالسائق الأجنبي. ولا الذين حرّموا عمل النساء في المحلات التي تبيع الملابس النسائية الداخلية وأجازوا أن يقوم الرجال الأجانب بهذا العمل. هم يزعمون أنهم حماة الفضيلة لكن أفكارهم وتصرّفاتهم وفتاواهم تؤكد عكّس ما يزعمون أنهم يدعون إليه.
قال: مجتمعنا كلّه عبارة عن كتلة من التناقضات والأمراض المستعصية. زد على ذلك بلاوي الهيئة وأخطائها الشنيعة وحمّى الفتاوى الشاطحة والغريبة، من الدعوة إلى قتل ميكي ماوس إلى تحريم تربية الحمام إلى تحريم الانترنت للنساء دون وجود محرم، وغيرها كثير. ويظهر انه لم يكن ينقصنا سوى فتوى ذلك المعتوه الذي أفتى بهدم المسجد الحرام منعا للاختلاط. ترى أليس لهذا الجنون من آخر؟
قلت: لا، الهوس الديني يفعل مثل هذا وأكثر. وسيستمرّ الحال على ما هو عليه، بل قد نسمع قريبا عن فتاوى أشدّ وأنكى. هذا كلّه نتاج أكثر من ثلاثين عاما من التطرّف الديني الذي أنتج الإرهاب وكرّس الأفكار المتشدّدة وتبنّى مواقف معادية للحضارة والمدنية وأخذ معه المجتمع سنوات طويلة إلى الوراء. وهذا كلّه لن ينتهي إلا بإعادة تربية المجتمع على أسس جديدة كي يصبحوا بشرا أسوياء مثل كلّ المجتمعات الإنسانية السليمة والمعافاة. بالنسبة لما تقوله عن الخداع والكذب، أنا لا ألوم المخادعين والكذّابين. اللوم يقع على المجتمع وحده الذي سمح بشيوع مثل هذه الأفكار والتصوّرات وجعل ميزان الصلاح والجدارة مرتبطا بالقشور والمظهريات الكاذبة فسهّل على المضلّلين أن يمارسوا تضليلهم وكذبهم تحت رداء التديّن المغشوش والتقى المزيّف.
قال: تعرف، أكثر ما يحيّرني في فتوى الاختلاط كيف لشيخ بلغ من العمر أرذله أن يكون لفتواه مثل هذا التأثير الكبير في المجتمع بحيث يستقبلها الناس بكلّ هذا الاهتمام وتثير كل هذا النقاش الصاخب مع أن هذا الرجل قد يكون دخل مرحلة الخرف العقلي وفقد أيّ اتصال له بالواقع.
قلت: السؤال الأهم هو ما الحاجة أصلا لكلّ هذه الفتاوى؟ ولماذا يقحم هؤلاء أنفسهم في كلّ صغيرة وكبيرة من حياة الناس؟ والمصيبة الأكبر كيف يقصدهم الناس ليسألوهم رأيهم في كلّ شاردة وواردة.
قال: مع مرور الوقت وصلت إلى قناعة انه كلّما كثرت مظاهر التديّن في مجتمع، كلّما ازداد توحّشا وبعدا عن القيم الإنسانية الجامعة كالحبّ والتسامح والتعاطف.
قلت وأنا أحاول لملمة الموضوع وإنهاء الحديث: المشكلة ليست في التديّن بحدّ ذاته. المشكلة الحقيقية هي في تسييس الدين وتوظيفه لأغراض حزبية وفئوية تبتغي الاستمرار في إحكام السيطرة وفرض الوصاية على المجتمع بالقوّة. والذين يثيرون مثل هذا الغبار إنما يجنون على المجتمع ويسهمون في إبقائه في حفرة الجمود والتخلّف لأنهم يصرفون اهتمام الناس عن قضايا ومشاكل أولى وأهمّ. لكن يجب أن نتفاءل بالمستقبل. هناك مناطق ضوء مقدّر لها أن تنتشر ويقوى تأثيرها في مكافحة التعصّب وتبديد الظلمة: جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، فتاوى بعض رجال الدين المتنوّرين عن عدم حرمة الاختلاط وعدم إلزامية الحجاب وعن عبثية إغلاق المحلات في أوقات الصلاة.
قال: أنا أشاطرك هذه النبرة المتفائلة، لكنْ بحذر. وأعتقد أن المسألة بحاجة إلى وقت كي يستوعب المجتمع المتغيّرات الجديدة ويتكيّف معها بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود اختطف خلالها المتشدّدون الدين، فغسلوا أدمغة الناس بطريقة ممنهجة وزيّفوا وعيهم وأفسدوا حياتهم بفتاواهم الضالّة وأفكارهم المغالية واخترعوا من عند أنفسهم دينا لا علاقة له بالدين الذي يعرفه عامّة المسلمين.



Wednesday, April 28, 2010

حروب الجبابرة

شاهدت في لندن نهاية الأسبوع الماضي عرضا للفيلم الجديد "صراع الجبابرة" الذي يحكي قصّة الصراع الذي كان يدور بين آلهة الإغريق الذين يقال إنهم حكموا الأرض قبل أن يطيح بهم آلهة الأوليمب المتأخّرون بزعامة زيوس.
وكنت قبل ذلك قد حاولت مشاهدة فيلم "افاتار" بعد الضجّة الكبيرة التي أثيرت حوله. لكنّ ذلك لم يتحقّق للأسف، نظرا لأن دور السينما التي كانت تعرضه كانت بعيدة عن المنطقة التي كنت أقيم فيها. لكنّ صراع الجبابرة جلب معه بعض السلوى. وقد سمعت انه تمكّن خلال الأسبوع قبل الماضي من سحب البساط من افاتار من ناحية الشعبية وكثرة أعداد الجمهور الذي حرص على مشاهدته في عروضه الأولى.
وأوّل ما استرعى انتباهي في الفيلم هو تكنولوجيا الأبعاد الثلاثية التي وظفت في تصويره وإخراجه. هذا الفيلم مدهش ومثير جدّا. ولا استطيع أن أصف بالكلمات تأثير هذه التكنولوجيا الجديدة ولا سحرها الكبير. ومن الواضح أنها ستغيّر جذريا طريقة مشاهدتنا للسينما وستصبح عنوان المرحلة المقبلة من تطوّر تاريخ السينما وربّما التلفزيون. التصوير مبهر جدّا والأحداث كانت في منتهى الإثارة. وأنت تشاهد الفيلم لا بدّ وأن تتخيّل نفسك في داخله، بسبب التقنيات العالية التي استخدمها المخرج لويس ليترييه وطاقمه في إعداد الفيلم. أهمّ الشخصيّات في صراع الجبابرة هي زيوس الذي قام بدوره ليام نيسون وأبوللو الذي لعب دوره لوك ايفانز وبيرسيوس الذي أدّى دوره سام وورثنغتون وأخيرا ميدوسا التي لعبت دورها الممثلة الروسية ناتاليا فوديانوفا.
مدّة الفيلم حوالي ساعتين حفلتا بالكثير من المتعة والإثارة، خاصّة أحداث الصراع بين كلّ من بيرسيوس وهيدز إله العوالم السفلية الذي قام بدوره رالف فينيس. هيدز كانت مهمّته إبقاف بيرسيوس ومحاولة قتله لتمرّده على أبيه زيوس. ولأجل هذه الغاية، أرسل له كلّ ما لا يخطر على البال من أنواع المخلوقات والكائنات الغريبة بدءا من العقارب الضخمة إلى "الكراكنز" أو وحوش البحر الخرافية، وأخيرا وليس آخرا ميدوسا التي كانت تترصّده في العالم السفلي قبل أن ينجح في الإجهاز عليها بقطع رأسها. ميدوسا بدت في الفيلم ذات جمال لافت برغم رأسها الذي تبرز منه حزمة من الأفاعي السامّة والقاتلة. لاحظت أيضا في الفيلم حضور جماعة من السحرة بهيئات عربية وعيون يشعّ منها بريق ازرق يتزعّمهم شخص يقال له الشيخ سليمان. وكانوا يتكلّمون العربية بوضوح، مع أن كلامهم بدا منقطع الصلة بأحداث الفيلم.
مشكلة بيرسيوس انه لم يكن إلها كاملا بل كان نصف إله ونصف بشر. وتذكّرت ما كان يقال في بعض الأحيان من أن في شخصيّة المسيح الكثير من صفات وسمات شخصية بيرسيوس. في هذا الفيلم تعمّد المخرج عدم التقيّد حرفيا بتفاصيل الأحداث كما ترويها ملحمة هوميروس. وفي الواقع كانت حكايات آلهة اليونان عرضة دائما للتغيير والتبديل، إمّا لإعطاء الأحداث مضمونا عصريا آو لغرض إسقاطها على أشخاص أو أحداث بعينها.
خرجت من الفيلم بكثير من الانبهار، ليس بسبب موضوعه بحدّ ذاته فقد سبق وأن تناوله من قبل أكثر من عمل سينمائي، وإنما بسبب التكنيك الفنّي العالي الذي استُخدم فيه.
توظيف المخلوقات والوحوش الغريبة في هذا العمل كان مدهشا بحقّ. إذ تنفتح السماء فجأة عن مخلوقات رهيبة تفتك بالناس وتدمّر في طريقها كلّ شيء، وتنشقّ الأرض بغتة لتخرج منها وحوش مخيفة تستبدّ بها شهوة القتل والتدمير وتقاتل كأشدّ ما يكون القتال ضراوة وعنفا.
وبعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم، ربطت بطريقة غير واعية بين هيئة تلك المخلوقات التي شاهدتها فيه وبين التحليلات التي أوردتها صحف ذلك الصباح تعليقا على ما قاله عالم فيزياء بريطاني بارز عن وجود مخلوقات غريبة في الفضاء تتحيّن الفرصة للانقضاض على الأرض. وأكيد لم يغب عن بالي حقيقة أن مجرّات ونجوما وكواكب كثيرة تنتشر على امتداد هذا الكون الفسيح تحمل أسماء أبطال وكائنات الأساطير اليونانية. وكان العالم ستيفن هوكنغ قد أشار في برنامج وثائقي أعدّه لقناة ديسكفري إلى انه أصبح مقتنعا بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون وان هناك مخلوقات أخرى تعيش في بعض المجرّات البعيدة وتتنقّل بين النجوم والكواكب في سفن فضائية متطوّرة جدّا. غير أن أهم ما قاله هوكنغ في البرنامج هو أن تلك المخلوقات لن تتردّد في غزو واستيطان كوكبنا بعد أن استنفدت ما لديها من ثروات وموارد. كما حذّر سكّان الأرض من التعامل مع تلك المخلوقات لأن وصولها إلينا قد يترتّب عليه نتائج لا تقلّ سوءا عن ما فعله كولومبوس ورفاقه بسكّان أمريكا الأصليين عند وصولهم إلى العالم الجديد.
وقد خطر لي وأنا اقرأ كلام العالم البريطاني أنه ربّما شاهد فيلم افاتار، إذ أن الفيلم يتحدّث عن مجموعة من سكّان الأرض تقوم بغزو واستيطان كوكب بعيد بعد أن استنفد البشر كافّة الموارد الطبيعية على الأرض.
والواقع أن فكرة الغزو والاستيطان متجذّرة في الثقافة والوعي الغربيين بالنظر إلى تجارب الإنسان الأبيض في استعمار وغزو مناطق عديدة في أفريقيا وآسيا والأمريكتين بغرض استغلال ثرواتها ومصادرها الطبيعية.
صحيح أن هوكنغ عالم عبقري وضليع في مجاله. لكنّ ما يقوله في النهاية لا يعدو كونه تنظيرات واحتمالات قد تصيب وقد تخطيء.
فعلى افتراض وجود مثل تلك المخلوقات الغريبة، فإنها إذا ما فكّرت فعلا في غزو الأرض يلزمها سفن فضائية تطير بأضعاف أضعاف سرعة الضوء لكي تصل إلى كوكبنا. ولتقريب الصورة أكثر، يكفي أن نعلم أن بعض المجرّات تبعد عن الأرض بأكثر من عشرين مليون سنة ضوئية! وإذا افترضنا أن المخلوقات الغريبة تملك مثل هذه السفن السريعة والمتطوّرة جدّا، فإن من السهل أن نتصوّر مدى التقدّم التكنولوجي الهائل الذي بلغته. وبالنتيجة، لن يكون من الصعب بالنسبة لها صناعة وإنتاج ما تحتاجه وما يكفيها من غذاء ومؤن وعتاد دون الحاجة إلى غزو الأرض واستيطانها. في هذه الحالة، قد تأتي تلك المخلوقات إلى كوكبنا للسياحة والنزهة، وليس لغرض الاحتلال ونهب الموارد بالضرورة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الموارد الطبيعية الموجودة في كوكب الأرض ولا توجد في غيره من الكواكب؟ سكّان الأرض أنفسهم يعانون من الفقر وشحّ الموارد، بل ومن الجوع الذي يقضي على حياة الملايين من البشر سنويا.
ثم لماذا يأتي الغرباء إلى كوكبنا بالتحديد؟ مجرّتنا الشمسية لوحدها، أي درب التبّانة، تزدحم بالكواكب والأقمار والنجوم. وهناك مقابل كلّ إنسان يعيش على الأرض ستّون كوكبا ونجما تتوزّع على سائر أجزاء المجرّة. وفي الكواكب البعيدة عن الأرض، يوجد هيليوم ونيتروجين وأنواع لا حصر لها من أشكال الطاقة. كما توجد كمّيات هائلة من الذهب والألماس والمعادن النفيسة الأخرى في الكواكب التي تسقط عليها الشهب والنيازك باستمرار.
ثم هناك الافتراض الغريب الذي يقول بأن التقدّم التكنولوجي يصلح لأن يكون سببا ومبرّرا كافيا للتفكير في غزو الآخرين ونهب ثرواتهم ومواردهم. ويتصل بهذه النقطة فكرة أخرى لا تقلّ سذاجة تفترض بأن سكّان الكواكب الأخرى ينطبق عليهم ما ينطبق على البشر من أوصاف وسمات جسدية ونوازع دينية وأخلاقية تتصلّ بالخير والشر والسلم والحرب والقناعة والطمع.. إلى آخره. إن من الوهم أن نتخيّل أن المخلوقات الغريبة والمتفوّقة تشبهنا أو أنها مثلنا.
أتذكّر للمناسبة أنني سمعت ذات مرّة الشيخ احمد الكبيسي وهو يتحدّث عن سدرة المنتهى التي يشير القرآن الكريم إلى أن فيها أسماء الخلق ومصائرهم وأحوال عيشهم حتى قبل أن يُخلقوا. وقد أعجبني تفسير الشيخ للآية عندما قال إن الشجرة ليست شجرة وقد لا تكون سدرة بالضرورة، بل قد تأخذ شكل جهاز كمبيوتر عملاق يحتوي على قاعدة بيانات يستحيل تصوّر ضخامتها واتساعها.
وليس من الصعب أن نفترض أن المخلوقات التي يقال إنها ستأتي إلى كوكبنا على متن سفن تسابق الضوء بغرض غزوه واستغلال ثرواته قد بلغت درجة من التطوّر بحيث تلاشت معها سماتها الفيزيائية واكتسبت طبيعة أثيرية أو رقمية أو غير ذلك من أشكال التطوّر التي تتجاوز مستوى فهمنا وإدراكنا.
مخلوقات الفضاء لا يبدو أنها بحاجة إلى شيء مما لدى البشر. ولو فكّرت فعلا بغزو كوكبنا لنهب موارده، على سذاجة هذه الفكرة، فهي على الأرجح لن تضطرّ للمجيء بنفسها، بل بإمكانها أن ترسل بوارج وسفنا وطائرات وروبوتات أو حتّى مخلوقات مستنسخة لإنجاز هذه المهمة.
ولهذه الأسباب، تبدو فكرة الغزو نفسها ساذجة وغير قابلة للتصديق. وربّما لو قال بها احد آخر غير ستيفن هوكنغ لما التفت إليها احد.
إن الانشغال بالتفكير في مخلوقات أخرى غيرنا تعيش في هذا الكون قد يكون مردّه إحساس الإنسان بالغربة على هذا الكوكب الصغير البائس. والحقيقة أننا جميعا غرباء في سفينة غريبة نأتي إلى هذه الحياة لوحدنا ونرحل لوحدنا دون أن نعرف إلى أين، غير ما تقوله لنا الأديان والأساطير التي تقرّر سلفا أقدارنا ومصائرنا.
إنسان هذا العصر يرنو ببصره إلى الفضاء الخارجي لكي يغطّي على فشله في التفكير في ما هو ابعد من وجوده الذاتي، لأنه لا يعرف من هو وما الغرض من وجوده في هذه الحياة. لكن ما من شكّ بأن الانشغال بالعوالم الأخرى يمنح الإنسان شيئا من العزاء وراحة البال، لأنه يشعره بأنه ليس وحده وأنه جزء من خطة شاملة ومتكاملة وضعها خالق هذا الكون.
ومع ذلك، فالإنسان على ضعفه وهشاشته يتوفّر على ملكات وقدرات عقلية يحسده عليها بقيّة المخلوقات. الإنسان هو الذي بنى المدن الضخمة وشيّد البنايات الشاهقة واخترع الطائرات وسيّر السفن والمراكب الفضائية إلى الكواكب والمجرّات النائية والبعيدة. وبهذا المعنى، فالإنسان مخلوق جبّار، وقد يكون أكثر جبروتا وقوّة حتى من جبابرة الإغريق الذين تصوّرهم الأفلام والسينما.

موضوع ذو صلة: افاتار بين الحقيقة والخيال