:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, October 20, 2016

حكايات الشتاء


قصص الخلق في معظم الحضارات القديمة تتّفق على أن الشتاء إنما يأتي إلى العالم لمعاقبة البشر.
بورياس، إله رياح الشمال الباردة الإغريقيّ، كان يجسّد الشتاء. وفي أساطير شمال أوربّا فإن ثلاث سنوات من التجمّد تسبق نهاية العالم. التصاوير الضخمة عن كيف أن جيش نابليون العظيم هزمه "الجنرال ثلج"، أي شتاء روسيا القارس البرودة، هي المعادل الحديث لتلك السيناريوهات القديمة عن نهاية العالم.
أما الرؤية المضادّة فتصوّر الشتاء على انه بهجة المواسم ورمز لصفاء ونقاء الطبيعة. إذ يمكننا مثلا أن نمتّع أعيننا بمناظر الريف المغطّى بالجليد، مع صور لمتزلّجين يغمرون أنفسهم في مياه البرك والأنهار المتجمّدة.
وفي منتصف القرن السادس عشر، شهدت مناطق شمال أوربّا ولادة فنّ مناظر الشتاء النقيّة. وعلى الأرجح لم تكن مصادفة أن تلك الفترة عُرفت بالعصر الجليديّ الصغير، لأنها اتسمت بدرجات الحرارة المنخفضة بشكل استثنائي.
وفي أواخر القرن الثامن عشر تمّ إحياء المناظر الطبيعية التي تصوّر فصل الشتاء. وفي البداية أُضفي عليها طابع رومانسي. وكانت معارض الشتاء المبكّرة عبارة عن مناظر طبيعية من المدرسة الانطباعية ومن الفنّ الهولندي.
البحث عن شيء ما في الطبيعة غير المضيافة كان هَمّ نخبة صغيرة من الناس. كان هؤلاء يتمتّعون بالدفء وبوفرة الطعام، لذا كانوا قادرين على أن يرفّهوا عن أنفسهم بالتزلّج والسفر والرياضات الشعبية.
لوحة بيتر بريغل الأب صيّادون على الثلج ربّما تكون أشهر صورة للشتاء في الفنّ الأوربّي. لكن هناك لوحات أخرى لا تقلّ أهمّية لهندريك ايفركامب وروبنز ويان شتين ووليم تيرنر وغويا وفريدريش ومونيه وفان غوخ ومونك وبيسارو وغيرهم.


  • بيتر بريغل الابن، طبيعة شتوية مع فخّ للطيور، 1601
    هذا هو أوّل منظر مستقلّ عن الشتاء في الفنّ الأوربّي. وعلى عكس "صيّادي بريغل" المشهورين، فإن هذه اللوحة لم تكن جزءا من سلسلة عن الفصول. وليس فيها إشارة إلى قصّة دينية أو تاريخية أو أسطورية. وهذا أمر مثير للاهتمام، لأنه ولزمن طويل كان رسم الطبيعة يُستخدم حصريّا كخلفية إمّا لقصص دينية أو لمشاهد الآلهة القديمة أو كتصوير للأحداث التاريخية المهمّة.
    ومع ذلك، نرى هنا فقط سكّان قرية يمتّعون أنفسهم باللعب على ضفاف نهر متجمّد. لاحظ التفصيل في المقدّمة إلى اليمين: تحت شجرة عالية تمّ نصب فخّ للطيور عبارة عن باب مسنود على عصا. وقد فُسّر هذا في كثير من الأحيان باعتباره رمزا للفخّ الذي ينصبه الشيطان ليسرق أرواح البشر. لكن قد لا يكون هذا خطر ببال بريغل حقّاً، ربّما أراد فحسب أن يصوّر مشهدا عاديا للحياة في إحدى القرى.


  • يان دي هيم، حياة ساكنة، 1650
    رسومات الحياة الساكنة من القرن السابع عشر نادرا ما كانت تحتوي على إشارات إلى فصل معيّن من السنة. وليس من السهل تحديد الشتاء في هذا النوع من الرسم. ومع ذلك من السهل أن ترى أن هذه اللوحة للرسّام الهولندي يان دي هيم تركّز على الشتاء والأغذية المسموح بها خلال فترة الصوم.
    الشعار في أعلى يسار اللوحة يقول: تذكّر، هذه الأشياء مسموح بها أثناء الصوم. لكن الصوم لا يعني شيئا إذا لم تمتنع عن الخطايا والشرّ والشهوة. وإلا فإن روحك لن تُنقذ".
    إذن الصيام لوحده لا يكفي بحسب ما تقوله لنا الموعظة. لكن الرسّام صوّر الأطعمة المسموح بها بطريقة جذّابة: المعجّنات والمكسّرات واللوز والفواكه المجفّفة، وخاصّة التين.
    لاحظ غصن الحمضيات على المائدة إلى اليسار. انه يضمّ فواكه ناضجة وغير ناضجة وكذلك براعم زهور. الحمضيات كانت تُعتبر رمزا للتغيير، وكانت ترافق طقوس التجدّد مثل فترات الامتناع عن الأكل.


  • كلود مونيه، الغراب، 1869
    رسم مونيه هذا المنظر الشتويّ في وقت متأخر من ستّينات القرن قبل الماضي. وقد رسمه في الهواء الطلق. في ذلك الوقت اعتُبرت اللوحة استثنائية لدرجة أن صحفيا آنذاك كتب بإعجاب مقالا يمتدح فيه "مونيه الشجاع" بقوله: كان الجوّ باردا جدّا لدرجة انه حتى بعض الحجارة كانت تنشطر إلى جزأين بفعل التجمّد. رأينا آثار أقدام ثمّ حامل لوحة ثمّ رجلا يرتدي ثلاثة معاطف وعلى يديه قفّازان ووجهه شبه متجمّد. هذا الشخص هو السيّد مونيه الذي كان منهمكا في دراسة ورسم آثار الثلج".
    بدأ الفنّان رسم اللوحة خارج البيت، لكنه أكملها في ما بعد في محترفه. وقد استخدم ألوانا قليلة كي يمسك بالمزاج الحميم والحالم: الثلوج الكثيفة على السياج، والشمس التي تلقي بظلالها على الأرض المغطّاة بالثلج. وقد سُمّيت اللوحة على اسم طائر العقعق "وهو طائر من فصيلة الغراب" الذي حطّ على البوّابة. الألوان الخفيفة المتوهّجة اُعتبرت جريئة جدّا لدرجة أن لجنة التحكيم في صالون 1869 رفضت اللوحة. لكن اليوم يُحتفل بها كواحدة من أفضل المناظر الانطباعية المبكّرة.


  • كازيمير ماليفيتش، الصباح في قرية بعد عاصفة ثلجية، 1912
    كان ماليفيتش واحدا من الفنّانين الطليعيين الأكثر نفوذا في روسيا. وهو هنا يرسم فلاحين بسطاء في قرية بعد عاصفة ثلجية.
    ولد ماليفيتش لعائلة فقيرة جدّا من أربعة عشر طفلا في قرية قرب كييف. وقد عرف الحرمان المرتبط بالشتاء الروسيّ من تجربة شخصية. ومع ذلك فهو في اللوحة لا يصفه كممثّل للواقعية، وإنما للمستقبلية التكعيبية، وهي احد الأساليب الطليعية في الرسم الروسي.
    ماليفيتش يخلط الألوان القويّة للبدائية الروسية مع عناصر التكعيبية التي ابتكرها بيكاسو وبراك، ومع المستقبلية التي أتى بها رسّامون ايطاليون مثل بوتشيوني وجياكومو باللا.
    تفكيك الأشخاص والمنازل والطبيعة وتحويلها إلى أسطح بسيطة هو من سمات التكعيبية. وكلّ العناصر جرى تمثيلها بنفس الأسلوب، كالأسطح والتلال المغطّاة بالثلج. لكن حركة وإيقاع التوليف تحمل شيئا من سمات المستقبلية مثل أكوام الثلج على ممرّ القرية.
    في عام 1927 أُدرجت هذه اللوحة ضمن المعرض الاستعادي الذي نُظّم لماليفيتش في بعض عواصم أوربّا والذي أدّى إلى تكريس شهرته العالمية.


  • جوزيف بوسارد، الانسحاب من موسكو، 1835
    كان انسحاب الفرنسيين من موسكو عام 1812 من بين أكثر الحوادث مأساوية في حروب نابليون. وقد انتظر القائد الفرنسيّ طويلا قبل أن يعلن عن انسحابه في التاسع عشر من أكتوبر من ذلك العام.
    كان جيشه مجهّزا فقط لحملة صيف قصيرة، لذا كان الجند يفتقرون للأحذية والأغطية. ولم تكن الخيول مهيّئة للقتال في الثلج كما لم تعد قادرة على سحب قطع المدفعية والعربات.
    الرسّام الفرنسي فرناند بوسارد رسم الكارثة مركّزا على مصير اثنين من الجنود. وكلاهما يبدوان منهكين بينما انهار الحصان من شدة الإعياء وتناثرت على الأرض قطع البنادق المكسورة، كما يمكن أيضا رؤية كمّامة وعجلة خلف جثّة الحصان.
    ومع ذلك فإن ما أدّى إلى هزيمة الجيش الفرنسيّ ليس الشتاء بقدر ما كان الأخطاء الإستراتيجية والمشاكل اللوجستية الكبيرة. غير أن البرد استُخدم من قبل أجهزة الدعاية الفرنسية كذريعة أو كسبب رئيس للهزيمة.


  • ادفارد مونك، ليلة شتوية، 1900
    الرسّام النرويجي مونك رسم مناظر عديدة للشتاء. كان مفتونا بالسماء الصافية للشتاء في موطنه الشمال أوربّي. هنا ينقل مونك أنظارنا من نقطة عالية فوق أوسلو إلى جزيرة تحت السماء الليلية.
    اللوحة تُعتبر احد أعمال الرسّام التي بلغ فيها أعلى ذرى الرمزية. وهذا يعني أن هدفه لم يكن رسم صورة واقعية عن المنظر الفعليّ، وإنّما استخدام المنظر الطبيعيّ للتعبير عن مشاعره الخاصّة. والأشكال التجريدية تحوّل هذا الليل الشتائي إلى صورة عن روح الفنّان نفسه.
    رسم مونك اللوحة خلال فترة مضطربة من حياته: علاقة صعبة انتهت بأزمة نفسية. واللوحة هي عن الشتاء بحلكته وحزنه، لكن يمكن قراءتها على أنها تعبير عن يأس مونك وإحساسه بالوحدة. لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن شوقه لأن يتوحّد مع الطبيعة ومع الليل المزيّن بالنجوم وربّما مع الكون كلّه.
    وقد حقّق الرسّام هذا عن طريق الحدّ من التفاصيل. وبالإضافة إلى بياض الثلج والأشجار الداكنة الخضرة فإن اللوحة يهيمن عليها الأزرق الكونيّ الذي يوحّد جميع عناصر التوليف.


  • فريتز فون اود، المسير نحو بيت لحم، 1890
    في إحدى ليالي شهر ديسمبر الباردة، شقّ زوجان شابّان متعبان طريقهما ببطء على طول ممرّ موحل في محاولة للعثور على مكان يؤويهما. فقط عنوان هذه اللوحة، أي "المسير نحو بيت لحم"، يخبرنا أن ما نراه صورة مقتبسة من قصّة دينية.
    وهي تصوير معاصر لقصّة العذراء ويوسف وهما يبحثان عن مكان يقيمان فيه.
    الرسّام فريتز فون اود نقل القصّة إلى ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي كانت فيه البطالة والفقر منتشرين على نطاق واسع هناك.
    الرجل يعلّق منشارا فوق كتفه مثل يوسف الذي كان نجّارا. ونظراته مركّزة على زوجته التي تستند إلى ذراعه. وهذه التلميحات الخفيّة توحي بأن المرأة حامل.
    في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان العديد من الرسّامين يسعون لتقديم مواضيع أصيلة مستقاة من القصص الدينية. وقد اختاروا عددا من الوسائل المختلفة لتحقيق ذلك، مثل إسقاط المواضيع الدينية على الواقع الاجتماعي في ذلك العصر وتوظيف التفاصيل الآثارية الصحيحة في رسوماتهم.


  • ادوين لاندسير، إوزّ الثلج الجريح، 1833
    الرسّام الفيكتوري ادوين لاندسير اشتهر برسوماته الرائعة عن الحيوانات. ومعظم مناظره الشتوية تظهر فيها حيوانات جريحة أو تعاني من الألم كما في هذه اللوحة التي نرى فيها طائرين من نوع إوزّ الثلج في منظر شتويّ تتخلّله جبال صخرية.
    المكان هو المرتفعات الاسكتلندية التي كان الرسّام يتردّد عليها من وقت لآخر للصيد والبحث عن مصادر إلهام لرسوماته.
    في عام 1839، اصطاد لاندسير إوزّتين، وقد ألهمه ذلك الحادث بأن يرسم هذه الصورة.
    في فصل الشتاء يتحوّل ريش هذا الطائر البرّي إلى اللون الأبيض. وهذه الظاهرة سمحت للرسّام بأن يُجري دراسة وظّف فيها تدرّجات عديدة من الأبيض. وفي الوقت نفسه اظهر تعاطفه مع هذه الطيور. في اللوحة، نرى احد الطائرين بعد أن أطلقت عليه النار بينما يظهر الآخر وهو يراقب بأسى رفيقه الجريح.
    وعندما عُرضت اللوحة في لندن عام 1833 رآها احد الصحفيين فتأثّر بها وكتب مقالا ينتقد فيه صيد الطيور وقال فيه: إن معاناة هذه الكائنات البريئة تستثير الشعور بالشفقة والتعاطف في قلب الإنسان، كما أنها تثير السؤال عمّا إذا كان من حقّنا إيذاء هذه المخلوقات المسكينة لمجرّد أن ذلك يخلق لدى البعض شعورا بالمتعة والتسلية".

  • Credits
    kunsthistorisches.com