:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 05, 2009

ربّات الإلهام

لمئات السنين، كان وجود الملهمات ضروريا لخلق الفنّ والإبداع.
وجه هيلين أميرة طروادة أطلق ألف سفينة حربية وأشعل حربا دامت عشر سنوات.
ساسكيا فان اويلينبيرغ ألهمت رمبراندت رسم الكثير من تحفه الخالدة.
هوميروس استدعى ملهمة وهو يخطّ أولى كلمات الإلياذة.
اليوم تغيّر الحال كثيرا. توقّف الشعراء والرسّامون والموسيقيون عن استدعاء الملهمات وأصبحوا يكتفون بالخمر والكافيين والابسنث.
الموضوع التالي يتناول تاريخ ودور الملهمات والتغيّرات التي طرأت على هذه الظاهرة عبر العصور المختلفة..

في الأزمنة القديمة كانت الملهمات آلهة. كنّ بنات كبير الإلهة زيوس وزوجته منيموزين.
في البداية، كانت هناك ثلاث ملهمات فقط. الشاعر اليوناني هيسيود زاد عددهنّ إلى تسع.
كان الرومان البيروقراطيون هم الذين حدّدوا وظيفة وتخصّصا معيّنا لكلّ منهن. واحدة للرقص وأخرى للشعر وثالثة للكوميديا .. وهكذا.
في اليونان القديمة كانت الملهمات يقصدن كلّ شاعر واعد ويمنحنه ثلاث هدايا: غصن غار وصولجانا وصوتا جميلا يغنّي به قصائده.
غير أنهنّ كنّ قاسيات مع من يتحدّاهن. في إحدى المرّات طلب شاعر منافستهنّ فأصبنه بالعمى والبكم. وتقول أسطورة أخرى إن السيرانات، وهي مخلوقات خرافية تأخذ الواحدة منها شكل رأس امرأة وجسم طائر، حاولن أن يتنافسن مع الملهمات فهزمنهن. ونتيجة لذلك فقدن أجنحتهنّ وسقطن في البحر.
ملهمة بيكاسو، ماري تيريز والتر، كانت وراء فكرة لوحته الحلم وغيرها من اللوحات.
اوفيد في بداية كتاب "التحوّلات" استدعى جميع الملهمات التسع ثم هتف بأعلى صوته: ألهميني أيتها الآلهة"!
آريادني كانت ملهمة ودليلة في نفس الوقت عندما أعطت ثيسيوس الخيط الذهبي الذي يقود إلى داخل المتاهة حيث يفترض أن يقتل الوحش الأسطوري ثم يتبع اثر الخيط في رحلة عودته إلى النور.

دانتي في "الكوميديا الإلهية" تفوّق على الجميع ولم يكتف بالملهمات التسع بل استعان أيضا بـ مينيرفا إلهة الشعر والموسيقى ورئيسة الملهمات جميعا. لكن، في نهاية كتابه الضخم ضعُف حضور الملهمات بفعل أصوات موسيقى المجالات السماوية. الملهمات الوثنيات استُبدلن بالثالوث المقدّس. وهذا بدوره حرّر الإلهام الفنّي وسهّل البحث عن مصادر أكثر ارتباطا بالأرض.
مصدر الإلهام عند دانتي كان شخصا حقيقيا؛ فتاة اسمها بياتريس (أو بياتريتشا بالإيطالية) بورتيناري زعم الشاعر انه رآها لأوّل مرّة في شارع بـ فلورنسا عندما كان عمر الاثنين تسع سنوات. وقد وقع في حبّها، لكنها توفّيت في بداية العشرينات من عمرها. وألّف بعدها أشعارا تمجّد ذكراها. ثم أصبحت المرأة شخصية رئيسية في الكوميديا الإلهية. بياتريس كانت ترمز للحبّ الأرضي وللحقيقة السماوية. أي أن شهوة الشاعر تسامت وتحوّلت إلى شوق روحي.
معاصر دانتي وخليفته المباشر "بترارك" كتب 300 قصيدة إلى امرأة تسمّى لورا. لكنه تجاوز دانتي في مثاليّته عندما جعل ملهمته بعيدة المنال لسببين: الأوّل أنها كانت متزوّجة عندما قابلها. والثاني أنها توفّيت بعد ذلك بأحد عشر عاما. وبذا حرّر الشاعر نفسه من أعباء رغباته الجسدية.
الموت، مثل الأسطورة، يحمي الفنّان من المشاكل ومن هوسه بملهمته.

لكنّ هذا بدأ يتغيّر في عصر النهضة عندما ابتكر الرسّامون عادة تقديس الملهمة. وبينما كانت ملهمات القرن الرابع عشر يأخذن الطبيعة المقدّسة للمادونات اللاتي لا يمكن لمسهن، فإن ملهمات الرسّامين الايطاليين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر كنّ مخلوقات أرضية في الغالب، أي نساءً حقيقيات كنّ يجلسن أمام الرسّامين الذين كانوا بدورهم يصوّرونهنّ كنموذج للأنثى البعيدة المنال.
الموديل التي استخدمها رافائيل في رسم اثنتين من أشهر لوحاته كانت ابنة خبّاز تدعى مارغاريتا وكانت على الأرجح عشيقة للرسّام.
والرسّام فرا ليبي دخل في علاقة اشدّ خطورة مع ملهمة. فقد أغوى راهبة شابّة اسمها لوكريتسيا وذهب ليعيش معها واستخدمها كموديل في العديد من بورتريهاته الدينية.
ثم أتى اندريا ديل سارتو الذي عايش أوّل تجربة سيّئة مع ملهمة في تاريخ الفنّ الغربي. كانت ملهمة سارتو، وزوجته في نفس الوقت، تجسّد الصورة المثالية في عقله. لذا رسم كلّ بورتريهاته الأنثوية على هيئتها. ومع ذلك فقد ضاق ذرعا بمطالبها الكثيرة وغيرتها القاتلة ومغامراتها العاطفية مع تلاميذه. لكنّ كمالها الجسدي هو الذي جعله يسامحها ويغفر لها كلّ شيء.

إحدى الملهمات التسع في الميثولوجيا اليونانية كان تخصّصها الشعر الملحمي. وقد ألهمت هوميروس كتابة ملحمتيه الاوديسا والإلياذة.
ايلينا ايفانوفنا كانت ملهمة الشاعر الفرنسي بول ايلوار. وهي نفسها "غالا" التي أصبحت في ما بعد ملهمة سلفادور دالي وزوجته. كان دالي مجنونا بحبّ تلك المرأة التي عذّبته بغزواتها العاطفية الفاضحة بعد ما قيل عن ميوله الماسوشية ونفوره من الجنس.
البعض يرى أن الملهمة ما هي إلا امتداد أنثوي للفنّان الذكر. وهناك من يقول إنها ليست سوى استمرار لوظيفة محظيّة البلاط وأحيانا عشيقة الملك، وما يرتبط بذلك من مظاهر اللهو والإغراء والإثارة والغموض وكلّ تلك الأشياء اللذيذة والممنوعة.
وفي كلّ هذه الحالات، لا يمكن وصف الملهمة بالعاهرة. كما أنها لم تكن زوجة بالمعنى التقليدي للكلمة.

آلما شيندلر كانت ملهمة الموسيقي الألماني غوستاف ماهلر وزوجته في ما بعد. كانت آلما مؤلّفة موسيقية هي الأخرى. وقد طلب منها ماهلر في بداية زواجهما أن تنحّي طموحاتها الموسيقية جانبا لأن بيت الزوجية لا يتّسع لأكثر من مبدع واحد. لكن المرأة لم تلبث أن دخلت في علاقات عاطفية مع عدد من الرسّامين، أشهرهم غوستاف كليمت. وكان ماهلر قد أهداها قبل ذلك إحدى سيمفونياته. وعندما هجرته صنع لها دمية على هيئتها ومقاسها وكان يأخذ دميتها معه أينما ذهب.
قصّة حياة آلما شيندلر وعلاقتها الغريبة بـ ماهلر كانت موضوعا للعديد من الأفلام السينمائية والكتب، أشهرها كتاب "عروس الريح" للكاتبة سوزان كيغان.
ملهمات عصر النهضة كنّ خاضعات لرسّاميهنّ وملتزمات بتلبية احتياجاتهم الجمالية والجنسية، بينما كان الفنانون أحرارا في تسلية أنفسهم في كلّ مكان ومع أيّ كان.
أكثر ملهمات العصر الحديث هنّ نساء قويّات، وغالبا مبدعات. جورجيا اوكيف، مثلا، لم تكن فقط مصدر الهام للمصوّر الفريد ستيغليتز، وإنما أثّرت أيضا في اتجاهه الفنّي بعد أن تعلّق بها وتزوّجها.
سوزان فاريل، الراقصة المشهورة وملهمة الفنّان جورج بالانشاين، سمحت له بأن يقع في حبّها بينما رفضت إغراءاته المتكرّرة بأن تمنحه نفسها. لكنها تزوّجت شخصا آخر في نفس اليوم الذي حصل فيه على ورقة الطلاق من زوجته.

بيكاسو قابل ماري تيريز والتر عام 1927 في احد شوارع باريس عندما كان عمرها سبعة عشر عاما. وفي الحال اتّخذ منها عشيقة. وأحيانا كان يأمر سائقه بالانتظار خارج مدرستها الخاصّة ليأخذها إلى محترفه حيث كان يستعين بها كموديل للعديد من لوحاته. وعندما حملت منه بطفلة رفض أن يتزوّجها.
غير أن ثيودورا ماركوفيتش "أو دورا مار" كانت حبّ بيكاسو العظيم. كانت صديقته وملهمته الخالدة التي أوحت له برسم أجمل وأشهر لوحاته.
والواقع أن الإنسان لا بدّ وأن يتساءل كيف وجد بيكاسو وقتا كافيا للرسم في ظلّ وجود هذا العدد الضخم من الملهمات والعشيقات من حوله.
ماري والتر لم تكن تفهم في الرسم كثيرا كما لم يكن بينها وبين بيكاسو نقاط اتفاق كثيرة. لكنها كانت مستعدّة لتلبية جميع طلباته. كانت تعرف شغفه الكبير بالجنس. وهو كان يعتبر نفسه رجلا فحلا وهي الأنثى الراغبة. لكن في اللحظة التي حملت فيها بطفلته الأولى فقدت جاذبيتها عنده كأداة جنسية.
إحدى ملهماته الأخريات كانت الرسّامة فرانسواز جيلو. تزوّجها بعد قصّة حبّ وأنجبت له ابنه كلود وابنته بالوما. لكنها تخلّت عنه بعد سوء معاملته لها. وبفضل علاقاته المهنية الكثيرة، تمكّن من حرمانها من عرض لوحاتها في جميع معارض باريس. بيكاسو كان مدمّرا كبيرا، ليس فقط لمفاهيم وأسس الرسم التقليدي، وإنما لزوجاته وملهماته أيضا. ومن بين نسائه الكثيرات، شنقت ماري تيريز والتر نفسها بعد موته. وعانت دورا مار من انهيار عصبي كامل وتجربة رهيبة مع العلاج. بينما قتلت جاكلين روك نفسها برصاصة في الرأس.

اليزابيث سيدال كانت ملهمة وعشيقة للرسّام الانجليزي دانتي غابرييل روزيتي وظهرت في الكثير من لوحاته. كما استخدمها جون ميليه كموديل في لوحته المشهورة اوفيليا. وقد ماتت سيدال قبل الأوان. ويقال إن جزءا من مأساتها يتمثّل في أنها، هي أيضا، كانت تتوق لأن تصبح فنّانة.
بعد وفاة اليزابيث سيدال اتخذ روزيتي لنفسه ملهمة ورفيقة جديدة هي أليكسا ويلدينغ التي ستظهر في ما بعد في العديد من بورتريهاته ذات المزاج المتأمّل والمسحة الشاعرية.

لكن إذا كانت الملهمة تستطيع أن تنفخ نفحة من الهواء الإلهي في خيال الفنان، فإنها يمكن أيضا أن توقد في نفسه وروحه شعلة الاهتمام والعمل الجادّ.
الشاعر الانجليزي وليام بتلر ييتس ربطته بالثائرة الايرلندية مود غون علاقة الهام خالطها قدر كبير من التعاسة والخراب. كانت غون امرأة ذات جمال أخّاذ يميّزه شعر أحمر وملامح وجه دقيقة. وقد قابل ييتس المرأة عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره. وعندما تعرّف عليها بدأت المشاكل تعرف طريقها إلى حياته.
رفضت غون جميع عروض الشاعر بالزواج منها على أساس انه لم يكن ثوريا حقيقيا ولا كاثوليكيا مخلصا. وبعد عشرين عاما، انتهى دورها كملهمة في اللحظة التي نامت في سريره لأوّل مرّة. وقد كتب ييتس بمرارة عن تلك العلاقة ووصف تأثيرها الفوضوي والمدمّر على حياته بعد أن مرّ وقت ليس بالقصير على لقاء الحبّ اليتيم بينهما.
الكاتبة الايرلندية الليدي كارولين بلاكوود تزوّجت على التوالي من رسّام وملحّن موسيقي وشاعر قبل أن تموت في سنّ السبعين. كانت بلاكوود نموذجا للأنثى القاتلة بجمالها النادر وعينيها الخضراوين الكبيرتين. لحظات صمتها الغامض كانت تثير الرجال وتدفعهم إلى ملء الفراغات التي كان يتركها هدوؤها الأنيق والمحيّر. اندرو هارفي الشاعر الذي تزوّجها في ما بعد وصفها بقوله: كانت تخلق أشياءها الخاصّة. كانت ملهمة ومحرّضة على الإبداع وكان قدرها أن تلعب ذلك الدور ببراعة".
سيرة حياة كارولين بلاكوود كانت موضوعا لكتاب الّفته نانسي شوبيرغر بعنوان "الملهمة الخطيرة".
يقول كارل يونغ العالم النفسي المشهور: الملهمة تمثّل توق الإنسان الذكر للخلود. وهي تتخفّى تحت الأسماء الكثيرة التي نعطيها للأفكار والدوافع الإبداعية.
فرجيل، من جهته، يرى أن الملهمات هنّ رمز للحقيقة واليقين. وهذا يوفّر للفنّان فرصة لأن يعرف نفسه أكثر ويوسّع وعيه وإدراكه.

الشاعر الفارسي عمر الخيّام كان معروفا بميله لحياة التأمّل والعزلة. ولم يكن يشغله سوى شيئين: ديوان شعره المسمّى بالرباعيّات وحبّه لـ جَهَان ملهمته وزوجته. في آخر الرباعيّات يخصّص الشاعر أبياتا حزينة يرثي فيها جَهَان التي تذكر بعض الروايات أنها ماتت مقتولة. ويقال إنها كانت هي الأخرى شاعرة.
الخيّام كان شاعرا عظيما، ولا بدّ وأن من ألهمته كتابة تلك القصائد الجميلة والخالدة كانت، هي أيضا، امرأة عظيمة.
لويز فون سالومي كانت امرأة روسية مثقّفة وكانت لها اهتماماتها بالأدب والفلسفة والتاريخ وعلم النفس. وقد اشتهرت بعلاقتها الحميمة مع الشاعر الألماني رينر فون ريلكا.
كانت صديقته وملهمته على الرغم من أنها كانت تكبره بخمس عشرة سنة. وقد علّمته اللغة الروسية كي يقرأ بها تولستوي ثم اصطحبته في ما بعد لزيارة روسيا.
وبحكم اهتماماتها الفكرية المتعدّدة، كانت ترتبط بعلاقات صداقة مع كلّ من نيتشه وفرويد والموسيقي ريتشارد فاغنر.

عالم الملهمات تقلّص اليوم كثيرا. ربّما لا يزال للعديد من الفنّانين ملهمات. لكن ذلك النوع من العلاقة الأسطورية لم يعد موجودا. قد يكون السبب شيوع الثقافة الفردية التي لا يقبل فيها احد بأن يكون زاداً أو صدى لمخيّلة إنسان آخر. وقد يكون لذلك علاقة برفض الحركات النسوية لأن تكون المرأة مجرّد سلعة أو متاع. ويمكن أن يكون هذا هو السبب في أن الملهمات العصريات اليوم يوجدن فقط كحضور عام.
دور الملهمة ربّما تلعبه اليوم، مع الفارق، المغنّيات والممثّلات وحتى عارضات الأزياء والمذيعات المشهورات اللاتي يظهرن على جماهير الناس ويستقطبن اهتمامهم وإعجابهم أحيانا. خذ، مثلا، انجيلينا جولي، نيكول كيدمان، بيونسي، اوبرا وينفري، جينيفر انيستون، باريس هيلتون، ايشواريا راي، بريتني سبيرز، جينيفر لوبيز .. إلى آخر القائمة.
ربّما يناسب هذا مزاج عصرنا الجديد الذي تتواضع فيه الأحلام وتتضاءل الطموحات.


Credits
theguardian.com
wsj.com

Tuesday, December 01, 2009

مناظر من أركاديا

استوحى نيكولا بُوسان لوحاته عن أركاديا من الأدب الكلاسيكي. وأودع فيها صورا لجمال مثالي وخالد يظهر فيه الشخوص بهيئات نبيلة وبملامح تشبه شكل التماثيل القديمة.
وعندما تتأمّل صوره عن الطبيعة الرعوية، سرعان ما تكتشف سحرها وقوّتها التعبيرية الكبيرة والمزاج الشعري والحالم الذي تصوّره.
المقال التالي يلقي بعض الضوء على الرسّام وعلى بعض أعماله.

يُعزى الفضل لـ نيكولا بُوسان في إضفاء مسحة كلاسيكية على الرسم في فرنسا. ومن اجل تلك الغاية، ذهب إلى روما وأقام فيها سنوات طوالا. هناك، وضع رسم الباروك في قلب العالم القديم. لكنه اظهر الجانب المظلم من أركاديا عندما شكّك في التصوّرات القديمة عن بساطة الحياة الرعوية والريفية في اليونان القديمة. كان يرى العالم القديم عالما متخيّلا وكان ينظر إلى أركاديا كمكان ساذج أكثر من كونه مكانا مثاليا.
وكان منافسه في رسم الطبيعة آنذاك هو مواطنه كلود لوران الذي جعل ضوء الشمس نفسه فكرة كلاسيكية.
الطبيعة كانت وسيلة بُوسان المفضّلة للتعبير عن أفكاره وقناعاته. وقد كان يرسمها كي يؤكّد على إحساسه بالمكان. وتكثر في لوحاته مشاهد الرعاة والبحيرات والجبال والأشجار والأوراق التي تطوّحها الريح. وبعض شخوصه يصوّرهم بعضلات كثيرة، لكنهم يبدون كما لو أنهم يفتقرون إلى هياكل عظمية صلبة.
وفي لوحاته، كلّ عنصر له وظيفته. حتى الظلال لها شخصيّتها المستقلّة داخل البناء العام للوحة. كما أن كلّ شيء يبدو في حالة حركة. فالطبيعة عند الرسّام هي تعبير عن حركة الإنسان وعن عقله الواعي والنشط.
والغابات في بعض لوحاته تخلو من الطيور والحيوانات ما لم يكن لها دور تلعبه في حياة الإنسان.
والكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده حاولوا اقتباس بعض رؤاه الشاعرية عن الريف الايطالي وضمّنوها في أعمالهم.
بعض لوحات بُوسان تُظهر جبالا عظيمة يجلس فوقها أو حولها أشخاص يعزفون الناي ويُخيّل لمن يراهم أنهم هناك منذ آلاف السنين.
حتى الأشياء الساكنة والمملّة لها لغتها الخاصّة في لوحاته. الأفاعي لها ذكاء الإنسان. والأشجار تنمو وتمدّ أوراقها وأغصانها في الجوّ مسرورة بالمطر وفخورة بالشمس.
لوحته الطوفان يعتبرها بعض النقّاد أجمل لوحة في العالم تصوّر طبيعة تاريخية. فكلّ شيء في هذه اللوحة مرسوم في مكانه المحدّد بعناية وبطريقة متناغمة مع بقيّة العناصر.
وفي صور بُوسان سمة أخرى لا نراها في لوحات غيره، تتمثّل في هذه المزاوجة المتوتّرة والغريبة بين السماوات الزرقاء والعواصف، وبين الحبّ الحميم والموت العنيف. ومشاهده عن العواصف لا تصوّر فقط غضب الطبيعة بل يمكن اعتبارها تأمّلات فلسفية عن جوانب الحياة التي يصعب التنبّؤ بها.
النحّات الايطالي المشهور جيان لورنزو بيرنيني رأى بعض لوحات بُوسان وشبّه تأثيرها بأثر الخطبة العظيمة التي يستمع إليها المرء باهتمام ثم يبتعد عنها في صمت بينما لا يزال مستمتعا بصدى تأثيرها داخل نفسه.
استلهم بُوسان لوحاته عن الطبيعة الأركادية من أشعار أوفيد وفرجيل ومن رحلاته العديدة في ريف روما.
في ذلك الوقت كان كتاب التحوّلات لـ أوفيد احد أشهر الكتب وأكثرها رواجا في أوربّا. والكتاب يتضمّن قصصا عن حبّ الآلهة وعن تَحوّل عشّاقها من البشر إلى نباتات وحيوانات. وكثيرا ما تُفسّر نصوص أوفيد على أنها استعارات مجازية عن دورات الطبيعة.
وهذا النوع من القصص هو الأساس الشعري الذي أقام عليه بُوسان فنّه.
في بعض مناظره تبدو السماء مظلمة والموت متربّصا في كلّ مكان. الموت الذي يكتشفه الرعاة على شاهد قبر كما لو أنهم لم يسمعوا به من قبل. حتى الأساطير التي كان يقدّسها الرسّام تنتهي بالموت دائما.
لوحته المسمّاة "طبيعة ورجل قتلته أفعى" أصبحت موضوعا لكتاب ألّفه الناقد والمؤرّخ الفنّي تيموثي كلارك بعنوان "مشهد الموت" استعرض فيه جماليات اللوحة والاستعارات المضمّنة فيها.
ويقال إن بُوسان استوحى موضوع هذه اللوحة من مكان موبوء بالأفاعي والحيّات السامّة في منطقة بجنوب شرق روما. واللوحة عبارة عن دراسة عن الخوف الذي يثيره مرأى جثّة إنسان ميّت، كما أنها تصوّر، بمعنى ما، انتصار الطبيعة على الإنسان.
رسومات بُوسان عن الطبيعة تدلّ على قوّة ملاحظته. وقد كان يؤمن بأن البشر والطبيعة شيء واحد، لأن كلّ منظر طبيعي يحمل دلالة إنسانية.
كما عُرف بمقدرته الكبيرة على أن يخلق لكلّ لوحة جوّاً ومزاجا خاصّا. ولا بدّ وانه استفاد كثيرا من براعته في استخدام اللون والظل والشكل.

بعض لوحات بُوسان فاتنة وجميلة ومدهشة بما لا يوصف. ولا يبدو أن هناك من ينافسه في استخدام الضوء الذهبي في لوحته إلهام شاعر التي أرادها أن تكون تخليدا لذكرى شاعر راحل، ولا في رسمه الأخّاذ لإحدى الحوريّات وهي تعصر العنب من يدها لتتساقط قطراته في فم ملاك صغير أسفل منها.
صور الرسّام ومواضيعه مختارة بعناية. وهي تشبه نهرا من الأفكار الجميلة التي تمرّ عبر العقل وتستثير الفكر لمحاولة فهمها وحلّ رموزها.
في لوحته "طبيعة يشوبها هدوء" نرى منظرا آخر من أركاديا: ريف، مياه صافية، وأغنام ترعى. الظلّ يتحرّك من الأشجار باتجاه البحيرة المنعكسة على مائها الساكن صور المباني في الخلفية. حتّى في أركاديا يمرّ الوقت سريعا والنهار يتلوه ليل والليل يعقبه نهار. مزاج هذه اللوحة رائق وناعم مع أن فيها لمسة حزن خفيفة.
إن مناظر بُوسان هي نوع من الاحتفال بالحياة والحبّ والشعر. وهو كان يطلب من جمهوره دائما أن يقرأ اللوحة كما يقرأ القصيدة.
رآه أحد أصدقائه ذات يوم وهو يتجوّل على ضفاف نهر التيبر ويرسم المناظر الطبيعية التي كان يحبّها. ونظر إلى منديله فرآه مملوءا بالحجارة الصغيرة وبالأزهار التي كان يأخذها معه إلى البيت ليتأمّلها ويرسمها.
في لوحة أخرى، يرسم بُوسان زواج اورفيوس ويوريديسي. المكان بقعة أخرى من أركاديا. ملابس الأشخاص جميلة وزاهية. غير أن المبنى الظاهر في خلفية الصورة يبدو حديثا ومألوفا. وهو معلم من معالم روما كان قائما زمن الرسّام. والمبنى في اللوحة ينفث الدخان ويبدو كما لو انه يطير في الهواء. الفكرة هنا هي أن هذه المدينة خالدة. لكن حتّى الأشياء الخالدة نفسها لا تدوم إلى الأبد ومصيرها في النهاية إلى زوال.
في بداياته رسم بُوسان لوحات يظهر فيها الأشخاص في حالة من التوق والتطلّع وأحيانا التأمّل الصامت أو الحزين.
غير انه في أواخر حياته رسم مشاهد مظلمة يصعب فهمها أو تفسيرها. حتّى النقاد لم يستطيعوا فكّ شيفرتها مع أنها جميلة وتروق للعين.
لكنّ بعض المؤرّخين يقولون إنها انعكاس لإحساس الرسّام بكراهية الشرور التي كان يراها على الأرض. ورسائله في تلك المرحلة تمتلئ بالتعليقات المريرة والغاضبة وهو يرى الاضطرابات السياسية تعمّ أوربا ولا توفّر حتّى بلده فرنسا.
يقول في إحدى تلك الرسائل: لقد هجر الناس الفضيلة والضمير والدين. ولا وجود الآن سوى للخداع والرذيلة والمصالح الخاصّة. لقد ضاع كلّ شيء وفقدت الأمل في وجود الربّ. فالشرّ كامن في كلّ مكان وفي كلّ شيء".
كان بُوسان يرسم الأفكار. لذا يقال انه أكثر الرسّامين شاعرية. كما كان يؤمن بأفكار الفلسفة الرواقية التي تدعو إلى كبت الأهواء والانفعالات العاطفية وإخضاع الرغبات لحكم العقل. وقد عُرف عنه حبّه للعمارة خاصّة عندما تكون في حالة خرائب وأنقاض.
ولم يكن مستغربا أن يتأثّر به الرومانسيون وفي مقدّمتهم الشاعر الانجليزي جون كيتس الذي كان يعتبره رسّامه المفضّل.

Sunday, November 29, 2009

سونامي جدّة

قبل كارثة الأمطار بيوم أو يومين، داهمني شعور غريب لم أستطع فهمه أو تفسيره. حالة من التشوّش الغامض والمربك للحواسّ. كنت كمن يفتقر إلى هواء نظيف ومنعش يبدّد حالة التشتّت ويجدّد في العقل والنفس النشاط والعزيمة. وبعد سماعي لأخبار السيول في جدّة ربطت لا إراديا بين الخبر المفجع وبين ذلك الإحساس الغريب الذي لازمني.
ثم تذكّرت قصّة الشاعر البدوي القديم الذي زار جدّة فلم تعجبه ولم يطب له المقام فيها فأنشد فيها شعرا يعكس فيه سليقة البدويّ وبساطته وعفويّته عندما قال:
"جِعْل الحيا ما يجي جدة لو ربّعت كل الاوطاني. ديرة مجانين ومصدّة ما هي للاجواد مسكاني"!
لكن ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان عن الحادثة بعد كلّ ما قيل وكُتب عنها في الصحف والمنتديات والمجالس؟ المشكلة أن التدوين في الشأن المحلي أصبح أمرا صعبا هذه الأيّام بل ومحفوفا بالمشاكل كما سمعت. لذا سأكتفي في تعليقي على مأساة جدّة بما سمعته من أفواه الناس ممّا قد لا يعكس رأيي الشخصي بالضرورة.
وبداية انوّه إلى أن الفساد والإهمال في جدّة أمر يعرفه القاصي والداني وهو لم يعد سرّا من الأسرار الخطيرة على كلّ حال.
لكنّ الجديد في الأمر، وهو ما لم نكن نعرفه قبل هذه المأساة، هو أن الفساد لا يعطّل التنمية ولا يصادر أحلام الناس فحسب، بل انه يمكن أيضا أن يتسبّب في قتل البشر وإزهاق الكثير من الأرواح المسالمة والبريئة.
إن من الأمور التي نعرفها جميعا أن الدولة لم تقصّر أبدا في دعم مشاريع البنية التحتية في كلّ مدن المملكة.
وجدّة، خاصّة، تستأثر بنصيب الأسد من المبالغ الهائلة المخصّصة لتنمية مرافقها وتجهيزاتها المختلفة. لكن المواطن لا يرى أثرا لذلك. وحال المدينة يسير من سيّء إلى أسوأ. فالشوارع مهلهلة، والطرق مكسّرة، وبعض الأحياء تظلّ بلا ماء لأسابيع، وشبكة الصرف الصحّي التي صُرف عليها المليارات تلو المليارات ما تزال لغزا يكتنفه الغموض.
إذن أين المشكلة؟ الانطباع السائد عند معظم الناس هو أن المشكلة تكمن في أن المليارات لا تُصرف في الوجوه التي رُصدت لها وإنما تذهب إلى جيوب حفنة من ضعاف النفوس الذين يستمتعون بأكل المال الحرام ويعتاشون على بؤس الناس ومعاناتهم.
في مطار جدّة، كان علينا أن ننتظر وصول الطائرة لأكثر من خمس عشرة ساعة. فجميع الرحلات إمّا تأجّلت أو ألغيت والكمبيوتر أصبح خارج الخدمة بعد أن غمرت السيول مبنى الحجز المركزي. وتكدّس المسافرون في صالة السفر الداخلي وشكّل بعضهم حلقات ودوائر صغيرة. وقد وجد البعض في هذه الحالة من الفوضى والارتباك مناسبة للاستظراف، فانتهزوا غياب موظّفي الخطوط حتى في مثل هذه الحالات الطارئة وفتحوا المايكروفونات الملحقة بطاولاتهم واستبدلوا إعلانات إقلاع وهبوط الرحلات ببثّ أغاني وأهازيج شعبية من خلال أجهزة هواتفهم النقّالة. بعض من كانوا موجودين استحسنوا ذلك التصرّف الغريب، بينما تعامل معه آخرون باستنكار واستهجان واضحَين. وقد أكبرت في إخواننا رجال الأمن ذكاءهم وحسّهم الحضاري وحسن تعاملهم مع ما حدث عندما نجحوا في إعادة النظام والانضباط إلى الصالة دون كثير جهد.
قسم آخر من المسافرين وجدوا في هذا الوضع فرصة للكلام والفضفضة. وطبعا كانت أخبار المطر والسيول والضحايا هي قضيّة الساعة وشغل الناس الشاغل. وقد سمعت احدهم يقول إن أوان إصلاح مشاكل جدّة ربّما يكون قد فات وأن المدينة التي مرّت بتجربة موت بطيء ومؤلم طيلة عقود قد تكون على موعد قريب مع حدث أكثر خطورة ومأساوية؛ مع سونامي من نوع آخر قد يرسم لها مصيرا لا يختلف عن مصير غيرها من المدن التي دمّرها الطوفان وابتلعتها الأرض. وأضاف: غير أن موت جدّة النهائي سيكون على أيدي بعض أبنائها العاقّين من أصحاب الضمائر الفاسدة والنفوس المنحطّة".
في البداية لم آخذ كلام الرجل على محمل الجدّ وظننته يبالغ ثم دعوت الله في سرّي أن لا تتحقّق نبوءته المشئومة وأن يشملنا الربّ بلطفه ورحمته. لكنّي تذكّرت ما سمعته من الكثيرين عن البحيرة الضخمة التي تتحفّز فوق احد الجبال مثل غول مفترس لا يمنعه من الانقضاض على المدينة سوى حاجز يزعم مسئولو البلدية والأمانة انه يكفي لمنع أيّ انهيار أو تسريب محتمل للبحيرة التي يتهدّد خطرها السكّان والبيئة بأفدح العواقب ممّا تحدّث عنه أساتذة الجامعات وخبراء الجيولوجيا في أكثر من مناسبة.
وقال آخر: جدّة مقامة على بحيرة سبخة ولو حفرت أرضها لما وجدت سوى الماء والملح. والكثير من المباني المنشأة حديثا طفح فيها الماء وانجرفت التربة حتى قبل أن ينزل المطر بسبب ضعف الأرض وسوء التخطيط. وأضاف: جدّة تكفيها مشاكلها الكامنة في طبيعة أرضها وليست بحاجة إلى الفساد وإقطاعيي الأراضي وشريطية العقار كي يأتوا على البقيّة الباقية منها".
ترى هل سيُحاكَم المسئولون عن كارثة السيول ممّن حوّلوا عيد أهالي جدّة إلى مأتم؟ هل نتعلّم من الأخطاء؟ هل يكون عندنا قريبا مجلس نيابي منتخب بأنياب ومخالب كي يحاسب ويستجوب ويسائل كلّ من سرق أو نهب أو خان الأمانة؟
هذه هي بعض الأسئلة التي تردّدت على ألسنة الناس في الأيام القليلة الماضية وفي أذهانهم الصور المروّعة للكارثة. وكلّ صورة من تلك الصور تصلح لأن تكون شهادة حيّة على ما يمكن أن يجلبه الفساد والتسيّب والإهمال من مصائب وأهوال.
وأخيرا، دعاء من القلب بأن يحفظ الله وطننا من كلّ مكروه وأن يتقبّل الشهداء في واسع رحمته وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.

مقالات عن الكارثة: محمّد الرطيّان، عبد الرحمن اللاحم، تركي الدخيل