:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, November 11, 2012

الفنّ في زمن الحرب

كثيرا ما تقترن باريس في الأذهان بكونها مدينة الهدوء والدّعَة والترف، حيث الموسيقيون الذين يعزفون موسيقاهم في الطرقات، وأصوات نغمات الكمان والأكورديون التي تصدح في الليل، وأزهار الربيع التي تنشر شذاها في أجواء أمسيات المدينة الحالمة.
لكن هذا لم يكن حال باريس في العام 1870م. فقد قرّر الفرنسيّون آنذاك، بزعامة نابليون الثالث، شنّ حرب على بروسيا. ونتيجة لذلك، انفتحت بوّابات الجحيم على مصاريعها في باريس خلال خريف وشتاء ذلك العام. وكما يحدث عادة عندما يشتبك بَلَدان في حرب، فقد فرّ السكان "أو على الأقلّ أولئك الذين لم يتحمّلوا الحرب" محاولين البحث عن ملاذ آمن خارج مناطق القتال.
ولم تكن توقّعات الإمبراطورية الفرنسية المترهّلة بإحراز نصر سريع وحاسم متطابقة مع إمكانيات آلة الحرب البروسية الضاربة وإصرار البروسيين على إحباط الهجوم الفرنسيّ.
وبعد هزيمة الفرنسيين في سيدان في سبتمبر من ذلك العام، تدهورت الحياة على نحو خطير في باريس. وقد واجه الفنّانون تحدّي الحرب بوسائل مختلفة. بعضهم هرب إلى لندن أو بروكسيل، كما فعل كلّ من كلود مونيه وأوجين بُودان وشارل دوبينييه . كميل بيسارو، على الرغم من أنه كان يعيش بأمان في انجلترا، إلا أن منزله في باريس احتُلّ من قبل البروسيين الذين حوّلوه إلى مسلخ. كما استخدموا لوحاته الزيتية التي وجدوها هناك كمماسح للأحذية ودمّروا عددا لا يُحصى من لوحاته بهذه الطريقة.
فنّانون آخرون فضّلوا الانخراط في الخدمة العسكرية، كما فعل كلّ من إدوار مانيه وإدغار ديغا. أوغست رينوار، الذي لم يكن قد اعتلى ظهر حصان في حياته، التحق بسلاح الفرسان، لكن تم ادّخاره للأجيال القادمة بعد أن اكتُشف انه يعاني من الدوزنتاريا. أمّا زميله فريدريك بازيل ، الذي انضمّ هو الآخر إلى سلاح الفرسان، فقد لقي مصرعه في تلك الحرب عن عمر لا يتجاوز التاسعة والعشرين.
وكان هناك فريق ثالث من الفنّانين ممّن آثروا الاختباء في بقعة ما من جنوب فرنسا، كما فعل سيزان وفان غوخ والروائي اميل زولا الذي اعفي من الخدمة العسكرية لكونه الابن الوحيد لأرملة.
الرسّام غوستاف كوربيه قرّر هو أيضا البقاء في العاصمة حيث اختير رئيسا للجنة حماية الكنوز الفنّية في البلاد. وقد تمكّن من إنقاذ أعماله بشحنها إلى لندن، وبذا نجت معظم لوحاته من الدمار.
وقد ازدادت الأمور سوءا عندما وقعت باريس تحت الحصار في أوائل يناير من عام 1871. كانت المدفعية البروسية تمطر المدينة بآلاف القذائف آناء الليل والنهار، واستمرّ ذلك لأكثر من ثلاثة أسابيع. كما أصبحت الإمدادات الغذائية ضعيفة. ثم ظهرت لافتات في الشوارع تعلن عن توفّر لحوم القطط والكلاب وحتى الفئران. والمحظوظون كانوا أولئك الذين يتمكّنون من الحصول على لحم حصان. وقد اشتكى مانيه في إحدى رسائله من أن لحوم الحمير أصبحت غالية جدّا.
وعندما استسلمت المدينة في نهاية ذلك الشهر، كانت تلك النوعية من اللحوم، التي لا بدّ وأنها كانت تمثّل تحدّيا لفنّاني المطبخ الفرنسي وقتها، قد اختفت تماما.
الحرب هي دائما شكل من أشكال الجحيم. وإحدى أكثر الحروب كارثية كانت تلك الحرب الصغيرة والمتهوّرة التي شنّها نابليون على بروسيا. ورغم أن الحرب كانت قصيرة، إلا أنها غيّرت بشكل جذريّ وجه التاريخ الأوربّي. فالانتصار السريع والكاسح للولايات الألمانية بقيادة بروسيا في ذلك الصراع سهّل تأسيس إمبراطورية ألمانية وتسبّب في انهيار إمبراطورية نابليون الثالث التي حلّت محلّها الجمهورية الثالثة. كما مثّلت تلك الحرب الخطوة النهائية في طريق صعود ألمانيا لتصبح قوّة عظمى في القارّة الأوربّية. وكجزء من التسوية، ضمّت ألمانيا مقاطعة الالزاس واللورين التي ظلّت تحتفظ بها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
كانت السنوات التي تلت الهزيمة الفرنسية في الحرب قد تركت البلاد منهكة وتوّاقة للتشافي من جراح الحرب. وكانت الحركة الانطباعية في مراحلها الأولى في ذلك الوقت. لكن الرسّامين الانطباعيين لم يشغلوا أنفسهم برسم مناظر صادمة عن الحرب، بل فضّلوا بدلا من ذلك رسم مشاهد تصوّر أفراد الطبقة الوسطى وهم يستمتعون بأوقات فراغهم في الحدائق وعلى الشواطئ وفي المقاهي والمسارح.
وباستثناء ديغا ومانيه اللذين كانا يرسمان مشاهد مشحونة بالإيحاءات الجنسية، كانت لوحات الانطباعيين بوجه عام تعكس اهتمامات واحتياجات وتطلّعات الطبقة الوسطى. كان حجم تلك اللوحات صغيرا وكانت مصمّمة لتُعلّق في غرف المعيشة. كانت مزخرفة وغير مؤذية وذات مضمون خال من النزاعات السياسية أو الفضائح الاجتماعية.
لم يكن الانطباعيون يتعمّدون السخرية أو انتقاد احد. كما لم يحاولوا استنطاق التاريخ بحثا عن أساليب أو موضوعات. ولم يحاولوا مهاجمة مؤسّسة الرسم التقليدية أو التقليل من شأنها. كان همّهم أن يرسموا ما يريدونه وفقا لشروطهم هم.