:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, May 14, 2011

أغاني الدم والسيف


في أمريكا عائلة كينيدي. وفي بريطانيا عائلة ويندسور. وباكستان لديها عائلة بوتو.
وقد قدّمت كلّ من هذه العائلات الثلاث مشهدا دراميا مثيرا. لكن ربّما تكون قصّة عائلة بوتو أكثر القصص الثلاث مسرحيةً. إنها دراما عائلية لها طبيعة المأساة الإغريقية. فهي حافلة بالاغتيالات والخيانات وعمليات القتل الغامضة والإرهاب والانتقام.
فاطمة بوتو هي واحدة من آخر الأفراد الأحياء من هذه العائلة المحاصَرة. في مذكّراتها الفاتنة بعنوان "أغاني الدم والسيف: مذكرات ابنة"، تحكي فاطمة بوتو فصولا من قصّة عائلتها بأسلوب يتميّز بوتيرته الميلودرامية العالية.
كانت عائلة بوتو إحدى العائلات الإقطاعية الكبيرة في مقاطعة السند، حيث أثرى الجدّ الأكبر لـ فاطمة، السيّد شاه نواز بوتو، بفضل الألقاب والأراضي التي قدّمها له الانجليز مكافأة له على الخدمات التي قدّمها لهم أثناء حكم الراج.
إبنه ذو الفقار علي بوتو (1928-1979) كان أعظم شخصية باكستانية في مرحلة ما بعد استقلال البلاد. وقد حلّ وزيرا للخارجية عام 1963 أثناء حكم الرئيس أيّوب خان، وساعد في تأسيس حزب الشعب الباكستاني بعد ذلك بأربع سنوات.
وقد أسفرت انتخابات عام 1970 عن مجيء حزب الشعب الباكستاني إلى السلطة في باكستان الغربية وعجّلت بوقوع حرب الانفصال المريرة في باكستان الشرقية، ما أدّى في النهاية إلى تدخّل الهند المسلّح وتأسيس بنغلاديش.
ذو الفقار، التقدّمي الاشتراكي، تولّى رئاسة باكستان التي أصبحت اصغر مساحة عام 1972م. ولم يلبث أن أطلق برنامجا لتعزيز العلاقات مع الصين والاتحاد السوفياتي والاستقلال عن النفوذ الأميركي والتضامن مع بلدان العالم الثالث. كما دشّن خططه لإصلاح الأراضي.
وكما تكتب عنه حفيدته فاطمة، فقد أدان ذو الفقار النظام الاقتصادي المتوحّش القائم على النهب والسلب والذي أدّى إلى أن أصبح الأغنياء القليلون "21 عائلة وقت التقسيم" أكثر ثراءً بينما كان فقراء باكستان يغرقون في فقر مدقع".
غير أن خطط ذو الفقار لإصلاح الأراضي أسقطتها ابنته بينازير في نهاية المطاف.
في عام 1977 تمّت الإطاحة بحكومة ذو الفقار المنتخبة ديمقراطيا من قبل من كان يحسبه رئيس أركان معتدل ومهذّب، أي الجنرال ضياء الحقّ. وقد فرض ضياء الأحكام العرفية على الفور. ومن خلال استخدامه تهما ملفّقة، ألقى بـ ذو الفقار علي بوتو في السجن، حيث قضى هناك عامين في ظلّ ظروف بائسة قبل أن يتمّ إعدامه في الرابع من ابريل عام 1979م.
كان ذو الفقار زعيما علمانيا، بينما كان ضياء "مسلما تقيّاً" جرّ التشريعات الاجتماعية في باكستان إلى الوراء قرونا عديدة. وقد أحلّ ضياء محاكم الشريعة والقضاء العسكري مكان المحاكم المدنية بموجب قوانين الحدود سيّئة السمعة والتي لا تزال مطبّقة إلى اليوم مثل الجلد والرجم. بل لقد حاول ضياء تطبيق قانون يجيز بتر أطراف اللصوص المُدانين. لكن المؤسّسة الطبّية في باكستان رفضت التعامل مع ذلك القانون الوحشي.
في تلك الأثناء، ما الذي كان يحدث لعائلة بوتو؟
زوجة ذو الفقار، نصرت، وابنتهما بينازير، قضتا سنوات عدّة رهن الاعتقال بناءً على نزوة الديكتاتور. شقيقا بينازير، أي مير مرتضى والد فاطمة وشاه نواز، ذهبا إلى المنفى في لندن حيث أسّسا لجنة لإنقاذ والدهما. وبعد إعدام الأب، ذهبا إلى كابول وأخيرا إلى سوريا حيث أنشآ منظّمة ذو الفقار، وهي جماعة مسلّحة كانت تهدف إلى محاربة نظام ضياء والانتقام لمقتل "الشهيد بوتو".
ولدت فاطمة في كابول عام 1982 لأمّ أفغانية. وبعد ثلاث سنوات، هجر مرتضى زوجته الأفغانية ونقل ابنته الصغيرة معه إلى سوريا. أما شاه نواز فقد مات في ظروف غامضة في فرنسا عام 1985م. ويرجّح اليوم انه مات مقتولا.
بينازير أصبحت رئيسة للوزراء عام 1988، وكان سجلّها حافلا إلى أن اغتيلت عام 2007م.
مرتضى الذي واجه أكثر من ثمانين تهمة بالخيانة أعدّها له المجلس العسكري لـ ضياء الحق، ظلّ في المنفى إلى أن قرّر عام 1993 العودة إلى باكستان كي يلعب دوره المؤجّل باعتباره الوريث السياسي لـ ذو الفقار.
ورغم أن شقيقته أصبحت آنذاك رئيسة للوزراء، إلا انه ذهب مباشرة من المطار إلى السجن، حيث أمضى فيه ثمانية أشهر. وفي السجن بدأ تشكيل مجموعة منشقّة عن حزب الشعب الباكستاني.
لكن بعد عامين، لقي مرتضى حتفه بالرصاص في احد شوارع كراتشي. وترك فاطمة ذات الأربعة عشر عاما ضحية للوحدة ومشاعر الانتقام.
"أغاني الدم والسيف" هو سرد عاطفي لا يخلو من الرومانسية وكثرة الألوان. لكنه يحكي جانبا واحدا من قصّة عائلة بوتو. كما انه بالتأكيد ليس تاريخاً.
وكما فعلت عمّتها بينازير في مذكّراتها، سلّطت فاطمة الضوء فقط على الحقائق والاستشهادات التي توافق تصوّراتها الخاصّة. لذا لا يبدو ذو الفقار ومرتضى مجرّد شهيدين، بل قدّيسَين من الناحية العملية. أما بينازير فتعتبرها فاطمة شيطاناً، لأنها مسئولة من خلال استغلالها لزوجها المهلهَل آصف علي زرداري عن جريمة قتل كلّ من مرتضى وشاه نواز.
صحيح أن في حياة بينازير جوانب غير مستساغة، بل وحتى شرّيرة. فكلا حكومتيها (1988-1990 و 1993-2006) سقطتا وسط اتهامات بالفساد الفاضح. وكان زوجها زرداري معروفا بلقب "السيّد عشرة بالمائة" لما اشتُهر عنه من فساد ورشاوى. لكن وفقا لمعظم الروايات، لم تكن بينازير وحشاً. ومن الصعب جدّا أن نصدّق أنها تواطأت لقتل شقيقيها.
إن ممّا لا شكّ فيه أن ذو الفقار علي بوتو، خلال السنوات التي قضاها في السلطة، كان أفضل أمل لباكستان. غير انه كان شخصا مستبدّا ومتعطّشا للسلطة.
ومثل والده، كان مرتضى اشتراكيا، على الأقل ظاهرياً. فعلى الرغم من انه قاتل بإخلاص من اجل قضية عمّال ومزارعي باكستان المضطهدين، إلا انه كان يتصرّف مثل إقطاعي انجليزي ويرتدي الملابس ذات الماركات العالمية الثمينة ويضع افخر أنواع الكولونيا. ويبدو أن نضاله المسلّح كان من النوع الدونكيشوتي، إذ لم يُعرف عنه انه وقف ضدّ الجيش أو الأجهزة الأمنية.
آصف زرداري، أو السيّد عشرة في المائة، هو اليوم رئيس باكستان، بعد أن خطف بذكاء حزب الشعب الباكستاني واستغلّ إرث بوتو السياسي وعلاقته مع ذو الفقار وبينازير لخدمة طموحاته السياسية.
ترى هل أرادت فاطمة بوتو من وراء هذا الكتاب إحياء ذكرى والدها فحسب، أم انه محاولة منها للحصول على الشرعية السياسية؟
لن يكون الأمر مثيرا للدهشة إذا ما قرّرت فاطمة الترشّح لمنصب الرئاسة في باكستان في وقت قد لا يكون بعيدا. "مترجم".

Tuesday, May 10, 2011

ماذا حدث لليدي جين ؟



بعد دقائق قليلة من مرورنا بعلامة طريق سريع مكتوب عليها "بغداد"، ظهر طريق آخر فرعي عليه لافتة تحمل عبارة "مقهى بغداد". وبينما كنت أتمتم بيني وبين نفسي بنغمات من موسيقى فيلم بيرسي ادلون، طلبت من السائق أن يتوقّف. داس السائق فؤاد على الكوابح وانحرف قليلا إلى جانب الطريق.
ورأينا عددا من الشاحنات تحيط بالمقهى الذي يشبه الكوخ، بينما ارتفع على احد جانبي الطريق جرف صخري حادّ ولاحت على الجانب الآخر منه أبراج ضخمة. كان الأفق الأصفر من بعيد فارغا باستثناء صورة ظلّية لشاحنة عابرة.
إذن نحن هنا، تائهون في الأرض القاحلة لصحراء سوريا الشرقية في مقهى سيتبيّن لنا بعد قليل انه شرَك سياحي. في هذه الأيام أصبح من الصعب أن تهرب من طريق رحلات المجموعات الثقافية. لفتت انتباهنا في المقهى مجموعة من الأشياء واللوازم القليلة والمبالَغ في أسعارها كالحليّ والمشروبات. واكتفينا بتصوير بعضها. ثم أشرت إلى فؤاد بمواصلة مشوارنا.
منذ 150 عاما، لم تكن الليدي جين ديغبي (1807-1881) قد رأت شيئا من هذا عندما عبرت الطريق الصحراوي نفسه في طريقها إلى واحة تدمر البعيدة. وحتى ذلك الحين، كان قليل من الناس هم من غامروا بالوصول إلى أطلال المدينة القديمة. لكن ديغبي، ذات الطبيعة الرومانسية والمحبّة للمغامرات، كانت دائما استثناءً.
نشأت الليدي في هولكهام هول في نورفولك. وبعد طلاقها من اللورد ايلينبورو عاشت مثل فراشة، إذ تجمّع حولها العشّاق والمعجبون قبل أن ينتهي بها المطاف في سوريا بعد انهيار زواجها الثالث من جنرال يوناني. وقد أشاد معاصروها بجمالها وفطنتها وقدراتها اللغوية، حيث كانت تتحدّث ثمان لغات. كما عُرف عنها براعتها الكبيرة في ركوب الخيل. هذه المرأة التي اجتمعت في شخصيّتها كلّ هذه السمات حطّت رحالها أخيرا في الصحراء السورية.
وعندما وضعت قدميها لأول مرّة في تدمر، كانت البلدة وقتها جزءا من الإمبراطورية العثمانية. وكان الأمل في رؤية آثار تدمر المشهدية يعلو رأس قائمة أولويات ديغبي، وتليها مباشرة آثار بعلبك والقدس. فقط حفنة قليلة من الفيكتوريين كانوا قد وصلوا إلى تدمر بالنظر إلى وعورة الطريق المؤدّي إليها، إذ يلزم المسافر تسعة أيام على ظهور الجمال عبر الصحراء التي يجوبها بانتظام اللصوص وعصابات الحروب القبلية المحلية.
وقادت الصدفة جين ديغبي للقاء مِجوَل المِصْرَب، وهو شيخ إحدى قبائل البدو التي كانت تسيطر على منطقة تدمر، والذي اتخذته دليلا وحاميا. وبخلاف عادات البدو، كان مجول رجلا متعلّما وكان يتحدّث عدّة لغات. وبطبيعة الحال كانت له ملامح بدويّ مقتطعة من لوحة استشراقية.
رحلتهما الأولى معا وضعتهما في مواجهة مع عدد من اللصوص في الصحراء. وقد تخلّص منهم بطريقة مناسبة. لكن ما حدث أنبت في الوقت نفسه بذور قصة حبّ غير عاديّة بين امرأة غربية ورجل من الشرق.
وعلى الرغم من انه كان يصغرها بعشرين عاما، إلا أن مجول سرعان ما وقع أسير سحرها. وبعد ذلك بعام واحد تزوّجا. والبقية، كما يقال، أصبح تاريخا.
قضت جين ديغبي الجزء الأخير من حياتها محاولة التكيّف مع بيئتها الجديدة وعكفت على تثقيف نفسها فأجادت لغة تاسعة هي العربية. وكانت ترتدي جلابية فضفاضة وتستخدم الكحل وتدخّن الأرغيلة. كما كانت مخلصة لـ مجول. وقد اعتادت قضاء وقتها بين منزلها الجميل في دمشق والسكن الأكثر صرامة في خيمة من خيام البدو في تدمر. في تلك الخيمة تعلّمت حلب الأغنام وطبخ لحم الضأن ممزوجا بالزبادي والعسل البرّي على نار مفتوحة. كما كانت تصرف بعض وقتها في ركوب الخيل والطِبابة البيطرية وفي اصطياد الذئاب والظباء ورعاية الإبل المريضة.
اليوم ، أصبح الوصول إلى تدمر أسرع وأسهل، إذ يستغرق من العاصمة أقلّ من ثلاث ساعات بالسيّارة. لم يعد هناك لصوص، ولكن ما يزال هناك الكثير من البدو الذين تتناثر خيامهم على مساحة واسعة من هذه الأرض اليباب. هذا النوع من الصحراء لا علاقة له بصحراء لورانس العرب ذات الرمال المتحرّكة. على البعد، نرى نقاطا سوداء مبعثرة. وعند الاقتراب منها نكتشف أنها عبارة عن مجموعات من الخيام ذات الجوانب المفتوحة والمصنوعة من الأربطة الخشنة المستخلصة من صوف الماشية. وظاهريا لا يبدو أن الخيام مأهولة. لكن عندما تدلف إلى داخل إحداها يظهر لك أفراد أسرة كاملة وممتدّة.
داخل الخيمة الرئيسية التي تزيّن نسيجها أنماط واضحة وجميلة، جلسنا على السجّاد نحتسي الشاي الذي يُقدّم إلى أيّ مسافر عابر من هنا مع ضيافة تقليدية وابتسامات خجولة.
الرجال يرتدون الكوفيات الحمراء والبيضاء والسترات الفضفاضة فوق الجلابيّات، في حين بدا الأطفال وكأنهم يرتدون أيّ شيء يجدونه. المال هنا شحيح لأن رعاة الأغنام يقبعون في أسفل درجات السلّم الاجتماعي في سوريا، وهم في مكانة اقلّ بقليل من البدو رعاة الجمال.
ومضيفونا كانوا أعضاء من نفس قبيلة عنزة التي تزوّجت جين ديغبي احد رجالها. وأصل عنزة من الجزيرة العربية. لكن قبل قرنين تحرّكت القبيلة باتجاه الشمال بينما اضطرّ بدو سوريا الأصليون للنزوح شرقا.



تدمر مدينة ذات جمال مؤرّق يمتزج بجمال الصحراء المحيطة بها. لذا لا يبدو مستغربا أن جين اختارت قضاء الكثير من حياتها هنا في وقت لم يكن هناك سيّاح ولا فنادق ولا محلات ولا باعة حليّ.
في ذلك الوقت، أي عندما كان معظم هذا المكان ما يزال مطمورا تحت الرمال، لم تكن جين قد رأت مقابر البرج الرائعة مع لوحاتها الجدارية ولا السقوف المطليّة ولا المنافذ متعدّدة الطوابق. كان الفرنسيون، أثناء انتدابهم الذي دام خمسة وعشرين عاما، هم الذين بدءوا عام 1924 عمليات حفر وتنقيب جدّية. وما تزال أعمال الحفر مستمرّة إلى اليوم من قبل فرق آثار سورية وألمانية ويابانية ودانمركية وفنلندية.
وبالرغم من تاريخ تدمر العريق، إلا أن السياحة هنا ما تزال جنينية، مقارنة بالبتراء في الأردن المجاورة. ويمكنك التجوال بين أطلال المدينة لوحدك سواءً كان الوقت نهارا أو ليلا. ويزداد المكان سحرا عند حلول الغسق عندما تميل الشمس إلى الغروب وترمي بوهجها الذهبي على الرواق ذي الحجارة الجيرية بلون العسل وعلى المسرح الروماني ومعبد بعل شامين والجدران الرائعة المرتفعة لمعبد بل.
تحت حكم الملكة المتمرّدة زنوبيا، في القرن الثالث الميلادي، ازدهرت إمبراطورية تدمر بقدر ازدهار مصر آنذاك إلى أن اعتقل الرومان زنوبيا واسقطوا حكمها.
جين ديغبي اجتمع لها عراقة النسب ووفرة المال والجمال. ويبدو أن مجول أحبّها لذاتها وليس لجمالها أو نسبها. مجول نفسه كان شخصا مثقّفا يجيد عدّة لغات ويهتمّ بالآثار.
في دمشق تعرّفت جين إلى المستشرق والرحّالة الانجليزي المشهور ريتشارد بيرتون الذي كان بدوره مرتبطا بعلاقة صداقة مع البطل الجزائري الأمير عبد القادر منذ أن التقيا في دمشق لأوّل مرّة.
كانت جين ديغبي امرأة جميلة ومتعدّدة الأزواج. وكانت قد تزوّجت من ثمانية رجال قبل وصولها إلى سوريا. وقد رسم لها الفنّان الألماني جوزيف كارل شتيلر بورتريها "فوق" عندما كانت في ضيافة الملك لودفيك الأول ملك بافاريا. ويقال إنها كانت تربطها بالملك علاقة عاطفية.
لكن يبدو أنها ضاقت ذرعا بالحياة في أوربّا، فأخذت طريقها إلى سوريا لتجد فيها الحبّ الأكبر في حياتها. كانت في منتصف عمرها. لكنها كانت ما تزال ذات جمال مبهر.
تصفها زوجة بيرتون بقولها: كانت جين امرأة جميلة جدّا وهادئة الطباع. كانت قد قاربت الستّين، طويلة، مسيطرة وذات ملامح ملوكية. وكانت دائما تبدو أنيقة بفستانها الأزرق وبشعرها الطويل المنسدل على الأرض كما لو أنها خارجة للتوّ من صالون للجمال في لندن أو باريس. كانت تقضي نصف العام في دمشق ونصفه الآخر مع زوجها في خيام البدو. هناك كانت تُكرّم وتُحترم كملكة على القبيلة. كانت جين تحلب النوق وتخدم زوجها وتجهّز له الطعام وتجلس إلى الأرض لتغسل قدميه وتصبّ له القهوة. وكانت أيضا تبدو رائعة بالملابس الشرقية. كانت جين أكثر صديقاتي قربا منّي وقد أملت عليّ سيرة حياتها".
كانت المرأتان، جين ديغبي وزوجة بيرتون، مدخّنتين شرِهتين. وكان كلّ من عبد القادر وبيرتون يقضيان الأمسيات على شرفة منزل الأخير يدخّنان الارغيلة. ولم ينس بيرتون وزوجته أبدا تلك اللحظات الجميلة.
طوال ثلاثين عاما كانت جين ديغبي تعيش في سعادة مع زوجها وسط مضارب قبيلته. كانت رسّامة ونحّاتة. وقد ضحّت بجدائلها الذهبية وصبغتها بالحنّاء خوفا من أن يعاود زوجها الحنين إلى ملامح النساء العربيات.
وفي بيتها، على مشارف دمشق، كانت تزرع حديقة المنزل وتقوم على رعاية الكلاب والخيول والقطط وتباشر أنشطة الحياة اليومية المختلفة. وعندما توفّيت عام 1881م عن 74 عاما، انخلع قلب مجول حزنا على فراقها.
ومنذ سنوات ظهر كتاب عن سيرة حياة الليدي جين ديغبي تحكي فيه مؤلّفته ميري لوفيل عن رحلة ديغبي إلى الشرق وعن التقاليد التي كانت سائدة في البادية العربية في ذلك الوقت.
من الصعب اليوم العثور على قبر الليدي جين في المقبرة البروتستانتية في دمشق. لكن بطريقة ما، وعلى امتداد ارض تدمر القاحلة وهوائها الجافّ، تخيّلت أنني أرى طيفها وأسمع وقع خطاها وهي تخطر بخفّة بين الأطلال. "مترجم"