المشاركات

عرض المشاركات من 2026

سيّد الأنهار الخمسة

صورة
بينما كنت أتناول غدائي وأسرح بعقلي متخيّلا نفسي أعدو بفرسي عبر سهول البنجاب، دخل عليّ "تشاند خان". كنت قد قضيت يوم أمس بأكمله ممتطيا صهوة الحصان. لكن ذلك لم يمنعني من نيل قسط وافر من الراحة ليلا. كما أن رحلة قطعت فيها مسافة تقارب خمسمائة ميل في غضون أسبوع واحد لم تؤثّر سلبا على شهيّتي أو تعكّر صفو منامي. وبفضل الاعتدال الصارم في نمط حياتي، استطعت تحمّل درجات حرارة وإجهاد بدني يعجز أغلب الأوروبيّين عن تحمّلهما. أبدى "تشاند خان" استغرابه حين لاحظ أنني أكتفي بطبق واحد، ولا شراب لديّ سوى الماء المحلّى بالسكّر. "ألا تشرب يا سيّدي؟! إذن لن تحظى أبدا برضا هذا البلاط الغارق في السكْر، حيث الجميع بلا استثناء ثمِلون، وحيث تقاس قوّة عقل المرء بضخامة رأسه". سألته: كيف سيرى المهراجا رانجيت سنغ ارتدائي للزيّ السيخي؟ قال: سيرغب المهراجا في أن ترتديه. لقد كان يستفسر كثيرا عنك، بل واستدعى خدمك لسؤالهم. أنت تحظى بمكانة رفيعة لديه حاليّا، لكنه سيتوقّع منك الانصياع لكلّ رغباته". راودتني فكرة أن إبداء بعض المعارضة الحكيمة قد ينفعني أكثر من الخضوع التام. لك...

نصوص مترجمة

صورة
خلال إقامتي في الهند، لم تُتح لي الفرصة لزيارة أغرا، على الرغم من رغبتي الشديدة في رؤية معالمها السياحية العديدة، وخاصّة "تاج محلّ" الشهير. المدينة نفسها لا تقدّم الكثير مما يثير اهتمام المسافر. وبعد أن تجوّلنا في أسواقها الضيّقة، حرصنا، خلال الفترة المتبقية من إقامتنا، على تجنّب أزقّتها غير الجذّابة، حتى لو تطلّب ذلك قطع ميل أو ميلين إضافيين. في الليلة الثانية من إقامتنا، طلبنا من صديقنا ألا يؤجّل زيارة "تاج محل" أكثر ممّا فعل. وبناءً على طلبنا، ظهرت العربة وركبنا أنا وصديقي بجانب مضيفنا. وبينما كنّا نلتفّ حول الصخور في ضواحي المدينة، كان نهر "يامونا" يلتفّ في مساره المتعرّج أسفلنا، وانكشفت أمامنا فجأة قمّة "تاج محل" المهيب من بين أشجار السرو الكثيفة التي تحيط به. لم يكن لدينا وقت لنعبّر عن إعجابنا بالمنظر. انطلقنا على الفور نحو النصب التذكاري. ووسط ابتهاجنا، انعطفت عربة مسرعة من الزاوية، وتوقّفت بجانبنا، ففرحنا عندما وجدنا أن صاحبتها الجميلة هي مضيفتنا. كانت ظلال المساء تتكاثف حولنا بسرعة ونحن نصل إلى المدخل المقوّس، حيث يجب ال...

نصوص مترجمة

صورة
النعمة الحقيقية للجبال لا تكمن في كونها تحدّيا أو شيئا يجب التغلّب والسيطرة عليه، بل في أنها تجعلنا مستعدّين لتقدير العجائب، سواءً أكانت الدوّامة الداكنة التي يصنعها الماء تحت طبقة من الجليد، أو ملمس الطحالب الناعمة التي تتشكّل على جوانب الصخور والأشجار. إن التواجد في الجبال يعيد إحياء دهشتنا من أبسط مظاهر العالم المادّي: ندفة ثلجية متناهية الصغر تسقط على راحة اليد الممدودة، والماء إذ ينحت بصبر مجرى في وجه صخرة غرانيتية، والتحرّك الذي يبدو بلا دافع لحجر في وادٍ مليء بالحصى. أو أن تضع يدك وتشعر بالنتوءات والخدوش في صخرة حيث مرّ نهر جليدي، أن تسمع كيف تنبض سفوح التلال بالحياة مع المياه الجارية بعد هطول المطر، أن ترى ضوء أواخر الصيف يملأ أميالا من المناظر الطبيعية كسائل لا ينضب. تُعيد إلينا الجبال قدرة لا تقدَّر بثمن على الشعور بالدهشة، وهي قدرة قد تُستنزف دون أن نشعر، بسبب الحياة العصرية. نبقى تحت أشعّة الشمس على تلك القمّة الرائعة، لساعة وكأنها دهر. لا نتحدّث كثيرا. هناك في الأعلى، تبدو اللغة مستحيلة، والاستعارة والتشبيه سخيفين، كأن اللغة تنزلق بغباء من هذا المشهد. إنه...

كنوز الرحّالة

صورة
عبر مساحات وسط آسيا الشاسعة، ملأت قبائل عديدة، في مواكب لا تنقطع، أراضي منغوليا وألتاي، تذكّروا نداء الجبال البعيدة الأخرى وواصَلوا المسير، غير مكترثين بالأيّام أو السنين أو القرون التي قضوها في الترحال. وفي تلك الأرض، نثر العديد من الرحّالة القدماء كنوزهم. وتحفظ ذاكرة الناس قصصا عن آثار أولئك الرحّالة العظماء، تزيّنها الخيالات بأبهى الزخارف. تُتداول المخطوطات بكثرة بين أيدي الناس. ويحمل المغنّون الجوّالون والشعراء والرهبان والمتسوّلون حكايات رائعة عن تلك الكنوز، منقوشة بلغات سرّية وغامضة. أحيانا يمكنك رؤية هذه الكتابات الغريبة على أوراق صفراء، وقد تآكلت زواياها من كثرة الاستخدام. جابت هذه المخطوطات العديد من القرى والبلدات والمخيّمات. وكُتبت بخط قديم، يشبه أحيانا كتب الصلوات القديمة، بزخارف وتفاصيل مبهمة. وليس من السهل فكّ رموز هذه العلامات البدائية. صحيح أن بعض الأماكن مُشار إليها بشكل صحيح، وبعض التفاصيل المميّزة مدوّنة. لكن من غير المعروف ما إذا كانت الكنوز قد عُثر عليها في هذه الأماكن تحديدا. إمّا أن الإشارة الدقيقة كانت مخفيّة، أو أن المكتشفين المحظوظين كان لديهم سب...

نصوص مترجمة

صورة
كان أوّل كتاب اقتنيته في مكتبتي هو "ديكاميرون" لجيوفاني بوكاتشيو. وأتذكّر بشكل غامض أن قصص الكتاب، وبعضها فاحشة، تُروى على خلفية كارثة جماعية. ولم أكن أعلم حينها أن الفتيات السبع والشبّان الثلاثة الذين يتبادلون هذه القصص قد نجوا من الطاعون الأسود ولجأوا إلى فيللا تقع على التلال المطلّة على مدينتهم المنكوبة. وهكذا، بعد عمر طويل، عزمت أخيرا على قراءة بوكاتشيو مرّة ثانية. وكانت مفاجأة! لم يكن كتاب بوكاتشيو تافها أو إباحيّا على الإطلاق، بل قدّم وصفا دقيقا ومفصّلا للوباء الفتّاك؛ الطاعون المميت الذي اجتاح فلورنسا عام 1348. ووصَفَ الكتاب أعراض هذا المرض الوبائي بدقّة متناهية: دمامل في منطقة العانة أو تحت الإبطين، بقع سوداء كبيرة على الذراعين والفخذين وأجزاء أخرى من الجسم. ولم يَغفل الكتاب عن وصف رائحة الجثث الكريهة المنتشرة في أرجاء المدينة. كما رُويت ردود فعل إنسانية مروّعة: مواطنون يشعرون بالاشمئزاز من بعضهم البعض، أخ يتخلّى عن أخيه، وزوجة تهجر زوجها. حتى الأطفال هُجروا وتُركوا في العراء. ولم يكن الناس يفكّرون إلا في النجاة بأنفسهم والفرار من المدينة. لكن كانت هناك...

رجل وكلبه على الشاطئ

صورة
تجسّد كلاب الصيد الذئبية بشكل بليغ صورة روسيا القديمة، فهي أنيقة وجذّابة بشكل لا يقاوَم حتى للثوريين المتشدّدين. ومعروف عن ليون تروتسكي أنه كان محبّا للحيوانات، ولطالما سافر مع رفيقته الكلبة المحبوبة، مايا، التي لم يتخلّ عنها أبدا. وهذه الرواية المكتوبة بإتقان هي في الواقع قصّة ثلاثة رجال أحبّوا الكلاب: الراوي الشاب، والقاتل ذو الدم البارد وتروتسكي نفسه. والقصّة تنتقل من أرض إسبانيا المحترقة في ثلاثينات القرن الماضي، إلى المكسيك، بؤرة الاحتقان السياسي في الأربعينات، إلى موسكو خلال ربيع براغ عام ١٩٦٨، إلى هافانا في السبعينات، وصولا إلى الحاضر القريب، تاركةً القارئ في حالة من النشوة وكأنه عاش ثلاث حيوات كاملة. "الرجل الذي أحبَّ الكلاب"، رواية الكاتب الكوبي ليوناردو بادورا، استغرقت كتابتها ما يقارب ستّ سنوات. وعلى الرغم من ثراء التفاصيل والكثافة التاريخية للرواية، يصرّ بادورا على أنها محض خيال. والروائي يتتبّع رحلة تروتسكي المرهقة من آسيا الوسطى إلى تركيا والنرويج والمكسيك، بينما يتحوّل من رمز قويّ لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى إلى لاجئ كليل الجسد يتنقّل بين بلدا...

نصوص مترجمة

صورة
عندما أُسأل عن مكاني المفضّل في هذا العالم الواسع من بين الأمكنة التي زرتها، لا أتردّد لحظة في القول إنني أفضّل منغوليا، لدرجة أنني قضيت فيها خمسة أشهر، قطعت ألف ميل منها على ظهر حصان. وقد ألّفت كتابا عن رحلتي تُرجم إلى عديد من اللغات، ووقعت في غرام فتاة منغولية لسنوات. وها أنا الآن أعود ثانيةً الى تلك الأرض. من الجوّ، يبدو الفراغ مذهلا. أثناء تحليقي فوق منغوليا قبل الفجر، لم أرَ أيّ أضواء أسفل، بل مناظر طبيعية ممتدّة: نهر متعرّج وسلسلة جبال شاهقة تعبر السهوب وامتداد شاسع من العشب يصل إلى آفاق لا يبلغها النظر. والدليل الوحيد على وجود سكن هنا هو مجموعة من الخيام البيضاء المستديرة، التي تظهر فجأة وبشكل غامض في المراعي، كالفطر الذي ينمو بين عشيّة وضحاها. وفي غضون بضعة أسابيع، تختفي هذه الخيام لتظهر في مكان آخر ولا تترك أثرا سوى دوائر باهتة على العشب، مع انتقال البدو إلى مراعي الشتاء. وبمعنى ما، فإن منغوليا هي آخر مملكة بدوية حقيقية في العالم. فيما بعد، على ضفاف نهر تول، حيث كان زوج من البجع الأبيض يسبحان تحت أشجار الصفصاف، توقّفنا عند خيمة تقليدية، حيث كانت امرأة ذات سا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
تتّصف أعمال الأديب الياباني آبي كوبو (1924 - 1993) بطبيعتها المجازية والرمزية وبتناولها مواضيع عالمية وعامّة. كان متأثّرا كثيرا بالكتّاب الأوروبيّين أمثال بيكيت وكافكا. وقصّته الأشهر "امرأة في الرمال" تدور أحداثها في اليابان، لكنها يمكن أن تقع في أيّ مكان آخر. الشخصية الرئيسية في القصّة مولود عام ١٩٢٤، وهو العام الذي ولد فيه آبي نفسه. والبطل جامع فراشات، كما كان آبي. لكن قليلا ما يثبت الفيلم أن المكان هو اليابان أو أن الشخصيات يابانية. الرجل والمرأة يلتقيان في كثبان رملية زاحفة، ويجب عليهما الاستمرار في جَرفها لحماية منزلهما وقريتهما من غمر الرمال. وآبي يمتلك معرفة علمية بخصائص الرمال تجعله هو نفسه شخصية رئيسية في الرواية. يأتي الرجل كغريب الى الصحراء، ويُعتقل ثم يُجبر على جرف الرمل إن أراد أن يأكل. لكنه في النهاية يقبل هذا مرغما، ويتقبّل المرأة التي اقترن بها والمجتمع الذي أسره وربطهما معا. لكن هذا الوضع يبدو مستحيلا، مع أنه حال البشر عموما، فهم يحاولون العيش وسط رمال الحياة المتحرّكة ويكافحون للحفاظ على معيشتهم وإطعام أنفسهم وعائلاتهم. في عام ١٩٦٣، صُنع فيلم را...

زواج في السهوب/2

صورة
خلال الشهرين الأوّلين من رحلة الأميرة تشاو الى بلاد الأويغور، حين كان الطقس لا يزال معتدلا والمناظر الطبيعية تتسم ببعض التنوّع، كانت مراحل الرحلة تمضي بسرعة نسبية. وعند وصولها إلى كلّ محطّة توقّف، تكون خيمة الأميرة قد نُصبت بالفعل، وفُرش بداخلها السجّاد ووضعت الطاولات والكراسي الصغيرة. وكان يقدّم لها الماء للاغتسال، والشاي الطازج، وأصناف متنوّعة من المأكولات الشهيّة. وفي أمسيات كثيرة، كانت الأميرة تعزف على آلة الزيثار أو تحاول نظم شعر تتغنّى فيه بجمال الطبيعة أو تعبّر عن شعورها بالحنين إلى الوطن، وهما موضوعان طالما تغنّى بهما شعراء الصين منذ القدم. لكن بعد بضعة أشهر، أصبح الهواء الجافّ لاذع البرودة بسبب الصقيع، واضطرّت لتغطية وجهها حمايةً لنفسها، ولم يعد هناك ما يستحقّ النظر إليه على أيّ حال. تسلّل الملل إلى الأميرة بسبب الرحلة التي لا تنتهي، إذ كانت الأيّام تختلط ببعضها، وكذلك الشهور، حتى فقدت كلّ إحساس بالزمن. غير أن الأجواء في القافلة سرعان ما بدأت تنبض بالحياة تدريجيا، فأدركت أنها تقترب أخيرا من وجهتها، إذ بدأ يلوح في الأفق مسار سرعان ما اتّسع ليصبح طريقا مطروقا بوضوح. ...

زواج في السهوب/1

صورة
في خريف عام 821، اعتلت الأميرة الصينية تشاو هودجا محمولا على ظهر جمل ذي سنامين، وسارت وصيفاتها بجانبها ممتطياتٍ خيولا تركمانية نفيسة. وبصفتها شقيقة إمبراطور الصين، اختيرت الأميرة لتكون هديّة دبلوماسية، إذ كانت في طريقها للزواج من خاقان الأويغور لترسيخ الصداقة بين البلدين. وكان الإمبراطور قد تسلّم بالفعل، كمهرٍ لشقيقته، أقمشة ناعمة من وبر الجمال وألبسة موشّاة بالديباج وفراء سمّور وأحزمة من اليشم وخمسين جملا وألفاً من الأمهار الصغيرة. ورغم أن الأميرة قدِمت من الشرق، أي من القصر الإمبراطوري في العاصمة تشانغان، إلا أن الكثير من ملابسها وحُليّها أتت من الغرب، وتحديدا من سهوب آسيا الوسطى النائية التي كانت تعبرها آنذاك. فقد تزيّنت في شعرها بدبابيس دقيقة من اليشم الأبيض الشفّاف المستخرج من قاع النهر في كوتان، وبزخارف مصنوعة من العاج الهندي وحجر اللازورد من بدخشان، وتألّفت قلادتها من الذهب واللؤلؤ والأحجار شبه الثمينة، مجسّدةً الكنوز السبعة في البوذية. أما حبّات مسبحتها فكانت من الكهرمان القادم من شواطئ بحر البلطيق. وكانت تشاو تحمل معها عطورا مخصّصة لجسدها وحمّامها وملابسها، ...

نصوص مترجمة

صورة
○ علينا أن نتعلّم كيف نكبر دون خوف، دون حنين الى الماضي، أن نشيخ بكرامة دون خجل، دون استئذان، دون إيذاء لأنفسنا. وعلينا أن ندرك أن السنين لا تجعلنا نشيخ، وأن التجاعيد تظهر مع مرور الوقت، ولكنها تظهر أيضا من الضحك، ومن الاستمتاع بالشمس والريح والأصدقاء القدامى والأوقات الجميلة. علينا أيضا أن ندرك أن السعادة لا تزيَّف، وأنه مهما بلغ عمر القلب، فلن يتجعّد أبدا، وأن الحبّ الحقيقي ليس حبّا عابرا. علينا أن نتعلّم كيف نحبّ بجمال، وأن نبطّئ من وتيرة حياتنا، وأن نتقبّل أننا لم نعد أطفالا، وأننا ما زلنا نستمتع بالحياة. مع مرور الأيّام، أدركت أنني أتقدّم في السن. لكن ليس بسبب تجاعيد وجهي. لم تكن المرآة هي التي أخبرتني بذلك، ولا الرجل الذي أفسح لي مقعده في الحافلة. لم تكن الملابس العصرية التي لم أعد أفهمها، ولا الأغاني التي تبدو لي مجرّد ضجيج. كان الأمر أعمق من ذلك وأكثر دقّة. لمست هذا في اليوم الذي توقّفت فيه عن محاولة إقناع أيّ شخص. عندما توقّفت عن مطاردة من يبتعدون عنّي. عندما لم أعد أشعر بحاجة لأن تكون لي الكلمة الأخيرة. عندما تعلّمت أن أترك الأمور تجري دون ضجّة. جاءت الشيخوخة دون ...