سيّد الأنهار الخمسة


بينما كنت أتناول غدائي وأسرح بعقلي متخيّلا نفسي أعدو بفرسي عبر سهول البنجاب، دخل عليّ "تشاند خان". كنت قد قضيت يوم أمس بأكمله ممتطيا صهوة الحصان. لكن ذلك لم يمنعني من نيل قسط وافر من الراحة ليلا. كما أن رحلة قطعت فيها مسافة تقارب خمسمائة ميل في غضون أسبوع واحد لم تؤثّر سلبا على شهيّتي أو تعكّر صفو منامي.
وبفضل الاعتدال الصارم في نمط حياتي، استطعت تحمّل درجات حرارة وإجهاد بدني يعجز أغلب الأوروبيّين عن تحمّلهما. أبدى "تشاند خان" استغرابه حين لاحظ أنني أكتفي بطبق واحد، ولا شراب لديّ سوى الماء المحلّى بالسكّر. "ألا تشرب يا سيّدي؟! إذن لن تحظى أبدا برضا هذا البلاط الغارق في السكْر، حيث الجميع بلا استثناء ثمِلون، وحيث تقاس قوّة عقل المرء بضخامة رأسه".
سألته: كيف سيرى المهراجا رانجيت سنغ ارتدائي للزيّ السيخي؟ قال: سيرغب المهراجا في أن ترتديه. لقد كان يستفسر كثيرا عنك، بل واستدعى خدمك لسؤالهم. أنت تحظى بمكانة رفيعة لديه حاليّا، لكنه سيتوقّع منك الانصياع لكلّ رغباته".
راودتني فكرة أن إبداء بعض المعارضة الحكيمة قد ينفعني أكثر من الخضوع التام. لكنني قرّرت أخيرا ألا أشرب من كأسه ولا أرتدي ملابسه. وتابعت: لست واثقا من أنني سأقبل العمل لديه من الأساس، فلي أصدقاء في الهند، وقد أجد عملا مع الإنغليز الآخرين".
في كلّ يوم، كانت تقدَّم لي "ضيافة" بقيمة مائة روبية، مصحوبة بالحلويات. ثم طُلب منّي إعطاء دواء مقوٍّ للمهراجا، إذ كان يشعر بضعف شديد ويخشى نوبة شلل أخرى، وهي حالة كانت قد أفقدته القدرة على الكلام أكثر من مرّة من قبل. وأرسلت له دواءً مستخلصا من الأعشاب، وكان تقديره لفعالية الدواء مذهلا، فقد حوّل حالته من فقدان الشهية إلى نهم شديد وجعله يشعر بضعف القوّة السابقة في أطرافه، ما جعله في غاية السعادة والابتهاج.
لذا أرسل المهراجا سنغ في طلبي بشكل عاجل، وأمر بإبلاغي بأنه إن لم أستطع القدوم إليه، فسيأتي هو إليّ بنفسه. وجلبَ الرسول "ضيافة" تعادل عشرة أضعاف الكمّية المعتادة. فكان ردّي: سأحضر غداً للقاء معاليه".
في الصباح، أُخذت إلى الديوان "أو الداربار". وحين جلست على السجّادة بالقرب من المهراجا سنغ، طرح عليّ عشرات الأسئلة حول أوروبّا وإنغلترا وأمريكا، وعن طبقتي الاجتماعية.
كان من عادته أن يستقبل المدعوّين في قصر شيش محلّ "أو قصر المرايا" في لاهور. وكان يضع عمامة خضراء ويرتدي ماسة كوهنور "جبل النور" على ذراعه، وكان الزوّار ينبهرون بها دائما. كانت الماسة ترمز إلى أن قوّة السيخ قد فاقت قوّة المغول والأفغان الذين كانوا يمتلكونها سابقا.
وعلمت أن البلاط يدعو بانتظام الراقصين والموسيقيين والشعراء والفنّانين. وأصبحت لاهور مركزاً ثقافياً يجذب المواهب من جميع أنحاء شمال الهند. وكان المهراجا سنغ يحضر الاحتفالات بأعياد ديوالي وهولي وعيد الفطر إلى جانب الأعياد السيخية، مدركاً الأهمية الثقافية لكلّ طائفة.
بعض رجال البلاط كانوا يرتدون ملابس وحُليّاً مزركشة، حتى أنني رأيت أحدهم يضع في معصميه ثلاثة أزواج من الأساور الذهبية وثلاث قلائد، فضلا عن الخواتم والأقراط وخنجر مرصّع بالجواهر.
كنت أجلس قريبا من المهراجا عندما التفت إليّ وقال: يا سيّد بيلاتس، أرى أنك رجل حكيم وشجاع. صحيح أنك ما تزال شابّا، لكنك تمتلك الخبرة، وأنا راضٍ عنك. لقد وعدتك بقيادة فوج عسكري وقد تمّ الأمر، وإنني أوكل إليك أيضا إدارة مقاطعة "كانغرا". إنها منطقة تتّسم بالطبيعة الوعرة والقاسية في بعض أجزائها، وسيكون لك ضريبة على إيراداتك.
وأضاف: انضمّ دون تأخير وحاول ألا تحتفظ بأيّ أسرار، وعَيّن قاضيا حكيما وتذكّر أن كلّ ما أسمعه عنك مسجّل ضدّك. فكن يقظا وحذرا وحكيما، ولا تدع أيّ شكوى من الرعيّة تصل إلى علمنا. المنصب رفيع والثقة فيك كبيرة".
ووسط هتاف وثناء الحاضرين، مُنحت لقبا طويلا ومنمّقا يصعب تذكّره، ووُضع في يدي كيس به ألف درهم، وطُردتُ من المجلس قبل أن أتمكّن من التعبير عن امتناني. وقبل خروجي، اعترض طريقي "فقير عزيز الدين"، كبير مستشاري المهراجا، ودسّ في يدي مظروفا مغلقا. وأسرعت إلى المنزل متلهّفا لأن أكون وحدي وأفتح الظرف المختوم.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

ربّما يكون فقير عزيز الدين الشخصية الأبرز في بلاط لاهور. وهو رجل مسلم من عائلة من المعالجين الروحانيين. وقد أصبح أقرب مستشار للمهراجا ووجها مألوفا للدبلوماسية السيخية.
كانت علاقة الرجلين مبنية على الاحترام المتبادل والمودّة الصادقة. كان المهراجا يُقدّر حكمة "الفقير" ويثق برأيه ويعتمد على فصاحته. وبدوره، خدم عزيز الدين رانجيت سنغ بإخلاص لا يتزعزع. وعندما عبّر أحد الزوّار الأوروبيّين عن دهشته من امتلاك مسلم لمثل هذه السلطة في دولة سيخية، شرح عزيز فلسفة المهراجا بقوله: إن معاليه لا ينظر إلى العمامة، بل إلى الرأس الذي تحتها".
الأوروبّيون العاملون في البلاط كانوا أيضا يحظون بمعاملة كريمة ويتقاضون أجورا مُجزية. وقد تبنّوا العادات المحلية وارتدى بعضهم العمائم وتزوّجوا نساءً من أهل البلاد وتعلّم معظمهم اللغة البنجابية أو الفارسية. وكان المهراجا يستخدمهم بمهارة.
دخلت مسكني بسرعة، وخلعت ملابسي، ثم ارتديت بيجامة واسعة وقميصا خفيفا. مزّقتُ غلاف المظروف، ولكنّي دُهشت إذ لم أجد في الورقة سوى مجموعة من الرموز غير المفهومة. لكن عندما فتحت الوثيقة، سقطت منها قصاصة ورق كُتب عليها: "يُحفظ بعناية"، وتحمل ختم "فقير". ثم قرأت ما يلي:
"الحكيم لا يهمل واجبه تجاه سيّده، بل يجلس في قاعة الطاعة، ويتذكّر أن التواضع والوفاء يؤدّيان إلى الرفعة". "الكذب يخزي الرجل، والشفاه الكاذبة تهين صاحبها. فلتكن راضيا بما أنعم الله به عليك، وكن أمينا وصادقا، وسيثني عليك الناس ويتبعك رضاي". "فكّر في نهايتك ولا تظلم الفقراء، وهكذا سيبقى اسمك خالدا بعد زوال كلّ شيء عنك". "لا يمكنك فتح القفل حتى تستخدم المفتاح الصحيح".
هذه نصيحتي لك يا بيلاتس". فقير
كان رانجيت سنغ يلقّب بـ "سيّد الأنهار الخمسة"، لأنه نجح في توحيد وحكم منطقة البنجاب التي يمرّ بأرضها خمسة أنهار. وكان بلاط لاهور، الذي كان المهراجا يحكم منه امبراطورية السيخ، مختلفاً عن أيّ شيء آخر. كان معظم حكّام الدول آنذاك يحيطون أنفسهم بأبناء دينهم ويتعاملون مع الأقليات بشكٍّ وريبة.
لكن رانجيت سنغ شكّل دولة تعكس تنوّع شبه القارّة الهندية نفسها. كان الوزراء الهندوس يديرون الشؤون المالية، بينما يقود الجيوش قادة مسلمون، ويقدّم بعض الأوروبيّين المشورة. كانت الكفاءة أهم من العقيدة او الولاء أو الانتماء.
قضيت الأسبوع التالي في انشغال تام بالتحضير لتولّي مهام منصبي الجديد. لقد فاق نجاحي كلّ توقّعاتي، فالمكانة المرموقة للمنصب زادت أهميّتها بفضل موقع "كانغرا" في المناطق الجبلية. كنت منشغلا ليل نهار، ومحاطا بالطامعين في التعيين والمجنّدين الجدد. وكان كلّ من يدبّ على الأرض يرى لنفسه حقّا في خدمتي طمعا في نيل حظوة لديّ.
حتى "ناند سنغ" لم يتردّد في عرض اثني عشر مجنّدا عليّ، ولا أشكّ في أنه تقاضى من كلّ منهم رشوة تعادل راتب شهر. وكلّ من رآني أدخل المدينة في ما بعد بات يعتبر نفسه صديقا لي، وكلّ من تحدّث إليّ أصبح أخا لي. فيلة وخيول، وأسلحة من شتّى الأنواع، وسيوف متفاوتة الأسعار ونصال دمشقية وبنادق قديمة الطراز، كلّ ذلك كان معروضا للبيع حولي، بينما كان المجنّدون والطامعون في الوظائف يروحون ويجيئون، متبخترين ومستعرضين أنفسهم بمختلف الأزياء والهيئات.
لكن "تشاند خان"، خاصّة، كان في أوج بهجته وحماسه. فقد كان يعتبرني ملكا له أو صنيعة من صنع يديه. ووجدت نفسي رغم تردّدي أميل إليه وأبادله الودّ بمثله. وقد عرض عليّ أن يعمل "نائبا" لي، فرفضت. لكنّي اقترحت أن يبقى "وكيلا" لي في البلاط، شريطة أن يتخلّى عن ممارساته المشبوهة الحالية.
كان "تشاند خان" رجلا طيّبا، وكان يمارس عمله هذا بدافع المتعة والإثارة أكثر من دافع الربح. ولذا، واجه بعض الصعوبة في حسم أمره ولم يكن بوسعه الجمع بين الأمرين: أن يكون خادما لخادم المهراجا، وأن يظلّ لصّا معلنا.
وبعد تنهّدات عديدة، قبل شروطي إذا وافقت على توظيف خمسين من أبناء جلدته. وكنت سعيدا بضمّهم بالفعل، فهم رجال أشدّاء وعلى دراية واسعة بالبلاد. وكان زعيمهم "علي وردي خان" رجلا ذكيّا وفطنا للغاية وقدّم لي خدمات جليلة.
وأوضحت لـ "تشاند خان" أنه يجب عليه حضور مجلس البلاط بانتظام، وأن عليه نقل تحيّاتي واحترامي للمهراجا يوميّا، سواءً تلقّى منّي تعليمات بذلك أم لا. كما أكّدت عليه أن يلتزم الصمت فيما عدا ذلك، وألا يبدي رأيا أو يطرح أسئلة، وأن يظهر بمظهر الغبيّ قدر الإمكان، مع إبقاء عينيه وأذنيه مفتوحة تماما.
وأخبرته بأن خداعه لي ولو لمرّة واحدة سيعني إنهاء خدماته فورا، أما إذا خدم بإخلاص، فإن أجره المتّفق عليه لن يكون سوى جزء بسيط من مكاسبه الكثيرة. وتركت بحوزته مالاً لاستمالة كلّ من يمكن شراؤه، إذ كنت أدرك تماما أن طنين مائة حشرة أعلى صوتا من كلام رجل واحد.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

مخطوطات قرآنية نادرة

أساطير قديمة: التّنين