:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, June 22, 2017

طبيعة فريدريش


أصبح كاسبار ديفيد فريدريش الرسّام المحبوب الأوّل في ألمانيا وبات الألمان ينظرون إليه كأيقونة ثقافية. والسبب هو أننا عندما ننظر إلى لوحاته فإننا نشمّ فيها رائحة البارود.
ونعرف قبل أن يخبرنا المؤرّخون أن هتلر كان يحبّ رسوماته. الخواء والغموض في ساحات فريدريش التي لا يسكنها سوى أشباح أبطال ألمانيا جعلته المعادل البصريّ لفاغنر: بطل مخالف للعرف وذو ملامح كالحة، في قاعة عمالقة الثقافة.
لكن هذا لم يؤثّر كثيرا في شعبيّته. فرسّام المناظر الطبيعية هذا، الذي كاد أن يُنسى بعد وفاته عام 1843، أعيد اكتشافه من جديد في السنوات الثلاثين الأخيرة.
في سبعينات القرن العشرين، عاد الفنّانون والسينمائيون الألمان إلى الحديقة المتفحّمة لإرثهم الثقافيّ كي يتخيّلوا من جديد طبيعةً بعْثَرَتها النازية. وقد ذهبوا باحثين عن ألمانيا، وما وجدوه كان فريدريش .
الرسّام الألمانيّ المعاصر انسيلم كيفر صوّر نفسه في طبيعة فريدريش، معطيا ظهره لنا مثل الأشخاص في لوحات الأخير، ومؤدّيا التحيّة النازيّة.
ومنافسه الرسّام غيرهارد ريختر زار هو الآخر طبيعة فريدريش، لكنّه رسمها مغبّشة، كما لو أنه رآها من نافذة سيّارة في يوم مطير.
وعندما أعاد فيرنر هيرتزوغ إعادة إخراج فيلم نوسفيراتو عام 1979، حوّل قصة الفامباير أو مصّاص الدماء الذي يغزو بلدة في شمال ألمانيا إلى مقالة عن الرومانسية. فشخصيّات الفيلم تسير عبر تلال مغطّاة بالضباب، مثل تلك التي كان يرسمها فريدريش في مناظره.
وفي النهاية يختفي الفامباير في ساحة فسيحة وخالية، تماما مثل الشخص الملتحف بالسواد في أعظم لوحات فريدريش المسمّاة الراهب أمام البحر (فوق). وهيرتزوغ يرى الطبيعة الألمانية في لوحات فريدريش كمكان ملعون، بينما يعتبر أن مصّاص الدماء هو هتلر وفريدريش معا.
ومع ذلك تستمرّ جاذبية فريدريش القاتلة. ولوحاته ما تزال تظهر على غلاف أيّ كتاب كلاسيكيّ له علاقة بالرومانسية الألمانية أو القوطية.
وعندما اشترى الناشيونال غاليري لوحته طبيعة شتائية المرسومة عام 1811، كانت تلك أوّل لوحة لفريدريش يشتريها متحف من خارج ألمانيا.
لقد فتح فريدريش العالم، ولكن بثمن غالٍ وسوء فهم عميق عمّن كان وإلى ماذا كان فنّه يرمز. وأصبح هو الأيقونة الأهمّ للرومانسية الألمانية، وصارت صورته كمتسلّق للجبال وعاشق للتسامي والخواء صورة لتاريخ ألمانيا نفسها. ويبدو أن الناس يحبّونه مثلما يحبّون دراكيولا، لأنه يدهشهم ويرعبهم.
لكن فريدريش لم يكن رجلا مصابا بجنون العظمة، بل كان إنسانا واقعيّا شارك في عصره بعقلانية وبعين داهية سياسيّ. رسائله التي أعيدت طباعة بعضها مؤخّرا ربّما تخيّب أمل خبراء الفنّ الذين يميلون للحديث عن الجنون الألمانيّ.
ففريدريش يبرز في تلك الرسائل كناقد للسلطة وكمتعاطف متمرّد مع الطلاب المسجونين لاحتجاجهم ضدّ الأنظمة الديكتاتورية في الولايات الألمانية الصغيرة والمقسّمة بعد مؤتمر فيينا عام 1815، وأحيانا كداعية متحمّس للتغيير وكليبراليّ من القرن التاسع عشر.
الأب الحقيقيّ لرسم مناظر الطبيعة الرومانسية كان نابليون. فالجيوش الخفيّة للإمبراطور الذي توّج نفسه ملكاً، جعلت طبيعة أوربّا مرئية عندما شقّت تلك الجيوش طريقها عبر القارّة.


وقد رأى فريدريش الولايات الألمانية تنهزم بطريقة مذلّة على يد جيوش نابليون، مثلما شهد فرانشيسكو دي غويا ضمّ اسبانيا، ومثلما رأى وليام تيرنر بريطانيا تُحوّل بحرها إلى سور دفاعيّ.
لكن ما جعل فريدريش يرى خطر الطبيعة كان سقوط نابليون. والذي أطاح بنابليون كان الفراغ والطقس والطبيعة. وزحفه على روسيا انتهى بهزيمته في الأرض اليباب لشتاء الشمال.
لقد هزّت الحروب النابليونية رَسْم الطبيعة الرومانسية بعنف. في لوحة تيرنر عاصفة ثلجية ، يصوّر الرسّام الانجليزيّ هانيبال وجيشه وهم يعبرون جبال الألب. وتيرنر يجسّد نابليون على هيئة جنرال قرطاجيّ ضئيل الحجم يقف هو وجنده بلا حول ولا قوّة أمام الجبروت الطاغي للجبال والطقس.
لكن في لوحات فريدريش يعاني نابليون من مصير أسوأ بكثير. ففي عام 1814، أي في السنة التالية لانسحاب بونابرت من موسكو، رسم فريدريش لوحته بعنوان الجنديّ في الغابة .
وفيها نرى جنديّا فرنسيّا منقطعا عن رفاقه يقف في درب ضيّق مقطوع الشجر داخل غابة يبدو انه لن يهرب منها أبدا. أشجار الشيح البنّية ترتفع كالأشباح فوق الجنديّ وتطبق عليه، وهو يبدو مستسلما، تاركا سيفه يسحب على الأرض ومصدوما من الظلام الرهيب الذي لا يقاوَم ويوشك أن يبتلعه.
هذه اللوحة أيضا تصوّر نابليون في شخص احد جنوده الهالكين. لكن بدلا من السهل الروسيّ، فإن الغابة الألمانية هي التي تهزمه هنا. ولوحة فريدريش هذه كثيرا ما اعتُبرت بمثابة بيان وطنيّ. فألمانيا، كما يوحي فريدريش، هي غابة متشابكة ومميتة وقادرة على ابتلاع أعدائها.
لكن من الخطأ أن تنظر إلى لوحات فريدريش على أنها وطنيّة فقط. وهي ليست احتفالات بالغموض الألمانيّ بقدر ما هي اختبار له. ففريدريش يوظّف خواء وفراغ ساحل بحر البلطيق وغابة ولاية تورنجيا كي يوحي بغطرسة الإمبراطورية.
فريدريش ليس رسول طُموح ألمانيا الجغرافيّ، بل المتأمّل فيه بسخرية. وفكرته هي انه يستحيل الانتصار على الفراغ، وأن البشر متطفلّون صغار في عالم لا يمكن أن يحلموا بأن يحكموه.
كما أن الرسّام يفضح سلطة الولايات الملوكية الألمانية، مثل بروسيا والبقيّة، التي كان الليبراليون الألمان يشعرون بأنهم معزولون عنها كليّاً.
في عام 1810، أرسل فريدريش اثنتين من أشهر لوحاته هما الراهب أمام البحر ودير في غابة السنديان ، لكي تُعرضا في برلين عاصمة بروسيا التي كانت قد أنزلت هزيمة ساحقة بنابليون قبل ذلك بأربع سنوات. وقد تسبّبت اللوحتان في إحداث ضجّة، ثم قرّرت العائلة الحاكمة اقتناءهما.
طبيعة فريدريش هي مكان لا تستطيع أن تجد فيه موطئاً لقدمك. حاول أن تقتحمه وتنتصر عليه، وستسقط صريعا بين الثلوج. لقد هلك نابليون في هذه الطبيعة، وكذلك هتلر.
فنّ فريدريش لا يمكن وصفه باللاعقلانيّ، بل هو عن اللاعقلانية. في لوحة امرأة في نافذة ، نرى امرأة (زوجة الرسّام) تعطي ظهرها للناظر وتحدّق إلى خارج الغرفة المعزولة باتجاه سارية سفينة في قنال. المنزل هو العالَم الآمن الذي كان فريدريش يتطلّع إليه وحقّقه.
السفينة ذات الحضور المشئوم تصل إلى البلدة، وكأنها خارجة من الطبيعة الألمانية. إنها تمثّل كلّ شيء كان فريدريش يخاف منه ويرغب به في نفس الوقت. قد تكون هذه سفينة الهولنديّ الطائر الذي تحكي عنه أوبرا فاغنر، أو قد تكون السفينة التي تُحضِر مصّاص الدماء إلى البلدة بصحبة جيشه من الفئران.

Credits
caspardavidfriedrich.org
theguardian.com