:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, October 14, 2017

الروميّ بعيون أمريكية


  • سلام على أولئك الذين رأوا جدار روحك يوشك أن ينقضّ، فأقاموه ولم يفكّروا في أن يتّخذوا عليه أجرا.
    - الروميّ

    أصبح محمّد بن جلال الدين البلخيّ، المعروف بالروميّ، الشاعر الأكثر انتشارا والأفضل مبيعا في الولايات المتحدة اعتبارا من عقد التسعينات.
    والأقوال المنسوبة إليه تتردّد يوميّا على شبكات التواصل الاجتماعيّ بوصفها أفكارا محفّزة وإضاءات على طريق الرحلة الروحية..
  • إستمع إلى صوت الناي كيف يبثّ آلام الحنين. يقول مذ قُطعتُ من الغاب وأنا احنّ إلى أصلي.
  • لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلّل إلى باطنك.
  • وضع الله أمامنا سلّما علينا أن نصعده درجة درجة. لديك قدمان فلمَ التظاهر بالعرج؟!
  • بالأمس كنت ذكيّا فأردت أن أغيّر العالم. واليوم أنا حكيم ولذلك سأغيّر نفسي.
  • قد تجد الحبّ في كلّ الأديان. لكنّ الحبّ نفسه لا دين له.
  • ما تبحث عنه يبحث عنك.
  • دع الماء يسكن، وسترى نجوما وقمرا ينعكس في كيانك.
  • مهمتّك ليست البحث عن الحبّ، بل البحث بداخلك عن تلك الجدران والحواجز التي تبقيه بعيدا عن روحك.
  • هذه الحياة اقصر من شهقة وزفيرها، فلا تغرس بها سوى بذور المحبّة.
  • لكَمْ تمنّيت أن أشدو حرّا مثل هذه الطيور، غير مبالٍ بكيفية تلقّي الناس لما أقول ولا بأيّ نغم أصوغه.
  • أينما كان النور فأنا الشغوف، وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة، وأينما كان الجمال فأنا العاشق، وأينما كانت الحكمة فهي ضالّتي.
  • ❉ ❉ ❉

    إن كنت قرأت الرومي في الولايات المتّحدة بترجمة انجليزية، فأغلب الظنّ أن ما قرأته كان بترجمة كولمان باركس. وباركس شاعر وأستاذ جامعيّ من تينيسّي، كما انه يزاول التدريس في جامعة جورجيا.
    والواقع أن معظم مترجمي الأعمال الأدبية، والشعرية خاصّة، لم يحظوا بشهرة عالمية. لكن باركس لمع نجمه في العديد من المناسبات والمنتديات الأدبية، وقام برحلة إلى أفغانستان حيث ولد الروميّ، وإلى إيران التي عاش فيها شطرا من حياته. وقد مُنح باركس درجة دكتوراة فخرية من جامعة طهران تقديرا له على الثلاثين عاما التي قضاها في الاشتغال على ترجمة أشعار الروميّ.
    الجاذبية الكبيرة للروميّ في الولايات المتحدة يمكن أن تُعزى إلى ترجمات باركس بالذات. وقد بيع أكثر من نصف مليون نسخة من كتبه، بينما من النادر أن يباع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أيّ كتاب للشعر سواءً كان أصليّا أو مترجما.
    بدأ كولمان باركس ترجمته للروميّ عام 1976، عندما سلّمه معلّمه الشاعر والمترجم روبرت بلاي نسخة من ترجمة للروميّ أعدّها أ. اربري قائلا له: هذه القصائد بحاجة إلى من يحرّرها من أقفاصها". وكان يقصد أن تلك الأشعار المترجمة ذات صبغة أكاديمية جافّة، وهي بحاجة إلى من يعيد تكييفها بحيث تصبح مفهومة كي تروق للذوق الشعبيّ العام.


    قبل ذلك لم يكن باركس قد سمع باسم الروميّ، أي أن قصّته مع الشاعر بدأت خلال لقاء بالصدفة. ويقول انه عندما بدأ ترجمته للروميّ رأى في الحلم معلّما صوفيّا اخبره بأن يستمرّ في عمله.
    وبعد سنتين على بدء عمله قُدّم إلى المعلّم الذي كان قد رآه في الحلم. ولم يكن ذلك المعلّم سوى باوا محيي الدين، وهو صوفيّ سريلانكي يعيش ويدرّس في فيلادلفيا. وينسب باركس فهمه للصوفية وعشقه لشعر الروميّ لهذا الرجل، حيث كان يزوره أربع أو خمس مرّات في العام إلى حين وفاة محيي الدين في عام 1986.
    والبعض يشبّه علاقة باركس بمحيي الدين بعلاقة الروميّ وشمس التبريزي التي كانت علاقة غامضة بين أستاذ وطالب أو بين عاشق ومعشوق أو بين عارف ومُريد.
    والمعروف أن الروميّ لم يبدأ حياته كمتصوّف، وإنّما كشاعر. وهو يوصف عادةً كداعية وعالم مسلم، تماما كما كان والده وجدّه. لكن في سنّ السابعة والثلاثين، قابل شمس الذي ربطته به علاقة صداقة متينة لثلاث سنوات.
    وبعد وفاة شمس التبريزي، مقتولا على الأرجح، بدأ الروميّ كتابة الشعر. ومعظم شعره الذي بين أيدينا اليوم نظمه ما بين سنّ السابعة والثلاثين والسابعة والستّين. وقد كتب معظم قصائده إلى الرسول الكريم وإلى شمس نفسه. وديوانه "المثنوي" ما يزال يُتلى ويُغنّى ويُستخدم كمصدر للإلهام في الروايات والأشعار والأفلام والموسيقى.
    يقول باركس إن ترجماته لأشعار الروميّ تجتذب الجمهور الحديث لأنها تقرّبهم من روح الرومي. غير أن منتقديه يتساءلون: هل هي روح الروميّ فعلا أم روح باركس التي ترى في أشعار الروميّ نوعا من الروحانية الحديثة؟
    وبنظر هؤلاء، فإن باركس اغرق السوق بـ "روميّ" مختلف أصبح يرمز إلى شخص لا يلتزم بأيّ تراث خاصّ ويبحث عن الحبّ قبل بحثه عن الإيمان. وهذه السّمة مألوفة كثيرا في الأدب الأمريكيّ خاصّة.
    ويبدو أن ترجماته المعدّلة لأشعار الرومي صُنعت كي تناسب أذواق الجمهور الواسع والباحث عن حلول روحية سريعة. والنتيجة، كما يقول منتقدوه، ظهور شاعر من العصر الجديد متخفّف من إسلام القرن الثالث عشر ومن أفكار وصور العصر الذهبيّ للشعر الفارسيّ الكلاسيكيّ.
    غير أن ما يترجمه، برأي البعض، ليس الروميّ. وهو لا "يفبرك" الترجمات كما هو شأن العديد من المترجمين الشعبيين الذين يستلهمون أعمال شعراء فارس الكلاسيكيين كالخيّام وحافظ. فترجمات باركس يمكن تصنيفها على أنها ترجمات ثانوية، أي أنها إعادة تصوير لترجمات أوّلية عن النصوص الأصلية.
    ولهذا السبب، يقول باركس أن ترجمته للروميّ اقلّ أكاديميةً وأكثر عاطفية. وهو بهذا، كما يقول منتقدوه، يحرّر نفسه من قيود النصّ الأصليّ، بينما يسمح لنفسه بالاستفادة مادّيّا من اسم الروميّ.
    لي شميت مؤلّف كتاب "أرواح حائرة" الذي يناقش فيه الروحانية في أمريكا يضع باركس في سياق سرديّ يتضمّن البروتستانتية وشعراء التسامي الأمريكيين أمثال ويتمان وثورو وإيمرسون.
    وشميت يعلّل شعبية ترجمات باركس للروميّ بالقول أنها تتماهى مع أفكار أيّ شاعر من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أكثر من كونها تعبيرا حقيقيا عن أفكار الروميّ الأصلية.
    ترجمات باركس تقدّم حلولا للجوع الروحيّ في أمريكا، لأنها تجرّد شعر الروميّ من تعقيداته. لكن هذا لم يكن بلا ثمن. فأحد النقّاد كتب مؤخّرا يقول إن ترجمات باركس كانت مشوّهة، إذ انه أزال المفردات الغريبة من النصّ الأصليّ وحوّل مولانا، أي الروميّ، إلى شخص آخر مختلف.
    وقيل أيضا أن باركس فعل مثل الكثير من الشعراء الذين تعمّدوا تبسيط ترجماتهم كي يفهمها الناس العاديّون، بدلا من أن يبحثوا عن جوهر شعريّ عالميّ. والنتيجة انه قلّص النَفَس الشعريّ المميّز للروميّ بتحويل شعره إلى معالجات روحية مألوفة ومتفائلة وجاهزة.
    لكن بصرف النظر عما يقال، فإنه بفضل باركس أصبح الروميّ الشاعر المفضّل والأكثر شعبية عند الأمريكيين. وفي وسائل الإعلام يعتبره الكثيرون الرجل الذي قدّم الروميّ إلى الغرب.

    Credits
    colemanbarks.com
    openculture.com

    Monday, October 09, 2017

    لعبة المرايا

    أعظم رسّامَي بورتريه في تاريخ الرسم لم يكن أيّ منهما يعرف عن وجود الآخر، رغم أنهما عاشا في عصر واحد. الأوّل رمبراندت (1599-1660) والثاني دييغو فيلاسكيز (1606-1669).
    والسبب في أنهما يتصدّران قائمة رسّامي البورتريه في العالم هو أن أيّ وجه رسماه لم يُكتب له الخلود فحسب، وإنّما أيضا اكتسب سمة ميتافيزيقية وغامضة. ثمّة جاذبية فلسفية واضحة في طريقة رمبراندت وفيلاسكيز في النظر إلى البشر. ومع ذلك فإنهما - كرسّامَين - مختلفان.
    رمبراندت في بورتريهاته التي رسمها لنفسه ينظر إليك بمعرفة عميقة للحياة. أما شخوص فيلاسكيز فينظرون بطريقة تخاطب المشاعر، لكنها لا توصل أيّ حكمة. ورمبراندت يؤكّد على الكرامة الإنسانية، أما فيلاسكيز فغير متأكّد. لكنه ينظر بعين محايدة ومتحرّرة من المجاملة والفانتازيا، وهي صفة طالما امتدحه عليها الايطاليون.
    اطلب من أيّ فنّان أو فيلسوف أو شاعر اليوم أن يسمّي لك أعظم لوحة في العالم، والأرجح انه سيقول لك أنها وصيفات الشرف ، أكثر من عشاء ليوناردو الأخير وليلة فان غوخ المرصّعة بالنجوم ومدرسة أثينا لرافائيل.
    ولو ذهبت إلى مدريد وزرت متحف برادو، فستلاحظ وجود غرفة عالية مثمّنة الأضلاع في وسط المتحف حيث تُعلّق الوصيفات. والزوّار يمرّون جيئة وذهابا من أمام اللوحة متأمّلين ودارسين.
    الثقافة المعاصرة تمجّد هذه الصورة كثيرا، لأنها تجد فيها مرآة للوعي الحديث بالذات أكثر من كونها أيقونة فتنت أجيالا عديدة متعاقبة.
    وصيفات الشرف لوحة ضخمة بما يكفي لأن تنافس الحياة. وهي تطلب منك أن تتأمّلها في فراغ ثلاثيّ الأبعاد. وهي تفعل هذا بخلق اتصال متوهّم بين الغرفة التي أنت فيها والغرفة التي في الصورة نفسها، كما لو انك تنظر إلى الوراء عبر الزمن؛ إلى داخل الغرفة الطويلة في قصر الكازار الاسبانيّ حيث نصب الرسّام عدّة الرسم قبل أكثر من ثلاثة قرون، وحيث ينظر إليك من زاوية في يسار اللوحة.
    غير أن فيلاسكيز لا يكتفي بدعوتك للدخول في الصورة، وإنّما يعتبرك أيضا شخصية خاصّة في مسرحية. المرايا والتأثيرات البصرية تلعب دورا مهمّا في معظم لوحات فيلاسكيز المشهورة.
    في فينوس أمام المرآة مثلا، تنظر ربّة الجمال إلى وجهها في مرآة، لكن انعكاسها المعتم لا يكشف شيئا عن مشاعرها.
    وفي أسطورة اراكني المستمدّة من تحوّلات اوفيد، يظهر مِغزل يدور بسرعة فائقة لدرجة انك يمكن أن ترى من خلاله ما وراءه. الطريقة التي يُمسك بها فيلاسكيز بالتأثير البصريّ هي بلا شكّ لعبته المفضّلة في فنّ الرسم.
    لقد رسم رمبراندت نفسه مرارا وتكرارا. لكن صورة فيلاسكيز الوحيدة هي هنا في تحفته "الوصيفات" الغامضة والمثيرة، والتي رسمها قبل أربع سنوات فقط من وفاته.
    فيلاسكيز في غرفة العائلة في القصر يعمل أمام القماش بصحبة ابنة الملك وحاشيتها. وأوّل شيء يمكن ملاحظته هو أن الجميع متجمّدون، واهتمامهم مركّز على وجودٍ ما خارج الإطار. نظرة الذين يعرفون عن ذلك الحضور هي باتجاهنا، أي باتجاه الملك والملكة المنعكسة صورتهما على الجدار الخلفيّ.


    أنت الملك، وأنت تقف بصبر من اجل أن يرسمك فنّان القصر الذي ينظر إليك من وراء رقعة الرسم. هذه هي الوضعية التي يتعامل بها فيلاسكيز مع الناظر إلى اللوحة. البورتريه الضخم لا يصوّر فحسب ملك وملكة اسبانيا اللذين لا يظهر منهما غير انعكاس صورتهما في المرآة، وإنّما يصوّر أيضا مشاعر التوتّر والقلق الذي تنطق به عيون الملك والملكة وبقية الجلساء في الغرفة. وفيلاسكيز بمعنى ما يرينا العالم من خلال عيني ملك.
    في اللوحة، الوصيفات اللاتي يرتدين ثياب خادمات، يقمن على رعاية الفتاة الصغيرة انفانتا مارغريتا ابنة الملك الصغرى التي ترتدي ملابس نفيسة حتى وهي تلعب أمام والديها. لكنها تنظر إليهما بقلق، بينما يباشر اثنان من أقزام البلاط مهمّة الترفيه عنها.
    انه عالم صغير، بارد وخطير. ولا احد في اللوحة يبدو في حالة استرخاء باستثناء المرأة التي تركل الكلب بقدمها.
    المشهد لا يخلو من طابع مسرحيّ. فالجميع يرتدون ملابسهم الرسمية، وسلوكهم يبدو في غاية النظام والانضباط. لكن عند الباب في الخلفية يظهر رجل. انه يحمل الأخبار المستجدّة عن إمبراطورية اسبانيا الشاسعة والموشكة على الأفول عندما كان فيلاسكيز يرسم لوحته.
    الملك الاسبانيّ فيليب الرابع كان من المفترض أن يكون سعيدا بهذا البورتريه العبقريّ والمفاهيميّ المبتكر. أما فيلاسكيز فقد أمطرت عليه السماء أوسمة ومكافآت من كلّ صوب.
    غير أن هذه اللوحة تجرح نسيج الواقع ووهم الهويّة من خلال لعبة المرايا التي وظّفها الرسّام ببراعة. هل الملوك والملكات يوجدون فقط في أعين الآخرين؟ وإذا كان هذا يصدق على الملوك، فمن نكون نحن؟ أنت وأنا والآخرون؟!
    فيلاسكيز ينظر إلينا من اللوحة بأدب وانضباط وبكثير من الصرامة. ذات مرّة، كتب الناقد الفرنسيّ ميشيل فوكو دراسة عن هذه اللوحة قال فيها إن النظرة الفولاذية للرسّام تحيل كلّ شيء آخر في الصورة إلى خواء.
    ترى ألم يلاحظ فيليب كيف شُوّهت ملامحه؟ صورته المنعكسة مع الملكة في المرآة الخلفية تبدو متلاشية وشبحيّة. لقد كان فيلاسكيز ببساطة يمسك بمرآة ليعكس من خلالها أوقاتا عصيبة. فقد كانت اسبانيا آنذاك تمرّ بحالة انهيار في كلّ شيء، وكان فيليب يدرك هذا جيّدا.
    هل يكون هذا هو السبب في أن الملك أمر بأن توضع اللوحة في غرفته الخاصّة وبعيدا عن الأنظار؟ المملكة التي كان فيليب يحكم أراضيها من بيرو إلى هولندا كانت تتضعضع شيئا فشيئا مع انعدام الأمن وتفشّي الفقر واندلاع الثورات في أطرافها. وربّما هذا هو السبب في أن وجه الملك يبدو حزينا مكفهرّا.
    إنها حقيقة مذهلة عن عالم كلّ شيء فيه له وجهان، وكلّ حقيقة هي في نفس الوقت كذبة، وكلّ مرآة هي تذكير قاسٍ بتقلّبات الزمن.
    عاش فيلاسكيز قريبا من الأحزان والمفارقات في القصر. وكثيرا ما تكون لوحات الرسّامين العظام شهادات على الواقع وعلى الخرائط السياسية الضائعة أو المتغيّرة. وهنا في هذه اللوحة، تتجمّع أشباح أسرة هابسبيرغ الملكية من وراء قارّة كاملة.
    إننا كثيرا ما نجد أشياء تجذبنا في بعض الرسّامين وفي لوحاتهم. والأكيد أن الوقت الذي نقضيه بصحبة دييغو فيلاسكيز ليس بالوقت الضائع أبدا.

    Credits
    diegovelazquez.org
    velazquezlasmeninas.com