:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, April 03, 2010

رماد وثلج


يعتمد موضوع فيلم رماد وثلج على حكاية خيالية عن رجل قام برحلة حول العالم استغرقت عاما كاملا. وكان أثناء ترحاله يبعث برسالة إلى زوجته كلّ يوم من أيّام السنة.
وعلى مدار الفيلم، تُتلى أجزاء من تلك الرسائل على ألسنة الرواة الثلاثة في الفيلم باللغات الانجليزية واليابانية والاسبانية.
هذا الفيلم لا يحكي عن قصّة. كما انه ليس فيلما وثائقيا بالمعنى المعروف. بل يمكن اعتباره سردا صوريا يحاول المخرج غريغوري كولبيرت من خلاله استكشاف التفاعلات المتناغمة والحساسيات الشاعرية المشتركة بين البشر والحيوانات.
كما يهدف الفيلم إلى رفع الحواجز الطبيعية المصطنعة بين الإنسان وغيره من المخلوقات وإذابة المسافة التي تفصل بينهما.
الصور في الفيلم لها بداية وليس لها نهاية. وهي تأخذ لون الأرض وتفتح نوافذ على عالم يتفوّق فيه الصبر والصمت على الزمن. كما أن هذه الصور تثير إحساسا بالخلود والأبدية. ولا بدّ وأن يساورك شعور بأن هذه الصور التقطت منذ مئات السنين.
أما الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم فهم رهبان بوذيون وأفراد قبائل محلية من عديد من البلدان وراقصون. وقد صُوّر الفيلم في كل من الهند ومصر وناميبيا وكينيا وجزر الازور. ووضع موسيقاه التصويرية عدد من ألمع المؤلّفين الموسيقيين في العالم مثل ديفيد دارلينغ وليزا جيرارد ونصرت فاتح علي خان وديوان غاسباريان.

Friday, April 02, 2010

الجمال في عين الناظر

على مدى سنوات، فُتنت بالعديد من اللوحات الفنّية التي منحتني المتعة والبهجة لدرجة أننا أصبحنا، مع مرور الوقت، أصدقاء. وصار من عادتي أن اخصّص بعض الوقت الذي يتوفّر لي في تأمّل لوحاتي المفضّلة.
وبإمكاني القول إن هناك على الأقلّ أربعة أعمال فنّية استطاعت أن تبهرني وتملك كلّ حواسّي. بعضها سأتحدّث عنه هنا بشيء من التفصيل. والبعض الآخر اعتقد انه لا يحتاج لتفصيل أو مزيد شرح. يكفي أنها تروق للعين وتمتّع الحواسّ.
أوّل تلك الأعمال هي لوحة أشجار الحور للرسّام الفرنسي كلود مونيه. هذه اللوحة كانت وما تزال إحدى اللوحات المفضّلة لديّ منذ رأيتها لأوّل مرّة قبل سنوات بعيدة. وقد رسم مونيه عدّة لوحات عن نفس الموضوع في أوقات وحالات جوّية مختلفة.
رأيت هذه اللوحة لأوّل مرّة في احد غاليريهات لندن. كان هناك محاضر يتحدّث عن اللوحة بينما التفّ حوله مجموعة من التلاميذ الصغار. وقد توقّفت وجلست استمع إلى شرح المحاضر الذي كان يتحدّث عن مونيه وكيف انه استطاع أن يمسك في هذه اللوحة بتوتّر الطبيعة بطريقة رائعة ومعبّرة.
هل كان هذا هو السبب الذي دفع مونيه لأن يرسم تلك الأشجار مرّة بعد أخرى؟
ليست لديّ مشكلة في أن يعيد فنّان رسم نفس المنظر أكثر من مرّة. لكن يبدو أن للمؤرّخين والنقّاد وجهة نظر مختلفة. ومن عادة هؤلاء أنهم يميلون إلى الغوص عميقا في الأفكار والمعاني والتفسيرات عند تقييمهم لعمل فنّي ما.
ربّما يجدر فعلا طرح مثل هذا السؤال. اقصد ما الذي يدفع الرسّام إلى إعادة رسم نفس الموضوع. وجوابي عليه يتلخّص في كلمة واحدة واضحة وبسيطة هي التناسق أو السيميترية. اعتقد أن مونيه كان يرسم ما اسماه هوغارث خطوط الجمال، وهي الشكل الذي تأخذه أوراق الخريف في اللوحة. في العام 1753 ألّف هوغارث كتابا بعنوان "تحليل الجمال" اقترح فيه سبعة خطوط وأسمى الرابع منها خطّ الجمال. هذا الخطّ يمكن رؤيته في جميع اللوحات والمنحوتات المتوازنة وهو أحد عناصر الارتباط بين الرياضيات والفنّ.
وأتصوّر أن في هذه اللوحة المذهلة عاملين أسهما في جعلها جذّابة جدّا بحيث يتذوّقها الناظر ويقدّر قيمتها الفنّية والجمالية.




ما هو الجمال وما هو التقدير الفنّي؟ أثناء حديثي مع احد أصدقائي المتخصّصين في البيولوجيا عن تطوّر الدماغ البشري علمت أن دماغ الإنسان يرى الجمال في التناسق. وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن التناسق هو الجمال.
وقد ظهر العديد من الكتب التي تتحدّث عن التناسق في الطبيعة أشهرها كتاب لوكوود بعنوان "منحنيات" وكتاب تومبسون "عن النموّ والشكل".
وهذان الكتابان يغطّيان كلّ شكل من الأشكال التي تطوّرت عبر الزمن، من أصداف نوتيليوس إلى قرون الظباء إلى الجماجم البشرية.
بعد أشجار الحور لـ مونيه، دعوني أتحدّث عن إحدى أجمل اللوحات التي رأيتها. إنها لوحة الرسّام الايطالي أنيولو برونزينو بعنوان فينوس وكيوبيد والحماقة والزمن . عاش برونزينو من عام 1503 إلى 1572 ، وهذا يعني انه ولد في نفس السنة التي أتمّ فيها مايكل انجيلو نحت تمثاله المشهور بيتي توندو أوالعذراء والطفل .
لوحة برونزينو هذه توحي بشيء من الإثارة والايروتيكية. وفينوس في اللوحة هي بالنسبة لي خطّ الجمال. إنها تعبير محكم عن المزج المثالي بين الجمال والتناسق.
العمل الفنّي الثالث هو منحوتة "شكلان بيضاويان" للنحّات الانجليزي هنري مور. ملمح الجاذبية الأوّل في هذه المنحوتة هو التناسق. يقال أحيانا إن الرجال يحبّون النظر إلى النساء اللاتي تتّسم ملامحهن بالتناسق والإحكام. وأغلب الظن أن النساء يتفاعلن مع الرجل الوسيم بنفس الطريقة. وبالمثل، فإن تقديرنا للعمل الفنّي محكوم بمدى التناسق والإحكام فيه. وليس من المستغرب أن مفردة "وسيم" في القاموس تشير إلى الإنسان ذي الملامح المنتظمة والدقيقة.
العمل الرابع هو لوحة الرسّام الياباني كاتسوشيكا هوكوساي بعنوان الموجة الكبيرة . رأيت هذه اللوحة لأوّل مرّة منذ سنوات عندما ذهبت لرؤية معرض للوحات هوكوساي أقيم في المتحف البريطاني.
"الموجة الكبيرة" ظلّت دائما مصدر متعة بالنسبة لي. وهي من اللوحات الأولى التي أتصوّر أن الكثيرين منّا رأوها في سنيّ طفولتهم المبكّرة. اللوحة صغيرة نسبيا وعرضها لا يزيد عن خمسة عشر إنشاً. لكن قوّتها هائلة وتأسر خيال الإنسان. وأظنّ أن هذا حال معظم الناس الذين رأوها. على أن العنصر الذي يشدّني أكثر من سواه في هذه اللوحة هو منظر الموجة نفسها. ثم هناك منظر الصيّادين الذين يتابعون تكسّر الموجة التي تأخذ شكل مخالب ضخمة تحاول الإطباق عليهم. "مترجم بتصرّف".

Wednesday, March 31, 2010

عندما تتحوّل الصورة إلى أيقونة

في تاريخ الفنّ العالمي، لا يوجد سوى عدد قليل من الصور التي استطاعت أن تتبوّأ مكانة الرموز والأيقونات الثقافية. على رأس هذه القائمة تأتي الموناليزا لـ ليوناردو دافنشي والصرخة لـ إدفارد مونك والقوط الأمريكيون لـ غرانت وود. وكلّ هذه الصور تمّ استنساخها وطباعتها عددا لا يُحصى من المرّات وبمختلف الأساليب والأشكال.
لكن كيف تصبح الصورة أيقونة؟
في كتابه "القوط الأمريكيون" يتعقّب المؤرّخ في هارفارد ستيفن بيل التاريخ الثقافي للوحة غرانت وود المشهورة والتي تصوّر مزارعا من آيوا وزوجته "أو قيل ابنته".

كلّ شخص تقريبا يعرف هذه الصورة من خلال عمليات الاستنساخ والمحاكاة الساخرة التي خضعت لها، رغم أن القليلين يعرفون الكثير عن اللوحة الأصلية.
وعندما عرض ستيفن بيل هذه اللوحة على 59 شخصا، تعرّفوا عليها جميعا. لكن 31 فقط منهم عرفوا اسمها وخمسة فقط تذكّروا اسم الفنان الذي رسمها.
بدأت قصّة "القوط الأمريكيون" في كوخ صغير ابيض. رأى غرانت وود الكوخ من نافذة سيّارته ذات يوم من أغسطس عام 1930 ثمّ قرّر أن يرسمه. كان الكوخ مبنيّا على الطراز القوطي الذي شُيّدت به الكاثدرائيات الأوربية. وقد استعان بأخته "نان" كموديل للمرأة التي ترتدي ملابس متزمّتة وترتسم على وجهها نظرات حادّة. واختار للرجل ملامح صديقه طبيب الأسنان بايرون ماك كيبي الذي يقف مرتديا سترة سوداء وقميصا بلا ياقة بينما يمسك في إحدى يديه بمذراة ذات ثلاث شوكات. واقع الحال أن وود صمّم كلّ عنصر في اللوحة على حدة. ولم يحدث أبدا أن وقفت المرأة والرجل معا أمام البيت.
في العام 1930 قرّر وود أن يشارك باللوحة في مسابقة نظّمها معهد شيكاغو للفنون. وقد رفضها القضاة على أساس أنها "هزلية وتافهة". لكن احد رعاة الفنون حثّهم على إعادة النظر في حكمهم، فمنحوا اللوحة المركز الثالث ونال عنها وود ثلاثمائة دولار. وفي ما بعد، اقنع الرجل معهد شيكاغو بشراء اللوحة وضمّها إلى مجموعته حيث ظلّت فيه إلى اليوم.
وقد اشتهرت اللوحة بسرعة بعد أن نشرتها العديد من الصحف. لكنّ مزارعي آيوا كان لهم رأي آخر. فقد اعتبروا اللوحة كاريكاتيرا سيّئا يصوّر مزارعي الغرب الأوسط على هيئة أفراد متزمّتين دينيّا وذوي وجوه عابسة ومكفهرّة. وقالت زوجة احد المزارعين إن من المفروض أن يُضرب الرسّام على رأسه جزاءً له على ما فعل، بينما هدّدته امرأة أخرى بقضم أذنه!
غير أن غرانت وود أعلن براءته من التهمة وأكّد ولاءه لموطنه آيوا وأصرّ على أن الشخصين في اللوحة ليسا مزارعين بل فردَين من عامّة الشعب. وقد أحسّت شقيقته بالحرج لرسمها مع رجل يكبرها مرّتين فأعلنت أن شقيقها إنما كان يصوّر رجلا وابنته وليس زوجا وزوجته.
بعض النقاد الذين استهوتهم اللوحة في بداية ثلاثينات القرن الماضي، مثل غيرترود ستين وكريستوفر مورلي، افترضوا أنها تسخر من طريقة حياة الناس في المناطق الريفية الأمريكية.
لكنْ بعد بضع سنوات، وبينما كانت أمريكا تغرق في الكساد العظيم، بدأ الناس ينظرون إلى اللوحة بطريقة مختلفة. فلم تعد "القوط الأمريكيون" لوحة ساخرة بل أصبحت تعبيرا احتفاليا عن الوطنية الأمريكية والأفكار الشعبوية. وقد أشاد بعض النقاد بالمزارع وزوجته باعتبارهما تجسيدا للفضيلة الأمريكية وروح الروّاد. وقال احدهم معلّقا إن الديمقراطية الأمريكية بُنيت على أكتاف رجال أشدّاء ونساء ذوات عزيمة مثل اللذين يظهران في اللوحة.
وساهم غرانت وود في انتشار هذه القراءة الايجابية الجديدة للوحة عندما أعلن براءته من ماضيه البوهيمي في باريس وأعاد تعريف نفسه كفنّان أمريكي أصيل ومخلص. وقد أكّد هذا بقوله إن جميع الأفكار الجيّدة اكتسبها عندما كان يرعى ويحلب الأبقار في الحقول.
وأثناء حقبة الكساد الاقتصادي العظيم أصبحت "القوط الأمريكيون" صورة للهويّة الأمريكية الأصيلة. وبعد وقت قصير ظهرت أوّل محاكاة ساخرة للوحة. ففي عام 1942 نشر المصوّر غوردون باركس صورة تحمل نفس اسم اللوحة وتظهر فيها عاملة نظافة سوداء وهي تقف إلى جوار مكنستها الطويلة وخلفها علم أمريكي ضخم.
ومنذ ذلك الحين ظهرت صور عديدة تحاكي اللوحة بطريقة ساخرة واستخدُمت في المسارح ودور السينما وحملات التسويق والبرامج التلفزيونية.
لكن ما الذي يجعل "القوط الأمريكيون" لوحة متميّزة بحيث تترك انطباعا لا يمكن محوه بسهولة؟
جزء من الإجابة عن هذا السؤال يكمن في الغموض المتأصّل للصورة. هل تتضمّن اللوحة هجاءً لسكّان الريف أم أنها تحتفي بهم؟ الرسّام غرانت وود نفسه لا يبدو متأكّدا من هذا الأمر. وقد قال ذات مرّة: في اللوحة سخرية، نعم، لكنْ بالقدر الذي توجد فيه سخرية في كلّ شيء في الواقع. لقد صوّرت في اللوحة بعض أنماط البشر الذين عرفتهم طوال حياتي وحاولت بصدق أن اجعلهم يبدون كما هم في الحياة الواقعية.
لكن السرّ في الجاذبية المستمرّة لهذه اللوحة ليس موضوعها أو غموضها الكامن، وإنما شكلها، وعلى وجه الخصوص الطريقة القويّة والصاخبة التي يواجه فيه الشخصان الناظر.
لنتذكّر الصور الايقونية الأخرى في تاريخ الرسم. الموناليزا، الصرخة، مارلين، وصورة الأمّ المهاجرة لـ دوروثيا لانغ. كلّها تصوّر أشخاصا يواجهون الناظر بشكل مباشر، تماما مثل صور القدّيسين في الايقونات المسيحية التي تعود للقرون الوسطى.
تمثيل الأشخاص بهذه الطريقة يجعل صورهم محفورة في ذاكرتنا كالبصمة ويخلع عليهم قدرا من الأصالة والقدوة. وقد كان المسيحيون الأوائل يعتقدون بأن اللوحات الايقونية عبارة عن بوّابات تمكّن الناظر من الاتصال مباشرة مع الشخصيات المقدّسة التي تصوّرها.
والصور الايقونية الحديثة، مثل "القوط الأمريكيون" ما تزال تحتفظ ببعض مظاهر القداسة، بمعنى أنها ترتبط بشيء ما أكبر، وهو في هذه الحالة الذاكرة الجمعية لثقافتنا الحديثة التي تشكّل الصورة عنصرا مهمّا وأساسيا فيها.

Tuesday, March 30, 2010

أفق الكتابة

ينبغي أن يتمتّع الكاتب بدقّة الشاعر وخيال العالم. أكتب دائما مثل روائي متميّز وأتكلم مثل طفل. لا شيء ينعش ذكريات الماضي مثل رائحة مرتبطة به. القارئ الجيّد لا يتماهى مع الشابّ أو الفتاة في الرواية، وإنما مع العقل الذي أنشأها. الصفحات ما تزال بيضاء، لكنْ ثمّة شعور غريب بأن الكلمات هناك، إنها مكتوبة بحبر خفيّ، وهي تتململ وتصرخ كي تكشف عن نفسها. إن تحويل رواية إلى فيلم سينمائي يشبه رسم سلسلة من الاسكتشات للوحة أنجزت ووُضعت داخل إطار منذ وقت طويل.
- فلاديمير نابوكوف، روائي روسي

لا استطيع أن امشي في ضواحي المدينة وسط هدوء وعزلة الليل دون أن أفكّر في المتعة التي يمنحنا إيّاها الليل بحجبه كلّ التفاصيل الساكنة، تماما مثلما تفعل ذاكرة الإنسان.
- جورجي لويس بورخيس، روائي أرجنتيني

كانت لي يدان ناعمتان، وكانّ علي أن أجد مهنة خاصة؛ عملا لا يدفعني للابتعاد عن السماء والنجوم ويسمح لي باكتشاف معنى الحياة.
- مارك شاغال، رسّام فرنسي من أصل روسي

عزيزي الله: لم اكتب إليك منذ زمن. وحاليا أنا منشغل بتنظيف آثار ما فعلتَه هنا في هاييتي حيث أشارك في عمليات الإغاثة بعد الزلزال. كلّ شيء هنا خراب ودمار. أنت لم توفّر شيئا أبدا. "بورت اوبرنس" سُوّيت بالأرض، وأكوام الجثث والأنقاض تنتشر في كلّ مكان. مهمّتنا الآن أن نحفر المزيد من القبور كي تستوعب الأعداد المتزايدة من القتلى الفقراء. دعني أوضّح لك شيئا دون مداراة أو لبس: أنا غاضب منك! إن كنتَ أنت من فعل كلّ هذا الخراب فدعني أقول لك إنك مخطئ. إننا نعيد بناء ما تدمّر وأنت ما زلت مختفيا عن الأعين ولا تفكّر حتى في إظهار نفسك. هاييتي ليست اختبارا لإيماننا بل اختبار لسموّك وكرمك.
- اوساجيفو سيكو، قسّ أمريكي من أصل إفريقي

الموت لا يخيفني، بل أراه احد الواجبات التي ينبغي عليّ أن أعجّل بها. وكثيرا ما أقول لزوجتي: لقد اطلنا المقام في هذه الدنيا". وهذا شعور صادق وصحيح. ولا يحتاج إلى برهان منّي القول بأننا جميعا ميّتون. وأنا لي رأي كتبته في الكثير من أعمالي وهو انه يكفينا أن نعيش فترة معيّنة لنذوق جميع ما يُذاق ونمارس جميع ما يُمارس ثم نعود من حيث أتينا. وإذا كان ولا بُدّ، فلنعد جميعا سالمين وصاحين. أؤمن كذلك بأن هناك علاقة ما، نداءً ما، بين الكائن والتراب، بين الطبيعة بكلّ مكوّناتها. ولهذا عندما نقول إن الموت ساعة وقدر، بقطع النظر عمّا جاءت به الأديان والميثولوجيا، يمكن تقديم تفسير علمي بأن هناك نداءً بين خلايا دماغ الإنسان وخلايا جسده وبين مكوّنات الطبيعة الأخرى، مثلما هناك حوار بين الأشجار والكلمات كما يؤكّد العلم الآن.
- الطاهر وطّار، روائي جزائري

أحيانا يتطلّب الأمر أن تجري بأقصى طاقتك، فقط كي تظلّ في نفس المكان.
- لويس كارول، روائي انجليزي

نستطيع أن نرفض كلّ شيء: الدين، الايديولوجيا وكلّ الحكمة المستقاة. لكن لا نستطيع أن نهرب من ضرورة الحبّ والعاطفة. هذا هو ديني الحقيقي، ديني البسيط. وبهذا المعنى، ليست هناك حاجة لمعبد أو كنيسة أو دار عبادة. لا حاجة للفلسفة المعقّدة أو العقائد أو الدوغما. قلب الإنسان وعقله هو معبده. العقيدة هي العاطفة، حبّ الآخرين واحترام حقوقهم وكراماتهم بغضّ النظر عمّن يكونون. هذا هو ما نحتاجه كبشر. وطالما أننا نطبّق هذا في حياتنا اليومية ونتصرّف بانضباط وبروح مسئولة، فلا شكّ أننا سنغدو سعداء.
- تينزين غياتسو، راهب بوذي

الفنّانون أمثال باخ وبيتهوفن شيّدوا معابد فوق الذرى. وكلّ ما أريده هو أن ابني للناس منازل بسيطة على الأرض يحسّون فيها بالسعادة وراحة البال.
- ادفارد غريغ، موسيقي كلاسيكي نرويجي

الرسم ذو خاصّية شعرية خالصة، بينما النحت أكثر ارتباطا بالمنطق وبالعلم.
- داميان هيرست، فنان بريطاني

أخشى من جيش من الخراف يقودهم أسد، أكثر من خشيتي من جيش من الأسود يقودهم خروف.
- شارل تاليران، ديبلوماسي وسياسي فرنسي

ليس لديك فكرة كم هو صعب العثور على هديّة لتقديمها لك. لا يبدو أن هناك شيئا مناسبا. ما الفائدة من إحضار ذهب إلى منجم للذهب؟ أو جلب ماء إلى محيط؟ كل ما توصّلت إليه كان أشبه ما يكون بأخذ التوابل إلى الشرق. ليس من الجيّد أن أمنحك قلبي وروحي. لأنك تملكهما فعلا. انظر إلى نفسك وتذكّرني.
- جلال الدين الرومي، متصوّف مسلم.

ليس نوم العقل هو ما يوقظ الوحوش، بل العقلانية والتزام الحذر وعدم النوم.
- فيليكس غوتاري، فيلسوف فرنسي

المعجزة ليست في أن تطير في الهواء أو أن تجري فوق الماء، بل في أن تمشي على الأرض.
- مثل صيني

Sunday, March 28, 2010

فنّ الحرب

لم يكن الفنّان الفرنسي جاك لوي دافيد شخصا مسالما أو داعية للسلام. لكنّ هذه اللوحة الملحمية عن الصمود الأخير لأهل اسبارتا ليست مجرّد تمجيد للحرب.
قائد الحرب يجلس ساكنا وسط حشد من الجنود في لوحة دافيد ليونيداس في معركة ثيرموبيلي. وهي لوحة ضخمة لدرجة أنها قد لا تثير اهتمام احد لولا شخصية الملك الاسبارتي الذي يحدّق بعيدا عن الدراما التي تجري من حوله. انه ينظر إليك مباشرة وكأنه يقودك إلى داخل أجواء الرعب والحذر اللذين تصوّرهما اللحظة.
هذه اللوحة تصوّر الوقفة الأخيرة لأهالي اسبارتا في معركة ثيرموبيلي عندما كان جيش تلك الدولة اليونانية الحربية يضحّي بنفسه لإبطاء تقدّم الجيش الفارسي عبر ممرّ جبلي ضيّق. لم يكن الاسبارتيون يؤمنون بالتراجع. والنصب التذكاري الذي أقاموه في ما بعد تخليدا للمعركة يسجّل تمسّكهم بالشرف العسكري.
في أواخر القرن الثامن عشر، رسم جاك لوي دافيد الذي تسيطر على عقله النزعة البطولية مناظر من التاريخ الروماني القديم. وقد ساعدت تلك الصور التي تمجّد التضحية في سبيل الوطن في صياغة عقلية الثورة الفرنسية. وخلال سنوات الثورة، دافع الرسّام عن المجرم المتعصّب مارات الذي كان مسئولا عن ما عُرف بعهد الرعب الذي سُفكت خلاله دماء الكثير من الأبرياء. وعندما مات، نعاه دافيد بلوحة مشهورة صوّر فيها حادثة مقتله. وفي ما بعد أصبح دافيد الفنان الرسمي لـ نابليون. ثم شارك هو وأتباعه وتلاميذه في مديح حكم نابليون وتمجيد غزواته وحملاته العسكرية الكثيرة.
غير أن رؤية دافيد لمعركة ثيرموبيلي لم تكن مجرّد تمجيد سطحي للحروب. فبينما يستعدّ أبطال اسبارتا للتضحية بحياتهم في سبيل وطنهم، يقف ملكهم ليونيداس وهو يحدّق في الفراغ ويُعمل تفكيره. هل اللوحة تصوير للشكّ؟ يبدو ليونيداس وكأنه يتساءل ما إذا كان قد اتخذ القرار الصائب بخوض الحرب أو ما إذا كانت قوانين اسبارتا صحيحة. هل يفكّر هذا الملك في المجد الذي ستسجّله له صفحات التاريخ وهي تتحدّث عن تلك المعركة باعتبارها ذكرى خالدة؟
الحرب هي احد المواضيع الدائمة في الفنّ. لكننا لا ننجح في فهمها إذا حاولنا تفسيرها من منظور أفكارنا وايديولوجياتنا الخاصّة. ومنذ غورنيكا بيكاسو، فإن الفنّ المحترم الذي صوّر الحرب كان فنّا مضادّا للحروب دائما. لكن في وقت سابق من التاريخ، كانت الحروب والمعارك تستثير مشاعر أكثر تعقيدا أو أكثر صدقا.
السينما ما تزال صادقة وأمينة في تصويرها للحرب. فهي تنظر إلى الحروب كقصص جيّدة، وكواقع رهيب أيضا. ورسّامو المواضيع التاريخية في الماضي كانوا يتبنّون هذا النوع من التفكير. فالحروب هي بطولة ورعب في نفس الوقت، لدرجة أن ليونيداس يبدو في اللوحة وهو يتأمّل ميدان معركته التي كان مقدّرا له أن يخسرها.
في العام 480 قبل الميلاد، انتصر الفرس على اليونانيين في معركة ثيرموبيلي. وفي نفس تلك السنة، زحف الفرس على أثينا وأحرقوها وساووها بالأرض، لكن بعد أن أخليت من سكّانها.
بعد مقتل ليونيداس، حاول الاسبارتيون استعادة جثّته لكنّ محاولاتهم تلك باءت بالفشل. وبعد أربعين عاما من موته أمكن استعادة رفاته وأعيد دفنها. ويقال انه مات صلبا أو قُتل بقطع رأسه بناءً على أوامر من قائد الجيش الفارسي.
أكمل دافيد اللوحة عام 1841، أي في السنة التي تنازل فيها نابليون عن العرش. واللوحة تقدّم تعبيرا قويّا عن معرفة الذات وعن حزن وأسى الجنود جرّاء ما قد تؤول إليه محصّلة الحرب.
غير أن هذه اللوحة ليست لوحة مسالمة. فبعد وقت قصير سيعود نابليون إلى الحكم وسيتوجّه هو وأتباعه إلى ووترلو "للتضحية بأنفسهم في سبيل الوطن"، تماما كما فعل الاسبارتيون.
- جوناثان جونز "مترجم بتصرّف"