المشاركات

عرض المشاركات من يناير 11, 2026

عن الهويّة وطبيعة الأشياء

صورة
سفينة ثيسيوس، أو مفارقة ثيسيوس، هي تجربة فكرية تطرح تساؤلا حول ما إذا كان الشيء الذي استُبدلت جميع أجزائه يبقى هو نفسه في جوهره. وأصل هذه الفكرة ما ذكره المؤرّخ بلوتارك الذي أشار الى أن السفينة التي عاد بها ثيسيوس وبعض شباب أثينا من جزيرة كريت كانت تحتوي على ثلاثين مجدافا. وقد حافظ الأثينيون على السفينة حتى زمن فاليريوس، إذ كانوا يزيلون الألواح القديمة عندما تتحلّل ويضعون مكانها أخشابا جديدة وقويّة، لدرجة أن هذه السفينة أصبحت مثالا يُحتذى بين الفلاسفة، حيث طرحوا سؤالا فلسفيا اختلفوا في الإجابة عنه يقول: مع كلّ التغييرات التي طرأت على السفينة عبر أجيال وعلى مرّ مئات السنين، هل ظلّت السفينة كما هي بعد أن استُبدلت بالكامل قطعة قطعة، أم أنها لم تعد كما كانت وأصبحت سفينة أخرى؟! الفيلسوف اليوناني هيراكليتس حاول حلّ هذه المفارقة بطرح فكرة نهر يتجدّد ماؤه وتتدفّق منه مياه مختلفة، وقال إن من يخطو في النهر نفسه لا يخطو فيه مرّتين لأن مياها جديدة تتدفّق في مجراه باستمرار. السؤال الفلسفي الذي طرحه بلوتارك طوّره بعد قرون الفيلسوف الانغليزي توماس هوبز الذي تساءل عمّا سيحدث إذا جُمعت ال...

نصوص مترجمة

صورة
يموت 43 بالمائة من الرجال خلال ثلاث سنوات من تقاعدهم، ليس بسبب التقدّم في السن، بل لاكتشافهم أنه لا وجود لشيء في حياتهم سوى للوظيفة. ما يحدث هو أنك تعمل لـ 25 عاما، وتحصل على ساعة ذهبية، ثم تتلقّى الرسالة الأخيرة من الشركة أو الادارة: الفراغ. أوّل كذبة كبيرة تُعلّم في رياض الأطفال: يجب أن يكون لديك هدف في الحياة، أن تكون شخصا مميّزا، وأن تترك بصمة". الطموح صفقة خاسرة تقايض بها حياتك الحالية بمجد مستقبلي وهمي. وذلك المستقبل لا يأتي أبدا. الوظيفة التي تكرهها تسرق أعواما من عمرك. الرؤساء والزملاء السامّون يسلبونك أعواما أخرى. و"التركيز" يزيد من احتمال موتك المبكّر بنسبة 50 بالمائة. وفي النهاية، تقايض حياتك بسيرة ذاتية لن يقرأها أحد أبدا وشاهدِ قبرٍ مكتوب عليه "مهني محترم". الطموح هو أرخص مخدّر في الرأسمالية، و"الناجحون" هم ببساطة زبائنها المخلصون للصيدليات. الاكتئاب ليس عيبا؛ إنه جهاز مناعة الروح عندما تتفاعل مع بيئة سامّة. لكننا نسمّي هذا "حياة طبيعية": كره يوم الاثنين، والعدّ التنازلي للجمعة، والموت في سنّ الخامسة الستّين. طول ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
قضى الكاتب شتيفان تسفايغ حياته كلّها تقريبا هارباً: من الحرب العالمية الأولى إلى سويسرا، ومن فرقة الإعدام عبر القنال الإنغليزي، ومن لندن المدمّرة إلى أمان مدينة باث الريفية، ومن تهديد هتلر بغزو إنغلترا إلى الولايات المتحدة، ومن دخول روزيفلت الوشيك في الحرب إلى البرازيل. بل لقد هرب أيضا من ريو إلى منتجع جبلي برازيلي، ومن هناك لم يعد ثمّة مجال آخر للهروب، فترك رسالة انتحار تشبه أسلوب كتابته السلسة والمهذّبة والمنمّقة. كانت الرسالة في الواقع أشبه بخطاب قبول جائزة أوسكار منها الى رسالة انتحار. تسفايغ يوصف أحيانا بأنه أشبه بمشروب شعبي في عالم الكتابة النمساوية. تحوّلت كتبه إلى أفلام، ثمانية عشر فيلما بالتحديد. وهذا منطقي، فهي أعمال افتراضية خالية من المشاعر ومتكلّفة وأشبه بنصب تذكارية، كُتب أُلّفت للطبقة البرجوازية لتثري بها نفسها أو لتثير الرعب. وقد حوّلتها هوليوود إلى واقع، كي تضفي عليها تعابير ووجوها وأجسادا وحوارات لتجرّدها من بعض طابعها المسرحي المبالغ فيه. بحلول نهاية عشرينات القرن الماضي، أصبح تسفايغ من أكثر المؤلّفين ترجمة في العالم، وحظي بشعبية جماهيرية واسعة. يقول نا...