:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, April 20, 2006

عيسى وموسى وكريشنا

"يجب أن يعترف المسلمون بكريشنا كنبيّ مرسل من الله".
هذا الاقتراح المثير للاهتمام طرحه منذ أيام كي اس سودارشان زعيم حزب راشتريا سانغ القومي الهندوسي.
وقد علّل سودارشان اقتراحه ذاك بالقول إن من شأن مثل ذلك الاعتراف أن يخفّف من توتّر العلاقات بين المسلمين والهندوس في الهند، ويولّد مناخا من الثقة والتقارب بين الطائفتين.
ومنذ يومين نشرت جريدة خليج تايمز تعليقا كتبه صحفيّ هندي مسلم أثنى فيه على أفكار الزعيم الهندوسي وأورد بعض المبرّرات التي قال إنها تسند ذلك الاقتراح والاهم أنها لا تتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم.
اللافت للانتباه أن سودارشان قال انه يكفي أن يعتبر المسلمون كريشنا مجرّد نبيّ وليس إلها كما يعتقد الهندوس.
الكاتب الهندي أشار أيضا إلى بعض الآيات التي تذكر إحداها أن القرآن الكريم لا يتضمّن جميع قصص الأنبياء "منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص" ، وقال إن الهند هي إحدى اكبر واقدم الحضارات الإنسانية وليس من المعقول ألا يكون الله قد أرسل بعض أنبيائه لهداية الهنود، خاصة أن الهندوسية ومن ثمّ البوذية التي خرجت من رحمها، جاءت قبل الإسلام بحوالي ألفي عام.
بل إن الكاتب ينقل عن الدكتور ظهور الحق الذي سبق وأن ترجم القرآن الكريم قوله إن النبيّ ذا الكفل المذكور في القرآن ليس سوى بوذا نفسه. فمفردة ذو تعني ساكن المكان، والكفل مشتقة من كلمة كابيل Kapil وهي اسم المكان الذي ولد فيه غوتاما بوذا.
وبما أن كل نبيّ أرسل إلى قومه بلغتهم فليس ثمّة من سبب يدفعنا للاعتقاد باستحالة أن يكون نبيّ قد أرسل إلى الهنود في زمن ما متحدّثا بلغتهم أي السنسكريتية.
كما أن خلوّ القرآن من أية إشارة إلى نبيّ هندي لا يقلّل من احتمال أن يكون الله قد أرسل فعلا مثل هذا النبيّ في زمن من الأزمنة.
ويختم الكاتب ملاحظاته بالقول إن تأثير مثل هذا الاقتراح فيما لو تحقّق هو تأثير سايكولوجي بالدرجة الأولى، لكنه قد يكون خطوة مهمّة على طريق تكريس التفاهم والوئام بين الطائفتين الأكبر في الهند.
شخصيا اعتقد أن اقتراح سودارشان لا يخلو من الوجاهة وسلامة المقصد. مع أن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن اعتراف المسلمين وكتابهم المقدّس بالمسيح وموسى لم يمنع نشوب الحروب والصراعات الدموية بينهم وبين اتباع تلك الديانتين.
لكن هناك من قد يتساءل، ومعه حق، عن المانع في أن يعترف مسلمو الهند بكريشنا كنبيّ للهندوس إذا كان من شأن تلك الخطوة أن تعود بالفائدة على المسلمين في نهاية الأمر.
والحقيقة أنني كثيرا ما فكّرت في سبب إصرار المسيحيين واليهود على عدم الاعتراف بنبوّة محمد (ص) مع انهم ليسوا مطالبين باتّباعه أو اعتناق مبادئه، فلم أجد إجابة منطقية على السؤال. واعتقد أن مثل هذا الموقف، بمعايير العقل الحديث الذي يحترم الآخر ويراعي خصوصيته، لا يمكن فهمه إلا باعتباره شكلا متطرّفا من أشكال الإقصاء ورفض الآخر.
سألت صديقي المشاكس عن رأيه في موضوع اعتراف الأديان كلّ بنبيّ الآخر فقال: لا تشغل نفسك كثيرا بهذا الهراء، فالأديان كلها تمارس التكفير والعنف والإقصاء. ولو اعترف مسلمو الهند اليوم بكريشنا الأسطوري فمن يضمن ألا تتم مطالبتهم غدا بالاعتراف بآلاف الآلهة الآخرين من طيور وبشر وشجر وحجر وبقر. وأضاف: من الأفضل لمسلمي الهند أن يتمسّكوا بالعلمانية ويشدّدوا عليها، إذ أنها هي التي حافظت على وجودهم ووفّرت لهم الحماية ومنحتهم قدرا معقولا من الحرّيات والحقوق. ولولا العلمانية لما كان لهم اليوم وجود في الهند بسبب تطرّف مطاوعة الهندوس وجنونهم".

Tuesday, April 18, 2006

الكتابة بين الاسم الحقيقي والمستعار

أثارت قضيّة القبض مؤخّرا على رباح القويعي أحد كتّاب المنتديات، بتهمة "الإساءة للدين واعتناق أفكار هدّامة"، النقاش من جديد حول ما إذا كان من الحكمة أن يكتب الشخص آراءه في الانترنت ويذيّلها باسمه الحقيقي.
والحقيقة أنني كنت وحتّى وقت الكشف عن الحادثة اعتقد أن رباح اسم مستعار، إذ كان يتعذّر عليّ أن افهم كيف لإنسان أن يكتب باسمه الحقيقي مثل تلك المواضيع الحسّاسة في وسط يعتبر الدين تابو ويجرّم كل من يشتبه، حتى مجرّد اشتباه، في مساسه بالعقائد والقيم الدينية.
ما من شكّ في أن الاسم الحقيقي يدلّ على وضوح صاحبه وجرأته وصراحته، ويصدق هذا على معظم منتديات النقاش غير العربية التي يؤمن مشرفوها أن ما تقوله لا يستحق أن يقال طالما انك لا تستطيع وضع اسمك الحقيقي عليه. لكن الكاتب الغربي يتمتّع بحرّية لا حدود لها ولم يعد الدين في كثير من بلاد الغرب خطّا احمر لا يجوز عبوره أو تجاوزه.
وقد قال لي أحد مرتادي تلك المنتديات انه يندر أن تجد هناك اسما مستعارا وإن وجد فإن مبرّر صاحبه هو أن اسمه الحقيقي مملّ أو انه طويل أو صعب التهجئة. لكن حتّى هذه الجزئية تفرض سؤالا آخر وهو: ترى كيف لمشرف المنتدى أن يميّز دائما بين الاسم الحقيقي والمستعار. هناك حالات يكاد التمييز فيها بين النوعين يصبح ضربا من المستحيل.
صحيح أن الاسم المستعار يحمي صاحبه نسبيا من المساءلة ويمنحه الجرأة على ارتياد المناطق المحظورة في السياسة والمجتمع. لكن التخفّي وراء اسم مستعار قد يغري صاحبه بالإساءة إلى الآخرين وتشويههم والتهجّم عليهم خاصةً إذا كان من النوع الذي ينعدم عنده الضمير ويفتقر إلى الحدّ الأدنى من اعتبارات الأدب والمروءة. وما أكثر هذه الفئة في مواقع الحوار العربية خاصةً في المنتديات التي تحتضن كتّابا تكفيريين أو مهووسين دينياً!
وهناك انطباع سائد بين الناس مؤدّاه أن الأفراد الذين يستخدمون أسماء مستعارة يعتبرون من لابسي الأقنعة، ومعظم الناس لا يثقون في من يلبس قناعا. ومع ذلك فهناك أسباب وجيهة لاستخدام الاسم المستعار وأولّها مجال الأعمال على الإنترنت عندما لا يرغب الشخص أن يعرف الآخرون شيئا عن أنشطته التجارية. والثاني يتعلق بالسياسة والدين، ففي العالم الثالث هناك قيود كثيرة على حرية الفكر والتعبير، الأمر الذي يفرض إغفال الاسم الحقيقي واللجوء لاسم مستعار.
ثم هناك المواضيع الحميمة أو ذات الطبيعة السرّية كالجنس مثلا، فمعظم الناس لا يستطيع الحديث عن هذا الجانب على الملأ لو انه ذيّل كلامه باسمه الحقيقي.
ويصحّ القول أن من أهمّ أسباب ميل بعض الكتّاب نحو التخفّي هو نزعة الخوف من أيّ التزام أدبي أو معنوي قد تفرضه الكتابة. فالكتابة بالاسم الحقيقي يعني الانكشاف أو الإفصاح عن الشخصية بطريقة يستحيل أحيانا العدول عنها أو إصلاح الآثار والنتائج التي قد تجرّ إليها. هنا يوفّر الاسم المستعار لصاحبه فرصة للتراجع إذا وضع نفسه في مأزق، ويحتفظ لنفسه بالخيار في الانسحاب والبدء من جديد باسم مختلف.
وعودا على بدء، فإن قصّة رباح القويعي مع اسمه الحقيقي وما جرّه عليه من متاعب يمكن النظر إليها باعتبارها مثالا نادرا في التسرّع وفقدان الاتزان وعدم التفكير في العواقب. لكن من الناحية الموضوعية يمكن اعتبار القضية تعبيرا حيّا عن حيرة الجيل الجديد إزاء التناقض بين ما يقرؤونه في متون الكتب وما يرونه على ارض الواقع من ممارسات شاذّة وشائنة باسم الدين. وما حدث يدلّ على أن الكبت والتلقين الأعمى وتغييب حريّة الفرد وإرادته وعقله باسم الدين أيضا يمكن أن يتولّد عنه مواقف عكسية تدفع بالإنسان إلى التمرّد ومن ثمّ انتهاج ما قد يراه البعض أكثر المواقف غلوّا وتطرّفا.