:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, January 01, 2011

نوستراداموس جديد أم مجرّد حكواتي ؟


لا أعوّل كثيرا على ما يقوله المنجّمون. ومع ذلك، لم يمنعني من مشاهدة توقّعات ميشيل حايك البارحة وصف شيخ متشنّج له بأنه يسجد للشيطان وأنه كافر مخلّد في النار وو، إلى غير ذلك من الأوصاف الساذجة والعبيطة!
وبداية، لا أؤمن على الإطلاق بمسألة أن هناك بشرا يمكن أن يطّلعوا على الغيب ويكشفوا ما الذي سيقع غدا أو بعد شهر أو سنة من اليوم. هذا كلّه في علم الغيب، والإنسان لا يستطيع بقدراته العقلية المحدودة أن يتطلّع إلى ما هو ابعد من وجوده المادّي المباشر.
ورغم هذا وجدت نفسي استمع إلى توقّعات ميشيل حايك للعام الجديد من باب الفضول ولزوم التسلية. هذا الرجل لاحظت انه يتمتّع أكثر من غيره من المنجّمين بشعبية كبيرة في أوساط العامّة. والبعض يعلق أهمّية على تنبّؤاته لأنه، حسب ما قيل، سبق وأن تنبّأ باغتيال رفيق الحريري وموت الليدي دايانا وانفجار مكوك الفضاء الأمريكي تشالنجر.
واليوم نشرت وكالة الأنباء الفرنسية مقابلة مع حايك ذكرت فيها انه يعيش في ما يشبه العزلة ونادرا ما يعطي مقابلات أو لقاءات. وحايك، الذي كثيرا ما يشاهَد بصحبة طائر ببغاء، يعمل كمستثمر في تجارة العقار ويحتفظ بصداقات مع عدد من زعماء المنطقة والعالم الذين يطلبون مشورته.
وبحسب الوكالة، أشار حايك إلى انه عاد للتوّ من رحلة إلى المملكة العربية السعودية. غير انه التزم الصمت عند سؤاله عن الأشخاص الذين التقاهم هناك. وتتضمّن قائمة زبائنه كلا من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان والأميرة البريطانية دايانا.
في ظهوره البارحة، توقّع حايك حصول الكثير من الأحداث والمتغيّرات في منطقتنا وفي العالم خلال العام الجديد. وأهمّ ملاحظة خرجت بها من المقابلة معه أن حايك ملمّ كثيرا ومتابع بحرص لما يجري في المنطقة من أحداث. وهو يبني تنبّؤاته لما سيحدث على قراءة التطوّرات السياسية ومحاولة رصد مسار الأحداث، تماما كما يفعل قارئ نشرة الأحوال الجوّية. أي أن الأمر في النهاية لا يعدو كونه مجرّد حدس وتحليل ولا يتعلّق بأيّ قدرات ميتافيزيقية أو رؤى خارقة للعادة.
خذ مثلا بعض ما قاله أمس. فقد توقّع أن يُلقي احد رؤساء لبنان الثلاثة كلمة يتأثّر منها المشاهدون. والذي يستمع إلى هذه "النبوءة" لا يساوره شكّ في أن الرئيس المقصود هو سعد الحريري. وبشيء من التخمين والحدس يمكن للمرء أن يربط الكلمة المتنبّأ بها بتطوّرات المحكمة الدولية. وأحد السيناريوهات المتصوّرة والتي لم تعد سرّا يقول إن الحريري سيبادر في إحدى المراحل وبعيد صدور القرار الظنّي إلى الإعلان عن تنازله وعفوه عن المشتبه بهم حرصا على السلم الأهلي واتقاءً لنار الفتنة.
حايك أيضا توقّع ظهور خلايا إرهابية في السعودية. وليس هذا بالاكتشاف الجديد أو المفاجئ. فبين فترة وأخرى يتمّ الإعلان فعلا عن اكتشاف خليّة أو خلايا إرهابية هنا أو هناك.
كما تنبّأ حايك بعدم استمرار تركيبة الحكومة العراقية الحالية، وبأن ويكيليكس ستركّز في العام الجديد على كشف فضائح المصارف والبنوك. السؤال: هل يدخل هذا في باب النبوءات؟ العراق ما يزال بلدا هشّا وكلّ شيء فيه محتمل الحدوث. وصاحب ويكيليكس أعلن على الجزيرة منذ أيّام انه سينشر عددا من الوثائق التي ستتناول أسرار بعض المصارف الأمريكية والغربية. إذن لا نبوءة ولا من يحزنون!
ومن بين توقّعاته الأخرى أن علَما مستحدثا، كما قال، سيرفرف فوق إحدى الدول، وأن زعامة عادل إمام في مصر برسم التهديد!
بالنسبة للتوقّع الثاني أقول: ومن يهتمّ أصلا؟ ثم أيّ زعامة لعادل إمام يحكي عنها الرجل؟ أما بالنسبة للتنبّؤ الأوّل فلا بد وأن حايك يتابع أخبار السودان والاستفتاء الذي سيجري هناك قريبا. والكثيرون يميلون إلى أن يؤدّي الاستفتاء إلى انفصال الجنوب وتأسيس دولة مستقلة بحكومة وعلم جديدين.
وبالتالي، أين هي النبوءة في ما قاله؟
لكنّ احد أهمّ توقّعات حايك اللبنانية هو ذلك الذي قال فيه إن اسم عماد مغنية سيعود مجدّدا إلى الواجهة مترافقا مع جدل سينتهي بنتائج بالغة الحساسية. هذا التوقّع مهمّ فعلا وهو يثبت مرّة أخرى أن ميشيل حايك لا يعلم الغيب ولا يجالس الجان أو يتعاطى السحر، وإنما هو قارئ ذكيّ للأحداث. وقد يكون على علم بما يقال ويتردّد في دهاليز وأروقة السياسة المظلمة ممّا له علاقة بالمحكمة الدولية وأسرار اغتيال الحريري.


Friday, December 31, 2010

قضايا محليّة



حفِل الأسبوع المنصرم بالعديد من النقاشات التي تناولتها الصحف المحليّة وتطرّقت إلى مواضيع بعضها مكرّر ومألوف من نوع: تهنئة المسيحيين بأعيادهم، هل هي حلال أم حرام؟! والرياضية النسائية، تجوز أم لا تجوز؟! وقيادة المرأة للسيّارة، حلال أم حرام؟! والحلال والحرام في الاختلاط وعمل المرأة. بينما ركّز بعض كتّاب الصحف على مواضيع أخرى من قبيل تجاوزات وأخطاء هيئة الأمر بالمعروف والسجال الدائر بين المتشدّدين والليبراليين بالإضافة إلى قضايا التنمية وغلاء الأسعار ومخالفات نظام ساهر وأزمة السكن والفساد وغياب المساءلة. جريدة الحياة نشرت تحقيقا عن جلسات الحوار الوطني المنعقد هذه الأيّام وتطرّقت إلى بعض مداخلات الحضور في ندوة تناولت موضوع التصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية. وقد لفت الانتباه بشكل خاصّ ما قاله الكاتب محمّد زايد الألمعي خلال الندوة. وقد نقلت عنه جريدة الحياة قوله: إن المشكلة الأساسية تتمثّل في وجود طبقة تحتكر الأفكار وتصف من ينتج أفكاراً أخرى بأنه خارج عن الوطن والدين. وهؤلاء يدافعون عن موقع وليس فكرة، وهم لا يترافعون عن أفكارهم بقدر ما يحاولون حماية مؤسّستهم التاريخية الراسخة والشمولية التي تصل في لحظة إلى الفاشية".
وأضاف الكاتب قائلا: هؤلاء يعتقدون أننا نقتحم هذه الامتيازات، وأننا أصبحنا منافسين لهم على ذهنية العامّة الذين يسيطرون عليهم من خلال منبر المسجد والفتيا وعبر الوجدان الديني نفسه. فهم يريدون أن يحتكروا هذه المؤسّسة على حساب المثقّف، أي أن النخبة لديهم نخبة دينية فقط". وقال الألمعي أيضا: إننا لا نجلس لكي نتصالح ونتوافق بل نجلس لأن بيننا خلافا ونعمل على ترسيخ هذه الآلية، إذ إن التنوع قوّتنا ومن خلاله سنمحو مرحلة من الشمولية والأحادية والمركزية لصالح التعدّدية والليبرالية والديموقراطية الحقيقية في التفكير والمعطيات والمشاريع".
وعن اختلاف مفهوم الوطنية والدين الذي كان واضحاً في مشاركات المتحاورين قال الألمعي: إن الدين لله والوطن للجميع. الدين هو أديان بعددنا، وبعدد أفكارنا وتوجّهاتنا، لكلّ منّا تأويلاته وفهمه للدين وفق خصوصيته الفكرية".
جريدة المدينة نشرت مقالا للكاتب انس زاهد تطرّق فيه إلى موضوع الفساد وغياب المساءلة فقال: الذي تسبّب في كارثة الأسهم فأضاع مدّخراتنا وأغرقنا في بحر عميق من الديون هو نفسه الذي تسبّب في كارثة جدّة وأغرقنا في شبر ماء العام الماضي. والذي تسبّب في هاتين الكارثتين هو نفسه المسئول عن كارثتي تفشّي الفقر وارتفاع نسبة البطالة، بالإضافة إلى تدنّي مستوى الخدمات والمرافق العامّة، والحالة المزرية التي وصلت إليها بنيتنا التحتية". وأضاف الكاتب: إن جميع هذه القضايا لم تُسجّل ضدّ مجهول كما يعتقد الكثيرون. فالفاعل معروف وقد تمّت تسميته وإدانته غيابيا أكثر من مرّة، لكن دون أن يستطيع أحد العثور على مكانه. إنه الفساد الذي لا يزال يواصل هروبه الناجح من وجه العدالة".
وختم الكاتب مقاله بالقول: الفساد ليس له أب، لأن الجميع يتنصّلون من إعلان أيّ صلة رسمية به. الفساد له عدد مهول من الأبناء الذين يحترفون التخريب. ولا يمكن استئصال سلالة الفساد دون معرفة الأصل الذي انحدر منه كلّ هذا الكم من المفسدين".
بعض الصحف نقلت أجزاءً من محاضرة ألقاها الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك بداية هذا الأسبوع وتنبّأ فيها بأن دول الخليج ستتحوّل خلال السنوات السبع القادمة إلى الحديث باللغة الإنجليزية، بالنظر إلى أن 80 بالمائة من سكّان الخليج لا ينطقون بالعربية. وقد حذّر بن تنباك في المحاضرة من أن منطقة الخليج العربية ستصبح خلال السنوات السبع القادمة خليطاً غير منتمٍ إلى لغة بعينها، وسيلجأ سكّانه متعدّدو الجنسيات والثقافات إلى لغة وسيطة للتواصل بينهم وهي الإنجليزية".
كما تناولت الصحف محاضرة أخرى ألقاها الناقد الدكتور عبدالله الغذّامي ووصف فيها الليبرالية السعودية بأنها "عاجزة وضعيفة وبلا هدف". وقد أثار كلام الغذّامي ردود فعل كثيرة ومتباينة. اللافت أن تعليقات بعض الكتّاب الليبراليين على كلام الغذامي كانت عنيفة وقاسية. فقد أعاد بعضهم إلى الأذهان ما قاله الشاعر ادونيس منذ سنوات عندما وصف الغذّامي بأنه لا يقدّم خطاباً ثقافياً يستحقّ المتابعة وهو ليس أكثر من "إمام مسجد" لا يزال يعيش في الإطار التقليدي للتفكير. ورأى كتّاب آخرون أن الغذّامي بكلامه تحوّل بقدرة قادر إلى شخص يستمتع بهتافات الحركيين الصحويين من خلفه بعد محاضرته عن الليبرالية.
وخلال هذه الأسبوع أيضا انشغلت الصحف بقصّة المدرسة التي قام مسئولوها بتغيير اسمها من "مدرسة حاتم الطائي" إلى "مدرسة حاتم" فقط، على أساس أن حاتم الطائي كان جاهليا وكافرا! وعلّق مقال افتتاحي بجريدة الوطن على الموضوع بالقول: القضية اليوم ليست قضية مدرسة فقط أو إدارة تربية وتعليم في منطقة ما. القضية قضية هويّة وتاريخ وثقافة يريد البعض طمسها بحجج واهية. وهؤلاء ينطلقون من منطلق ديني محرّف ومشوّه وتلاقي دعواتهم وادعاءاتهم تجاوباً من البسطاء سواءً في وزارة التربية أو غيرها من الوزارات". وأضافت الصحيفة: إن الأيديولوجيا تعمي أصحابها عن كلّ ما هو أصيل وجميل وتنسف في طرفة عين ثقافة وهويّة ترسّخت على مرّ القرون. ومن المؤسف حقّا أن تحوي أروقة التربية أشخاصا يحملون مثل هذا الفكر. ومؤسف أيضا ألا يُكشف إلى الآن المتسبّب الحقيقي في مثل هذا التعدّي الواضح على تاريخ منطقة".
هيئة الأمر بالمعروف كانت هي الأخرى حاضرة بقوّة في تعليقات الصحف هذا الأسبوع من خلال واقعتين: الأولى إقدام احد منسوبي الهيئة على طعن مواطن في احد الأسواق ومخاطبته بألفاظ تخدش الحياء أمام الناس أثناء تسوّقه برفقة زوجته بحجّة أن الزوجة لا تغطّي عينيها! وعندما عُرضت القضية على احد القضاة حكم على الشابّ بالجلد 30 جلدة بعد أن وجّه إليه تهمة مضايقة النساء في مكان عام. والقضية الثانية تتعلّق باتهام مواطن ووالدته موظفين في الهيئة بإهانتهما والتلفّظ عليهما لأن الشابّ قام بتقبيل يد أمّه ورأسها في سيّارته. وفي التفاصيل التي رواها الشابّ انه فوجئ بخمسة من موظفي الهيئة يمسكون به أمام الناس ويوجّهون له تهمة الدعارة! ورغم انه حاول مرارا إفهامهم أنها والدته إلا أنهم رفضوا الإصغاء وأدخلوا والدته السيّارة وانهالوا عليه وعليها بالأسئلة. وبعد أن تأكّدوا من هويّتهما قاموا بإخلاء سبيلهما. وأكّد الشابّ انه سيقدّم شكوى رسمية إلى هيئة حقوق الإنسان لفتح تحقيق في الواقعة.
وخلال الأسبوع الحالي نشرت جريدة الحياة لقاءً مطوّلا مع الكاتب الدكتور عبدالله الفوزان تطرّق فيه إلى عدد من القضايا التي تهمّ الشأن المحلي. ومن أهمّ ما قاله الكاتب أن المرأة كانت المتضرّر الأكبر من منهج المحافظة الدينية في المجتمع السعودي. كما أن المجتمع بأسره تضرّر كثيرا من الأفكار المحافظة.
وفي جزء آخر من المقابلة قال الفوزان: إن أحكامنا تبدو قاسية على خيارات الآخرين، والسبب أننا نعتبر أنفسنا أنصاف آلهة. فلا يوجد في العالم مجتمع رشيد إلا نحن. ونحن وحدنا على الحقّ وغيرنا على ضلال. وبسبب "رشدنا العظيم" لا أحد يماثلنا، فمن المنطقي أن لا نجد مَنْ يتفق معنا. والنتيجة معروفة.
وأضاف الكاتب: إننا نسير مع أمم الدنيا، هذا لاشك فيه. ولكننا نتخلّف عنها بمسافات بعيدة. واقعنا الثقافي والفكري يعيش حالة تناقض كبير. ولا يمكن أن تنتصر تيّارات الدجل والشعوذة والجهل والظلام. إننا لن نتخلّص من الوصاية على المجتمع والتسلّط على خيارات الأفراد إلا بتفعيل قيم العدالة والمساواة والحرّية ووقف الدعم عن اليد الدينية التي تمارس تلك الوصاية وتسهم في تعظيم الدجل والخرافة". وقال: إن اكبر عيوب المؤسّسة الدينية هي أنها ما زالت تمثّلنا بذلك الوجه القديم البعيد عن مستجدّات العصر وتطوّراته. ولذلك نبدو لمختلف مجتمعات الدنيا وكأنّنا لا نمتّ لهذا العصر بصلة".
ثم تحدّث الفوزان عن بعض الهموم التنموية فقال: إن لدينا نموّا سكّانيا ربّما لا يماثله أيّ نموّ سكّاني حتى في الهند والصين. وليس لدينا مشاريع كبيرة منتجة يمكن الاستعانة بدخلها سوى مشاريع البتروكيماويات. ولكن هذه ستنتهي مع انتهاء عصر البترول. ولذا فإننا بسلوكنا الحالي نعد لأحفادنا مصيراً حالك السواد، كأننا الآن نصعد بهم إلى السماء بصاروخ عملاق سينتهي وقوده في منتصف الطريق. ولك أن تتخيّل ما سيحدث حين ينتهي وقود الصاروخ وأحفادنا في المركبة معلّقين بين الأرض والسماء.
وردّا على سؤال عن السبب في كون الصراع الفكري عندنا اشدّ منه في بقيّة دول الخليج قال الفوزان: السبب هو أن السحر والفتنة في دول الخليج تجاوزا عنق الزجاجة منذ زمن طويل واتجها للاقتصاد والإنتاج والإبداع، في حين أنه عندنا ما زال مختبئاً في عيون النساء". وختم الفوزان حديثه بالقول: إن الذين ينحّون العقل جانبا هم ضعاف العقول. ومن الطبيعي لضعيف العقل أن يركن إلى عقول الأسلاف في العصور القديمة التي لا تنيرها الكهرباء، في حين أننا الآن في عصور المصابيح المضيئة التي فجّرها العقل بتجليّاته الرائعة".

Sunday, December 26, 2010

نهر النسيان

لا أعرف مدى صحّة العبارة التي تقال أحيانا من أن الإنسان لم يُسمّ إنسانا إلا بسبب انه كثير النسيان. ولكنْ ممّا لا شكّ فيه أن النسيان يُعتبر صفة ملازمة للإنسان وجزءا لا يتجزّأ من طبيعته وتكوينه.
وفي السنوات الأخيرة لاحظت أنني أصبحت أنسى كثيرا. والمشكلة أن مظاهر هذا النسيان كثيرة ومتعدّدة. يحدث أحيانا أن أقابل شخصا لأوّل مرّة فيعرّف كل منّا نفسه بالآخر. لكن ما أن أقابل نفس الشخص بعد بضعة أيّام حتى أقع في الحرج عندما اكتشف أنني نسيت اسمه.
وقبل أيّام كنت في زيارة لموظّف بإحدى الشركات الخدمية. وبعد أن غادرت مكتبه ووصلت إلى سيّارتي، اكتشفت أنني نسيت هاتفي المحمول عنده. وكنت متأكّدا من أنني تركت الهاتف في مكان ما على مكتبه لأنني تذكّرت أنني أجريت آخر مكالمة وأنا جالس هناك.
وعندما عدت إليه لأساله ما إذا كان قد رأى الهاتف، أجاب بالنفي. ومع ذلك بحث على المكتب وفتّش كثيرا بين الأوراق فلم يجد شيئا. ثم قال: عندي فكرة. كم رقم هاتفك حتى اتصل به من هاتفي لنستدلّ على مكانه؟ قلت وأنا اشعر ببعض الحرج: للأسف لا أحفظ الرقم. ضحك من ردّي ثم قال بأدب: بسيطة، لست وحدك من لا يتذكّر رقم هاتفه. لكنْ هناك حلّ آخر، حاول أن تتصل بأحد معارفك واطلب منه الرقم. قلت: إذا كنت لا أحفظ رقمي الخاصّ فكيف تتوقع منّي أن أحفظ رقم شخص أخر! وأضفت: أنا لست مهتمّا بالجهاز نفسه بل بالأرقام التي بداخله والتي إن ضاع فستضيع إلى الأبد. ثم دوّن رقم هاتفه على ورقة صغيرة أمامه وقال: خذ، هذا رقم هاتفي. اتصل بي قبل نهاية الدوام. وبدوري سأطلب من عمّال المبنى البحث عنه.
ولحسن الحظ اتصلت به مساء نفس اليوم وأبلغني بأنهم عثروا على الهاتف محشورا في زاوية ضيّقة تحت المكتب.
أن لا يحفظ الإنسان رقم هاتفه قد يعتبره البعض أمرا غريبا ونادرا. لكن المشكلة أن الإنسان قد يتعرّض لظروف ومواقف يتحتّم عليه فيها أن يعرف رقم هاتفه، على الأقلّ.
المشكلة أن النسيان لا يقتصر على الأرقام. أصبحت أنسى حتى اسم كاتب قرأت له منذ أيّام، أو اسم موسيقيّ طالما استمعت إلى موسيقاه وأعجبتني، أو اسم كتاب قرأته مؤخّرا أو سمعت عنه من الناس.
تذكّرت قصتّي مع النسيان وأنا اقرأ مقالة طريفة عن الموضوع لكاتب اسمه بيلي كولينز. تخيّلت انه يتكلّم نيابة عنّي، غير انه تحدّث عن المشكلة بطريقة ابلغ وأعمق. يقول: يحدث كثيرا أن ننسى سريعا الأشياء التي كنّا نظنّ أننا لن ننساها. خذ، مثلا، كتابا قرأته منذ بعض الوقت. أوّل ما يتلاشى من ذاكرتك اسم المؤلّف، وبعد ذلك العنوان. ثم لا تلبث أن تنسى الكتاب نفسه. وشيئا فشيئا تشعر انك لم تقرأ الكتاب، بل ولم تسمع به مطلقا. الذكريات التي اعتدنا أن نحتفظ بها تُقرّر شيئا فشيئا أن تتقاعد في الجزء الخلفي من أدمغتنا، تماما مثلما يذهب الصيّادون إلى قرية صغيرة لا يوجد بها تليفون.
ويضيف: منذ زمن طويل ودّعت أسماء الملهمات التسع وراقبت المعادلات التربيعية وهي تحزم حقيبتها وتذهب إلى غير رجعة. وبينما تجهد نفسك وأنت تحاول أن تحفظ تسلسل الكواكب، ينزلق من ذاكرتك اسم زهرة، أو عنوان لأحد أقربائك أو اسم لعاصمة احد البلدان.
وأيّا ما كان الشيء الذي تحاول أن تتذكّره، فإنه لن يأتي على طرف لسانك مهما فعلت. كلّ شيء كنّا نتذكّره يذهب بعيدا ليستقرّ في نهر عميق ومظلم. وفي طريقك إلى النسيان، ستنضمّ إلى أولئك الذين نسوا حتى كيف يسبحون أو كيف يركبون درّاجة.
لا تستغرب إذن إن استيقظت في منتصف إحدى الليالي لتبحث عن تاريخ معركة مشهورة في كتاب عن الحرب. ولا تندهش إن اكتشفت أن القمر خارج النافذة يبدو كما لو انه انحرف خارج قصيدة حبّ كنت تحفظها ذات يوم عن ظهر قلب.
البعض يقول إن النسيان نعمة غير خالصة. لكنّي اعتبره في بعض الأحيان آفة ونقمة. وقد اكتشفت أن محاولاتي في أن اشحذ ذاكرتي وأن اُظهِر مزيدا من الحرص على تذكّر بعض الواجبات العملية التي يتعيّن عليّ القيام بها بشكل عاجل لم يغيّر من واقع الحال شيئا.
لكنّي أحيانا أجد بعض السلوى في أقوال بعض الحكماء والفلاسفة الذين كانوا يمجّدون النسيان في كتاباتهم ويعتبرونه من تمام النِعَم. "طوبى لمن ينسون"، يقول نيتشه. "النسيان أغنية، طائر يفرد جناحيه الأبيضين، مطر في الليل"، يقول آخر.
"لا تبتئس إذا نسيت. الأهرامات نفسها نسيت منذ زمن طويل أسماء من شيّدوها"، يقول ثالث. "الرياح تهدأ والينابيع تجفّ والندى يتلاشى والنجوم تأفل .. والإنسان ينسى!"، يقول كاتب رابع.
ومع ذلك، وعلى مستوى أعمّ، أحاول جهدي أن اعمل بنصيحة حكيم قديم عندما قال: في هذه الحياة حاول أن لا تنسى الأشياء التي يجب أن تتذكّرها، وأن لا تتذكّر الأشياء التي يجب أن تنساها.