:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, July 16, 2011

مثالية وليام بوغرو


تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة.
تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع.
وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم ولورانس الما تاديما والكسندر كابانيل، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف.
لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد.



من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كان يتمتّع بها بوغرو في فرنسا القرن التاسع عشر وفي الولايات المتحدة. كانت لوحاته التاريخية والأسطورية والدينية تحصد ارفع الجوائز والأوسمة وتُباع بأعلى الأسعار أثناء حياته.
ومع ذلك، كانت أعمال بوغرو موضع تندّر وسخرية من قبل الرسّامين الطليعيين في ذلك الوقت مثل ديغا وأصدقائه. فقد كان هؤلاء يشيرون إلى اسمه محرّفا في محاولة للحطّ من قيمة اللوحات ذات الأسطح الناعمة والمصقولة بشكل مفرط. وفان جوخ كان يصفه بأنه "صانع جيّد يتقاضى أجرا عاليا مقابل أشياء جميلة وناعمة".
ولم يكن مستغربا أن بوغرو كان يستخفّ بقدرة الرسّام الشاب هنري ماتيس. كان الأخير احد تلاميذه. وقد طرده في النهاية من مرسمه.
ولأنه كان محكّما في الصالون السنوي الذي كانت ترعاه الأكاديمية القويّة، فقد لعب بوغرو دورا مهمّا في رفض أعمال الانطباعيين المبتكرة.
''على المرء أن يسعى وراء الجمال والحقيقة". هكذا قال بوغرو في مقابلة معه عام 1895م. وأضاف: 'لا يوجد سوى نوع واحد من الرسم. انه الرسم الذي يقدّم الكمال للعين. وهذا ما كان يفعله فيرونيزي وتيشيان".
كان آخر عمل "جادّ" لـ بوغرو في سلسلة أعماله الكلاسيكية المستوحاة من العصور القديمة هو لوحته الميناديات يطاردن اوريستيس. واللوحة تصوّر اوريستيس وهو يخفي عورته بقطعة قماش بينما تطارده ثلاث ميناديات يحملن معهنّ جثمان أمّه القتيلة. كان بوغرو يحاول من خلال هذه اللوحة استكشاف الألوان بعمق اكبر. لكن اللوحة لم ترق لزبائنه الرئيسيين. فطلبوا منه العودة إلى رسم المواضيع التي تثير السرور والبهجة، ما يجعلها أكثر قابلية للبيع.
في ما بعد رسم لوحته الضخمة إغراء. وهي منظر في الهواء الطلق تظهر فيه امرأة تجلس على الأعشاب تحت ظلّ شجرة وتمسك بتفّاحة، بينما تنظر بحبّ إلى ملاك بريء يجلس إلى جوارها. هذه اللوحة بألوانها المتناغمة وبساطة موضوعها يمكن اعتبارها تعبيرا حقيقيا عن الحبّ والمشاعر الصادقة والعفوية.
وبنفس هذا الأسلوب الفخم، رسم بوغرو عددا من اللوحات الدينية لصالح الكنيسة. بعض تلك الأعمال ربّما كانت تصوّر ردّ فعله على المحن الشخصية التي واجهها، ومن بينها وفاة زوجته واثنين من أبنائه في العام 1877. هذه المأساة المزدوجة ألهمته أيضا لوحة أخرى اسمها روح تُحمل إلى السماء رسمها عام 1878م. وفيها نرى جثمان فتاة صغيرة يحمله ملاكان عبر غيوم كثيفة ونحو مكان مرتفع. بالنسبة للعقل الحديث، قد يبدو الأمر مثيرا للسخرية وأنت ترى جسد إنسان مجنّح وهو يطير بتثاقل في الجوّ. لكن مثل هذه الرحلات كانت مقبولة وممكنة في زمن بوغرو.
استمرّ الفنّان في رسم المواضيع الأسطورية ولكنْ في سياق مختلف تماما عن جهوده الطموحة في أيّامه المبكّرة. في مشهد آخر بعنوان اختطاف سايكي، يضيف الرسّام تلميحا دقيقا عن الرغبات الجسدية. فهو يصوّر ايروس في مظهر من النبل والجمال وعيناه مغلقتان بنشوة، بينما ينقل سايكي النصف عارية عبر الهواء إلى طبيعة جبلية.
منذ سنوات سُئل احد النقّاد عن السبب في أن بوغرو أصبح اليوم رسّاما بلا طعم ولا نكهة من منظور الفنّ الحديث. فأشار إلى دور الفنّان السلبي في إعاقة أعمال الحركات والأساليب الجديدة في الصالون. لكنّه يعزو سمعة بوغرو الفاترة اليوم إلى سببين رئيسيين، الأوّل له علاقة بالجمهور والآخر يعود إلى الرسّام نفسه.
كان بوغرو حِرَفيا بمعنى الكلمة. وهذه الحِرَفية هي التي أعمت بعض الجمهور عن تفكيك الجمال المطلق في مناظره لاستكشاف قوّة العاطفة. فتلك الأيدي الطاهرة والأقدام النظيفة في لوحاته، ولون البشرة الرقيقة، بالإضافة إلى التفاصيل الدقيقة الأخرى تجعل العين غير راغبة في التحديق أكثر والتحقّق ممّا تراه.
كان لدى بوغرو الكثير مما يقدّمه لمتعة العين: الأوردة البارزة من الأيدي والأذرع، والألوان الزهرية الدافئة على ملامح الوجوه، والوضوح التامّ لتفاصيل الجسد من خلال إتقان نسب الضوء والظلال.
الناظر إلى بعض لوحاته، لا بدّ وأن يحسّ بالسُكر فورا وهو يلمس كلّ هذا القدر من الكفاءة والفاعلية. لكنه لن يكلّف نفسه عناء النظر إلى ما هو ابعد.
بدأت شهرة بوغرو في التلاشي قبيل وفاته بوقت قصير، أي عندما كان إدوارد مونك يرسم لوحته "رقصة الحياة"، وعندما انتهى غوستاف ماهلر للتوّ من تأليف سيمفونيّته السادسة بطريقة مأساوية.
في ذلك الوقت بالتحديد، أصبحت الأفكار المثالية ضربا من السذاجة. وكانت الأكاديمية الفرنسية تُعتبر "مؤسّسة قديمة" بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي فترة ما بعد الحرب، صارت درجة إتقان تنفيذ العمل الفنّي اقلّ أهمية من المفاهيم التي يعكسها.



شاعرية بوغرو وتناغم مناظره يشبهان ظاهريا ذلك الإحساس الذي ينتابك وأنت تستمع إلى موسيقى موزارت: فوران مفاجئ وشعور غامر بالسعادة والاسترخاء، ثم ينتهي كلّ شيء.
غير أن أكثر الذين يستمتعون بـ موزارت نادرا ما يدرسونه. النسيج المصقول يبدو فهمه سهلا. لكن الأمر يتطلّب الكثير من الطاقة والوقت لاستيعاب المعاني العميقة الكامنة تحت طبقات الإيقاعات والأنغام.
تضاؤل شعبية الموسيقى الكلاسيكية مع صعود موسيقى البوب والروك أدّى إلى عزلة ونفور غالبية الجمهور، بنفس الطريقة التي فعلتها الدعاية للفنّ الحديث على حساب مدارس وأساليب الروّاد الأوائل.
كان بوغرو يركّز على إبراز مظاهر الجمال والسعادة والنقاء في لوحاته. لكن هذا أدّى في النهاية إلى أن أصبح أسلوبه وموضوعاته رتيبة ومكرّرة ومملّة.
كان دائما يقول أن لا شيء أكثر صعوبة من رسم الأطفال. وهم يظهرون في لوحاته وهم يتعانقون ويقبّلون بعضهم وينامون في براءة غير ملوّثة وفي مرح لانهائي.
ولأكثر من خمسة عقود، لم يتطوّر أسلوبه الفنّي، ولم تتغيّر موضوعاته التي بدا أنها أصبحت بالنسبة له متعة وضرورة.
صحيح أن أساليب العصور القديمة أو الكلاسيكية لم تسقط من تاريخ الفنّ تماما. لكن حساسيّتها ودقّتها وصلتها بروح العصر قد تكون اضمحلّت فعلا. كان بوغرو يقول إن على المرء أن يسعى وراء الجمال والحقيقة. ولكن عندما تتعارض الحقيقة مع الجمال في فنّه، فإنه كان يفضّل دائما اختيار الأخير.
في خمسينات وستّينات القرن قبل الماضي، حاول الرسّام استكشاف الظلام والعنف في المواضيع الأسطورية والدينية عندما رسم لوحته دانتي وفرجيل في الجحيم. لكنّه سرعان ما تخلّى عن هذه الجهود وعاد إلى لوحاته ذات المواضيع الأنيقة والألوان الشاحبة.
شخوص بوغرو دائما رائعون ومهذّبون ومتأنّقون وخالون من النقائص والعيوب، كما هو الحال في أركاديا. وأضواؤه الساطعة والليّنة تذوب في البشرة الناعمة، ما يؤدّي إلى فقدان أيّ توتّر محتمل.
خلال حياته الطويلة، رسم بوغرو أكثر من سبعمائة لوحة. وكان هو الرسّام المفضّل لدى جامعي الأعمال الفنّية الذين كانوا يجدون في مناظره ملاذا ومهربا من ضغوط ومشاكل الحياة اليومية.
في عام 1895، اشترى هنري فريك لوحة بوغرو المسمّاة فتاة شقيّة مقابل خمسة آلاف دولار. كان وجه الفتاة في اللوحة يذكّر الرجل بملامح ابنته المتوفّاة. وقد احتفظ باللوحة طوال حياته. ولا بدّ وأنه كان يرى فيها شيئا أعمق بكثير من الوجه الملائكي الذي تصوّره. كان الأمر اكبر من مجرّد عاطفة جيّاشة يكنّها أب حنون لذكرى ابنته الراحلة. وبعض الناس يحرّك مشاعرهم رؤية مثل هذه اللوحات لأطفال، بصرف النظر عن الأحلام والخيال أو الواقع.
أفول نجم بوغرو وغيره من أتباع الفنّ الكلاسيكي والأكاديمي ظاهرة لافتة. وهي كانت وما تزال مبعث حيرة بالنسبة للكثيرين. وقد راج في بعض الأوساط حديث عن "مؤامرة ما" قيل إنها حيكت على امتداد المائة عام الماضية واستهدفت تشويه وتحطيم رموز الفنّ الأكاديمي والكلاسيكي الذي كان سائدا حتى نهايات القرن التاسع عشر. وحسب هذه المؤامرة المتخيّلة، فقد أسهمت في هذا الجهد الصحافة والقوى المتحكّمة بالفنّ والثقافة التي أصبحت تفرض قبضتها الحديدية على المؤسّسة الفنّية العالمية. وكان هناك تنسيق محكم وناجح لإزاحة كل ما له صلة بالطرق والأساليب اللازمة لتدريب فنّانين مهرة وبارعين. ونتيجة لذلك، ألقي بتراث خمسة قرون من المعلومات الفنّية والنقدية في سلّة المهملات. كما يستغرب القائلون بنظرية المؤامرة كيف أن مدرسة الحداثة التي تدعمها شبكات مصالح واسعة ومعقّدة أصبحت تسيطر اليوم بشكل كامل ومطلق على آلاف المتاحف والجامعات والمؤسّسات الفنّية حول العالم وعلى حركة النقد في الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة.
بنظر منتقديه، كان وليام بوغرو مجرّد رسّام فيكتوري كان يرسم الفتيات الصغيرات اللاتي تزيّن شعورهنّ الأزهار وتكتسي ملامحهنّ بالطيبة والبراءة. لكن هذا لا ينفي حقيقة انه كان رسّاما خاصّا ومتميّزا. أسلوبه الفنّي كان انعكاسا لأذواق الناس في زمانه. وهو كان يرسم بتلك الطريقة لأنه كان يريد أن يعيش ويكسب رزقه.
صحيح أن أعماله، وبقدر ما، لم تعد تجاري الذوق السائد الآن. لكن بعض اشدّ منتقديه يشهدون له بأنه كان أفضل من أيّ فنّان جاء قبله من حيث معرفته بأسرار الألوان وطرق مزجها وتوظيفها في الرسم.

Credits
bouguereau.org
artrenewal.org

Thursday, July 14, 2011

كلام الأغاني


من أهمّ الخصائص التي تطبع الأغاني العربية عموما هي تشابه مواضيع كلماتها التي تركّز في الغالب على قصص الغرام والهجر ومدح الحبيب والتغنّي بجماله وذكر محاسنه في قالب لا يخلو أحيانا من التهويل والمبالغة.
الأغاني الغربية هي على النقيض تماما. إذ لن تسمع أغنية تثني على جمال المحبوب أو تتغنّى بمزاياه وخصاله أو تتوسّل منه السماح والغفران. والمقارنة بين هذين النوعين من الغناء يحيلنا تلقائيا إلى الخصائص الثقافية وطرق التفكير في مجتمعين يكادان يكونان مختلفين في كلّ شيء تقريبا.
استمعت قبل فترة إلى عيّنات من الغناء الغربي، فلاحظت أن في كلمات بعضها أفكارا فلسفية وإشارات سيكولوجية، بل إن بعضها يطرح تساؤلات عن الوجود والدين والحياة والمصير.. إلى آخره.
لكن يبقى للاغاني العربية، خاصة الكلاسيكية منها، سحرها وجمالها الخاصّ حتى عندما تكون كلماتها وموضوعاتها نمطية أو مكرّرة.
وهناك من هذه الأغاني ما قد تسمعها مرّة وبطريقة عارضة، ثم عندما تسمعها مرّة أخرى سرعان ما تثير في ذهنك صورا وذكريات عن أشخاص وأمكنة وحالات ومواقف وحكايات ما كان لك أن تتذكّرها لولا العلاقات والارتباطات الشعورية التي تثيرها الأغنية في النفس والعقل.
حدث هذا معي منذ أيّام وأنا استمع إلى هذه الأغنية. قد تستمع إلى نفس هذه الأغنية فلا تعجبك وقد لا تجد فيها ما يثير اهتمامك أو يجذبك إليها. هذا أمر ممكن ووارد. والمسألة في النهاية لا علاقة لها بنوعية الكلمات ولا الموسيقى ولا بما إذا كنت تحبّ صوت المطربة أم تستثقله، بل بالجوّ الذي تخلقه الموسيقى والمزاج النفسي الذي تستدعيه.
وهناك من الأغاني ما يطربك سماعه بمعزل عن عامل الارتباطات الشعورية والنفسية. قد تكون أغنية ذات كلمات معبّرة وصادقة. وقد تكون موسيقاها أو صوت أو طريقة أداء المغنّي أو المغنيّة سببا يجعلك تحبّها وترتاح لسماعها. استمع مثلا إلى هذه الأغنية أو هذه أو هذه.
كلّ هذه الأغاني الثلاث لا تخرج عن سياق عتاب المحبوب والتعبير عن لواعج الفراق وتعليل النفس باللقيا والوصال. ويمكنك بسهولة أن تكتشف كم أن كلمات بعضها بسيطة بل وأحيانا ساذجة. غير أنها جميعا من الأغاني التي درج الناس على سماعها وترديدها منذ وقت طويل.
وهناك نوع آخر من الأغاني التي يمكن أن تعشقها وتعاود الاستماع إليها مرّات ومرّات دون أن تملّ أذنك من سماعها. جرّب مثلا أن تستمع إلى هذه الأغنية أو هذه.
الأغنية من هذا النوع أشبه ما تكون باللوحة الفنّية التي لا تكشف لك عن تفاصيلها وخباياها من النظرة الأولى. بل لا بدّ لك من معاودة النظر إليها مرّة بعد أخرى كي تكتشف المزيد من مواطن سحرها وبهائها.
لكن من قال إن الأغاني العربية تخلو جميعها من الأفكار الفلسفية والتساؤلات الوجودية؟
عندما تستمع إلى هذه الأغنية ستكتشف أنها مختلفة بل ونادرة في بابها ومضمونها. تأمّل مثلا هذين المقطعين: يا رفيقي نحن من نور إلى نور مضينا. ومع النجم ذهبنا ومع الشمس أتينا. أين ما يُدعى ظلاما يا رفيق الليل أينا. إن نور الله في القلب وهذا ما أرى. ليس سرّا يا رفيقي أن أيّامي قليلة. ليس سرّا إنّما الأيّام بسمات طويلة. إن أردت السرّ فاسأل عنه أزهار الخميلة. عمرها يوم وتحيا اليوم حتى منتهاه". لاحظ الأداء الاستثنائي والمبهر هنا. صوت المغنّية يبدو في تمام صفائه وتَجلّيه. ولا بدّ وأن تلاحظ الشحنة الإنسانية والمعنوية الهائلة التي تختزنها كلمات الأغنية. الحديث عن النجوم والشمس والسماء والنور هو دعوة لكلّ ما يرمز إلى النقاء والتفاؤل والأمل والخير والأخوّة بين بني الإنسان. في كلّ مرّة اسمع فيها هذه الأغنية أتذكّر قول احد رجال الدين المتنوّرين: لو كان لي من أمر الفُتيا شيء لجعلت سماع فيروز فرضا على كلّ إنسان".
ولا يقلّ عن الأغنية السابقة جمالا هذه الأغنية التي تجاوز فيها المغنّي والشاعر حاجز النمطية والتكرار وأخرجا لنا أغنية يصحّ أن توصف بأنها متكاملة الأركان تأليفا وموسيقى وأداءً. ركّز وأنت تسمع الأغنية على طريقة أداء المطرب لهذا المقطع الذي يتكرّر في ثنايا الأغنية: من أدّ ايه كنّا هنا. من شهر فات ولا سنة. أيّام ما كنّا لبعضنا. والدهر غافل عنّنا".
بعض الأغاني الكلاسيكية العربية لها سحر ورونق خاصّ لا تكاد تلمسه في الأغاني الحديثة. وإذا أعجبتك الأغنيتان الأخيرتان، فعلى الأرجح ستعجبك هذه الأغنية وهذه أو هذه.
كلمات الأغاني العربية تركّز في العموم على حالات وقصص العشق والغرام كما سبقت الإشارة. لكن هناك بعض الأغاني التي تلامس الهموم العامّة وتنقد الأوضاع السياسية بطريقة ساخرة وجريئة. وفي ظلّ الثورات العربية الحالية كثر هذا النوع من الغناء وانتشر من بلد لآخر. ولعلّ أفضل ختام للموضوع هو هذه الأغنية ذات النكهة الرحبانية الواضحة والتي تنتقد حال السياسة وعجز السياسيين.

Wednesday, July 13, 2011

إيماءة يوحنّا


الصورة الشائعة عن يوحنّا المعمدان، كما تعكسها الأدبيات المسيحية، هي صورة رجل بسيط ومتقشّف قضى معظم حياته في الصحراء يسابق الحيوانات البرّية ويتغذّى على الجراد والعسل. لكن ليوناردو دافنشي يرسم الرجل بطريقة مدهشة وصادمة. كما أن صورته هنا مختلفة كليّا عن بقيّة الأعمال الفنية التي تناولت هذه الشخصية.
دافنشي يرسم يوحنّا المعمدان في الصحراء بشعر مجعّد وهو يرتدي جلود الحيوانات ويبتسم بطريقة غريبة تذكّر إلى حدّ ما بأشهر لوحات دافنشي "الموناليزا". وفي يد الرجل اليسرى ثمّة قضيب حديدي في نهايته صليب. بعض مؤرّخي الفنّ يعتقدون أن الصليب وجلد الحيوان أضيفا إلى اللوحة في مرحلة تالية من قبل رسّام آخر.
في اللوحة يظهر القدّيس وقد أضاءه نور من مصدر خارج اللوحة، بينما تخلع الظلال الرقيقة على بشرته مظهرا ناعما ورقيقا. وقد عمد ليوناردو إلى وضع الشخصية في الظلال لتكثيف الإحساس بعزلته عن العالم الحقيقي والتأكيد على ارتباطه بالسماء.
غير أن أهمّ ملمح في هذه اللوحة هو حركة إصبع القدّيس المشيرة إلى السماء. هذه الجزئية طالما أثارت جدلا واسعا بين أوساط المؤرّخين ونقاد الفنّ وأصبحت لكثرة الحديث عنها وغموض معناها تُسمّى "إيماءة يوحنّا". البعض قالوا أن ليس هناك من دلالة دينية للإصبع المرفوع. والبعض الآخر ذهبوا إلى أن الإصبع هي علامة على مجيء المسيح. بينما قال آخرون أن ليوناردو كان يشير إلى أن القوانين التي تحكم الأرض هي نفسها التي تحكم السماء.
وأيّا ما كان المعنى الكامن وراء الإصبع المرفوع في الصورة، فإن هذه الإيماءة استُنسخت عديدا من المرّات من قبل فنّانين كثر جاءوا بعد دافنشي.
بعض مؤرّخي الحركات السرّية يقولون إن ليوناردو كان ساحرا. كما تردّد في بعض الأوقات انه كان زعيما لإحدى الجمعيات السرّية بعد أن تسلّم هذا المنصب من سيّده السابق.
وهناك أيضا من يشير إلى تأثير نوعية التعليم الذي تلقاه الرسّام في فلورنسا خلال عصر النهضة الذي ترافق مع تجدّد الاهتمام بالأفكار الأفلاطونية وبالكيمياء القديمة التي تؤكّد على دور السحر وبعض الإشارات والحركات الطقوسية. طبعا مثل هذه المقولات تظلّ مجرّد تكهّنات في غياب أدلّة واضحة تؤكّدها أو تنفيها.
هناك احتمال بأن أحدا لم يكلّف دافنشي برسم هذه اللوحة، بل قد يكون رسمها لدواعي المتعة الشخصية فحسب. وهي كانت إحدى ثلاث لوحات احتفظ بها حتى نهايات حياته.
لوحة يوحنّا المعمدان كثيرا ما أثارت ردود فعل معادية بسبب طريقة تناولها للموضوع. وأحد الأشياء المزعجة فيها هو أن ملامح القدّيس تبدو اندروجينية أو خنثوية إلى حدّ ما. وقد عُرف عن ليوناردو رسم مثل هذه الأشكال في لوحاته. وقيل إن في هذا تماهياً مع بعض أفكار الكيمياء القديمة التي تقول بامتزاج الجنسين بحيث يسموان فوق نموذج ثنائية الذكر والأنثى.
وهناك من قال إن دافنشي أراد بلوحته الإيحاء بأن يوحنّا هو المسيح الحقيقي نفسه. وهو اعتقاد تؤمن به المندائية، وهي جماعة دينية أصلها من العراق. وقد تعرّض أتباع هذه الفرقة على مدى زمن طويل لكثير من الظلم والاضطهاد.
هذه اللوحة ليست أفضل لوحات دافنشي من الناحية الفنّية. كما أن تأثيره فيها لا يبدو واضحا كثيرا بسبب الشلل الذي أصاب ذراعه الأيمن وتقدّمه في السنّ آنذاك، فضلا عن آثار عمليات الترميم التي أجريت على اللوحة في فترات مختلفة.


Sunday, July 10, 2011

تشدّد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة


تساءل زميل منذ أيّام عن السبب الذي يجعل السعوديّ لا يميل إلى لبس القميص والبنطلون، على نحو ما يفعله مواطنو دول الخليج الأخرى كالكويت والبحرين مثلا.
قلت: بداية، لا أرى ضيرا في لبس القميص والبنطلون. لكنّ يبدو أن المجتمع عندنا ما يزال غير مستعدّ لتقبّل تخلّي الرجال عن الثوب والعقال. والمفارقة هي أنني لاحظت مؤخّرا أن بعض الإخوة العرب الذين يعملون عندنا صاروا يلبسون الثوب والغترة. وبعض هؤلاء لا تميّزه عن المواطن السعوديّ إلا من خلال لهجته.
والحقيقة أن هناك أعرافا اجتماعية، رغم تقادمها ورسوخها، فإنك أحيانا لا تملك إلا أن تستسخفها لتشدّدها المبالغ فيه. ومسألة اللباس تندرج ضمن هذا الوصف.
ذات مرّة، دُعي شخص لحضور اجتماع عاجل عند شيخ قبيلتهم. ولأن الرجل اعتاد على ظروف الحياة في المدينة، فقد ذهب إلى ذلك الاجتماع مرتديا ثوبه. ولكنه أبقى على رأسه مكشوفا، أي من دون عقال أو شماغ. وما أن وصل إلى هناك حتى افترسته الأعين وأحاطته نظرات الإنكار والاستهجان وكأنه ارتكب امرأ معيبا. وانتحى به بعض المجتمعين وأخبروه بطريقة زاجرة أن من غير اللائق أن يحضر إلى مجلس الشيخ دون غترة وعقال، لأن ذلك برأيهم يُعدّ من نقص الحياء وقلّة المروءة. فما كان من الرجل إلا أن غادر المكان عائدا إلى بيته.
مسألة التشديد على لبس الثوب وإنكار ما سواه هي أحد مظاهر القمع الاجتماعي. ومجتمعنا لا يختلف عن غيره من المجتمعات العربية في كونه مجتمعا بطريركياً. وهذا النوع من المجتمعات تنحو غالبا باتجاه مصادرة حرّية الفرد وتذويب شخصيّته لمصلحة الجماعة الكبيرة، استناداً إلى مبرّرات دينية أو اجتماعية أو ثقافية.
وهناك سبب آخر لمسألة التشدّد حتى في الأمور الشكلية، ويتمثّل في الخوف المرَضي على الهويّة الوطنية والتوجّس من أفكار الحداثة التي ينظر إليها الأوصياء نظرة هوَس وارتياب لأنهم يعتبرونها باباً للتغريب والاستلاب الثقافي.
حياتنا للأسف مليئة بالمحرّمات والممنوعات والقيود التي لا حصر لها والتي تطال حتى ما يعتبره غيرنا أمورا بسيطة وتافهة، من قبيل حرّية اللباس وقيادة المرأة للسيارة وما إذا كان وجه المرأة عورة أم لا. والمشكلة أننا نصرف كثيرا من الوقت والجهد في سجالات عقيمة حول أمور هامشية تجاوزها غيرنا منذ عشرات السنين ونحن ما نزال نتجادل حولها وندور في نفس الحلقة المفرغة.
واللباس، مثل غيره من الأمور التي تقع في خانة الحرّيات الفردية، هو شأن يخصّ الإنسان نفسه. ولكلّ إنسان مطلق الحرّية في أن يلبس ما يشاء ممّا ينسجم مع قناعاته وأفكاره الشخصية، طالما أن ذلك لا يشكّل تجاوزاً أو مساساً بحرّيات الآخرين.