:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, December 17, 2007

من صندوق البريد

الرسالة التالية تلقيتها عبر البريد الاليكتروني من قارئة رمزت لنفسها باسم "أم الخير". وأنشرها هنا كما وردتني على أن أعود في وقت لاحق للتعليق على بعض النقاط التي تضمّنتها..

من خلال تصفّحي لبعض مواضيع مدوّنتك، لاحظت انك ممن يدعون إلى حرّية المرأة والى أن تأخذ النساء بعضا من حقوقهن.
ومن حيث المبدأ اعتبر هذا موقفا حضاريا وجيّدا تستحق عليه التقدير والشكر.
لكن ما اختلف معك حوله هو الدعوة لان تقود المرأة السيّارة عندنا. وأنا هنا أسجّل اعتراضي على هذه المسألة بالذات، أولا بوصفي امرأة وثانيا بصفتي أمّا لثلاث بنات ينتظر أن تتخرّج صغراهن من الجامعة نهاية هذا العام.
وليس هذا الموقف نابعا من رؤية ظلامية أو متحجّرة كما قد يظن البعض، وإنما لأنني انظر إلى الأمور بواقعية وأزن أحكامي على ضوء ما أراه وألاحظه في الواقع وليس بناءً على الشعارات أو المزايدات والمواقف الجاهزة.
إنني اؤمن إيمانا راسخا بأن أمرا مثل قيادة المرأة للسيارة لا يحتاج لإنفاذه إلى قرار حكومي أو ديني، بل المسألة مناطة في الأساس بقناعات الأفراد التي تتشكّل من خلال درجة وعيهم بمكانة المرأة وأهمية دورها في التنمية وفي بناء المجتمع ككّل.
لقد قضيت ما يزيد على الثماني سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، ومعظم تلك الفترة أمضيتها في ميشيغان حيث كنت ادرس في جامعتها بمعيّة زوجي.
في أمريكا كنت أقود السيّارة بمفردي وكان زوجي يعتمد عليّ في انجاز الكثير من الأعمال خصوصا عندما يكون مشغولا أو مرتبطا بمهام لا تمكّنه من أن يقوم هو بانجاز الأعمال والواجبات المنزلية الروتينية.
كان كل شيء يمشي على ما يرام وبدون أية مشاكل. وخلال تلك الفترة التي اعتبرها أجمل فترات حياتي اكتسبت العديد من الصفات والخصال الجيّدة وأهمها احترام الوقت وتقديس الحرّية الفردية والاعتماد على النفس واحترام خصوصيات الآخرين.
كما كنت وما أزال اقدّر كثيرا نظرة المجتمع الأمريكي والغربي عموما للمرأة من حيث اعتبارها شريكا للرجل وعاملا مهمّا في تطوّر ونهوض المجتمع.
في الأوقات التي كنت أعود فيها إلى المملكة كان ينتابني إحساس متزايد بالغربة حتى عندما أكون جالسة مع أهلي وأقاربي. وتنامى هذا الشعور أكثر فأكثر خلال السنتين الأخيرتين قبل عودتنا نهائيا إلى ارض الوطن.
وكان يسيطر علينا، زوجي وأنا، هاجس يدفعنا للخوف من ألا نتأقلم مع أحوال مجتمعنا عندما نعود، خاصة بعد السنوات الطويلة نسبيا التي قضيناها في الخارج واندمجنا أثناءها إلى حد كبير بنمط الحياة الأمريكية والقيم المجتمعية السائدة هناك.
وبعد أن عدنا جاهدنا كثيرا وتحمّلنا وصبرنا. وكنا وما زلنا نشعر بكثير من الطمأنينة ونحن نرى أبناءنا يتصلون بجذورهم ويعيشون ضمن محيطهم الطبيعي الذي يفترض انه يوفّر لهم الحماية والرعاية والإحساس بالانتماء.
بقية القصة قد لا تكون مهمّة كثيرا وأخشى إن استمريت في سردها أن أضيع وقتك ووقت القارئ في حديث لا طائل من ورائه.
لكني أريد فقط أن أتحدّث قليلا عن موقف المطالبين بقيادة المرأة للسيارة. صدّقني أنني كثيرا ما أتصوّر أن هؤلاء منعزلون عن واقع مجتمعنا ولا يعرفون شيئا عن نظرة المجتمع للمرأة.
هل ترى مثلا ما يحدث في الشوارع والطرقات من تصرّفات وأفعال يندى لها الجبين على يد بعض الشباب وحتى الرجال الكبار؟
إن شريحة كبيرة من هؤلاء يعتبرون أي امرأة يرونها في السوق أو الطريق صيدا مشروعا وهدفا مستباحا والمرأة في عرفهم وفي تفكيرهم ليست أكثر من مخلوق ضعيف يسهل التغرير به واستغلاله من اجل متعة الرجل وراحته.
بل إن كثيرا من أفراد هذه الفئة يرون أن أية امرأة تذهب إلى السوق بمفردها أو تظهر في الشارع دون رفقة رجل لا بد وان تكون امرأة منحرفة بطبيعتها ومن ثم تبدأ سلسلة التحرّشات والمطاردات والمضايقات.
عندما تنزل إلى الشارع بسيارتك حاول أن تراقب سلوك السائقين من حولك عندما يلمحون خيال امرأة داخل سيارة، وسترى العجب العجاب. نظرات مفترسة وحركات رعناء وأصابع تكبس على أزرار الهواتف الجوالة بطريقة عصبية انتظارا لاصطياد رقم من هنا أو هناك.
عندنا يا عزيزي مجتمع فاقد لاتزانه، وإنسانيته ناقصة وهو بحاجة ماسّة وعاجلة إلى إعادة تربية وتأهيل، خاصّة في ما يتعلق بنظرته المتخلفة للمرأة وطريقة تعامله مع النساء.
أحيانا يخيّل اليّ أننا ما زلنا حديثي عهد بالمدنية والحضارة، وانه لولا خوف الناس من النظام وسلطة القانون لرأيت من صنوف الجرائم والموبقات ما لا يمكن للعقل أن يحيط به أو يتصوّره.
وأتمنى ألا يفاجئك أن تعرف أن درجة اعتراضي على قيادة النساء للسيارة هي اليوم أقوى من أيّ وقت مضى. نعم أقول "لا كبيرة" لقيادة المرأة للسيارة ولا أتصوّر على الإطلاق أنني سأسمح لبناتي بذلك تحت أي ظرف ومهما كانت الحجج أو المبرّرات لأنني من واقع الخبرة والملاحظة أدرك المخاطر والمحاذير المترتّبة على ذلك.
ويصبح الاعتراض أكثر منطقية ووجاهة إذا أخذنا في الاعتبار هذه الأحكام القضائية العجيبة التي أثارت علينا سخط وسخرية العالم عندما مالأ القضاء عندنا مرتكبي جرائم الاغتصاب وجرّم ضحاياهم من النساء. وما قصّة فتاة القطيف عنا ببعيدة ولا قصص النساء الأخريات اللاتي اغتصبن وصوّرن ومع ذلك صدرت أحكام تخفيفية على الجناة وتركوا لينفذوا بجرائمهم بل وأصبحت تلك الأحكام عاملا مشجّعا على تكرار حوادث الإساءة إلى النساء وامتهانهن وهدر حقوقهن.
لقد لاحظت مؤخرا أن الناس بدءوا حقيقة يخافون على أعراضهم والكثير من الأزواج وأولياء الأمور أصبحوا أكثر تشددا في مسالة خروج نسائهم من المنزل لوحدهن.
بعد كل هذا الذي حصل من قصص ومآسي هل هناك عاقل لا يزال يطالب بأن تمكّن المرأة من قيادة السيارة في الوقت الذي تمتلئ فيه شوارعنا وأسواقنا بهذا العدد الكبير من الضباع البشرية التي لا يردعها دين أو خلق عن إيذاء أعراض الناس وارتكاب الجرائم التي تستنكف عنها حتى الدوّاب والبهائم؟!
في الختام أرجو أن تعذرني إن كنت أطلت الكلام أو إن كان في ما كتبته بعض الحدّة، وعذري في ذلك أنني أتكلم عن معرفة ودراية في أمر يخصّ النساء بالدرجة الأولى. وكما قيل: أهل مكّة أدرى بشعابها.

Saturday, December 08, 2007

من صندوق البريد

لست ممن يتردّدون على هذه المدوّنة بانتظام. لكنّي أزورها من حين لآخر كلما سمح الوقت. أما الفنّ والرسم فلا أفقه فيه الشيء الكثير. أعرف أو سمعت شيئا عن دافنشي وبيكاسو وفان غوخ. لا أرتاح للثاني وأحبّ بعض لوحات الأخير واعتبر الأول مثالا لإبداع وعبقرية الإنسان.
أحيانا اقرأ بعض مواضيعك في المدوّنة الرئيسية وأحسّ بأنها تدغدغ مشاعري وتحرّك بعض الأفكار في داخلي.
أما الموسيقى التي تضعها هنا فلا تشدّني كثيرا. لكن سبق وان استمعت عندك إلى مطربة اسمها لورينا فأحببت صوتها. في الحقيقة سمعتها أكثر من مرّة. وكلمات أغانيها من النوع الذي يثيرني ويدفعني للتأمّل والرحيل بعيدا. يبدو أنها تختار لأغانيها أشعارا وقصائد متميّزة.
ودائما ما تتحدّث في أغنياتها عن القوافل والأنهار والنار والأفق المترامي والليل والجبال. وكل هذه المواضيع أحسّها جزءا لا ينفصل عن كياني وروحي. واللمسة الصوفية في غناء هذه المطربة العجيبة، أي لورينا، عذبة، صافية، وقريبة من الفؤاد والروح.
الجميل في الأمر أن الطبيعة ومظاهرها أصبحت موضوعا يتزايد اهتمام المغنّين بتوظيفه في موسيقاهم يوما بعد يوم. أتحدّث هنا عن الغناء الغربي طبعا. عندنا الأمر يختلف كثيرا. إذ ما يزال مطربونا قابعين في نفس الخيمة القديمة يجترّون أغاني الفراق والهيام وهجر الحبيب ولوم العوازل وغير ذلك من المواضيع المضحكة والمستهلكة.
وذات مرّة، سمعت في مدوّنتك التشكيلية مطربة غربية أخرى لم أعد أتذكّر اسمها تتحدّث عن النور في الأشجار والألق في الجبال. وقد خطرت ببالي في تلك اللحظة تساؤلات متأمّلة، هل للشجر ذاكرة؟ هل الجبال والأشجار تحسّ وتشعر مثلنا نحن البشر رغم أنها، ظاهريا، جماد؟
وتداعت في خاطري ذكريات وقصص قديمة. أذكر وأنا ما زلت صغيرا أنني كنت أتمشّى في الجبال وأخوض في مياه الجداول واستمتع بنشوة المشي حافي القدمين فوق الصخور اللامعة غير آبه بالجروح التي كانت تتركها حوافّ بعضها الخشنة في باطن قدميّ وساقي.
وعندما كبرت بعض الشيء أدركت أن جوهر الحجر يختلف عما يظنه معظم الناس. كنت أذهب في الصباح الباكر إلى الجبل فأحتضن الحجارة، ألثمها، أقبّلها، واشمّ فيها عبق المطر الذي مرّ عليها وغسلها ليلا. وكثيرا ما سيطر عليّ هاجس غريب بأنني أريد أن أعبد هذه الأحجار! وأتمنى أن أجرّب ولو مرّة واحدة كيف كان إحساس أسلافنا الأوائل وهم يقدّسونها ويجلونها.
وفي احد الأيام رأيت في وسط الوادي الذي كان منزلنا يقوم على احد أطرافه حجرا كبيرا. وفي أثر ذلك الحجر كان هناك طريق. كان الحجر قد تحرّك شيئا فشيئا على ارض مستوية حافرا لنفسه مسارا عبر الوادي. ولم يكن هناك احد يحرّكه أو يدفعه في ذلك الاتجاه كما اكتشفت وكما تأكّد لي.
ساعتها تعمّقت قناعتي بأن الحجر كائن حيّ يحسّ ويشعر ويتحرّك من تلقاء نفسه ويتفاعل مع غيره من الكائنات والموجودات.
وما أزال أتذكّر زيارتي وتجوالي في ريف إحدى عواصم الشرق الأقصى.
كنا قد تناولنا عشاءً ناعما تحت السماء المكشوفة وعلى ضوء الشموع ومنظر نافورة يتناثر من جوانبها بعض رذاذ الماء المعطّر.
كان المساء في تلك الليلة هادئا والجوّ مثقلا بالغيم وبشذى البخور الممزوج برائحة التوابل الآتية من مطعم صيني بالجوار.
وفي جوف الليل تناهت إلى أسماعنا نغمات وأصوات تشبه صوت مغنّيات الأوبرا. كان الصوت يعلو شيئا فشيئا إلى أن أصبح بالإمكان تحديد مصدره. وعندما سألت عن ماهية ذلك الغناء قيل لي أن ما كنا نسمعه كان مصدره الجبل القريب. وسألني احدهم: الم تسمع بالجبال التي تغنّي؟ إن الرياح الرطبة تدخل شقوق وتجاويف الصخر بعد ليلة ممطرة فيصدر عنها أنين مكتوم يشبه في رهافته وانثنائه صوت مغنية سوبرانو تحت التدريب.
وتعجبّت مما سمعت وقلت: حقا إن للحجارة ذاكرة. إنها ذاكرة التاريخ والتوق الروحي لكل ما هو سرمدي وخالد في هذا الكون.
إنني افترض انك شاهدت الفيلم الفانتازي سيّد الخواتم. في احد أجزاء ذلك الفيلم الجميل مقطع معبّر جدا، وفيه يظهر سكّان الأرض الذين يتهدّدهم خطر الغرباء وهم يتحدّثون إلى الأشجار ويناشدونها أن تدعمهم وتؤازرهم لصدّ العدو ودرء الخطر الوشيك.
وبالمناسبة كلّ شيء في الفيلم يتكلم؛ الشجر والحجر والبحيرات والأنهار والجبال والشلالات إلى آخره.
والأشجار تتجلى في هيئة مخلوقات تحسّ وتتفاعل وتؤثر وتتأثر. لكن زعيم الأشجار وحكيمها يبدي تحفظه في البداية على فكرة التضامن مع البشر بعد أن ثبت أنهم يهينون الأشجار ويعذّبونها ويمعنون في إظهار عدائهم لها وقسوتهم عليها.
إنني انظر إلى الجبال والصخور والحجارة فأتذكّر أرواح أسلافنا الراحلين الذين درجوا عليها وخبّأت في جنباتها حكاياتهم وأساطيرهم النائمة إلى الأبد.
بالمناسبة، سمعت في احد الأوقات أن "الطاويّة" تشبّه الإنسان في حالته المثالية بالحجر: تملؤه السكينة من الداخل ويحفّ به السلام من الخارج ويتوحّد مع الطبيعة من حوله ويتفاعل معها!
إنني يا صديقي كثيرا ما انظر إلى الحجر بقلبي لا بعيني فلا أرى فيه إلا صورة للبهاء المعتّق في أجلى صوره ولا أتصوّر إلا أن سلطان العالم نائم تحت هذه الحجارة المباركة المعلقة بها أرواح أسلافنا وأجدادنا الميامين العظام.
في الليل عندما يغيب القمر ويبسط الظلام رداءه على العالم، كنت أحدّق صامتا في الجبال القريبة من بيتنا وألمح فوق قممها ذلك الوميض الشفيف الغامض الذي يبعث في رأسي دوارا كالسحر.
لطالما فتنت بجلال تلك الجبال وهيبتها التي تشعّ في نفسي بردا وسلاما، وكنت دائما أتخيّل أنها الحارس الأمين الذي يمنحنا، نحن أهل الأرض، الإحساس بالأمان والراحة والسكينة.
إنني أؤمن أن هذه الجبال الرصينة الوقورة ليست في حقيقة الأمر سوى بوّابات تفضي إلى عوالم أخرى لا نحسّها ولا نراها نظرا لمحدودية إدراكنا وقصور حواسّنا كبشر. إنها بمعنى ما الوسيط الذي نتّصل من خلاله بأرواح أسلافنا وبعالم الخلود والأزل واللانهائية.
وعندما أفكّر بالجبال أتذكّر أن الآلهة في العصور الغابرة كانت تصوّر على هيئة أعمدة من حجارة، والحجارة بهذا المعنى رمز لكل ما هو إلهي ومقدّس. وفي كل الحضارات القديمة كانت قمم وسفوح الجبال المكان الذي تقام عليه المعابد والمزارات. وما من نبيّ أتاه الوحي واستقبل الرسالة إلا وهو جالس في الجبال يدرس ويشاهد ويتأمّل منتظرا برهان ربّه.
وكثيرا ما كنت اسمع عن غابات في أقصى أقاصي الأرض تجري فيها انهار لها صوت كإيقاع الموسيقى ويصدر عن أشجارها وأحجارها همس يشبه نجوى المحبّين لا يحيط بعلمه ولا يقف على أسراره الخفية سوى رهبان ونسّاك المعابد القصيّة ممن أوتوا قدرات خاصة في الشفافية والاستبطان وسبر غور الأشياء والظواهر.
وأتذكّر أن أبي اخبرني ذات مرّة أن عاملا كان يتولّى قطع الأشجار وتكسير الحجارة في واد قريب، وأن ذلك العامل اقسم له بأنه كان يسمع صوتا أشبه ما يكون بالأنين أو الحشرجة عندما كان يباشر قطع جذور بعض الأشجار أو يقوم بتكسير بعض الحجارة.
لا ادري كيف أخذني الحديث بعيدا عن الموضوع الأساسي. لقد كنت انوي التطرّق إلى مواضيع المدوّنة لكن مضمون بعض الأغاني والموسيقى هنا سرح بي بعيدا وجعلني اندفع في الكلام لاإراديا عن الحجر والشجر.
مع أنني افترض أن بعض مواضيعك واختياراتك الموسيقية هي، إلى درجة ما، صدى لبعض أفكارك وتصوّراتك. ومن هذه الناحية أجد أن بيننا الكثير من أوجه الشبه والتماثل.
أسعد الله أوقاتك والى لقاء قريب".

قرأت الرسالة أعلاه بكثير من الاهتمام والتمعّن. وقرّرت أن أضعها هنا مع بعض التعديلات اللغوية والأسلوبية البسيطة. وأريد أن أقول لكاتبها المجهول: شكرا جزيلا لك على ما كتبته. وأنت تستحق أن تسمّى عن جدارة بعاشق الحجر. بل إنني احسد الحجارة فعلا لان ما قلته فيها يرقى إلى اعتباره قصيدة غزل تفيض رقّة ونبلا.
الملاحظة الوحيدة التي أريد إبداءها على ما هو مكتوب فوق هو التنويه إلى أن المعنى الذي قصده الكاتب في حديثه عن عبادة الحجر ينصرف إلى خالق الحجر نفسه، لان الحجر بحدّ ذاته لا ينفع ولا يضرّ كما يعلم وكما نعلم جميعا.

Tuesday, December 04, 2007

من صندوق البريد

أخطر ما يمكن أن يحدث للدين، أيّ دين، هو عندما يمزج بالعادات والتقاليد ثم يفرض على الناس فرضا على أساس أن هذا هو الدين.
وأخطر من هذا كله عندما يخلط الدين بالسياسة.
والنتيجة هي أن الناس يبدءون في التشكيك بكل شيء إلى أن ينتهي بهم الأمر إلى التشكيك بالدين نفسه وحتى النفور منه.
إن الإيمان الأعمى بـ "الدين" أو بأية أفكار مركّبة يقال لها "دين" لم يعد امرأ متيّسرا ولا ممكنا في عصرنا..
والأجيال الجديدة من الشباب الذين تفتّح وعيهم على الإعلام الفضائي وعصر المعلومات لم يعد يقنعهم أن يقال لهم: يجب أن تؤمنوا إيمانا أعمى"، خاصة إذا كان ما ُيدعون للإيمان به يتصادم مع واقع العالم اليوم الذي يقدّس الحرّيات الفردية ويدعو إلى السلام والتسامح ويعلي من قدر البشر ويحترم خصوصياتهم ويراعي كرامتهم.
إن الإيمان بالدين ليس إيمانا أعمى، ولا يجب أن يكون، إذ أن ذلك يفترض أن الإنسان غبيّ وساذج وبلا عقل ومن السهل أن ينقاد ويسلم دماغه لمن يتحكّم به ويفكّر بالنيابة عنه.
إن المرء لا بدّ وان يتألم عندما يسمع أو يقرأ أن فلانا من الناس هجر الإسلام وأصبح ملحدا أو اعتنق دينا آخر.
لكننا في غمرة غضبنا من مثل هذه الأمور، لا نسأل أنفسنا عن مسئولية الذين فشلوا في أن يظهروا الدين على حقيقته الصافية والبريئة، فخلطوه بشوائب العادات والتقاليد وعناصر الثقافة المحلية والايديولوجيات السياسية والحزبية الدنيوية.
إن الدين في النهاية هو مجموعة من الأفكار والقيم التي تهدف إلى تقوية الجانب الروحي والأخلاقي عند الإنسان. ومتى ُمزج بالسياسة والتقاليد تحوّل إلى مانفيستو سياسي أو حزبي ولا يعود له من صفات وخصائص الدين - في حقيقته - سوى الاسم.
قرأت الرسالة أعلاه ثم طويتها على عجل وأنا اردّد بيني وبين نفسي: اللهم لا تفتنّا في ديننا ولا تجعل الدنيا مبلغ همّنا وثبّتنا في الدنيا والآخرة يا رحيم واجعلنا من عبادك الصالحين. آمين.

Thursday, November 29, 2007

لوحات عالمية

عندما بدأت التفكير في تخصيص مدوّنة للحديث عن اللوحات التشكيلية العالمية كان في ذهني أن تتضمّن السلسلة مائة لوحة كحدّ أقصى.
لكنّي اكتشفت بعد ذلك أن من الصعب فعلا حصر اللوحات الجديرة بالتنويه والإشادة في رقم محدّد.
لذا رأيت في ما بعد أن أضيف خمسين لوحة أخرى إلى السلسلة كي تكتسب شيئا من الشمولية والتنوّع.
وقد سبق وأن ذكرت في حديث سابق انه روعي أن تكون التعليقات والشروحات المرافقة لكلّ لوحة سهلة وميّسرة وخالية من المفردات والصيغ الأكاديمية الجافّة والصعبة.
ولم يغب عن ذهني أن المدوّنة تخاطب في الأساس القارئ العادي الذي يرغب في معرفة شيء عن الفنّ التشكيلي بطريقة مختصرة ومبسّطة وبعيدا عن التفلسف غير الضروري والبلاغيات التي تهتمّ عادة بالشكل دون المضمون.
ومع بلوغ الحلقات العدد 150، يحسن إيضاح بعض الأمور التي رافقت الإعداد لحلقات المدوّنة والتي احسب أنها تنطوي على بعض الأهمية.
لا بدّ في البداية من إدراك حقيقة أظنّ أنها بدهيّة، وهي أن مجالات الإبداع ومظاهر التميّز التي يوفّرها الفن التشكيلي كثيرة ومتعدّدة بما لا يتأتّى حصره أو قياس أثره. وفي البال طبعا أن هناك العديد من الأعمال التشكيلية الرائعة التي لم تجد طريقها بعد الى المدوّنة، وأتمنّى ان يسعف الوقت في إدراجها نظرا لشهرتها الواسعة وأهمّيتها الكبيرة.
وأشير هنا وعلى وجه الخصوص إلى لوحتين: الأولى زهور عبّاد الشمس لـ فان غوخ والثانية سوسن الماء لـ كلود مونيه. هاتان اللوحتان بالذات لا أتصوّر أنهما يمكن أن تغيبا عن قوائم اللوحات العالمية المتميّزة والمشهورة وذلك لأسباب قد لا يكون هذا أوان استعراضها وشرحها.
وعلى نطاق أوسع قليلا، أتمنى أن تتضمّن السلسلة أعمالا أخرى لا تقلّ شهرة وأهمية. على سبيل المثال لا الحصر، يخطر بالبال لوحة فيلاسكيز بعنوان هيلانديراس، وجبال سييرا نيفادا للأمريكي البيرت بيرشتادت، ولوحة دافنشي المسمّاة الإنسان الفيتروفي، وخلق آدم لـ ميكيل انجيلو، والربيع لـ بوتشيللي، ولا سكابيلياتا أو رأس أنثى لـ دافنشي، وعروس الريح للنمساوي اوسكار كوكوشكا، وليلة مقمرة في نابولي للروسي شيدرين، ولوحة اوماي للبريطاني جوشوا رينولدز، ولوحة بورتريه الكونتيسة هوسونفيل للفرنسي آنغـر.
والقائمة تطول، لكن لا أتخيّل أنها يمكن أن تنتهي دون الإشارة إلى أسماء فنّية لا تقلّ أهميّة، مثل الأمريكي توماس ايكنز، والمكسيكي دييغو ريفيرا، صاحب اللوحة الشهيرة بائعة الزهور.
وقد اكتشفت أنني أغفلت ذكر بعض الأسماء الفنّية الكبيرة على ما لها من شهرة وتأثير كبيرين، الأمر الذي أعدّه احد أوجه القصور والنقص في السلسلة. على سبيل المثال، لم يسعفني الوقت ولا التركيز في أن أشير إلى شيء من لوحات فنّان عصر النهضة الايطالي الكبير كارافاجيو. وإذا توفّر الوقت الكافي سأختار لوحته الجميلة عشاء في ايموس أو لوحته الاخرى غشّاشو الورق ضمن اللوحات التي تستحقّ التنويه.
وفي الختام، اتقدّم بالشكر الجزيل الى كافة الزملاء والزميلات على تشجيعهم ودعمهم المتواصل. كما أثمّن رغبة العديد منهم ممّن أرسلوا إليّ عبر البريد الاليكتروني مطالبين بأن تستمرّ حلقات المدوّنة لبعض الوقت. وقد قرّرت في النهاية النزول عند رغبتهم راجيا أن يستمرّ تفاعلهم مع ما يُطرح سواءً بالنقد أو بالتقويم وحتى بالمشاركة في اختيار اللوحات التي يرون انها تستحق أن تُضمّن في السلسلة. مع خالص التحيّة للجميع.

Tuesday, October 23, 2007

صورة مدام ريكاميـيه

جلست البارحة أتأمّل إحدى لوحات الفنّان رينيه ماغريت التي رسمها اعتمادا على لوحة معروفة جدا للرسّام الفرنسي دافيد.
وكان دافيد قد رسم في العام 1800 لوحة لـ مدام ريكامييه التي قيل إنها كانت أجمل امرأة في زمانها. وقد كانت بالإضافة إلى جمالها الباهر سيّدة تهوى الفنون والشعر والأدب، لذا كان صالونها يضمّ نخبة المجتمع الباريسي آنذاك من ساسة وأدباء وفلاسفة وفنانين.
ماغريت، بأسلوبه السوريالي الجامح وميله لمزج الفنّ بالفلسفة والأفكار الوجودية، قام برسم نسخة مشابهة تقريبا لبورتريه دافيد عن مدام ريكامييه، لكنه استبدل صورة المرأة بصورة تابوت تتدلّى من أسفله قطعة صغيرة من القماش.
وقد أراد ماغريت من خلال لوحته أن يقول إن تلك القطعة من القماش هي كلّ ما تبقى من تلك السيّدة التي كانت أثناء حياتها ملء السمع والبصر ومحطّ إعجاب الناس واهتمامهم.
والحقيقة أن لوحة ماغريت أثارت في ذهني مجدّدا نفس ذلك السؤال القديم الذي طالما شغلني واشغلت به غيري ممن اعرفهم وارتاح للحديث معهم في مثل هذه المواضيع المحيّرة والشائكة.
وأذكر أنني أبديت يوما ملاحظة لزميل ختمتها بسؤال صغته على الشكل التالي: إذا كان الموت هو النهاية الطبيعية لكل مخلوق على هذه الأرض، وإذا كان الموت نفسه ينهي أي وجود مادّي أو فيزيائي للإنسان من على هذه الأرض، فما مبرّر لهاثنا المحموم وراء متع وملذّات الدنيا ونحن نعرف أن الموت هادم اللذات وأن كل اثر لهذه المتع الدنيوية التي نجري وراءها ولا نشبع أو نرتوي منها ينتهي بعد أن نموت وينقطع كل اثر لنا من هذا العالم.
واتذكّر أن ذلك الزميل ردّ على تساؤلي بسؤال آخر عندما قال: هل تعرف انك بهذا السؤال تكون قد وضعت قدمك على أولى العتبات التي تفضي، مع أسئلة أخرى متفرّعة عنه، إلى جوهر الفلسفة البوذية والكيفية التي ينظر بها البوذيّون إلى قضايا معيّنة مثل مفهوم ووظيفة الجسد الإنساني وطبيعة وقيمة وجود الإنسان على هذه الأرض ومصير الإنسان بعد الموت، وغيرها من الأسئلة المصيرية الكبرى.
وقد فهمت بعد ذلك أن الجسد عند البوذيين ليس أكثر من قطعة قماش يلبسها الإنسان ثم يخلعها عند حلول الموت.
ورغم أن البوذية لا تعتقد بوجود جنّة ونار أو حساب أو عقاب، فإن الموت عندهم ليس هو النهاية وإنما بداية لحياة أو حيوات أخرى تتخلق من خلال التناسخ أو انتقال الروح في جسد آخر.
وربّما لهذا السبب نجد الحكيم الهندي اوشو يوصي الإنسان بأن لا يثقل على نفسه كثيرا بالتفكير في ما وراء واقعة الموت، وان يمتّع نفسه في كل لحظة يعيشها في هذه الدنيا، لان لا احد، على حدّ قوله، يعرف يقينا ماذا ينتظرنا بعد الموت.
لقد قرأت سيرة كازانتزاكيس بكثير من الانبهار والدهشة، وكان احد أسباب إعجابي بذلك الكتاب العظيم هو أن كازنتزاكيس تحدّث فيه مطوّلا وبعمق عن نفس هذه الأسئلة التي كانت ولا زالت تشغلني ولا اشكّ أنها تشغل الكثيرين غيري: ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يموت، ولماذا يموت البشر أصلا، وما حاجة الله سبحانه لأن يُميت الإنسان ويفنيه، وأيّ فائدة تعود على الشخص الميّت من تذكّرنا إيّاه بالمدح أو الذمّ، ثم أيّ أهمية في أن يترك الإنسان خلفه نسلا يحفظون اسم سلالته وشجرة نسبه وهو أصلا محكوم بالفناء الأبدي!
لقد ماتت مدام ريكامييه منذ أكثر من مائة وخمسين عاما. ومات قبلها الفنان دافيد بخمسة وعشرين عاما. ثم مات في إثرهما ماغريت. وبقي من المرأة ما تحفظه بطون الكتب عن جمالها الخارق وحضورها الطاغي، وبقي من الرسّامَين لوحتاهما الشهيرتان اللتان رسماهما لتلك المرأة.
وعلى طريقة ماغريت الشاطحة والمستفزّة، يمكن لأيّ إنسان أن يطرح سؤال مماثلا عن جدوى أن يكون الإنسان مشهورا أو مغمورا، طيّبا أو سيّئا، بعد أن يموت.
وأيّ قيمة أو منفعة مادية أو معنوية يمكن أن تعود على الموتى من ذكر الأحياء لهم بالخير أو بالشرّ.
وأختم حديثي بالآية القرآنية الكريمة: "إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار". صدق الله العظيم.

Thursday, October 18, 2007

مسلسل نمر بن عدوان

أطرف ما قرأت من تعليقات حول المسلسل الرمضاني "نمر بن عدوان" كان كلاما كتبه عضو في احد منتديات النقاش عندما قال: كنت أظن أن نمر بن عدوان فارس وبطل، ومع ذلك لم نرَ طوال المسلسل غير رجل لا يجيد سوى البكاء والتوجّع".
واعتقد أن هذا الوصف لا يبتعد كثيرا عن الحقيقة. ورغم أنني لا أحبّ مشاهدة المسلسلات عادة، فقد تابعت بعض حلقات ذلك المسلسل من باب " مجبر أخاك لا بطل"، وبحكم أن القريبين مني كانوا حريصين على متابعته.
وقد لاحظت أن مخرج المسلسل اختار ممثلا غير معروف تقريبا للقيام بدور نمر. كما اختار، لأسباب مجهولة، أن تقوم بدور زوجة البطل ممثلة ذات بشرة برونزية وملامح تشبه ملامح نساء ايطاليا أو اسبانيا!
وقد اسقط المخرج من المسلسل أهم واقعة في حياة البطل، وهي قتله لزوجته عن طريق الخطأ. قد يكون ذلك طلبا للسلامة واتقاءً لغضب قبيلة البطل. مع أن ما فعله نمر لا يعدّ سابقة، إذ يحفظ تاريخ العرب العديد من أسماء الرجال الذين قتلوا زوجاتهم ثم قالوا فيهنّ أعذب القصائد والأشعار!
وقد خطر ببالي أن المخرج ربّما تقصّد أن يظهر البطل بتلك الهيئة الباكية والواجمة والحزينة طوال حلقات المسلسل كإشارة خفيّة إلى أن حالة البكاء والفجيعة تلك كانت في حقيقتها تعبيرا عن إحساس البطل نمر بالندم والذنب على ما ارتكبه بحقّ زوجته، أكثر من كونه شعورا عابرا بالحزن يمكن أن يعتري أي رجل تموت زوجته ميتة طبيعية.
في احد مشاهد المسلسل رأينا نمر يتخلى فجأة عن مظهره الباكي والمنكسر لدقائق معدودات، فيمتطي حصانه الشاحب ويستلّ سيفه بعد أن اتفق مع شيخ قبيلة آخر، وهما يبتسمان، على غزو إحدى القبائل المجاورة. وقد انتهت الغارة بقتل عدد من رجال تلك القبيلة والاستيلاء على أملاكهم ومواشيهم وإبلهم وسبي نسائهم.
ولا اعلم أية قيمة درامية أو فنية يمكن أن يبرّر بها المخرج حشره لتلك اللقطة العجيبة التي قد لا تدلّ سوى على خيبة البدو وتخلف العادات العشائرية التي تضفي على مثل تلك التصرّفات الهمجية صفات الإقدام والشجاعة والفروسية.
هذا المسلسل واضح انه حظي بإقبال جماهيري كاسح. والحقيقة أنني لم أفاجأ كثيرا عندما علمت أن بعض النساء على الانترنت أصبحن يضعن صورة نمر بجانب أسمائهن في غرف الدردشة والبالتوك ومنتديات الحوار.
قد يكون السبب هو أن المجتمعات العربية، في الغالب الأعم، هي مجتمعات ذكورية والرجال فيها معروفون بقسوتهم على النساء واحتقارهم لهن. كما أن الرجل العربي بطبيعته بخيل في إظهار عواطفه تجاه النساء، يستوي إن كانت المرأة زوجته أو أخته أو ابنته.
ومن الواضح أن حزن نمر المضني وبكائياته المبالغ فيها على رحيل زوجته، كلّ ذلك وفّر للنساء عامل إزاحة نفسية، بمعنى انه منحهن إحساسا نسبيا بالارتياح والرضا عن النفس والرغبة في أن يتمثل الرجال نموذج بطل المسلسل في وفائه ومحبّته لزوجته ومعاملته إياها كمخلوق موفور الكرامة والإنسانية.
وهي أمور تفتقدها المرأة العربية كثيرا لأسباب ثقافية ودينية واجتماعية.
قد تكون هذه إحدى حسنات المسلسل البكائي الطويل. أما اكبر سيئاته فهو انه قدّم نمر بن عدوان في هيئة تناقض ما استقر في أذهان العامّة عن فروسية الرجل ورباطة جأشه وصبره على المكاره.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة هو: ترى ما الفائدة التي نجنيها من نبش التراث العشائري الآن واستعادة تاريخ حياة رموزه المليئة بأخبار الغزو والغدر والسلب والنهب؟!

Thursday, October 11, 2007

أيّام في الرياض

الرياض هذه الأيام تبدو مزدحمة وصاخبة إلى حدّ ما رغم أنّنا في رمضان.
والحقيقة انك أينما ذهبت أو اتجهت ستلاحظ أن ثمّة حركة وتغيّرا في كل اتّجاه: بنايات جديدة، مشاريع، أسواق، طرقات، توسعات، وباختصار حركة لا تهدأ ولا تتوقّف.
كان مفترضا ألا اقضي أكثر من يومين، ومع ذلك امتدّت الرحلة ثمانية أيّام كاملة بسبب كثرة المشاغل والارتباطات.
وإحدى المتع المرتبطة برمضان في الرياض هي ظاهرة تناول الإفطار والسحور الجماعي في الفنادق الكبرى. وهي متعة لا تدانيها سوى متعة الإحساس بروحانية الشهر الفضيل وانضباط الناس وتآلفهم.
وقد تنقلنا في أكثر من فندق وكانت البوفيهات المفتوحة عامرة بشتّى صنوف الأطعمة والمأكولات.
وقد لاحظت أن معظم من يرتادونها هم من غير السعوديين، وإذا كان هناك سعوديون فقد كانوا من الرجال حصرا، والعدد القليل من العائلات السعودية اختار أفرادها أن يجلسوا في الأماكن المنزوية والبعيدة.
وفي إحدى الليالي فاتنا موعد الإفطار لسبب لا دخل لنا فيه فقصدنا احد الفنادق الكبيرة حوالي العاشرة ليلا لعلّنا نظفر ببعض الطعام.
ورغم أن الجلسة في حديقة الفندق لم تكن تخلو من إحساس بالحميمية والاسترخاء، فإن الطعام الذي ُقدّم لنا كان بلا مبالغة اسوأ طعام ذقته في حياتي رغم تكلفته المبالغ فيها.
وقد فضّلنا بعد ذلك المقلب أن نتوجّه إلى مقهى الفندق لنكتفي بتناول القهوة وبعض الحلوى، ونمنا تلك الليلة ببطون شبه خاوية.
سائقو التاكسي في الرياض يمثلون ظاهرة مستقلة بذاتها. فكلّ واحد منهم يخبّئ الكثير من القصص والحكايات، بعضها غريب والبعض الآخر يعكس الأفكار النمطية المغلوطة التي اختزنوها في عقولهم عن الرياض وأهلها.
والقليل من السائقين لا تخلو أحاديثهم من بعض الملاحظات والإشارات التي تستدعي الوقوف والتأمّل، مثل ذلك الباكستاني الذي استغلّ فرصة توقّفنا عند الإشارة الضوئية ليشير إلى بعض البنايات والعمائر العالية وهو يقول: من حكمة الله أن الإنسان لا يعيش أكثر من ستّين أو سبعين عاما.
ولما سألته عن مناسبة كلامه قال: لو عاش الإنسان أطول من ذلك العمر لطاولت بيوته وعماراته عنان السماء ولتحوّل الهواء إلى أبراج وقلاع تسدّ المنافذ وتحبس الأنفاس وتشوّه الطبيعة.
ثم التفت نحوي بعينين تلمعان وقال وهو يعضّ على كلماته: هل تعرف؟! إن السعادة ليست في المال ولا في البنيان. السعادة هي في راحة البال ونقاء الضمير، وأنا لم احلم في يوم من الأيام أن اجمع ثروة أو أتقلد منصبا. ومع ذلك فإنني أتخيّل أنني إنسان سعيد وخال من الهموم. إنني أعيش يوما بيوم، ومع ذلك أنام هادئ البال قرير العين، وأؤمن أن الغد في علم الغيب وان الله يغيّر من حال إلى حال وانه لا يريد من عباده إلا أن يكونوا متراحمين وعطوفين ومتسامحين".
تعجّبت من كلام السائق الباكستاني البسيط وأدركت أن حديثه لا يخلو من حكمة وبعد نظر.
وقد أنستني تلك الخطرات الفلسفية الذكية التي جاد بها الروائح الحارقة التي شممناها في سيّارته التي كانت تنوء بروائح السغائر والعرق.
المشكلة الحقيقية التي واجهناها في ختام زيارتنا للرياض كانت في العثور على مقاعد على الرحلات الجوية المغادرة. فكلّ الرحلات ممتلئة عن آخرها، وحتى التسجيل في قوائم الانتظار كان متعذّرا بل ومستحيلا بسبب الازدحام الشديد..
وقيل لنا إن هذه الحال ستدوم لشهر أو أكثر. وقرّرنا أن نقصد شركتي الطيران الجديدتين اللتين قيل إنهما ستسهمان في تسهيل حركة الناس وتقليل معاناتهم في الحجز.
لكننا فوجئنا بنفس المشكلة. وكانت معاناة المئات من الناس مثلنا مؤشّرا آخر على التسيّب والفوضى والتخلف في أوضح صوره. وقد سمعت في مطار الرياض الكثير من التعليقات من أفراد سعوديين بلغ بهم الإحباط والغضب أشدّه، وبعضهم قال إن العقلية الاحتكارية لا يمكن إلا أن تخلق مثل هذه الدرجة من المعاناة والتخلف الإداري والتنظيمي. ولو كان هناك من يتحسّس معاناة الناس ويعمل على تسهيل أمورهم لزيد عدد الرحلات أو لتمّت الاستعانة، إذا لزم الأمر، بشركات طيران أجنبية لتسيير رحلات على الطرق الداخلية المزدحمة وهو ما تفعله معظم البلدان في مثل هذه الظروف".
وقد رأيت راكبا آسيويا يتحدّث مع موظف إحدى الشركتين المذكورتين، وفهمت أن الرحلة فاتته لتغيّب الموظف المناوب الذي يصدر للراكب بطاقة الصعود. وكان الآسيوي يريد استعادة نقوده التي دفعها لعدم استفادته من الخدمة، فما كان من الموظف إلا أن أشاح بوجهه بعيدا عنه وهو يقول بعنجهية واضحة: ما عندنا "كانسيليشن" ولا "ريفند"! أي أن حقّ المسكين ضاع وفلوسه نُهبت بسبب تخلّف ولا مسئولية موظّفي الشركة وغياب القوانين التي تنصف الناس وتحفظ لهم حقوقهم.
المهم، في اللحظة الأخيرة ومع استحالة العثور على مقعد قرّرنا على مضض الاستعانة بصديق عزيز، وجاءنا الفرج أخيرا عندما اقبل علينا باسما مستبشرا وهو يحمل في يده البوردنغ كاردز.
ولم نضيّع وقتا، فاتجهنا مباشرة إلى صالة المغادرة ونحن غير مصدّقين ما حدث ولم نلتقط أنفاسنا ونتبيّن حقيقة ما رأيناه في المطار من معاناة وتخبّط سوى بعد أن استقرّ بنا المقام على مقاعد الطائرة المغادرة.
في الختام، كلّ عام وانتم بخير وعيد مبارك على الجميع.

Wednesday, September 12, 2007

كلمات مضيئة


لا أعلم من قال هذه الكلمات لكنّني قرأتها ولا أدري أين.
ربّما كان ذلك في كتاب أو في مجلة أو جريدة. لم أعد اتذكّر بالتحديد.
لكنّها ما تزال ترنّ في أذني ويتردّد صداها في وجداني وعقلي. وما أزال إلى اليوم أستذكر هذه الكلمات وأتمعّن في صدقها وعمق معناها وروعة صياغتها.

وطـن:
أيّ بقعة في الأرض يجد فيها الإنسان حقّه وكرامته فهي وطنه. وأيّ ثقافة تحقّق للإنسان سلمه وأمنه وسعادته فهي ثقافته. وأيّ لغة تحقّق للإنسان تواصله ومعرفته وفهمه فهي لغته. وأيّ مجتمع يحقّق للإنسان احترامه وآدميّته وخصوصيّته وحرّيته فهو قبيلته. لذا لا زلت أبحث عن وطن أفضل وقبيلة أحسن يستحقّان أن اقدّم روحي ودمي وكلّ ما أملك فداءً لهما.

الأزهار:
الأزهار هي الشيء الوحيد الذي خلقه الله ولم يمنحه روحا، ذلك لأنه يريد لنا أن نعكس أرواحنا فيه.

مكان خفيّ:
كل واحد منّا عنده مكان خفيّ.. مكان ما في أعماق نفوسنا نذهب إليه لننعزل فيه، لنتوحّد، ونكون أنفسنا فقط. هذا المكان الفريد الذي نواجه فيه مخاوفنا العميقة، يصبح مع الأيام مستودعا لكلّ آمالنا واحتياجاتنا وأحلامنا وحتّى مخاوفنا المكتومة. انه يضمّ جوهر كينونتنا وماذا نريد أن نكون. لكن في لحظة ما، وسواءً كان ذلك تخطيطا أم بمحض الصدفة، يكتشف شخص ما طريقه إلى ذلك المكان الذي كنّا نعتقد انه مكاننا الخاص. ونسمح لذلك الشخص أن يرانا ويحسّ بنا وأن يشاركنا كل مشاعرنا التي أودعناها هناك. ومع الأيام يضيف ذلك الشخص معنى لمكاننا الخفي. وبعدها يستقرّ بهدوء في تلك الزاوية الصغيرة من المكان حيث يبقى جزء منه هناك وإلى الأبد. ذلك الشخص هو الذي نسمّيه الصديق.

تصبح.. عندما:
تصبح سعيدا عندما ترى زهرة وتكون ممتنّا لتلك النعمة.
وتصبح قويّا عندما تحتوي حزنك وتعلّمه أن يبتسم.
وتصبح حكيما عندما تدرك حدود حكمتك.
وتصبح حرّا عندما تتحكّم في نفسك ولا ترغب في التحكّم بالآخرين.
وتصبح كريما عندما تجد أن كرامتك تكمن في احترام كرامة الآخرين.
وتصبح شجاعا عندما تتغلب على الخوف وتساعد الآخرين على فعل الشيء نفسه. وتصبح محبّا عندما لا يعميك ألمك عن رؤية آلام الآخرين.
وتصبح حيّا عندما تكون أمال الغد بالنسبة إليك أكثر أهمّية من أخطاء الماضي. وتصبح كبيرا عندما تعرف من أنت وليس ماذا ستكون.
وتصبح سخيّا عندما تستطيع أن تعطي بقدر ما تأخذ.
وتصبح متواضعا عندما لا تعرف إلى أي مدى أنت متواضع.
وتصبح رحوما عندما تغفر للآخرين الأخطاء التي تنكرها على نفسك.
وتصبح جميلا عندما لا تحتاج لمرآة لكي تخبرك بذلك.
وتصبح غنيّا عندما لا تحتاج أبدا لأكثر مما عندك.

Tuesday, September 11, 2007

محطّات

سحر الصورة


تابعت جانبا من تعليقات القرّاء على صورة فوتوغرافية كانت وكالة الأنباء الإيرانية قد وضعتها على موقعها الاليكتروني ثم لم تلبث أن سحبتها منه دون إبداء الأسباب.
لكن الصورة كانت قد وجدت طريقها إلى العديد من المواقع الاليكترونية ومنتديات النقاش واستقطبت الكثير من التعليقات ووجهات النظر المتباينة، ما يثبت مرّة أخرى ما للصورة من سطوة وتأثير في إذكاء روح النقاش وصوغ الأفكار والقناعات.
الشخص الذي وضع الصورة، وهو إيرانيّ على ما يبدو، اختار لها عنوانا طريفا وموحيا هو "الجميلة والوحوش"، وفيها يظهر أحد أفراد الشرطة الدينية الإيرانية، وهي امرأة صارمة الملامح ترتدي التشادور والملابس السوداء، أثناء محاولتها اعتقال فتاة تبدو بهيئة أنيقة وعصرية وترتدي "جاكيت" أحمر اللون، في إطار حملة يقول المحافظون إنهم يريدون من ورائها فرض "زيّ إسلامي موحّد" على جميع النساء في البلاد.
وقد قرأت جزءا من تلك التعليقات وفهمت من بعض ما قيل أن لون الجاكيت الأحمر هو ما أثار غضب الشرطة الدينية على الفتاة. وجاءت التعليقات مثيرة للاهتمام وبعضها الآخر لا يخلو من منطق، مثل الشخص الذي كتب يقول إن الإسلام يحثّ على الحشمة، لكن طالما أن المرأة تغطّي جسدها في حدود ما أمر به الشرع، فأين المشكلة؟
ومتى كان ارتداء لباس من لون معيّن، أحمر أو غيره، يشكّل تحدّيا للدين أو العرف؟
ولأن الموضوع يتناول عنصرا يتعلّق بالمرأة، فقد كان طبيعيا أن يمتدّ النقاش ليشمل أمورا أخرى ذات صلة بالموضوع، مثل جرائم الشرف وما يُسمّى بحدّ الزنا، و"هما ممارستان مخزيتان ونتاج للعقلية البدائية التي كانت سائدة قبل ظهور الأديان"، كما قال احد المعلّقين.
وقد واستشهد بعض من علّقوا بكلام لطارق رمضان ومهاتير محمد وفاطمة المرنيسي، الذين يُنظر إلى مواقفهم وأفكارهم على أنها تمثّل روح الإسلام الحضاريّ والمعتدل.
وكانت هناك آراء أخرى تستحقّ التأمّل مثل الذي قال: إنه عندما ُينظر إلى الجمال باعتباره شيئا يتعيّن إخفاؤه أو منعه، عندها يجب أن ندرك أن المجتمع الذي نعيش فيه يعاني من مشكلة أو مرض".
وأضاف آخر: إن الجمال نعمة من الله، ورجال الدين والمتدّينون عموما يكرهون الجمال ومن ثمّ يكرهون كلّ امرأة جميلة. لقد فشلوا في فرض الحجاب على النساء طيلة 27 عاما بعد الثورة، وهم اليوم يريدون إعادتنا إلى ما كانت عليه النساء أيّام طالبان".
ومع ذلك وبرغم كل ما قيل وكُتب، تظلّ حال المرأة الإيرانية أفضل بكثير من حال النساء في بعض المجتمعات المجاورة، بل انه في بعض الحالات لا تجوز المقارنة على الإطلاق، لا من ناحية حرّية اللباس والمظهر الخارجي ولا من حيث مساحة الهامش الذي تتحرّك فيه المرأة لتعمل وتنتج وتبدع.
على هذا الرابط ضمن موقع Flickr نقاش متّصل لا يقف عند ظروف التقاط الصورة بل يتّسع ليشمل موضوع لباس المرأة عموما والعوامل السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية التي تؤثّر فيه وتحدّد طبيعته.

❉ ❉ ❉

جماليات العمل الفنّي


الفنّ موجود في كلّ مكان حولنا. وبالإمكان رؤية الكثير من أشكاله ومظاهره في حياتنا اليومية. وهو موجود معنا منذ زمن طويل، حتى قبل أن يتعلّم الإنسان فلاحة الأرض وزراعتها. ويمكن رؤية الأعمال الفنّية في العديد من الكهوف التي تُظهِر صورا لبشر يصطادون الجواميس وغيرها من الحيوانات البرّية. هذه هي الأعمال الفنّية التي أبدعها أسلافنا الأوّلون. وكانت تلك هي طريقتهم في تسجيل التاريخ وإعلامنا بطريقة ما كيف كانت تبدو حياتهم وأسلوب عيشهم.
العمل الفنّي تاريخ لا ينتهي. وعلى الأرجح سيظلّ بلا نهاية طالما أن بوسع الإنسان استخدام عقله كي يخلق ويبدع.
لكن، ابتداءً، ما هو العمل الفنّي؟ العمل الفنّي يمكن أن يكون أيّ شيء قادر على أن يثير انفعال الشخص الذي يراه. يمكن، مثلا، أن يكون لوحة أو تمثالا مصنوعا من الجبس أو الطين. ويمكن أن يكون أيّ شيء طالما انه يصوّر مشاعر الفنان أو ما يريد الفنّان من المتلقّي أن يفهمه من خلال عمله.
كما أن لأيّ عمل فنّي أغراضا متعدّدة، أهمّها انه يمكن أن يكون بمثابة سجلّ للتاريخ. وأبسط مثال على هذا رسومات الكهوف التي ما تزال تخبرنا عن شكل الحياة في الماضي.
العمل الفنّي يمكن أيضا أن يوفّر متنفّسا لمشاعرنا. هناك لوحات كثيرة عندما ننظر إليها نجد فيها انعكاسا لما نشعر به من حالات فرح أو حزن. عندما تبدع عملا فنّيا فإنك إنما تعبّر من خلاله عن نفسك كشخص وعن طبيعة أفكارك وانفعالاتك. والتعبير عن الذات هو طريقة صحّية في التنفيس عن المشاعر.
أيضا قد يسهم العمل الفنّي في أن يُظهر لنا جوانب قد نجهلها عن العالم الذي نعيش فيه. فنّ التصوير الفوتوغرافي هو مثال واضح على هذا. فمن خلال الصورة بإمكاننا أن نعرف المزيد عن هذا العالم وعن معاناة الإنسان فيه والتي قد نغمض أعيننا أحيانا عن رؤيتها.
التصوير أداة قويّة جدّا في إثارة العواطف، كما انه يكشف لنا عن الكثير من الحقائق العارية عن حياتنا وعن أنفسنا. لكن هذا النوع من الفنّ يمكنه أيضا أن يثير فينا مشاعر طيّبة مثل التعاطف والسعادة والأمل بالمستقبل. والأمر في النهاية يعتمد على الأفكار التي يوظّفها المصوّر في عمله.
الأعمال الفنّية موجودة حولنا في كلّ مكان: في المنازل والمكاتب وكذلك في المتاحف والمعارض الفنّية.
والأعمال الفنّية البسيطة التي يقوم بها الإنسان في حياته اليومية من تزيين وزخرفة ما هي إلا محاولة لتجميل بيئته الصغيرة ومن ثم إضفاء شيء من البهجة والمتعة على حياته.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

عريشة البرتقال


كان توماس فيرنلي (1802 - 1842) رسّاما نرويجيا من أصول انجليزية. وقد اشتُهر برسم الحدائق. لوحته هنا اسمها عريشة البرتقال، وهي تُعتبر إحدى تحف هذا النوع من الرسم.
كان فيرنلي عضوا في جماعة من الفنّانين الاسكندينافيين كان من بينهم كريستيان دال ويوهان ايكرسبيرغ. وقد أسهم هؤلاء في تدشين العصر الذهبيّ للرسم في شمال أوربّا خلال القرن التاسع عشر.
كان توماس فيرنلي يرى أن دراسة الجوّ لا يمكن أن تتحقّق بالكامل في الأضواء الصافية للمتوسّط. لذا سافر عام 1832 وهو في سنّ الثلاثين إلى الجنوب الأوربّي قاصدا روما. ويُرجّح انه رسم هذه اللوحة عندما كان هو وعدد من زملائه في زيارة لـ نابولي بجنوب ايطاليا.
وتصوّر اللوحة عريشة ضخمة اصطفّت على جانبيها أشجار البرتقال. وقد استخدم الرسّام أسلوب المنظور الواحد كي يخلق ممرّا مركزيا في عمق المنظر. كما أجاد في تصوير الضوء الذي يخترق الفراغات بين الأعمدة.
تأثيرات الضوء والظلال توحي بأن اللوحة رُسمت في فترة ما بعد الظهيرة. وهناك شخص وحيد يجلس في نهاية الممرّ وهو يمسك بكتاب أو لعلّه يرسم. وقرب الواجهة هناك آنية خزفية ضخمة تضمّ بعض الأزهار.
الأعمدة القائمة على طرفي الممرّ تبدو قديمة ومتهالكة نوعا ما، وهو ملمح شائع في الحدائق بشكل عام.
اهتمام الرسّام بالتفاصيل لافت، وبوسع المرء أن يرى أوراقا ونباتات في كلّ مكان. والإحساس العامّ الذي تثيره اللوحة هو مزيج من الهدوء والسكينة.
ورغم أن اللوحة صغيرة، إلا انه من الواضح أنها شُيّدت بعناية. كما يمكن اعتبارها أكثر من مجرّد دراسة لحالة الضوء والظلال في منتصف النهار.
من الأشياء المثيرة للانتباه أيضا الضوء الرقيق الذي يتخلّل الأسطح والطوب والأوراق. وواضح أن الرسّام استخدم فرشاة صغيرة وألوانا مرهفة وذات وهج خفيف.
عريشة البرتقال لوحة رُسمت بطريقة متوازنة وحسّاسة، ما يجعلها واحدة من أفضل الأعمال التشكيلية في هذا النوع من الرسم.

Monday, September 10, 2007

شعار الإسلام هو الحلّ

من وقت لآخر أمرّ على مدوّنة "العراق النموذج Iraq, the Model" لأقرأ ما يكتبه مدوّنوها عن أحوال العراق ومستجدّاته وما سيحمله له المستقبل من أحداث وتطوّرات.
ومن الواضح أن هذه المدوّنة تتمتّع بشهرة واسعة ومتابعة مستمرّة من قرّاء كثيرين، وأحد الشواهد على ذلك كثرة الزوّار والتعليقات لدرجة أن احد المواضيع اجتذب 630 تعليقا وهو رقم يكون يكاد يكون قياسيا في عالم المدوّنات.
ومع أن محرّري المدوّنة، وهم ثلاثة أشقاء عراقيين كما يقال، يتبنّون بالكامل تقريبا وجهة النظر الأمريكية حول العراق ويبرّئون الإدارة الأمريكية من أية مسئولية عمّا آلت إليه الأمور في ذلك البلد، فإن كتاباتهم لا تخلو أحيانا من التحليل المنطقي والمعلومة المفيدة.
أحد محرّري المدوّنة كتب موضوعا من جزأين ظهر الثاني منهما أمس، وقد خصّص الموضوع لمناقشة شعار "الإسلام هو الحل" الذي ترفعه بعض الجماعات الإسلاموية وترى في تطبيقه الخلاص الذي تنتظره الشعوب الإسلامية بفارغ الصبر..
الكاتب أشار في مقاله إلى أن السنّة والشيعة سواء من هذه الناحية. فالمالكي، رئيس الوزراء العراقي الحالي، لا يختلف عن أيّ زعيم اسلاموي آخر يرى أن الإسلام هو الحلّ وأن عند رجال الدين والملالي الحلّ المنشود لوضع هذه الفكرة موضع التنفيذ.
ولهذا السبب يذهب المالكي من وقت لآخر إلى المرجع الشيعي الأعلى السيّد السيستاني كي يطلب مشورته ويلتمس بركته. في حين أن الرجل، أي السيستاني، عزل نفسه في غرفة صغيرة في احد أزقّة النجف. وشخص في مثل سنّه لا يتوقّع أن يحلّ أية مشكلة بمجرّد إصدار فتوى.
ويمضي الكاتب قائلا: لقد رأينا الكثير من الفتاوى والبيانات التي أصدرها رجال دين من كلا الفريقين والتي تدعو العراقيين إلى الهدوء ونبذ العنف، لكن الوضع لم يتغيّر أبدا على الأرض.
والسبب يكمن في حقيقة أن الإسلام السياسي هو المشكلة وليس الحل، وهذا لا ينطبق فقط على العراق بل على كلّ الدول العربية المليئة بحركات الإسلام السياسي.
لقد فشل الإسلاميون في توفير فرصة لحياة أفضل للناس سواءً عندما كانوا في المعارضة أو عندما استلموا زمام السلطة. وهذا هو السبب في أنهم يحاولون الترويج لفكرة الموت بدلا من الحياة. لقد فشلوا في توفير حياة أفضل للناس فلجئوا إلى شعار الموت و"الاستشهاد" ليعدوا الناس بحياة أفضل، لكنها حياة متخيّلة ولا علاقة لها بالواقع.
ثم يعرّج الكاتب على خطاب أسامة بن لادن الأخير والذي دعا فيه الأمريكيين للدخول في الإسلام! ويتساءل: أي إسلام يريد بن لادن وأتباعه للأمريكيين أن يدخلوه؟ أهو الإسلام الحنفي أم الشافعي أم السلفي أم الشيعي بأنواعه وتفريعاته المختلفة؟
لقد كان الأولى بابن لادن أن يترك للناس حرّية اختيار دينهم، لكن هذا ليس جزءا من أيديولوجية التعصّب والظلام التي ترى في كلّ من لا يدين بدينها عدوّا يجب محاربته، وتحتقر الديمقراطية وكلّ من يؤمن بها سواءً في العراق أو في أيّ مكان آخر.
ويواصل الكاتب كلامه بالقول أن هذه الرسائل المجنونة لا يمكن أن تأتي إلا من سلفي متطرّف مثل بن لادن، وهي تذكّر برسالة الخميني الراحل التي طلب فيها من زعماء موسكو قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي أن يتحوّلوا إلى الإسلام لان "الإسلام هو الحل"! والفكرة هنا هي أن هذا الشعار لا يقتصر على طائفة دون أخرى بل هو جزء من ايديولوجية اسلاموية شمولية متجذّرة عميقا في عقول ونفوس أولئك الذين يريدون إحياء حكم الخلافة.
وقد فشلت كل الأنظمة التي تتّبع هذه الأيديولوجية في تقديم نموذج متحضّر للحياة واختارت بدلا من ذلك ترويج فكرة الموت تحت الشعار القديم "قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار"!
إن الأمر الأكثر مدعاة للاهتمام هو أن الدعوة لاعتناق الإسلام ما هي إلا ضرب من الفانتازيا لان بن لادن وأمثاله يعرفون جيّدا أن أمريكا والغرب عامّة لا يرمون إلى فرض دين بعينه على الناس.
ويختم الكاتب حديثه بالقول: إن رسالة بن لادن تشير إلى الحيرة العميقة في تفكير المتطرّفين، فهم يعيشون في أوهام لا علاقة لها بالواقع، وهذه ظاهرة خطيرة عندما تصبح بهذا الحجم. كما أنها لا تترك مجالا للشك في أن هؤلاء لن يتوانوا عن فعل شيء من اجل جرّ المنطقة والعالم إلى مواجهة غير محسوبة النتائج.
إن سذاجة الرسالة التي تدعو الأمريكيين إلى التحوّل للإسلام تشير إلى أن المنطق غائب كليّة عن ايديولوجية هؤلاء، الأمر الذي يعني أن الحوار معهم أو مع أمثالهم أمر عبثي ولا طائل من ورائه".

Wednesday, August 29, 2007

لو تحدّث شارع العليّا

نشر موقع Blog Critics اليوم عرضا شيّقا لكتاب جديد عنوانه "لو تحدّث شارع العليّا.. السعودية: قلب النفط والإسلام"، استعرض فيه مؤلفه الأمريكي جون بول جونز جانبا من تجربته في العيش والعمل في المملكة لأكثر من ربع قرن.
كاتب العرض ابرام بيرغن امتدح الكتاب وقال انه يقدّم صورة واقعية وموضوعية إلى حدّ كبير عن احد المجتمعات العربية وذلك بعد عقود طويلة من الصور النمطية السلبية والكاريكاتورية المبثوثة في وسائل الإعلام الأمريكية، وفي هوليوود على وجه الخصوص، عن العرب والمسلمين وعن السعودية بشكل خاص.
بدأ جونز عمله في الرياض موظفا في مستشفى الملك فيصل التخصّصي، وخلال تجربته الطويلة نسبيا في المملكة رصد من مكانه كشاهد عيان جوانب عدّة من التغييرات السياسية والدينية والإيديولوجية التي حدثت على أراضيها وتسارعت وتيرتها خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
جونز يطمح في أن يكون كتابه خطوة تسهم في تغيير المفاهيم الأمريكية عن السعودية وعن العرب عامّة، وأن يساعد الأمريكيين على فهم التحوّلات التي طرأت على العقلية العشائرية وعلاقة ذلك بالصراعات الحاصلة بالمنطقة.
يقول ابرام بيرغن في استعراضه للكتاب إن إحدى سمات هذا الكتاب هو أن مؤلفه يتحدّث عن تجربته في العيش في الشرق الأوسط بأسلوب سهل ومبسّط وهو يركّز أكثر على المسائل الخفيفة دون أن يخوض في تفاصيل أزمات المنطقة أو في خلفيات وأسباب تلك الأزمات، وهو ما يجعل الكتاب مختلفا عن الكتب الاكاديمية التي تتحدّث عن الثقافة والسياسة والحرب وتترك في نفس القارئ مشاعر هي في الغالب مزيج من الانفعال والتأثّر جرّاء ما يحدث.
ويتطرّق المؤلف إلى بعض الأحداث المفصلية التي شهدتها السعودية خلال ربع القرن الماضي مثل حادثة احتلال المسجد الحرام في مكّة والصعود المتدرّج للتطرّف الوهابي فيها.
كما يتحدّث جونز عن الحياة اليومية داخل المستشفى حيث كان يعمل وعن رحلاته إلى العديد من الأماكن، ويرفق شروحاته بخرائط عن جغرافية تلك المواقع وبعض الصور الفوتوغرافية.
وعلى النقيض من الكثير من الغربيين الذين يعزلون أنفسهم وعائلاتهم عن المجتمعات المحلية للبلدان التي يعملون بها، كان جونز يأخذ عائلته ويتجوّلون في الصحراء ويقابلون الكثير من السعوديين في المدينة وفي الطرقات.
وهذه الخطوة أتاحت للمؤلف فرصة التعرّف عن قرب على آليات التغيير الثقافي والاجتماعي في السعودية بما في ذلك تأثير نظرة الغربيين للسعوديين ولدينهم وثقافتهم.
ويتذكّر المؤلف انه في الأيام الأولى لتأسيس المستشفى التخصّصي كانت إدارته أمريكية بالكامل وبالكاد كان يمكن رؤية سعودي بينهم.
"كان السعوديون بالنسبة لنا غرباء يعيشون على الهامش وفي الأطراف، وكان الفقراء منهم يكتفون بقيادة حافلات المستشفى وسيارات التاكسي، أما الأشخاص الأفضل حالا فكانوا يعملون في البقالات. ومع ذلك كانت هناك مجموعة صغيرة من السعوديين يتقلد أفرادها وظائف إدارية لكنهم ظلوا بعيدين جدّا عن مواقع اتّخاذ القرار بالمستشفى".
ويقتبس المؤلف – والكلام ما يزال لابرام بيرغن – عبارات لكتّاب ورحّالة غربيين كبار مثل لورانس العرب وثيسيغر وغيرترود بيل ليستهلّ بها مقدّمات فصول كتابه، وليوحي للقارئ كيف أن بعض نخبة مشاهير الغرب ينظرون للآخر نظرة لا تخلو من الكراهية والشكّ.
وفي الكتاب أيضا يسجّل جونز انطباعاته عن مدينة الرياض ويتحدّث عن التحوّلات السريعة والعميقة التي شهدتها طوال نصف قرن. ويقول إن معظم سكّان البادية تخلوا عن أسلوب حياتهم البدوية لمصلحة توطينهم في الحواضر، وهو أمر أدّى إلى نشوء العديد من المشاكل ليس اقلها تزايد الإصابة بمرض السكّري وما في حكمه من أمراض المدنية الحديثة.
ويتوقّف المؤلف للحديث عن التحوّلات الثقافية والدينية التي لم يسلم منها المستشفى نفسه حيث كان يعمل. "صحيح انه حدث تغيير في الإدارة وهذا كان تطوّرا ايجابيا في حدّ ذاته، لكن في الجانب السلبي أصبح دور المطاوعة في المستشفى أكثر حضورا وتطفّلا".
ويضيف: "لقد كانت فترة منتصف الثمانينات هادئة والأجواء أكثر استرخاءً، فالرجال والنساء كانوا يعيشون سويّة في السكن الداخلي للمستشفى. وعندما كانت تقام حفلات تحييها موسيقى الغرفة في الفندق الدولي كانت تلك الحفلات مفتوحة للرجال والنساء معا، وكان السعوديون يجلسون إلى جوار غير السعوديين ليستمعوا ويستمتعوا.
لكن في ما بعد ومع حلول الألفية الجديدة، أصبح المطاوعة يتجوّلون في الطرقات ويحرسون الأخلاق العامة ويفتحون باب العداء والعنف ضدّ الغربيين".
وفي فصل آخر من الكتاب يتحدّث المؤلف عن بعض مظاهر العداء للعرب في الغرب من خلال تأطيرهم عنصريا ووصمهم جميعا بالعنف والإرهاب.
ويعرّج جون بول جونز على حادثة التقائه بتوماس فريدمان الكاتب في جريدة النيويورك تايمز ويتحدّث كيف أن هذا الأخير عمد إلى تشويه كلامه عندما نقل عنه انه شاهد الأطباء والطبيبات من السعوديين داخل المستشفى وهم يرقصون احتفالا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن فريدمان تجاهل بقية كلامه عندما قال إن عددا معتبرا من السعوديين قدّموا له تعازيهم وأن ردّ فعل إدارة المستشفى على ما حدث كان ايجابيا.
ويختم بيرغن استعراضه للكتاب بالقول: "لو تحدّث شارع العليّا" ليس مجرّد سرد شخصي مشوّق عن حياة كاتبه في السعودية وعن حكايات أسفاره الماتعة في أراضيها، بل يمكن اعتباره أيضا كتابا مهمّا يقول الكثير من الأشياء الايجابية والسلبية عن السعودية ومجتمعها.

Monday, August 27, 2007

لا تتركوني وحيدا

سمعتُ بالأمس قصّة عن شيخ عاش حياة ممتدّة إلى أن ناهز عمره الثمانين عاما، مع ما يرتبط بهذه السنّ من متاعب وعلل الشيخوخة المختلفة.
شيئا فشيئا بدأ الرجل يحسّ باقتراب المنيّة، وصاحب ذلك الإحساس شعور متزايد بالخوف والاضطراب، وذات ليلة وقد أصبح على بعد خطوات من القبر أجهش بالبكاء وقال لزوجته وأولاده بصوت مكتوم وكلمات مرتعشة: لا تتركوني وحيدا في الحفرة"!
وكان يقصد بالحفرة القبر الذي جهّز ليدفن فيه.
وشعر أفراد العائلة بالألم والفجيعة مما سمعوه فانخرطوا جميعا في البكاء لهول الموقف وعجزهم وقلة حيلتهم إزاءه.
أهم دلالات هذه القصّة هي أن الخوف من الموت خوف غريزي ومتأصّل في فطرة الإنسان. إذ بالرغم من أن ذلك الشيخ كان قريبا إلى الله مداوما على أداء الفروض والواجبات الدينية ومؤمنا بالقضاء والقدر وبأن الموت قدر محتوم على كل إنسان، فإن ذلك كله لم يفلح في إزالة أو تخفيف رهبة الموت من نفسه.
كما بدا أن الرجل لم يكن قد تصالح بعد مع فكرة الموت، على الرغم من انه عاش كل هذه السنوات الطوال وأخذ نصيبه من الدنيا بما فيه الكفاية.
هذه القصّة، وغيرها من القصص المشابهة التي سمعتها، أثارت في خاطري سؤالا يمكن أن يصاغ على النحو التالي: أيهما أكثر تصالحا مع فكرة الموت وتسليما بها، المسلم أم المسيحي؟
أظن – والله اعلم – أن الغربيين يتقبّلون فكرة الموت برضا وتسليم اكبر من ذلك الذي عند المسلمين. وأحد الشواهد التي تدعم هذا الافتراض أن كثيرا من الغربيين يخطّطون لمراسم الجنازة كما لو أنهم يخطّطون لحفلات زواجهم ومناسبات أنسهم وفرحهم.
بل إن بعضهم يختار مسبقا شكل الكفن ونوعية الملابس التي سيدفن بها والأشياء والتذكارات التي ستوضع معه في قبره.
وقد يمتدّ ذلك أحيانا إلى تحديد أسماء الأصدقاء والمعارف الذين سيحضرون المأتم من رجال دين ووعّاظ ومتحدّثين وخلافه.
في الإنجيل ليس هناك حديث كثير عن الجنة والنار. غاية ما في الأمر انه إذا مات المؤمن المسيحي فإن يسوع الربّ يكون في استقباله على بوّابة السماء وبين الغيم محيّيا ومرحّبا.
أما القرآن الكريم فيتحدّث كثيرا عن أهوال النار والعذاب الذي اعدّ للمذنبين والخاطئين، لكنه أيضا يتحدّث عن الجنّة وما تمتلئ به من صنوف المتع والملذّات من حور عين وفاكهة وغلمان وأنهار من نبيذ ولبن وعسل.. الخ.
وبناءً على ذلك، فإن المسلم يفترض به ألا يجزع ولا يخاف من الموت لأنه سيكون على موعد مع كل هذه النعم الوفيرة والملذّات الكثيرة التي تنتظره عند مغادرته الحياة الدنيا.
لكن من الواضح أن أيّا من هذه الأمور والتصوّرات لم يكن في ذهن ذلك الشيخ المسكين الذي أرعبته فكرة أن يترك وحيدا في ظلمة القبر، إنه لا يأسى كثيرا على فراق الأهل والولد ولا يبالي بالنعيم المقيم الذي ينتظره في الدار الآخرة.
إن ما يخيفه ويشوّش عقله هو أن يموت وأن يوضع لوحده في حفرة صغيرة وموحشة ارتبط ذكرها في عقول الناس بالعذاب وبالشجاع الأقرع وغير ذلك من القصص والتهيّؤات المخيفة والمرعبة.
انه الخوف الغريزي من الموت الذي لا تفلح في تبديده أو تخفيف أثره النصوص الدينية مهما حملت من وعود بالمكافأة وبالخلود والنعيم الأبدي.
إن برود الغربيين ولا مبالاتهم بالموت أمر مثير للاهتمام فعلا، في الوقت الذي ما يزال الموت يشكّل للكثير منا – نحن المسلمين – هاجسا مخيفا لا يريد احد استحضاره أو التفكير فيه، يستوي في ذلك الأبرار والأشرار، والمحسنون والمذنبون.

Friday, August 10, 2007

سفينة نوح


في القرآن الكريم بضع إشارات عابرة إلى قصّة الطوفان دون توسّع في شرح تفاصيلها وملابساتها. وبالمقابل، يورد كتاب العهد القديم معلومات تفصيلية ومستفيضة عن القصّة. كما يتضمّن إشارات متعدّدة إلى طبيعة السفينة التي بناها النبيّ نوح عليه السلام ونوعية سكّانها.
ويبدو أن السفينة نفسها كانت اكبر بكثير من أيّ شيء آخر كان قائما على الأرض في تلك الحقبة السحيقة من تاريخ البشرية.
وبحسب العلماء، كان هناك أكثر من خمسة وعشرين مليون فصيلة حيوانية تعيش على الأرض. والعلم الحديث عاجز تماما عن تصوّر بناء سفينة كبيرة وضخمة يمكن أن تتّسع لكافّة المخلوقات التي كانت تعيش على الأرض في ذلك الزمان.
ومع ذلك، يشير الإنجيل إلى أن طول السفينة لم يكن يتجاوز خمسمائة قدم، وبعرض أقصاه ثمانون قدما، أي حوالي نصف مساحة سفينة التايتانك.
لكنّ العلماء يتساءلون إن كانت فكرة جمع حيوانات كثيرة ومن قارّات مختلفة وتعيش وفق مناخات متباينة فكرة قابلة للتطبيق أصلا.
وكيف بإمكان السفينة أن تتعامل مع متطلّبات عدد ضخم من الحيوانات كلّ منها له طعام خاصّ وبيئة معيّنة لا يمكنه العيش خارجها. وكيف أمكن لـ نوح وللسفينة التعامل مع فضلات تلك الحيوانات على الفُلك.
المشكّكون في الواقعة يقولون انه لا بدّ وأن السفينة كانت تحتوي على نظم للتهوية والنظافة لا تتوفّر اليوم سوى في ناقلات قليلة وبالغة التعقيد من الناحية التكنولوجية. ويضيفون: إسأل أيّ حارس حديقة حيوانات اليوم كيف يتسنّى له بالكاد التعامل مع احتياجات مئات الحيوانات في حديقته. ثم تخيّل كيف تمكّن رجل واحد وعائلته الصغيرة العدد من الاستجابة لمتطلّبات ملايين المخلوقات الأرضية على ظهر سفينة بدائية.
ثم هناك فكرة الطوفان ذاتها. لا بدّ وأن الأرض كانت في ذلك الزمان مغطّاة بالمياه بالكامل وحتى ذروة قمّة جبل ايفريست. أي ملايين الكيلومترات المكعّبة من المياه. السؤال: من أين جاء الماء بتلك الوفرة الهائلة والى أين تصرّف؟!
الأرض نفسها لا تحتوي على مياه بمثل تلك الكثافة. وليس هناك حاسبة الكترونية قادرة على حساب كم من الماء يكفي لتغطية الأرض حتى قمم جبل ايفريست. لا بدّ وأن مثل ذلك الرقم سيكون فلكيا وهائلا بكلّ المقاييس.
تقول القصّة إن المطر استمرّ نزوله حوالي أربعين يوما متواصلة. وبما أن مياه المطر عذبة بطبيعتها فإن ذلك كفيل بإغراق مياه المحيطات وتغيير ملوحتها، الأمر الذي سيؤدّي إلى إحداث دمار رهيب في البيئة البحرية ونفوق حيواناتها بشكل مريع. إسأل أيّ عارف بالشعاب المرجانية وبالأسماك والكائنات الأخرى التي تعيش فيها عن مدى حساسية ذلك النوع من البيئة للتغييرات المناخية.
إن هطول الأمطار لأربعين يوما متواصلة وبمثل تلك الغزارة سيؤدّي حتما إلى هلاك كافّة أشكال الحياة البحرية في البحار والمحيطات. إذن كيف تسنّى لتلك الكائنات الهشّة أن تحيا طوال تلك المدّة وهي مغمورة تحت الماء؟! خذ بعض النباتات المنزلية واتركها مغمورة في مياه الحديقة أو دورة المياه لبضعة أيّام. ثمّ انظر بعد ذلك لترى ماذا حلّ بها.
لكن لنعد إلى القصّة مرّة أخرى. بعد أن غيض الماء (ولا احد يدري إلى أين)، كان هناك العديد من المشكلات. ماذا فعل نوح، مثلا، بجثث الحيوانات والبشر الكثيرين الذين ماتوا على ظهر الفلك؟ بالتأكيد سيترتّب على بقاء الجثث في السفينة انتشار الطاعون وغيره من الأمراض المعدية والأوبئة الفتّاكة نتيجة اللحم المتعفّن.
الإنجيل يذكر أن الأرض آنذاك كانت مسطّحة ولها أركان أربعة. لكنّه يعود ليشير في جزء آخر إلى أن الأرض دائرية!
غير أن السؤال المهم هو: كيف تمكّنت الحيوانات من العودة إلى بيئاتها الأصلية عقب انتهاء الطوفان؟ كيف استطاع الكوالا والكنغارو العودة إلى استراليا؟ وكيف تمكّنت الدببة والبطريق من العودة إلى القطب المتجمّد؟
وكيف عادت جحافل النمل الاستوائي إلى الأمازون والغابات المطيرة؟
ونفس السؤال عن الماموث والديناصورات وفصائلها الكثيرة.
وبما انه كان هناك زوجان من كلّ فصيلة، فكيف تمكّن كلّ زوجين من السير آلاف الأميال للعودة إلى بيئتهما الأصلية دون أن يتعرّضا للافتراس أو الموت جوعا أو عطشا؟!
تقول القصّة إن نوحا عليه السلام جمع من كلّ مخلوق زوجين. وهنا تثور أسئلة إشكالية. كيف تمكّن نوح، مثلا، من ضبط سلوك الحيوانات على متن السفينة طوال ستّة أشهر. وكيف استطاع إقناعها بألا يأكل بعضها بعضا، حيث لا طعام ولا غذاء على ظهر الفُلك. هل يمكن أن يقتنع الإنسان العاديّ بأن الأسد كان مستلقيا بسلام إلى جوار الخروف أو الأرنب؟! وهل تحوّلت الحيوانات المفترسة إلى آكلات للنباتات طوال أشهر الرحلة مثلا؟ أم هل كان الفلك محمّلا بمئونة تكفي لإطعام الحيوانات والحشرات والطيور طوال تلك الفترة؟! وهل كان بإمكان نوح والطاقم المرافق له، أي زوجته وأبناؤه الثلاثة، تدبير أمر تغذية سكّان السفينة؟
لكنّ هناك مشكلة أخرى تسبّب الكثير من المتاعب لأصحاب نظرية الطوفان. فهم يقولون إن عظام وبقايا الديناصورات التي عثر عليها العلماء الآن تعود إلى تلك الحيوانات الضخمة التي نفقت أثناء الطوفان. والسؤال: لماذا لم يأخذ نوح معه أيّا من تلك الديناصورات؟ الإنجيل والكتب الأخرى المقدّسة تقول، بل وتؤكّد أن نوحا اخذ معه من كلّ حيوان زوجين. فهل كانت الديناصورات مستثناة؟
هناك أيضا الكثير من الأسئلة الأخلاقية التي يمكن إثارتها عندما يأتي الحديث على سفينة نوح. وأولّها هو أن المرء يتعجّب كيف أن الله سبحانه أراد أن يدمّر جميع الكائنات الحيّة التي سبق له أن خلقها على الأرض. تقول القصّة إن الله كان ساخطا على جميع البشر باستثناء نوح وأهله. والغريب أن هذا أصبح تكتيكا مألوفا عند مختلف أنواع الآلهة التي جاءت في ما بعد. والميثولوجيا الإغريقية والرومانية، مثلا، حافلة بقصص الآلهة التي تفتك بأعدائها عندما تغضب عليهم.
الخطّ الذي نلمسه في هذه القصّة ومثيلاتها هو أن الله سبحانه وتعالى يحبّ عباده الأخيار ويمقت الأشرار. وهذا أمر طبيعي. ولهذا السبب سمح الله للأخيار بأن يمتطوا السفينة وأن ينعموا بصحبة أعداد كبيرة من الحيوانات الصديقة. الرسالة هنا واضحة، وهي أن الخالق قويّ ومتجبّر وإليه يدين الخلق بكلّ شيء.
وأحيانا يتساءل الإنسان عن الحكمة في أن الله تعالى اختار أن يُهلك مجموعة من الخطّاءين بهذه الطريقة البالغة الغرابة والتعقيد.
الله الذي يستطيع تدمير مئات، وربّما آلاف المجرّات في لمح البصر ودون أيّ جهد يذكر يأمر إنسانا فقيرا ومسكينا بجمع ألواح بالية ليبني منها سفينة ضخمة يضع فوقها ملايين المخلوقات من جميع أرجاء الكوكب، ثم يغرق الأرض بأكملها انتقاما من حفنة من الآثمين والعصاة!
ما الغاية من هذا كلّه؟ أليس الله هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟ أليس بيده القوّة والجبروت الكافيان ليفعل ذلك؟ لماذا يكلّف الخالق عزّ وجلّ نفسه ويتسبّب في موت الملايين من المخلوقات والنباتات والحيوانات والبشر بهذه الطريقة الانتقامية الرهيبة؟ أليس من صفاته عزّ وجلّ انه الرحمن الرحيم واللطيف الرءوف الحليم؟!
واقع الحال يقتضي من الإنسان أن يؤمن إيمانا تامّا بما ذكره القرآن الكريم عن الطوفان والسفينة. لكنّ تفاصيل وملابسات القصّة، كما توردها مصادر أخرى، تطرح تساؤلات كثيرة من منظور العلم الحديث. وإثارة مثل هذه التساؤلات ليس من باب الإنكار أو النفي، بل من باب الاستفهام ومحاولة الفهم. "مترجم".

Wednesday, August 08, 2007

مؤشّر الأسعار والرقابة الغائبة‏

كلما زادت شكاوى الناس من الغلاء وجشع التجار كلما ازدادت الأسعار أكثر وكبرت بسببها معاناة الناس.
في الصحف الكثير من المقالات والتقارير التي تسلط الضوء على هذه المشكلة، وبعض المواطنين الغيورين خصّصوا العديد من المواقع على الانترنت لرصد زيادات الأسعار التي تطال كلّ شيء تقريبا من حليب الأطفال إلى قارورة الدواء وغير ذلك من السلع والمستلزمات الضرورية.
وبالأمس فوجئت بان سعر بطارية السيارة التي ذهبت لشرائها ارتفع من 150 إلى 230 ريالا. حدث هذا في بحر أسبوعين فقط ودون سابق إنذار. وقد سمعت بان أسعار قطع غيار السيارات جميعها طرأت عليها زيادة تتراوح ما بين 20 و30 بالمائة.
يحدث كل هذا فيما مسئولو التجارة وما يسمى حماية المستهلك لا يفعلون شيئا من اجل تخفيف معاناة المواطنين باستثناء إطلاق التصريحات التي تتطاير في الهواء لكنها لا تغيّر من حقيقة الأوضاع شيئا.
وأكثر من يصطلي بنار الأسعار هم فئة الفقراء الذين تضاعفت أعدادهم بعد انهيار سوق الأسهم فأصبحت مصيبتهم مضاعفة وتلقوا بدل الصفعة صفعتين بفضل الجشع وانعدام الشعور الوطني و الحسّ الإنساني ونقص الرقابة أو انعدامها في الكثير من الأحيان.
إن أسلوب المقاطعة سلاح حضاري فعّال وقد أثبتت هذه الوسيلة نجاعتها وفاعليتها عندما أجبرت شركة الاتصالات على إعادة النظر في أسعارها وأوقفت استهتارها وجشعها وحدّت من إصرارها على استغفال المواطنين وسرقة أموالهم مقابل الخدمة البائسة والمتخلفة التي توفّرها.
لكن المشكلة أن المجتمع ما يزال يفتقر إلى التنظيم، ومؤسّسات المجتمع المدني بدورها ما زالت غائبة أو مغيّبة. والى أن تتغيّر الحال ستستمرّ معاناة المواطنين مع ظواهر الغلاء والاحتكار وفقر الخدمات إلى اجل غير مسمّى.

Tuesday, August 07, 2007

قناة الاحمدية

أثار بدء قناة mta الفضائية التابعة للطائفة الاحمدية الكثير من ردود الفعل التي غلب عليها الشجب والإنكار. مؤسّسة نايل سات المصرية نالها النصيب الأكبر من النقد بقرارها السماح للقناة بالبثّ عبر القمر الفضائي المصري "في محاولة للترويج للأفكار الضالة والغريبة عن الإسلام" كما قال البعض.
والاحمدية هي التسمية المخفّفة للقاديانية المصنّفة فقهيا باعتبارها فرقة فاسدة وضالة منذ أن أسّسها ميرزا غلام احمد في أواخر القرن التاسع عشر.
ومنذ انطلاق بثّ القناة لوحظ تركيز المسئولين عنها على محاولة كسب تعاطف المشاهدين في المنطقة العربية من خلال الإيحاء بان الاحمدية يجمعها مع بقية الطوائف الإسلامية أكثر مما يفرّقها. وفي هذا الاتجاه ظهر مقدّمو برامج القناة وهم يرتدون المشلح والغترة والعقال في إشارة واضحة إلى أن أتباع الفرقة ليسوا من الباكستانيين والهنود فقط كما يشاع عنهم بل إنها تضم أشخاصا من العرب الاقحاح الذين لا بد وأنهم يفهمون تعاليم الإسلام ويغارون عليه من الأفكار الدخيلة والغريبة.
والواضح حتى الآن أن الاحمدية يديرون هذه القناة التي تعتبر أول إطلالة لهم باللغة العربية على جمهور المشاهدين في المنطقة بكثير من الذكاء واللباقة. وضمن هذا المنحى ركّزت القناة في برامجها الحوارية الأولى على انتقاد المسيحية ودحض حججها كما خصّ المتحدّثون القس زكريا بطرس بالكثير من عبارات الهجوم والنقد، في محاولة لمغازلة التيّار الغالب من المسلمين والإيحاء بأن الاحمدية هم مع إخوانهم المسلمين في خندق واحد ضد الأعداء والخصوم المشتركين.
ومع ذلك فهناك من يطالب النايل سات بوقف بثّ القناة على الفور بحجّة أنها تبثّ من إسرائيل "هي في الحقيقة تبثّ من لندن" وعلى أساس أنها "معول يهدف أصحابه إلى هدم الإسلام من الداخل وتفتيت الأمة".
لكن بعيدا عن كلّ هذا السجال، اعتقد أن من حقّ الاحمدية - كما هو من حقّ غيرهم - أن يكون لهم منبر إعلامي يقدّمون من خلاله أنفسهم ويشرحون عقيدتهم، إذ ليس في ذلك ضرر يذكر طالما أن الحوار المنفتح والصريح – لا أسلوب الإملاء والوصاية - هو سبيل الجميع للوصول إلى الحقيقة.
وعلى ما يبدو، فإن جلّ ما يطمح إليه جماعة الاحمدية من إطلاق فضائيتهم ليس أن يحوّلوا الآخرين إلى القاديانية فتلك مهمّة عسيرة وتكاد تكون مستحيلة، بل الأمر لا يتعدّى كونه تمرينا في العلاقات العامة يريدون من خلاله أن يقدّموا عن أنفسهم وعن مذهبهم صورة مختلفة عن تلك الصورة السلبية التي ترسّخت في أذهان غيرهم عنهم على مرّ سنين طوال.
غير أن هذا كله لا يقلل من صعوبة مهمّة الجماعة الاحمدية في إعادة تأهيل نفسها وتبييض صفحتها سيّما وهي تتحدّث إلى جمهور تثقل على عقله كتب التراث والتاريخ وتتحكّم في انفعالاته وأحكامه الكثير من التصوّرات الجاهزة والصور النمطية عن الآخر.
ولا يقلّ عن هذا الأمر صعوبة محاولة إقناع الناس بتقبّل أهم ركن من أركان العقيدة الاحمدية بل وأكثرها إثارة للجدل وهو ذلك الذي يقول إن زعيم الفرقة ميرزا غلام احمد هو المسيح المنتظر والمهدي الموعود!

Monday, August 06, 2007

جولة في عالم البالتوك

كنت اسمع بالبالتوك دون أن اعرف طبيعته ولا وظيفته أو الطريقة التي يعمل بها. وفي الأيام القليلة الماضية توفّر لديّ من الوقت ما يكفي لمعرفة بعض جوانب هذا العالم المثير والغامض.
وقد خرجت من هذه التجربة ببعض الانطباعات، وأوّلها أن البلدان الأكثر تعرّضا للكبت وتكميم الأفواه هي صاحبة اكبر عدد من غرف البالتوك. ولفت انتباهي أن عدد هذه الغرف في بعض البلدان الأوربية لا يتجاوز أحيانا واحدة أو اثنتين، فيما يحتفظ العديد من بلدان الشرق الأوسط بحصّة الأسد من هذه الغرف. وينطبق هذا الكلام إلى درجة كبيرة على منتديات الحوار الاليكتروني بشكل عام.
أما الانطباع الثاني فهو أن الغالبية الساحقة من مرتادي هذه الغرف والمشاركين في حواراتها هم من الُصيّع ورعاع الناس "أو الدشير بلهجة أهل الخليج". أقول هذا الكلام بعدما سمعته في معظم تلك الغرف من مفردات وتعليقات يندى لها الجبين وتنزل بقائليها إلى الدرك الأسفل من الانحطاط وانعدام الذوق والأدب.
والانطباع الثالث هو أن المواضيع المفضّلة عند مرتادي هذه الغرف لا تخرج عن نطاق الجنس والصراعات الدينية والمذهبية.
في إحدى المرّات لفت انتباهي عنوان إحدى الغرف وكان عن "الشيعة ومصر" ، وقد تفاجأت في البداية بوجود مصريين تكفيريين يتحدّثون عن الشيعة بوصفهم "رافضة أصحاب بدع وانحرافات" كما قالوا. وسبب المفاجأة هو أنني كنت احسب أن المصريين أكثر العرب انفتاحا وتسامحا بالنظر إلى التنوّع الطائفي والمذهبي الذي يعدّ إحدى السمات الفارقة في الثقافة المصرية منذ القدم.
ولهذا السبب كان وقع كلمة الرافضة على ألسنة بعض المصريين في تلك الغرفة غريبا على الأذن إلى حدّ كبير. هذا ما شعرت به أنا على الأقل. وقد عبّرت عن هذا الشعور كتابة وبأسلوب مؤدّب هناك فما كان من مشرف الغرفة، وهو مصري نزق ومتعصّب، إلا أن قام بطردي على الفور من غرفتهم. ومع تعدّد الزيارات تكرّرت عمليات الطرد والتنقيط. وفي المرّات القليلة التي ُسمح لي فيها بالكلام كانت هناك تعليقات بذيئة تنعتني بقلة التربية و "انعدام الغيرة على دين الله ورسوله الذي شوّهه الرافضة الكفرة" بحسب ما قالوا. وبعضهم تبرّع بإعطائي دروسا في "خطر الأفكار العلمانية المنحلة وعدائها الواضح للإسلام".
وفي إحدى المرّات تلقيت دعوة خاصّة "على البرايفيت" لم تكن تخطر ببالي من احد أعضاء تلك الغرفة، وكان شخصا معروفا بغلظته وعنف أسلوبه الدعوي.
ولأنني اتّخذت لنفسي معرّّفا يقبل التذكير والتأنيث وكنت أكثر من استخدام صور الورود والابتسامات في تعليقاتي لتبريد الأجواء وتقليل احتمالات طردي فقد بادر صاحب الدعوة بتحيّتي قائلا: أهلا يا حلوة!
وخطر لي أن أماشيه في كلامه لأعرف إلى أين ستنتهي به الأمور. وبعد فاصل طويل من الغزل الذي يقرب من التشبّب فوجئت بالرجل الذي طالما اتعب نفسه في وضع الاستشهادات القرآنية والأحاديث النبويّة في ردوده يعرض عليّ مكان إقامته ورقم هاتفه الجوّال كما عرض بسخاء أن يتوسّط لي لدى مشرف الغرفة لكي لا يقوم بطردي بعد اليوم مهما صدر عنّي من أخطاء وتجاوزات.
وكان آخر عهدي بتلك الغرفة عندما قلت: عندنا قبط وسنّة وشيعة وزارادشت ودروز وموارنة وبهائيون. والآن أبشّركم بوصول الجماعة الإسلامية الاحمدية "كنت أشير إلى القناة التلفزيونية الجديدة للقاديانيين" متمنّيا أن يؤدّي هذا التنوّع في الأفكار والعقائد إلى لجم التطرّف وتراجع نفوذ المتعصّبين والتكفيريين.
بعد تلك الملاحظة وجدت نفسي فجأة ملفوظا خارج الغرفة..
ومن المفارقات الطريفة التي لاحظتها في تلك الغرفة أن شخصا سعوديا أسمى نفسه أسامة رشدي وكويتيا اختار له اسم عزيز فهمي!
وفي غرفة أخرى مخصّصة للسجالات بين الإسلام والمسيحية امتلأ "التكست" بالروابط التي تؤدّي إلى مواقع تكيل التهم لهذا الدين أو ذاك وتصم أتباعه بالانحراف والمروق. وعلى المايكروفون توالت الأصوات الزاعقة المهدّدة بالويل والثبور وأوخم العواقب والشرور. وقد لاحظت أن كثيرا من المتحدّثين المسلمين خصّوا القس القبطي زكريا بطرس بالعدد الوافر من التهم واللعنات.
لكن لم تخلُ بعض التعليقات النصّية من روح المرح والدعابة حتى وإن لم يقصد المتحدّث ذلك، فقد سأل احدهم معرّف امرأة بدا أنها مسيحية وكانت تلتزم الصمت معظم الوقت متى ستسلم. فردّ آخر موجّها كلامه إلى المرأة: العمر بيعدّي بسرعة وصدّقيني مش هتستحملي عذاب النار للحظات وأكيد انك مش عاوزة تتخلدي في جهنّم"!
أما المرأة فقد ردّت بطريقة بليغة عندما اكتفت بوضع أيقونة لوجه يبتسم..
والحقيقة انك لا تعرف إن كان ما يكتب وما يقال في غرف البالتوك يعبّر فعلا عن الواقع، ولا ما إذا كان الناس في تلك الغرف يعنون ما يقولون أو أن الأمر برمّته لا يعدو كونه تمثيلا أو مجرّد تنفيس عن مشاعر قد لا تكون حقيقية.
ومع ذلك فإن كمّية الكراهية والجهل واحتقار الآخرين التي أحسست بها من خلال بعض ما قيل وكتب هناك أصابني بالحيرة والوجوم ورحت اردّد بيني وبين نفسي: لا بدّ وأننا نعيش في عالم مخيف وموحش فعلا..

Sunday, June 17, 2007

مسلم ومسيحي في الوقت نفسه

اليوم استوقفني تحقيق طريف نشره موقع سياتل تايمز عن راهبة أمريكية تدعى آن ريدينغ.
في أيّام الجمع ترتدي المرأة غطاء الرأس الأسود وتذهب إلى المسجد لتصلي مع مسلمي الحي الذي تعيش فيه صلاة الجمعة.
وهي تفعل هذا منذ 15 شهرا.
وفي أيام الأحد تذهب إلى الكنيسة وتؤدّي هناك الصلاة مع جموع المصلين المسيحيين. وهي تفعل هذا طوال العشرين سنة الماضية.
ريدينغ قالت إنها كانت تسمع نداء غامضا يدعوها لان تصبح مسلمة وان تستسلم لله.
وفي وقت لاحق حضرت دروسا ألقاها إمام مسلم علمها خلالها طرق التأمّل وتلا على مسامعها أناشيد تعلم الإنسان كيف يفتح قلبه لله.
لكنها تؤكد أنها مسيحية ومسلمة بنفس الوقت، الأمر الذي أثار شعورا بالدهشة في أوساط المؤمنين من الديانتين ودفعهم لطرح السؤال التالي: هل بالإمكان أن يكون المرء مسلما ومسيحيا في الوقت نفسه؟
رجال الدين المسيحيون رفضوا الفكرة استنادا إلى مكانة المسيح عندهم إذ يعتبرونه شخصية إلهية مقدّسة بينما ينظر إليه المسلمون على انه نبيّ عظيم فحسب وهو في النهاية بشر وليس فيه من صفات الألوهية شيء.
ويضيفون انه يستحيل على الشخص أن يكون ديمقراطيا وجمهوريا في نفس الوقت وكذلك يستحيل أن يصبح مسلما ومسيحيا في آن.
رجال الدين المسلمون من جهتهم واقعون في حيرة، وقال بعضهم إنهم لا يعرفون على وجه اليقين إن كان يمكن تطبيق هذه الفكرة عمليا، أي الجمع بين ديانتين معا.
الطريف في الأمر أن المرأة لا تؤمن بأن الله والمسيح هما شيء واحد، بل الله اكبر من المسيح كما تقول. وهي تؤمن بأن عيسى ابن الله بمثل ما أن كل البشر أبناؤه.
كما تعتقد بان المسيح مات على الصليب وبعث، وتعترف بان هذا يتناقض مع تعاليم القرآن، وهو أمر سيظل يؤرّقها ويشكل لها تحديا سيستمر بقية حياتها.
وتضيف: سأستمر على ما أنا عليه، واستبعد أن يأتي يوم أفضّل فيه دينا على آخر، بل سأموت وأنا مسلمة بنسبة 100 بالمائة ومسيحية بنسبة 100 بالمائة.
الناس العاديّون من كلا الديانتين أثنوا على خطوة ريدينغ وقالوا إنها تبعث على الأمل وتبني جسورا التفاهم والثقة وتعزّز قيم التسامح بين أتباع الديانتين.

Tuesday, June 05, 2007

نساء في الرسم

500 Years of Female Portraits in Western Art

Sunday, May 06, 2007

حديث عن الصين

أذكر وأنا ما أزال تلميذا صغيرا أنني قرأت مجموعة من قصص الأطفال مترجمة عن الأدب الصيني. وكان من بين تلك الحكايات المصوّرة قصّة جميلة عنوانها "الطائر الأزرق" تحكي عن قصة حبّ حميمة نشأت بين أميرة صينية وطائر صغير اعتاد أن يأتي كلّ صباح إلى شباك غرفة الأميرة ليوقظها من نومها بغنائه العذب الرخيم.
ولأنني كنت طفلا آنذاك فقد بقيت أحداث تلك القصّة راسخة في وجداني إلى اليوم. ومع الأيام تماهت صورة الصين في ذهني مع تفاصيل تلك القصّة وما احتوت عليه من وصف رائع لمناظر الطبيعة هناك من انهار وغابات وشلالات وبحيرات. وكنت أتخيّل تلك البلاد موطنا للجنيّات والطيور والغابات المسحورة، والمخلوقات الأسطورية التي ارتبطت منذ الأزل بتراث وثقافة الصين كالتنين واليونيكورن والعنقاء وسواها.
ومع مرور الأيام جرى على تلك الصورة التي لم تكن تخلو من الخيال الجامح والرومانسية المفرطة بعض التحوير والتعديل، فأضيف إليها عنصر الحكمة المعروف عن الصينيين منذ القدم وبعض التفاصيل الأخرى المرتبطة بالفلسفة البوذية وتفرّعاتها خاصة بعد أن تعرّفت على "كونفوشيوس" و "لاو تسو" و "سان وو" وغيرهم من فلاسفة ومفكّري الصين الكبار.
وهذه الأيام يكثر في الخليج الحديث عن الصين في سياق الترويج للسياحة في ذلك البلد والاطلاع على جانب من ثقافته الثرية وتاريخه العريق الضارب في القدم.
وقد لاحظت في الفترة الأخيرة كثرة الموادّ المكتوبة والمرئية، من مقالات وإعلانات في الصحف والتلفزيون، التي تروّج للسياحة في الصين في محاولة لاجتذاب السيّاح العرب لزيارة تلك البلاد ذات الحضارة العظيمة سيّما وقد أصبح الصيف على الأبواب.
ورغم قدم العلاقة بين العرب والصينيين فإن الصين ظلت لزمن طويل بعيدة عن اهتمام العرب وشهد التفاعل بين الطرفين فترة ركود ليست بالقصيرة.
وقد أثار حنيني إلى الصين مجدّدا حديث سمعته مؤخّرا من شخص إعلامي زار الصين منذ أسابيع وتحدّث بإسهاب عن مشاهداته وانطباعاته هناك بدءا من زيارته للسور العظيم وتجواله في المدينة المحرّمة وميدان تيانان مين والمعبد السماوي وقبور وتماثيل الأباطرة القدامى وانتهاءً بزيارته للمساجد والمتاحف التاريخية ورحلته على ضفاف نهر اليانغتسي ومشاهدته لبعض أجزاء من طريق الحرير القديم.
قد تكون الصين بعيدة جغرافيا عن العالم العربي، لكنها قريبة من وجدان شعوب المنطقة بحكم العلاقة التجارية القديمة وكذلك حقيقة أن الصين ليس لها ميراث استعماري في المنطقة وبالتالي خلوّ العلاقة بين الطرفين من عوامل التوتّر أو التوجّس والضغينة.
وهناك عامل آخر لا يقلّ أهمية ويتمثل في قدرة الصين التي تثير الإعجاب على التغلب على آثار عزلتها الطويلة بل والتحوّل إلى قوّة اقتصادية وسياسية عالمية ُيحسب لها حساب، وهي ظاهرة يتعيّن على العرب أن يدرسوها ويحللوها ليستفيدوا منها وينسجوا على منوالها كي يكون لهم وزن وتأثير في هذا العالم الذي تحكمه الكيانات الاقتصادية الكبرى والفاعلة.

Wednesday, May 02, 2007

مذكّرات كازانتزاكيس

لهذا الكتاب قدرة مدهشة على أن يأسر عقل القارئ ويستولي على مشاعره منذ الصفحة الأولى. والحقيقة أنني لا أجد الكلمات المناسبة لوصف هذا الكتاب وإيفائه حقه أو الحديث عن الأثر الكبير الذي يتركه في النفس والعقل معا.
"تقرير إلى غريكو" لنيكوس كازانتزاكيس ليس مجرّد سيرة ذاتية لأحد أعظم كتّاب وأدباء وفلاسفة اليونان في العصر الحديث، وإنما يمكن اعتباره بحق دليلا روحيا وبحثا معمّقا في معنى الحياة وأسرار الوجود. كما انه بمعنى آخر بحث عن الله وعن الخلود ومحاولة لسبر أغوار الطبيعة الثنائية للإنسان وصراع النفس والجسد.
في هذا الكتاب الرائع صور فلسفية ووجدانية مدهشة ولغة جمالية راقية وقدرة فائقة على النفاذ إلى جوهر الأشياء من خلال مزج الواقع بالرمز والتاريخ بالأسطورة والدين بالطقوس، بأسلوب هو خليط من الشعر والموسيقى والتصوّف.
لقد تأسفت كثيرا على أنني لم انتبه لهذا الكتاب من قبل، لكن مما يخفّف ذلك الشعور حقيقة أنني اقتنيته أخيرا وقرأته بشغف ومتعة ليس لهما حدود، والفضل في ذلك يعود للصديق الشاعر سلمان الجربوع الذي دلّني على الكتاب وحفّزني على قراءته فوجدته مثلما وصفه وأكثر، فله خالص الشكر والتحية.
وفي ما يلي بعض مقاطع مختارة من الكتاب..

صرخة!
إنها رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه وهو يصعد جبل مصيره الوعر والقاسي، فروحي كلها صرخة، و أعمالي تعقيب على هذه الصرخة..

توحّد!
منذ طفولتي وأنا أحبّ أن أستلقي على ظهري في دارنا لمراقبة الغيوم، و كلما مرّ عصفور أو غراب أو سنونوة أو حمامة، أتوحّد معه حتى أني أحسّ حرارة صدره في راحتي المفتوحة.
- مارغي، أظن أن ابنك سيصبح حالماً أو ذا رؤيا. قالت جارتنا مدام بنيلوب لأمّي، إنه ينظر إلى الغيوم دائما. وأجابتها أمّي: إطمئني يا بنيلوب. ستأتيه الحياة وتجعله يخفض نظره".

صورة أمّي!
كان والدي يحتقر العيون الزرقاء أكثر من أي شيء آخر في العالم. وقد اعتاد أن يقول: "للشيطان عيناوان زرقاوان وشعر احمر"!
أيّ سلام كنا نحسّ به وأبي ليس في البيت! وكم كان الوقت يمرّ بسرعة وسعادة في الحديقة الصغيرة في باحة دارنا المسوّرة. العريشة على الجدار، والاكاسيا الفوّاحة الطويلة في الزاوية، وأصص الحبق والقطيفة والياسمين العربي حول الأطراف. كانت أمي تجلس أمام النافذة ترفو الجوارب أو تنظف الخضراوات أو تمشط شعر أختي الصغيرة أو تساعدها على أن تخطو خطواتها الأولى. وفيما كنت أصغي إلى العابرين خارج الباب المغلق وأستنشق عبير الياسمين والتربة الرطبة، كانت عظام رأسي تطقطق وتنفتح لتحتوي العالم الذي يدخل جسدي.
كانت الساعات التي اقضيها مع أمي مليئة بالغموض. لقد تعوّدنا أن نجلس متواجهين، هي على الكرسي قرب النافذة وأنا على مقعدي. وكنت أحسّ بصدري ممتلئا حتى الكفاية وسط هذا الصمت، وكان الهواء بيننا قد تحوّل إلى حليب.. وأنا كنت ارضع.
امتزجت أمي في ذاكرتي بالاكاسيا والكناري بشكل خالد ولا يقبل الانفصام. وأنا لا استطيع أن أشمّ رائحة الاكاسيا أو اسمع صوت الكناري دون أن أحسّ أمي تنهض من قبرها في أعماقي وتتّحد بالأريج والزقزقة.

مثلُ ليلَكَة!
.. وكان هناك صديق آخر مثل ليلكة لم تُمسّ، كان شاحباً متشائماً له عينان زرقاوان واسعتان ويدان بأصابع طويلة. كان يكتب الشعر. ولم أستطع أن أحفظ إلا القليل من شعره، ولكنني ما أن أردّد هذه الأبيات وحدي حتى تمتلئ عيناي بالدموع. ذلك أن هذا الشاب قد وجد ذات ليلة خارج دير كنسارياني مشنوقاً على غصن شجرة زيتون..

الرقص على حافّة الهاوية!
كان أعيان القرية قد اجتمعوا مع زوجاتهم في غرفة كبيرة في بيت الطفل المعمّد. المطر والبرق يتسرّبان من النوافذ وعبر شقوق الباب. وكان الهواء مشبعا بروائح البرتقال والتراب. وكانت الهدايا والخمر والراكي والميتريد تدخل وتخرج. وبدأ الظلام يحلّ فأشعلت الأضواء وتزايد مرح الرجال وتخلصت النساء من نظراتهن المنخفضة التي تعوّدن عليها. كان الله لا يزال يزأر خارج المنزل. وتعالى الرعد وتحوّلت أزقة القرية الضيقة إلى أنهار.
استمر الطوفان طوال اليوم. هبط علينا الليل وصار العالم في الخارج مظلما وامتزجت السماء بالأرض. وتحوّلنا إلى وحل. كان الشباب والكبار يتهيئون للرقص وجلس عازف الربابة على مقعد وسط الغرفة وأمسك بقوسه وكأنه سيف. ثم همهم بمقطع من تحت شاربيه وبدأ يعزف. راحت الأقدام توقع والأجساد تصفق بأجنحتها. وراح الرجال والنساء يتبادلون النظرات ويقفزون على أقدامهم. وكان أوّل من تقدّم امرأة شاحبة ممشوقة في الأربعين من عمرها. شفتاها برتقاليتان لأنها فركتهما بأوراق الجوز. وكان شعرها الأسود مزيّتا بزيت الغار ومصقولا ولامعا.
"برافو يا سورميلينا"! هتف عجوز قويّ ذو لحية صغيرة. وأزاح منديله الأسود وهو يقفز أمامها. وقدّم احد طرفيه للمرأة وأبقى الآخر في يده. ثم سلم الاثنان نفسيهما للرقص ورأساهما شامخان وجسداهما منتصبان وممشوقان كشمعتين.
كانت المرأة تلبس في قدميها قبقابا خشبيا. وراحت تضربه على الأرض بقوّة فيهتزّ البيت كله معها.
وانحلّ خمارها الأبيض فكشف عن القطع الذهبية التي تزيّن عنقها. وتوسّع منخراها وراحا يستنشقان الهواء. وكانت أنفاس الذكور من حولها عبقة. لوت ركبتيها وراحت تدور فأوشكت على السقوط على الرجل الذي أمامها. ولكنها بغتة وبهزّة من ردفيها تلاشت من أمامه. وراح هاوي الرقص العجوز يصهل كالحصان. امسك بها من وسطها وشدّها بقوّة لكنها أفلتت منه. كانا يلعبان ويطارد كل منهما الآخر. غاب الرعد والمطر. وغرق العالم. ولم يبق فوق الهوّة إلا هذه المرأة، سورميلينا، التي كانت ترقص. ولما لم يعد عازف الربابة قادرا على البقاء فوق مقعده قفز على قدميه. وتوحّش القوس. ولم يعد تحت السيطرة. بل راح يتابع قدمي سورميلينا وهو يتنهّد ويجأر ككائن بشري. وتوحّش وجه العجوز ورمق المرأة وهو محمرّ. وارتعشت شفتاه وشعرتُ انه على وشك أن ينقضّ عليها ويمزّقها إربا. ولا شك أن عازف الربابة قد تملكه الشعور ذاته فتوقف قوسه بشكل مفاجئ. وتوقّف الرقص. وقف الراقصان دون حراك والعرق يتصبّب منهما. وركض الرجال إلى الراقص العجوز وانتحوا به جانبا. وراحوا يدلكونه بالراكي. وأحاطت النسوة بسورميلينا ليمنعن الرجال من رؤيتها. وشققت طريقي بينهن. لم أكن رجلا بعد. ولذا لم يمنعنني. فتحن ِصدارها ورششن ماء الورد البرتقالي على رقبتها وتحت إبطيها وصدغيها. وكانت المرأة تغمض عينيها وهي تبتسم.

وجه الحياة الحقيقي!
للمرّة الأولى، رأى عقلي الطفولي وجه الحياة الحقيقي وراء القناع الجميل للبحر وللحقول الخضراء والدوالي المثقلة بالعناقيد وخبز القمح وابتسامة الأم. وجه الحياة الحقيقي: الجمجمة!

انيكا!
أذكر امرأة، اسمها انيكا، جارة لنا متزوّجة حديثا. وهي أمّ منذ زمن قريب. ممتلئة وجميلة ذات شعر طويل أشقر وعينين واسعتين.
في ذلك المساء كنت العب في الدار. ولا بد أنني كنت في حوالي الثالثة من العمر. كانت الحديقة الصغيرة تفوح بروائح صيف. وانحنت عليّ المرأة ووضعتني في حضنها. وأغمضت عينيّ لأسقط على صدرها البارز وأتشمّم جسدها: الأريج الحارّ الكثيف والرائحة اللاذعة للحليب والعرق. كان البخار يتصاعد من الجسد حديث الزواج. وكنت استنشق العبير بنشوة متهيّجة، وأنا اتدلّى عن صدرها النافر. وأحسست بالدوار وغبت عن وعيي. ووضعتني الجارة المذعورة أرضا، وهي محمرّة رعبا. وتركتني بين اصيصين من الحبق. ولم تحملني بعد ذلك اليوم في حضنها أبدا. بل صارت تكتفي بالنظر إليّ بمودّة فائقة من خلال عينيها الواسعتين وهي تبتسم.
وفي إحدى ليالي الصيف كنت، مرّة أخرى، جالسا في دارنا على كرسيّي الصغير. وأتذكّر أنني رفعت عيني وأبصرت النجوم لأول مرّة. صرخت وأنا اقفز على قدمي خائفا: "شرر، شرر". وبدت لي السماء حريقا هائلا. وبدا لي أن النار قد وصلت إلى جسدي الصغير..

منديل "نيريد"!
لم أر أمي تضحك أبدا. كانت تبتسم ببساطة وتنظر إلى أيّ شخص بعينين عميقتين ممتلئتين بالصبر واللطف. تروح وتجئ في البيت كشبح لطيف تؤدي لنا حاجاتنا دون ضجة أو جهد وكأنما يداها تمتلكان قوة سحرية خيرة وتمارسان تحكّما خيّرا بحاجاتنا اليومية. وبينما كنت أجلس بصمت أرقبها كان يخطر لي أنها ربما كانت "نيريد" المذكورة في قصص الجنيات. وكان خيالي يعمل حسب عقلية الطفولة: لقد رآها أبي ترقص على ضوء القمر ذات ليلة بينما كان يعبر النهر. فهجم وأمسك بمنديلها. وهذا ما كان حين جلبها إلى البيت وتزوّجها. وأمّي الآن تروح وتجيء في البيت طوال النهار تبحث عن منديلها لتضعه على شعرها وتتحوّل من جديد إلى نيريد وترحل. وتعوّدت أن أراقبها وهي تروح وتجيء وتفتح الخزن والصناديق وتكشف عن الجرار وتنحني لتنظر تحت الأسرّة. وكنت أرتعد لفكرة أنها قد تجد صدفة منديلها السحري وتختفي. وقد لازمني هذا الخوف سنوات عديدة وكان يجرح روحي الوليدة بعمق. وظلّ معي حتى هذا اليوم. وما يزال أشد غموضا. إنني أراقب الناس أو الأفكار التي أحبّها بألم لأنني أعرف أنهم يبحثون عن مناديلهم لكي يرحلوا.

روح الإنسان!
إن الروح البشرية زخم وكبرياء، صرخة وسط الصمت الجبان الذي لا يحتمل، رمح يقف منتصباً لا ينحني، ويمنع السماء من أن تسقط على رؤوسنا..

سحر غامض!
كان لكل شخص، بالنسبة لي، أريجه الخاص. وذلك منذ كان عمري سنتين أو ثلاثا. وقبل أن ارفع عينيّ لرؤيته، كنت اعرفه بالرائحة التي تصدر عنه. كانت لامّي رائحة خاصة، ولأبي رائحة غيرها. وكان لكل عم أو خال رائحته الخاصة. وكذلك لكل امرأة في الجوار. وحينما كان يأخذني بين ذراعيه، أو ذراعيها، كنت دائما وبسبب الرائحة إما أن أحبّه أو أبدأ برفضه. ولقد تلاشت هذه القدرة مع الزمن، واختلطت الروائح المختلفة. وغرق الجميع في نتن العرق والتبغ والبنزين.
وكان لبعض الفاكهة، بشكل خاص، نوع من السحر الغامض بالنسبة لي، كالكرز والتين خاصة. ليس التين نفسه كفاكهة بهذه البساطة، بل الأوراق ونكهتها. لقد تعوّدت أن أغمض عينيّ وأتنشقها حتى يشحب لوني من الحبور الجسدي المفعم.
لا، ليس الحبور بل الإثارة والخوف والرعشة، وكأنّني كنت ادخل غابة خطرة معتمة.

التوحّد مع الله!
ذات ليلة، بينما كنت اعبر الحيّ التركي سمعت امرأة تغنّي موّالا شرقيا بصوت مليء بعاطفة حزينة متشنّجة. كان الصوت عميقا وأجشّ وكئيبا ينطلق من حنايا المرأة ويملأ الليل باليأس والسوداوية الحزينة. وحين أحسست انه من المستحيل عليّ أن أتابع السير وقفت أنصت ورأسي مائل إلى الجدار. لم استطع أن ألتقط أنفاسي. ولما لم تعد روحي المختنقة قادرة على التلاؤم مع قفصها الطيني تدلّت من قمّة رأسي وراحت تتردّد في أن تطير أم لا.
لا. لم يكن الصدر الأنثوي للمرأة التي تغنّي مترعا بالحب أو الغبطة. بل كان مترعا بصرخة. بأمر موجّه إلينا لكي نحطم قضبان سجوننا المؤلفة من الأخلاق والخجل والأمل. وان نسلم أنفسنا وان نهدر أنفسنا أو نتوحّد مع العاشق الرهيب المغوي الذي يكمن منتظرا في الظلام، والذي نسمّيه الله.

.. ولم اعرف أبداً!
ذات يوم أخذني احد أعمامي بين ذراعيه. وكان من الواضح أننا سنذهب لزيارة جار قرب مقبرة القدّيس ماتيو الواقعة داخل أسوار المدينة.
كان باب الكنيسة مفتوحا والكاهن قد وضع بخورا في المبخرة وارتدى بطرشيله. اجتاز العتبة واتجه نحو القبور.
وسألت عمّي وأنا استنشق بعمق أريج البخور والتراب: لم يلوّح بالمبخرة؟"
- إهدأ. ستعرف بعد قليل. اتبعني.
وحين درنا وراء الكنيسة سمعنا حديثا. كانت هناك خمس أو ستّ نسوة متّشحات بالسواد وهن واقفات حول قبر. رفع رجلان بلاطة الضريح ثم نزل احدهما في القبر وبدأ يحفر. اقتربنا ووقفنا إلى جانب الحفرة.
سألت: ماذا يفعلون؟
- ينبشون العظام.
- أية عظام؟
- سترى بعد قليل.
كان الكاهن واقفا على رأس الضريح وهو يلوّح بالمبخرة ويتمتم بالصلوات هامسا. انحنيت على التربة المحفورة مجدّدا. عفن ونتن. وضغطت منخري. ورغم أنني قرفت حتى القيء فإني لم ابتعد. انتظرت. عظام؟ أية عظام؟ رحت اسأل نفسي وأنتظر.
وبغتة استقام الرجل الذي كان يحفر منحنيا. وظهر على جذعه خارج الحفرة. كان يمسك بين يديه جمجمة. مسح عنها الأقذار وهو يمدّ إصبعه ليدفع الوحل من حفرتي العينين. ثم وضعها على حافة القبر وانحنى من جديد وتابع حفره.
سألت عمي وأنا ارتعش: ما هذا؟
- ألا ترى؟ إنها رأس إنسان ميّت. جمجمة.
- جمجمة من؟
- ألا تتذكّرها؟ جمجمة جارتنا انيكا.
- انيكا؟
وانفجرت في البكاء. وبدأت أولول: انيكا! انيكا!". وألقيت بنفسي على الأرض وجمعت ما استطعت أن أجده من الحجارة وبدأت اقذف بها حفّار القبور.
وفيما أنا ابكي واندب رحت اصرخ! كم كانت جميلة وكم كانت رائحتها جميلة! فقد اعتادت أن تأتي إلى بيتنا وتضعني على ركبتيها وتسرّح خصلات شعري بالمشط الذي تنتزعه من شعرها. واعتادت أن تدغدغني تحت ذراعي وأنا أقهقه وأزقزق كالعصفور.
أخذني عمّي بين ذراعيه وأبعدني قليلا ثم راح يكلمّني غاضبا: لماذا تبكي؟ ماذا كنت تتوقّع؟ لقد ماتت، ونحن جميعا سنموت".
لكنني كنت أفكّر بشعرها الأشقر وعينيها الواسعتين وشفتيها الحمراوين اللتين اعتادتا أن تقبّلاني. والآن..
وزعقت: "وشعرها، وشفتاها وعيناها؟"
- ذهبت. ذهبت. أكلتها الأرض.
- لماذا؟ لماذا؟ أنا لا أريد أن يموت الناس.
هزّ عمّي كتفيه وقال: حينما تكبر ستعرف لماذا".
ولم اعرف أبدا. لقد كبرت وصرت عجوزا. ولم أعرف أبدا.

آه.. هكذا أناديه!
.. وسأل الأب: أي اسم تطلقه على الله يا أبتي؟
فأجاب الدرويش: ليس لله اسم. إنه أكبر من أن تحتويه الأسماء. الاسم سجن، و الله حرّ.
و أصرّ الأب: و لكن إذا شئت أن تناديه، حين تكون هناك حاجة، فأيّ اسم تستخدم؟
أطرق الدرويش مفكّراً، ثم افترت شفتاه: آه! هكذا أناديه. ليس الله. بل آه.
و أربك هذا الكلام الأب، فتمتم: إنه على حق"..

حيرة!
عدت إلى اليونان مجروحا. كنت مضطرما بثورة ذهنية واضطراب روحي. وكل شيء في داخلي متضارب ومتردّد. قلت لنفسي: إن لم أبدأ باكتشاف الهدف الأسمى للحياة على الأرض فكيف سأتمكن من وضع هدف لحياتي القصيرة الفانية.
ولقد وجدت مصدرا آخر للعصيان. ذلك أن روح الشباب البسيطة لا تستطيع أن تتسامح مع منظر الجمال وهو يتناقص إلى لا شيء، بينما يقف الإله جانبا، ولا يرفع يده ليجعل الجمال خالدا. لو كنت إلها، هكذا يفكّر الشاب، لوزّعت الخلود بلا حساب، ودون أن اسمح ولو مرّة واحدة لجسد جميل أو لروح شجاعة أن تموت. أي نوع من الآلهة ذلك الذي يقذف بالجميل والقبيح، بالشجاع والجبان في الحمأة ذاتها ويدوسها بقدميه دون تمييز، ويحّولها كلها إلى وحل؟!

حديث!
"قلت لشجرة اللوز:
حدّثيني عن الله يا أخت،
فأزهرت شجرة اللوز"!

Saturday, April 21, 2007

كاد المعلم أن يكون قتيلا‏

كثرت في الآونة الأخيرة حوادث اعتداء الطلبة على المعلمين.
وقد قرأت في اليومين الأخيرين نداءات استغاثة وجّهها معلمون إلى السلطات المعنية لتوفّر لهم حماية اكبر بعد تعرّض بعضهم إلى هجمات وعنف جسدي من قبل بعض الطلاب.
جريدة عرب نيوز نشرت تقريرا مزعجا منذ يومين أشارت فيه إلى أن معلما تعرّض للضرب المبرح لدرجة أن أغمي عليه وكاد يفقد حياته بعد أن رفض زيادة درجات احد الطلبة.
وقد قام الطالب المعتدي ورفاقه بتصوير واقعة الضرب بالبلوتوث وقاموا بتوزيعها على نطاق واسع إمعانا في إذلال المدرّس الضحية.
كما ذكر التقرير أن طالبا آخر وجّه مسدّسا إلى صدغ معلمه وقام بإضرام النار في سيارته بعد أن ابلغ المعلم الجهات المختصة بقيام الطالب "بالتفحيط" بسيارته وإزعاج راحة الأهالي.
والحقيقة أن تزايد حوادث الاعتداء على المدرّسين ينبئ عن أزمة أخلاقية وتربوية خطيرة.
فمهنة المعلم لم يعد لها تلك الهيبة والمكانة التي كانت تقترب من القداسة ذات زمن.
ومن الواضح أن ضعف تربية الآباء لأبنائهم، أو انعدامها أحيانا، أدّت إلى ما نراه في مدارسنا اليوم من فوضى وتسيّب وانفلات.
كما أن قرار منع الضرب في المدارس بحجج وذرائع خيرية وحضارية أدّى هو الآخر إلى تضعضع منزلة المدرّس وبالتالي هوانه وذهاب هيبته.
اليوم كنت اقرأ بالصدفة فصلا من سيرة حياة الروائي اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس. وفي ذلك الجزء من مذكّراته يروي الكاتب جانبا من تجربته أيام الدراسة وكيف أن العصا التي بيد المدرّس كانت هي الأداة التي تصنع الرجال.
يقول: كنا جميعا ننتظر اليوم الذي ستحوّلنا فيه هذه الضربات إلى رجال. وبعد أن كبرت وراحت النظريات الخيّرة تضلل عقلي، بدأت اصنّف هذا الأسلوب على انه همجي. لكن بعد أن عرفت الطبيعة البشرية بشكل أفضل رحت أبارك وما زلت عصا المدرّس المقدّسة التي كانت تعيننا على الصعود من مرتبة الحيوان إلى الإنسان".
في الأيام الخوالي يوم كانت هناك تربية حقيقية ومربّون عظام، كان الطالب المخطئ يعلّق في نافذة الفصل بعد أن يكتّف ويشدّ وثاقه في القضبان. وهناك يبقى ساعات طوالا على تلك الحال متعرّضا لسخرية زملائه واستهجانهم إلى أن يحضر والده الذي كان كثيرا ما يبارك تصرّف المدرّس ويثني على حزمه مكرّرا على مسامع المعلم وأمام التلاميذ تلك العبارة المأثورة التي سبق وأن ردّدها يوم أن صحب ابنه إلى المدرسة في اليوم الأول: لكم اللحم ولنا العظم!
وختاما أقول لو أن هذه الشرذمة الفاسدة من الطلاب تربّوا على وقع ضربات العصي وهي تلسع جنوبهم وتلهب مؤخّراتهم عندما يخطئون أو ينحرفون لما استهانوا بأساتذتهم ولما استهتروا بنظام أو قانون، بل ولما تحوّلوا إلى زعران وميليشيات مسلحة تمارس استهتارها وبلطجتها داخل المدارس وخارجها دون أن تجد من يوقفها ويلجم سعارها.

Thursday, April 19, 2007

على أجنحة الغيم

ألقيت نظرة عجلى على عناوين الجريدة التي جلبتها المضيفة للتوّ. معظم الأخبار إما سيء أو محزن كالعادة.
وضعت الجريدة جانبا وعدّلت من وضع المقعد قليلا كي يوفّر زاوية أفضل للنظر عبر الشبّاك. كانت السماء تحتنا زرقاء ناعمة تسبح في افقها الممتد قطع من الغيم التي بدت كسفن بيضاء تمخر عباب بحر بلا ضفاف.
وتحت الغيم ظهرت جبال وأودية وخضرة ومياه تحيطها هالات من ضباب خفيف تداخل فيه الأبيض بالفيروزي.
منظر الغيم يثير في النفس شعورا بالجلال والفخامة والغموض. وهذه التشكيلات الغريبة من الغيم التي تخيّم على المشهد تحتنا يمكن للناظر إليها أن يتخيّل صورا وأخيلة لمخلوقات بأجنحة وبملامح وهيئات قد لا تخطر على البال لأول وهلة.
في بعض القصص القديمة يقترن ذكر الغيم بالكائنات الأسطورية مثل التنّين والجياد المجنّحة التي تهبط من الغيم ليلا لتستحمّ في مياه الغابات الفضيّة قبل أن تأخذ طريقها عبر الجبال والسهول إلى حيث القرى النائمة على تهويدات الليل وأحلام العذارى وقصص الجدّات التي لا تنتهي.
خطر ببالي وأنا أتملّى ذلك المشهد الجليل على ارتفاع أربعين ألف قدم كم هو جبّار ومبدع عقل هذا الإنسان الذي استطاع أن يخترع هذا الصندوق المعدني العجيب الذي رفع البشر لأول مرة من سجن الأرض إلى رحابة السماء ومكنّهم من التجوال عبر الأفق ووسط الغيوم مع ما يصاحب ذلك من متعة الإحساس بالتحليق في اللانهائية والتحرّر من إسار الأرض وما تحفل به من قيود ومكبّلات كثيرة.
قلت في نفسي: ربّما كانت هذه النقطة من السماء هي آخر ما يمكن للإنسان العاديّ بلوغه، وهو على كلّ حال إنجاز مبهر ما كان بمقدور أسلافنا أن يتصوّروا حدوثه حتى في الخيال.
وبينما أنا مستغرق في التفكير والتأمّل، خطر لي أن الإنسان – هذا الكائن الذي يختزن، رغم ضآلته، الكثير من أسرار هذا الكون العظيم والغامض – معذور إن شعر أحيانا بهشاشته وضعفه وقابليته السريعة للفناء. فرحلته في هذه الحياة قصيرة جدّا، وسيموت الكثير منّا وهم ما يزالون مسكونين بهاجس رغبتهم الأزلية في أن يطوفوا في أرجاء هذا الكون الفسيح وأن يروا بأنفسهم ما تخبّئه الكواكب والمجرّات المجاورة لكوكبهم من أسرار ومفاجآت.
في هذا الكون المليء بالغرائب والألغاز نقرأ عن كواكب بعيدة تتشكّل في سماواتها غيوم لا تنهمر إلا مطرا حامضيا بلون السخام، وعن كواكب أخرى لا وجود فيها سوى لبراكين هائلة تهدر وتزمجر نافثة حممها ونيرانها آناء الليل وأطراف النهار. وعن نوع ثالث من الكواكب لا يوجد فيه سوى العدم والظلام الدامس والصمت المطبق الذي يحطّم أعصاب اشدّ البشر بأسا وأقواهم تحمّلا.
إننا كثيرا ما نغبط روّاد الفضاء الذين تمكّنوا من النفاذ إلى أعماق الفضاء ورأوا بأمّ أعينهم من أسرار الكون ومعجزاته ودقائقه ما سيظلّ بالنسبة لغيرهم فكرة خيالية أو حلما بعيد المنال.
لكنّ صورة الفضاء ليست وردية دائما. فهناك من هؤلاء من رأى كواكب عملاقة لكن أسطحها ملئى بالصدوع والأخاديد والأودية الشديدة الانحدار التي لا يسمع فيها سوى عواء الريح التي تصل سرعتها في بعض الأحيان إلى ثلاثمائة كيلومتر في الساعة.
في تلك العوالم النائية حيث الصمت المطبق والظلمة القاتلة، لا يسمع الإنسان سوى نبض قلبه وحفيف أفكاره وخوفه الممضّ من احتمال أن يفقد الأرض نهائيا وتنعدم وسيلته في العودة إليها مجدّدا.
وقد قرأت ذات مرّة أن بعض روّاد الفضاء عادوا من رحلاتهم وهم أكثر حبّا للحياة وأكثر عاطفة وحنوّا وأشدّ التصاقا بالأرض. بينما انهمك آخرون في التفكير في مغزى الوجود على الأرض وغير ذلك من الأسئلة والتساؤلات الكبرى.
لكن هل يعقل أن تكون الأرض هي الكوكب البارد الوحيد في هذا الكون وما عداه عوالم لا نهائية من الصمت والظلام والعدم؟ يقول العلماء إن المنطق ينفي هذه الفرضية، ولا بدّ وان هناك كواكب أخرى باردة غير كوكبنا "هناك في الواقع ملايين المجرّات وبلايين النجوم"، والإنسان برغم ما حققّه حتى الآن من اختراقات واكتشافات على صعيد ارتياد الفضاء لم يزل يجهل الكثير من مسالك ودروب هذا الكون الواسع الذي لا يحيط بأسراره وحقائقه سوى من خلقه وأوجده على هذه السويّة من الدقة المتناهية والإحكام المعجز.
وصدق الله العظيم إذ يقول: "تسبّح له السمواتُ السبعُ والأرضُ ومن فيهنْ، وإنْ منْ شيء إلا يسبّح بحمده".

Friday, April 13, 2007

مدوّنات سعودية جديرة بأن تقرأ

الشكر الجزيل لـ أحمـد على إدراجه مدوّنتي ضمن قائمة أفضل المدوّنات السعودية الجديرة بالقراءة.
الفكرة في عمومها جيّدة وتستحق الإشادة. ومن الواضح أن احمد ركّز في اختياراته على المدوّنات التي تعنى بالشأن اليومي المحلي والتطوّرات المستجدّة سواءً كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية.
في هذا الصدد، لاحظت انه ضمّن القائمة مدوّنتين أظن، ابتداءً، أنهما خارج التصنيف، لا لأنهما لا تستحقان التنويه بل لان صاحبيهما صحفيان محترفان كما يبدو. واعني بهما مدوّنة رشيد أبو السمح ومدوّنة جون بيرغيس. والمفروض أن هاتين المدوّنتين خارج المنافسة وتستحقان أن توضعا في سياق خاص ومختلف نظرا لتميّزهما واحترافية صاحبيهما كما ذكرت.
وفيما عدا هذه الملاحظة الجانبية، اعتقد أن اختيارات احمد جاءت موفّقة وهي بلا شك تنبئ عن إنسان يتمتّع بحسّ صحافي أصيل وقدرة فائقة على المتابعة والفرز.
وأتصوّر لو أنني اخترت قائمة مماثلة بأفضل المدوّنات عندنا لما جاءت اختياراتي مختلفة كثيرا. فقط كنت سأضيف مدوّنته الشهيرة وربّما مدوّنتين أو ثلاثا احسب أنها هي الأخرى جديرة بالإشادة والتنويه. هناك على سبيل المثال لا الحصر مدوّنات أروى وإبرامان ورائد، يالاضافة إلى مدوّنات أخرى لا تحضرني في هذه اللحظة لكنها تستحقّ أن ُتذكر وأن ينوّه بها.
هناك بالمناسبة مدوّنون متميّزون ويمتلكون أدوات الكتابة والنضج الثقافي والمعرفي، لكن المشكلة أن الوقت لا يسعفهم في أن يكتبوا بانتظام وبصفة دائمة. وهذا الصنف من المدوّنين كثير، لكنهم لا يأخذون حقّهم من الشهرة والذيوع لأسباب متعدّدة من بينها ما ذكرته.
وفي الختام الشكر الجزيل لأحمد مرّة أخرى، فبفضله تعرّفت شخصيا ولأوّل مرّة على مدوّنات سعودية راقية ومتميّزة، وما من شك في أن أصحابها يستحقون كل إشادة وثناء.

Wednesday, April 11, 2007

عن التسوّل والمسفار وأشياء أخرى ‏

منظر الأطفال والنساء الذين نراهم يوميا عند إشارات المرور في مدننا الرئيسية أصبح مألوفا لكثرة ما اعتدنا عليه.
اليوم قرأتُ أن هناك حوالي 38000 طفل مشرّد ينتشرون في شوارع المملكة حسب دراسة أجريت مؤخّرا. وطبقا للدراسة فإن أكثر هؤلاء جاءوا من دول مجاورة ليعملوا كسائسي جمال لكنهم استخدموا في ما بعد ليبيعوا البضائع الرخيصة.
كما أن جزءا من هؤلاء دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية واتّخذوا من التسوّل في الشوارع مهنة لهم. الدراسة أجراها أستاذ سعودي يعمل في جامعة الإمام وأشار فيها إلى انه وخلافا لما تنشره الصحف اليومية، فإن 69 بالمائة من أطفال الشوارع هم سعوديون، وأن أكثر من نصفهم هم من الإناث.
وقد أيّدت الدراسة ما كانت نشرته منظمة العمل الدولية في العام 2002 والتي أشارت إلى إن غالبية المتسوّلين الأطفال في المملكة هم من السعوديين وأن عددا كبيرا منهم من الإناث اللاتي يعانين إعاقات جسدية.
كما أشارت الدراسة إلى أن العامل الأساسي وراء تزايد ظاهرة التسوّل في المملكة هو عجز بعض العائلات عن توفير نفقات التعاليم لأطفالهم بالإضافة إلى عوامل أخرى ثانوية من بينها اتخاذ الأب زوجة أخرى وإهمال الأطفال من الزوجة الأولى.
ترى أين وزارة العمل والشئون الاجتماعية وأين وزارة التعليم وغيرهما من هؤلاء؟ ألا تستشعر الجهات المعنية خطر هذه الظاهرة خاصة ونحن نعلم سهولة التغرير بالأطفال واستغلالهم بل وربّما جرّهم للغرق في مستنقع الانحراف والإرهاب والجريمة مع ما لذلك من آثار ونتائج خطيرة على استقرار المجتمع وسلامته؟!
وعلى صعيد آخر، قرأت قصة إخبارية لا تخلو من طرافة نشرتها أمس وكالة الأنباء الفرنسية. موضوع القصّة يتناول ما أصبح يسمّى الآن "زواج المسفار" على وزن زواج المسيار!
وفي التفاصيل أن أكثر من ثلاث عشرة امرأة سعودية يتطلّعن للزواج بسرعة لكي يتأهلن لنيل بعثات دراسية خارج المملكة. ومن شروط التأهّل للبعثة أن تكون المرأة متزوّجة أو أن يصحبها محرم. ولأن الشرط الثاني متعذّر تحقيقه في معظم الحالات نظرا لانشغال الأهل والأقارب بأعمالهم وارتباطاتهم، فقد فضّلت النساء البحث بسرعة عن أزواج "سفريين" كي يتمكنّ من الحصول على فرصة الابتعاث قبل انتهاء المدّة المحدّدة.
القصّة تطرح جملة من الأسئلة. هل أصبح الابتعاث هدفا بحدّ ذاته إلى درجة أن يتحوّل الزواج، وهو اخطر قرار في حياة الإنسان رجلا كان أم امرأة، إلى مجرّد وسيلة أو ذريعة؟!
ثم ما المانع أن تسافر المرأة بمرافقة نساء أخريات يجمعهن نفس الهدف والغاية؟! وأيضا من يضمن ألا يترك زوج المسفار المرأة التي اقترنت به اضطرارا وبدواعي المصلحة، بمجرّد وصولهما إلى بلد الدراسة أو بعد وقت قصير من ذلك فيتحوّل المسفار إلى مسمار يضرب أحلام النساء المسكينات ويتسبّب في بؤسهن وشقائهن؟!
الموضوع ما يزال يثير الجدل في أوساط الناس المنقسمين حياله ما بين مؤيد ومعترض. لكن ممّا لا شكّ فيه أن المعالجات الخارجة عن المألوف كثيرا ما تؤدّي إلى نتائج كارثية!
وأختم الحديث بالإشارة إلى خبر طريف تناقلته الصحف أمس عن مواطن فقد جزءا من انفه بعد أن تعرّض لهجوم مباغت من زوجتيه اثر تهديده لهما وهو يمزح بالزواج من امرأة ثالثة!
الرجل الذي ُجدعت أنفه، واسمه بالمناسبة جديع بن سالم، كان يعتقد بأن تهديده بالزواج سيساعد على حلّ نزاع حول تقسيم المنزل بين الزوجتين.
لكنه لم يكن يظن أن الأمور ستتطوّر إلى معركة بالأيدي والأنياب تنتهي بالهجوم على انفه وقضمها.
هذه القصّة تدلّ على أن بعض الرجال لا يقدّرون مشاعر النساء ولا يدركون إلى أيّ مدى يمكن أن يذهب بالمرأة الغضب عندما تشعر بأن كرامتها أهدرت وأنها تعامل كأيّ سلعة أو متاع.
أما الأخ جديع فعليه أن يحمد ربّه كثيرا لان الانتقام هذه المرّة وقف عند حدّ جدع أنفه، والله وحده يعلم ما الذي يمكن أن يفقده في الخناقة القادمة!

Thursday, April 05, 2007

بعض التغيير

التغيير أمر مهم وأحيانا ضروري، ولهذا السبب ربّما لاحظ زوّار المدوّنة بعض التغييرات الشكلية مثل الخلفية والعنوان. قيل لي إن الخلفية السابقة لا تشي بمضمون المدوّنة ولا تدلّ عليه، وهذا صحيح إلى حد ما.
وكنت أردّ بالقول إن الصورة ليس من الضروري أن تشير إلى طبيعة الموقع أو مضمونه. بل لا مانع أن يكون للموقع الجادّ صورة بسيطة في معناها ودلالتها، فالمهم أن ترتاح لها العين وأن تتعوّد عليها.
ومع ذلك قرّرت أن أضع هذه المرّة صورة مختلفة تتناسب مع مواد المدوّنة وتنوّع مواضيعها واهتماماتها.
وخطر بذهني أن العنوان هو الآخر "من هذا الجانب من النافذة" قد يكون بحاجة إلى تغيير. فهو طويل نوعا ما ورتيب ولا يخلو من رطانة.
وبما أنني من المنجذبين إلى تلك العناوين واللافتات التي تتحدّث عن جانب آخر للأشياء أو زاوية أخرى تشير دائما إلى شيء مختلف قد لا يستدل عليه إلا بإمعان النظر وشحذ الحواسّ، فقد اخترت في البداية عنوانا أحبّه كثيرا وهو "من الضفّة الأخرى". لكن بعد تفكير قرّرت انه قد لا يكون العنوان المناسب. واستقر الرأي أخيرا على عنوان جديد "خواطر متفرّقة"، وهو عنوان فضفاض وواسع بل ونمطي كما هو واضح، لكن ميزته الرئيسية انه يدلّ على تنوّع الأفكار والاهتمامات ويعطي الكاتب فضاءً أوسع من خيارات الكتابة والتعبير.
وقد حرصتُ على أن يكون للموسيقى مكان في المدوّنتين، إذ من خلال التجربة والملاحظة تبيّن لي أن وجود موسيقى في أيّ موقع يوفّر خاصيتين مفيدتين، فهي تجتذب المزيد من الزوّار ومن جهة أخرى تسهم في إضفاء جوّ من الاسترخاء يخفّف من تجهّم بعض المواضيع وجدّيتها.
وطالما أن الحديث عن التغيير والمدوّنات وهمومها، فلا بدّ من الإشارة في هذه العجالة إلى أن حجب موقع فليكر لاستضافة الصور ما يزال ساري المفعول عندنا. ويبدو انه لن ُيرفع هذه المرّة إلا بعد مرور وقت طويل والأسوأ من هذا انه قد لا يرفع أبدا.
والظاهر أن الهيئة المنوط بها مهمّة مراقبة الانترنت وحجب المواقع اقتنعت بفكرة حجب ذلك الموقع بعد أن تمّ حجبه في دولة الإمارات العربية.
ولا اعلم إن كانت هيئة مراقبة الانترنت مستعدّة لمعالجة مشكلة حجب مواقع استضافة الصور معالجة عملية من خلال إيجاد حل بديل وناجع يريح أصحاب المواقع من الصداع الذي يتسبّب به حجب مثل هذا النوع من المواقع الحيوية والمهمة. لماذا مثلا لا تنشئ الهيئة المذكورة موقعا مماثلا لفليكر من حيث الإمكانيات الفنية - وإن على نطاق مصغّر - وتخصّصه لاصحاب المواقع المحلية وتشرف على تنظيم الموقع ومراقبته. في الحقيقة قد لا يحتاج الموقع المفترض إلى مراقبة بالنظر إلى أن الغالبية الكبرى من المستخدمين عندنا يتميّزون بالوعي العالي والحرص على عدم وضع أية موادّ قد تخدش الحياء أو تؤذي المشاعر.
هذا اقتراح مجاني أقدمه إلى الهيئة المذكورة إذا كانت مهتمّة فعلا بمراعاة متطلبات مستخدمي الانترنت المحليين الذين يعانون اشدّ المعاناة جرّاء الإكثار من حجب المواقع وبترها وتشويهها.
وقبل أن اختم الموضوع، أريد الإشارة إلى خبر مهمّ أوردته الزميلة العزيزة انتروبي في مدوّنتها نقلا عن موقع Crossroads Arabia الذي يحرّره ويشرف عليه الصحفي الأمريكي John Burgess الذي يوصف بأنه خبير في الشأن السعودي. وكان بيرغيس قد قال نقلا عن "مصادر داخل المملكة" إن الخطاب المنتظر الذي سيلقيه الملك عبد الله بن عبد العزيز أمام مجلس الشورى سيكون مهمّاً للغاية وستكون له آثار ملموسة على أكثر من صعيد. إذ ُيتوقّع أن يكشف الملك عن تغييرات مهمّة منها الإعلان عن مناصب وزارية جديدة وربّما صلاحيات جديدة لمجلس الشورى.
والحقيقة أن المواطن السعودي يعلّق آمالا عريضة على "أبو متعب" ويتمنّى أن ُينجز على يديه الكثير مما ينتظره الناس ويتوقون إلى تحقيقه. وشخصيا أتمنّى – إن صحّت تكهّنات صاحب ذلك الموقع – أن تتضمّن الإصلاحات الجديدة بندا ينصّ على أن يأتي نصف أعضاء المجلس على الأقلّ بالانتخاب وأن يعطى الأعضاء المزيد من السلطات والصلاحيات، لان المجلس بشكله الحالي لا يقدّم ولا يؤخّر ووجوده مثل عدمه لأنه بعيد جدّا عن هموم المواطن الذي لا يرى حتى الآن أيّ دور حقيقي أو فاعل له.
طبعا ليس هذا كلامي أنا فقط، بل يمكن سماع مثله وأكثر في نقاشات الناس وفي أحاديث المجالس والمنتديات.

Tuesday, March 27, 2007

مجلس حُكَماء

الحكّام المغامرون والمتهوّرون ثبت بالتجربة انه لا يمكن كبحهم والسيطرة على نوازعهم ونزواتهم من خلال الهيئات والمنظمات الرسمية التقليدية، مثل مجالس النوّاب والبرلمانات ومجالس الأمن القومي والصحافة ومؤسّسات المجتمع المدني.
وبوش وأحمدي نجاد مثالان واضحان على هذا.
بوش يهدّد بشنّ حرب مدمّرة على إيران بسبب منشآتها النووية.
واحمدي نجاد بدوره يصرّ على مسايرة بوش في جنونه والتضحية بمستقبل بلده وشعبه استنادا إلى شعارات غيبية ودعاوى حماسية لن تنقذ إيران في النهاية من الدمار.
وجورج بوش واحمدي نجاد ماضيان في التصعيد وإذكاء الحرب الكلامية وتبادل التهديد والوعيد.
وهما إذ يفعلان ذلك يحظيان بموافقة مستشاريهما ويجرّان خلفهما البرلمان وقادة الجيش والقوّات المسلحة والصحافة.
وأمام هذا النزوع إلى الخيار العسكري والدفع باتجاه حافة الهاوية واستعجال المواجهة التي تعني قتل الكثير من الأبرياء وتخريب المرافق والعمران، يثور سؤال:
لماذا لا يكون هناك مجلس حكماء في كلّ بلد تكون له الكلمة الفصل في حسم النزاعات والمشاكل، ويتشكّل أعضاؤه من خارج الأطر الرسمية ولا يكون تابعا للحكومة وأجهزتها ولا ملزما باتّباع سياساتها وتبنّي مواقفها.
مثل هذا المجلس يفترض أن يجسّد أعضاؤه روح الأمّة وضميرها الحيّ، وقد يضمّ مفكّرين ومثقفين وفلاسفة ومحامين واقتصاديين وديبلوماسيين ذوي نزعة إنسانية لم تتلوّث بأدران السياسة ولا تحرّكها المصالح الحزبية الضيقة، بل هم فوق الأحزاب والمصالح ومراكز القوى ومناورات رجال الساسة وعرّابيها.
إن فكرة السلام مقابل الحرب، والديبلوماسية مقابل الصراع، تفترض - في ما تفترض - تغليب فكر رجل عاقل ومؤمن بالحوار مثل محمّد خاتمي على أفكار احمدي نجاد، وترجيح أفكار شخصيّات مثل لي هاميلتون ونعوم تشوميسكي على أفكار بوش والفريق اليميني المتطرّف في الإدارة الأمريكية.
إن تحقيق السلام من خلال رجال يتصفون بالحكمة وبالحرص على الحياة الآدمية أمر قد يبدو طوباويا وهو قد لا يتحقق دائما بالنظر إلى كثرة العوائق وتضارب المصالح والأهواء.
لكن سموّ الهدف ونبل الغاية يستحقّان المحاولة..