خواطر في الأدب والفن


  • في كتب بعض الثقافات القديمة إشارات متكرّرة عن شجرة يقال أنها موجودة في الجنّة. ومهمّة تلك الشجرة هي تحقيق الأماني والرغبات وتحويل الأفكار إلى حقيقة. وفي الجنّة أعداد كثيرة من هذه الشجرة. ما عليك سوى أن تجلس تحت إحداها وتطلق لمخيّلتك العنان وتتمنّى ما يحلو لك.
    وفي الحال تتحقّق أمنيتك أو رغبتك. لكنّ المشكلة أن تلك الشجرة السخيّة لا تحقق الأماني فقط، وإنما تحوّل كلّ ما يعبر رأسك من أفكار أو تخيّلات أو هواجس إلى واقع. ويظهر أن فلاسفة الهند القدماء أرادوا أن تكون الشجرة رمزا لعقل الإنسان المبدع بأفكاره.
    تقول إحدى الحكايات إن رجلا كان مسافرا في طريق عندما دخل الجنّة مصادفة. ولأنه كان منهكا من أثر الترحال الطويل، فقد غالبهُ النعاس ونام تحت إحدى تلك الأشجار. وعندما استيقظ أحسّ بالجوع وقال: لو أن عندي بعض الطعام لآكله". وفي الحال ظهر الطعام من أكثر من ناحية وامتلأ المكان بأصناف شتّى من الأطعمة والفاكهة.
    وبدأ الرجل يأكل إلى أن شبع. ثم واتته فكرة أخرى وقال: لو أن عندي شيئا من الشراب لأطفئ به ظمأي". وما هي إلا لحظات حتى امتلأ المكان بكؤوس النبيذ وعصير الفواكه المختلفة. وعندما أخذ الرجل كفايته من الشراب، تمدّد في ظلّ تلك الشجرة مستمتعا بنسيم الجنّة العليل ومناظرها البهيّة.
    وبينما هو على تلك الحال، أخذ يفكّر في هذا الذي حدث له. وتساءل: ما الذي يحدث؟ هل كنت أحلم؟ هل كان هذا مجرّد خيال أو حلم يقظة؟ أم أن هناك أشباحا لا أراها، تخادعني وتتلاعب بعقلي؟ وظهرت له الأشباح فجأة. كانت شرسة وقبيحة المنظر. وبدأ الرجل يرتجف من شدّة الخوف. ثم قال: أنا متأكّد الآن بأنني سأقتل. هذه المخلوقات الرهيبة ستقتلني! وقُتِل فعلا..
    هذه القصّة تتضمّن دروسا بالغة الأهمية. إنها تقول بطريقة غير مباشرة إنّ ما يمرّ بالإنسان من أحداث وتجارب هي في النهاية من صنع عقله وتفكيره. فنوعية أفكارك هي التي تخلق جنّتك أو نارك، سعادتك أو تعاستك. بل إن نوعيّة أفكار الإنسان يمكن أن تحوّل جنّته إلى نار، وناره إلى نعيم.
    هذا الرجل، بطل القصّة، كانت له عينان تمنحانه الدهشة ومتعة الاكتشاف، لكنْ كان ينقصه اللسان الذي يعبّر به عن شكره لله.
    وهذه القصّة تقول لنا إن التعاسة هي إحساس وليست قدرا محتّما. والبوذية تقول شيئا قريبا من هذا، إذ تؤكّد على ألا حاجة للإنسان أن يخلق جنّة أو نارا، لأنّ كلّ إنسان ساحر ومبدع على طريقته وباستطاعته أن يصوغ عالمه الخاصّ وفقا لمشيئته. وأفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يبحث عمّا يريده فعلا، وليس عمّا كان يفكّر أنه سيجده.
  • ❉ ❉ ❉

  • القطعة الموسيقية الكلاسيكية التي فوق لا تتجاوز مدّتها الثلاث دقائق. ومع ذلك فهي مشهورة ومألوفة كثيرا، كما أنها تتحدّى أمهر العازفين. ولا يبرع في أدائها سوى المحترفين في عزف آلة الترمبيت أو البوق.
    ولسنوات طوال، ظلّت هذه الموسيقى تُعزى خطئاً إلى المؤلّف الفرنسيّ هنري بورسيل، قياسا على موسيقى تشبهها سبق له أن ألّفها. لكن فيما بعد تأكّدت نسبتها إلى جيريمايا كلارك (1674-1707)، وهو مؤلّف انغليزيّ من عصر الباروك، قيل انه اقتبس لحنها من أوبرا صغيرة تُسمّى "أميرة الجُزُر".
    وكثيرا ما تُعزف هذه المقطوعة في حفلات الزواج. أما سبب تسميتها بـ "مارش أمير الدانمرك" فما يزال غير معروف حتى الآن. لكن ربّما يكون المؤلّف استوحاها من أجواء مسرحية "هاملت" لشكسبير التي تجري أحداثها في الدانمرك.
    ويقال ان محطّة البي بي سي واظبت على بثّها أثناء الحرب العالمية الثانية ضمن برامجها الموجّهة إلى الدانمرك عندما كانت واقعة تحت الاحتلال النازيّ.
    توفّي كلارك بطريقة مأساوية وهو ما يزال شابّا، إذ وقع في حبّ امرأة جميلة تعلوه من حيث المكانة. ويبدو أنها أعرضت عنه أو تجاهلته، ما أدّى إلى شعوره بالخيبة والحزن، وقرّر أن الحياة لا تستحقّ أن تُعاش بدونها. فذهب ذات يوم إلى حقل صغير كان يتوسّطه غدير ماء تحيط به أشجار.
    وهناك اخذ يفكّر في طريقة يقتل بها نفسه. وكان أمامه خياران، إما أن يلقي بنفسه في الماء أو أن يشنق نفسه على شجرة. لكنّه عاد إلى بيته ثم أطلق على نفسه رصاصة من مسدّسه. ورغم أن المنتحرين وقتها لم يكونوا يُدفنون في "مقابر المؤمنين"، إلا أن كلارك مُنح استثناءً خاصّا ودُفن في ساحة كنيسة قريبة من بلدته.
    هذه الأيّام لا يتذكّر الناس جيريمايا كلارك إلا بهذه القطعة التي يُرجّح انه كتبها حوالي عام 1700، رغم انه ألّف مقطوعات أخرى لآلتي الهاربسيكورد والأورغن وكتبَ موسيقى دينية. كما ألّف موسيقى خاصّة تحيّة لذكرى زميله ومعاصره هنري بورسيل.
  • ❉ ❉ ❉

    ظنّ الكثيرون، ولسنوات طويلة، أن اللوحة "فوق" هي من أعمال رائد النيوكلاسيكية جان لوي دافيد. ثم اتضح مؤخّرا، وبعد عملية تدقيق طويلة أجراها متحف المتروبوليتان حيث توجد اللوحة، أنها لإحدى تلميذات دافيد وتُدعى ماري دونيز فيليه.
    واللوحة عبارة عن بورتريه شخصيّ للرسّامة على الأرجح. وتظهر وهي تحدّق مباشرة في الناظر وترسم على ورقة مثبّتة في حضنها. وعبر نافذة متصدّعة خلفها، نرى رجلا وامرأة يتحادثان في طرف شارع تعلوه بناية.
    حجم اللوحة ضخم. وعندما تدخل إلى الصالة المعلّقة فيها فإنها تواجهك مباشرة على الجدار المقابل. ومن الصعب أن تقاوم النوعية اللامعة لشخص المرأة وهي ترسم وتحدّق كما لو أنك أنت الشخص الذي ترسمه.
    متحف المتروبوليتان أضاف مؤخّرا نسخة مكبّرة من اللوحة بألوان أكثر دقّة، ما يمكّن من رؤية تفاصيلها بوضوح أكبر.
    ولدت ماري دونيز فيليه عام 1774 وتوفيت عام 1821. وهي تنحدر من عائلة ارستقراطية باريسية. والمعلومات المتوفّرة عنها قليلة. لكنّ يقال إنها كانت رسّامة موهوبة. ويّرجّح أنها رسمت اللوحة عندما كان عمرها 27 عاما. ويبدو أنها توقّفت عن الرسم بعدها لأسباب غير معروفة.
    وبينما يتساءل البعض عن القيمة الفنّية الحقيقية لهذه اللوحة، هناك من يتساءل ما إذا كان المتحف سيغيّر مكانها وينقلها إلى إحدى صالاته الداخلية باعتبارها تخصّ فنّانا اقلّ شهرة أو أهمّية.

    Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    لغة الطيور

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أساطير قديمة: العنقاء