:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, March 21, 2018

كتاب اللاطمأنينة

كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة.
بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق".
والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها..
  • السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء.
  • الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس.
  • نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا.
  • أنا هامش في مدينة لا وجود لها. أنا تعليق مسهب على كتاب لم يُكتب بعد. أنا شخصية في رواية تمرّ مرور الأثير وتتوارى دون أن تكون قد وُجدت.
  • أكتب وكأنّني أنفّذ عقوبة ما. والعقوبة القصوى هي أن اعرف أن كلّ ما كتبته عديم الجدوى، ناقص ويفتقر إلى اليقين.
  • الذين يعانون معاناة حقيقية لا يشكّلون مجتمعا. من يعاني يعاني منفردا.
  • ❉ ❉ ❉

    إذا حاولت أن تقرأ "كتاب اللاطمأنينة" من الغلاف إلى الغلاف، فستجده باعثا على الحزن والاكتئاب. إذ لا شيء كثيرا يحدث، وما ستقرؤه هو مجموعة من التأمّلات والأفكار الوجودية عن الحياة والوحدة والحالة الإنسانية.
    والكتاب استبطانيّ للغاية، لدرجة أن القارئ سيجد نفسه في حالة تلبّس مع أفكار الكاتب. لكن أرجوك ألا تقرأ الكتاب بهذه الطريقة. وبدلا من ذلك حاول أن تغمر نفسك فيه بطريقة عشوائية، وستكتشف عملا ذا طبيعة عبقرية لا يمكن نكرانها. ويمكن القول ببساطة انه تحفة في الكتابة الحديثة.
    من الصعب جدّا أن تشرح أو تفسّر كتاب بيسوا. وربّما يكون مجديا لو وضعته في سياق معيّن. عاش هذا الشاعر ما بين عامي 1888 و 1935. لكن أثناء حياته، كان يتجنّب الأوساط الأدبية والاجتماعية، رغم انه كتب الكثير من الشعر والنثر. وجزء كبير من كتاباته لم تُنشر إلا بعد وفاته.
    الاسم الحقيقيّ للشاعر، أي بيسوا، يعني بالبرتغالية "شخص". والمفارقة انه كان يكتب بأسماء أشخاص كثيرين، حوالي اثنين وسبعين اسما، وكلّ اسم كان له أسلوبه الخاصّ وشخصيّته وسيرته الذاتية المختلفة. ويتعيّن عليك أن تكون سمسارا أو عبقريّا حتى تكتب بكلّ تلك الأسماء الكثيرة.
    و"كتاب اللاطمأنينة" كتبه احد تلك الأسماء المستعارة، وهو برناردو سواريس، الذي كان يعمل في إحدى شركات صناعة الأقمشة في لشبونة. وفي مقدّمة الكتاب، يشرح بيسوا كيف قابل ذلك الشخص.
    أعمال الشاعر عُثر عليها في صندوق سيّارة بعد وفاته. وكتاباته النثرية لا تتضمّن نظام تسلسل أو تواريخ. لذا فإن جمعها معا كان مثار جدل واسع بين الأكاديميين الذين تخصّصوا في حياة بيسوا وكتاباته.
    من أشهر الاقتباسات المنقولة عن الشاعر قوله: أن تلمس قدم المسيح ليس مبرّرا لأن تخطيء في علامات الوقف". واستخدام الشاعر للغة عميق في الغالب ومدهش دائما. وفي ميزان القراءة فإن كتابه ثقيل، لكنه بنفس الوقت محلّق عاليا في تأمّلاته عن الحياة. وقراءته كفيلة بأن "تصيب روحك بالبرد" كما يقول بيسوا نفسه في واحدة من عباراته الرائعة.
    وبعض مقاطع الكتاب هي عبارة عن سطر واحد، والأخرى أطول قليلا، والقليل منها يحتلّ مساحة صفحتين. والأفكار غالبا عميقة، وأحيانا عصيّة على الفهم.
    "كتاب اللاطمأنينة" مليء بالجمل المدهشة، وهو لا يشبه أيّ كتاب سبق لك أن قرأته. ومن الغريب أن أعمال الشاعر غير معروفة على نطاق واسع. وإذا كنت شخصا ذا طبيعة تأمّلية، فإن هذا الكتاب سيغيّر طريقة رؤيتك للأشياء.
    ولعلّ أفضل ما يمكن أن يوصف به الكتاب هو عبارة بيسوا التي يقول فيها: أحدّق إلى الخارج من نافذة غرفتي، وأرى عددا هائلا من النجوم. لكن لا شيء هنا غير ذلك العدد الهائل من النجوم".

    Credits
    poetrysociety.org