:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 27, 2008

هموم محلية


المقالات والتحليلات التي تتحدّث عن الشأن المحلي كثيرة هذه الأيام.
وقد توقفت عند أربعة تحقيقات إخبارية تناولت جملة من القضايا التي تستأثر باهتمام الناس عادة.
التحقيق الأوّل نشرته رويترز وكان عن الميزانية العامّة للدولة التي صدرت منذ أيام. تقول كاتبة التحقيق إن الميزانية لن تفعل سوى النزر القليل لعلاج مشكلة التفاوت الكبير في الدخل أو مشكلة الإسكان أو البطالة. وتورد كلاما لأحد المحللين الاقتصاديين السعوديين قال فيه إن الطريقة الوحيدة لضمان توزيع عادل للثروة هي من خلال الضرائب. غير أن الحكومة لا تبدو راغبة في فرض ضرائب على الأغنياء".
وقال بعض المواطنين إن الدولة يجب أن تسعى لخلق المزيد من الوظائف في القطاع العام، وان تصرف بسخاء من اجل تحقيق هذه الغاية. غير أن العجز المتوقّع في العام القادم يبلغ حوالي 56 بليون ريال، الأمر الذي يفرض خفض الإنفاق العام بواقع سبعة بالمائة، ما يترك مجالا هامشيا لأي آمال قد تراود المواطنين في إحداث تحسّن ما في الأوضاع العامّة. وتنقل الكاتبة كلاما لمواطن سعودي نشره موقع "الأسواق نت" يتساءل فيه إن كان بمقدوره اقتراض عشرة ريالات من الميزانية كي يشتري بها وقودا لسيارته يمكّنه من الذهاب لإجراء مقابلة شخصية بإحدى الشركات الأمنية التي عرضت عليه العمل لديها كحارس أمن.
ورغم ذلك، ينتظر أن يحصل موظفو الحكومة على زيادة في الراتب قدرها خمسة بالمائة لمواجهة التضخّم. وهي نسبة ضئيلة جدا إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن غالبية المواطنين يتقاضون دخلا متدنّيا أصلا.
وهناك خيبة أمل أخرى تتمثل في أن الأموال التي ُخصّصت في الميزانية الجديدة للبنك العقاري الذي يقرض الناس كي يبنوا لهم مساكن لن تتجاوز الخمسة بلايين ريال، ما يعني أن على المواطنين الانتظار إلى اجل غير مسمّى.
من الجدير بالذكر أن نسبة السعوديين الذين يملكون منازل خاصة لا تتجاوز ثلاثين بالمائة من إجمالي عدد السكان، وهي أدنى نسبة بين دول الخليج.
وتختم الكاتبة مقالها بكلام منسوب إلى عضو في جمعية الاقتصاديين السعوديين يقول فيه: المشكلة التي نواجهها هي نقص الكفاءة في إدارة هذه السيولة الكبيرة. وأحد مظاهر هذا العجز أن معظم المواطنين ما يزالون يجدون صعوبة في الحصول على مسكن، بينما المال وفير جدا".
التحقيق الثاني نشره أمس موقع CNN عن مجموعة من النساء السعوديات اللاتي انتقدن بشدّة احد القضاة بسبب رفضه فسخ زواج فتاة عمرها ثمان سنوات من رجل يبلغ السابعة والأربعين من عمره.
وقالت وجيهة الحويدر الناشطة في مجال حقوق الإنسان إن الدفاع عن حقوق الإنسان في المملكة يقتضي الوقوف ضد هؤلاء الذين يريدون إبقاءنا في عصور الظلام والتخلف.
وقد رفض القاضي التماسا من والدة الفتاة بنقض الزواج، على أساس أن الأمّ مطلقة وليست وصيّة شرعية على ابنتها. وقال ناشط حقوقي آخر تعليقا على القضية إن المؤسسة الدينية تعتنق أفكارا محافظة يعتقد كثير من العلماء أنها تنتهك أحيانا أحكام الشريعة الإسلامية نفسها".
التحقيق الثالث نشره موقع أجنبي آخر تتحدّث فيه الكاتبة عن "معجزة" حصلت في مدينة جدة خلال الأسبوع الماضي. إذ تذكر أنها رأت في احد الشوارع الرئيسية بالمدينة صفوفا من أشجار النخيل ُدسّت بينها شجرة ميلاد وحيدة بطول مترين تقريبا. ورجحّت أن تكون الشجرة نجت من غزوات الشرطة الدينية التي عادة ما تمنع مثل هذه المظاهر باعتبارها تغريبية ودخيلة.
وقد عادت الكاتبة إلى الشارع بعد يومين لتفاجأ بأن الشجرة كانت ما تزال في مكانها، بل وأصبحت مضاءة بالمصابيح الصغيرة والزخارف الملوّنة التي تتدلى من أغصانها بينما نمت فوقها بعض الزهور البيضاء الصغيرة.
وشيئا فشيئا، انتشرت أخبار الشجرة في كلّ مكان وأصبحت حديث الناس في المدينة وموضوعا لنقاشات وأحاديث جادّة تطرّقت إلى الأديان والتسامح بل وحتى إلى إمكانية إقامة كنائس في البلاد.
وتضيف الكاتبة: هناك تغيير في وعي الناس وفي درجة تقبّلهم للآخر، وإن كان ذلك التغيير بطيئا.
وتدلل على ذلك بقولها إنها عندما وصلت إلى مطار جدّة في طريقها لأداء الحج كانت تخبئ في حقيبتها بعض زينة الكريسماس. وعندما عاين موظف الجمارك أمتعتها ورأى ما تخبّئه هزّ رأسه مبتسما وتركها تخرج بسلام.
وتختم الكاتبة كلامها بالحديث عن الشجرة فتقول: اعرف اثنتين من صديقاتي تسللتا في إحدى الليالي إلى حيث الشجرة وزيّنتاها بالمزيد من الزخارف والنجوم الصغيرة احتفاء بوصولها إلى ذلك المكان غير المتوقّع".
أما التقرير الرابع فكان عن ذهاب السعوديين لأوّل مرّة منذ عقود لحضور عروض سينمائية أقيمت في عدد من صالات المؤتمرات في كل من جدّة والطائف.
وقد مرّت الحادثة على ما يرام. رغم أن رئيس هيئة الأمر بالمعروف كان قد صرّح مرارا من قبل أن السينما شرّ مطلق وانه ضدّ افتتاح دور سينما في المملكة.
الفيلم الذي تمّ عرضه كان فيلما كوميديا يحكي عن مواطن ساذج اسمه "مناحي" يذهب إلى دبي ويخسر أمواله في سوق الأسهم هناك.
وقد أنتجت الفيلم شركة روتانا للإنتاج الفني التي يملكها الأمير الوليد بن طلال.
في ما بعد علق رئيس هيئة الأمر بالمعروف على الحادثة بقوله: لسنا ضدّ السينما إذا كانت ترضي الله ولا تخالف الشرع"، كما قال..

Sunday, December 21, 2008

خواطر في الأدب والفن

دالي واكتشاف أمريكا


في إحدى مراحل حياته الفنّية، شعر سلفادور دالي بالملل من تكرار مواضيع لوحاته وقرّر أن الوقت قد حان لرسم لوحة تترجم مشاعره الوطنية وتتحدّث عن تاريخ وطنه اسبانيا.
وقد اختار لهذا اللوحة موضوعا غريبا بعض الشيء، وهو اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد أو القارّة الأمريكية. ومبعث الغرابة هو أن جنسية كولومبوس نفسه كانت وما تزال موضع جدل واسع. فبعض المؤرّخين يعتبرونه ايطاليّا.
والبعض الآخر يذهبون إلى انه كان في الأصل اسبانيّا وأن عائلته نُفيت من اسبانيا في احد الأوقات واتخذت من ايطاليا وطنا جديدا.
ومع ذلك يقال أن كولومبوس لم يكتب أبدا بالايطالية وأن كلّ كتاباته، بما فيها مذكّراته عن وقائع اكتشافه لأمريكا، كانت باللغة الاسبانية.
دالي في اللوحة يرسم اكتشاف كولومبوس لـ أمريكا. وكولومبوس يحمل ملامح دالي نفسه ويظهر إلى يسار المنظر وهو يقود إحدى سفنه بعد رسوّها على شواطئ العالم الجديد، بينما يمسك في يده اليمنى بعصا تعلوها صورة ضخمة لزوجة دالي وملهمته غالا.
وإلى يمين كولومبوس شخص يمسك بسارية. وإلى جانبه مباشرة، أي في الزاوية اليمنى إلى أسفل، شخص آخر يغطّي رأسه برداء، قيل انه يرمز إلى القدّيس الاسباني جيمس كومبوستيلا.
وفي سماء اللوحة، ترتفع صور لصلبان طائرة ورايات متعدّدة الألوان وأشياء أخرى.
تضمين دالي صورته وصورة زوجته في اللوحة أراد منه الإشارة إلى دور غالا في مساعدته على اكتشاف أمريكا عندما قاما بزيارتها للمرّة الأولى، وهو أمر أدّى إلى ازدياد شهرته وترسيخ مكانته عالميا.
تزامن رسم دالي لهذه اللوحة مع مرور ثلاثمائة عام على وفاة الرسّام الاسباني الكبير فيلاسكيز الذي كان دالي معجبا به كثيرا. وقد صرّح آنذاك انه أراد من اللوحة إحياء أمجاد فيلاسكيز من خلال تصوير المحاربين الأسبان الذين سبق لـ فيلاسكيز أن رسمهم من قبل.
توليف اللوحة ومعمارها اقتبسه دالي من لوحة ماريا فورتوني معركة تيتوان.
أما الرماح والصلبان الطائرة فيها فتحمل إشارات للوحة فيلاسكيز بعنوان استسلام بريدا.

❉ ❉ ❉

كافكا لاند


بالأمس توقّفت قليلا في الموقع الافتراضي لـ متحف فرانز كافكا ، الأديب التشيكي، والكائن في وسط براغ عاصمة التشيك.
كافكا كما هو معروف عاش حياة تعسة ومعذّبة لكنه اليوم يعتبر من أهم الشخصيات الروائية العالمية التي ظهرت في القرن الماضي.
وخلال محاولة الحصول على معلومات عن المتحف لفتت نظري صورة التمثالين الغريبين اللذين يحرسان مدخله وهما يصوّران شخصين شبحيين متحرّكين يتبوّلان في بركة اتخذت شكل خارطة التشيك!
وقلت: فعلا صدق من قال إن الفنون جنون، إذ ما العلاقة بين هذا المنظر المقزّز وبين كافكا الروائيّ المشهور والمبدع؟
وكيف يسكت التشيك على اهانة بلدهم بمثل هذه الطريقة الفجّة؟!
وقد عرفت في ما بعد أن صاحب هذا العمل النحتيّ الغريب هو مثّال تشيكي غريب الأطوار يدعى ديفيد سيرني ويُلقّب بصانع الفضائح نسبة إلى شذوذ أعماله النحتية وإثارتها لحنق واشمئزاز الناس.
في احد الأوقات قرأت الترجمة العربية لرواية كافكا "المسخ"، وبقدر ما أعجبتني لغة الرواية بقدر ما نفرت من أجوائها المخيفة والمظلمة. حيث تبدأ أحداثها بمشهد يصوّر بطلها جورج سامسا وهو يصحو من نومه ذات صباح ليكتشف انه تحوّل فجأة إلى صرصار ضخم. ويصدم البطل بهذا التغيير الذي حدث لجسمه فجأة، وتصاب أسرته بالذهول ويفقد عمله قبل أن يفقد حياته في النهاية.
المسخ رواية قويّة في فكرتها ومغزاها وهي تُعدّ تصويرا ساخرا لظروف المجتمع الذي تحكمه وتتحكّم فيه الطبقة البرجوازية. ومنذ تأليف الرواية شاع في أوساط الأدب والفلسفة تعبير "الكافكوية" نسبة إلى كافكا كرمز لكلّ كاتب يخترع للشخصية الرئيسية في عمله شرَكا عبثيا ومظلما.
كان كافكا يصف براغ بـ "أمّي العزيزة الصغيرة ذات المخالب". وتوجد بمتحفه، كما قرأت، أروقة وممرّات كثيرة تلفّها الظلال وتُسمع عبرها الموسيقى الرتيبة وأصوات المياه الجارية.
ويظهر أن المتحف صُمّم بطريقة تجعل الزائر يتخيّل طبيعة الحياة التي عاشها الكاتب وأيضا الأفكار والصور التي جسّدها في رواياته.

❉ ❉ ❉

الكلب والإنسان


كثيرة هي القصص والحكايات التي تدلّل على وفاء الكلب وأمانته وحفظه للمعروف. ويروق لبعض الناس عقد المقارنات بين الكلب والإنسان وأيّهما أكثر وفاءً وأمانة، وطبعا يفوز الكلب على الدوام. وفي نفس الوقت تتوالى القصص والحكايات من واقع الحياة اليومية لتثبت اكثر فأكثر تفوّق الكلاب على البشر في الكثير من الخصال الحميدة!
ولا يعرف فضل الكلاب ولا جميلها أكثر من الغربيين الذين يكرمون كلابهم ويخصّونها بنفس المعاملة تقريبا التي يخصّون بها أبناءهم وربما أكثر أحيانا. والكلب في بيوت أولئك القوم ملك متوّج ويحظى بمحبّة ورعاية خاصّة فتُجلب له أطايب الطعام ويستشار في أمور صحّته ومرضه امهر الأطبّاء والأخصائيين وربّما قاسم الزوجين سريرهما وتنعّم ببعض الدفء والحنان. بل إن بعض الموسرين هناك لم يجدوا سوى كلابهم الوفيّة ليوصوا لها بثرواتهم الطائلة أو بجزء منها اعترافا بوفاء تلك المخلوقات وأمانتها واخلاصها النادر..
وضمن هذا السياق قرأتُ مؤخّرا في بعض كتب التراث قصّة أعجبتني، وملخصّها أن تاجرا قاسي القلب كان يشتري في كلّ عام عبدا يظلّ في خدمته اثني عشر شهرا ثم يلقي به إلى عدد من الكلاب الجائعة فتفتك به وتفترسه.
وكان هذا التاجر يعتقد أنه بذلك يحافظ على أسراره التي يكون العبد قد عرفها أثناء عمله خلال السنة، واختار ذات مرّة خادما شديد الذكاء عرف أمر هذا التاجر فلما أتمّ في الخدمة عشرة أشهر حرص على أن يصادق الكلاب التي كان التاجر يجوّعها لتقضي على عبيده، فكان يلاعبها ويقدّم لها الطعام من غير أن يعرف سيّده القاسي.
ثم حبس سيّده تلك الكلاب أيّاما بلا طعام استعدادا لليوم الموعود..
وبعد انقضاء العام أمر الرجل بإلقاء الخادم إلى الكلاب الحبيسة الجائعة، ولشدّ ما كانت دهشته ودهشة الآخرين عندما رأوا الكلاب تهزّ ذيولها وتتمسّح في الخادم.
وعندما سأل الرجل خادمه، في ما بعد، عن سرّ ذلك قال:
لقد خدمتك سنة كاملة فألقيتني إلى الكلاب الجائعة لتفترسني، وخدمتُ أنا هذه الكلاب شهرين فقط فكان منها ما ترى!

❉ ❉ ❉

هولبين وموت المسيح


رؤية هذا الفنّان الألماني عن الموت يمكن أن تخيفك وتحبطك.
الوجه الأخضر الرماديّ للرجل المّيت يميل باتجاه الناظر قليلا.
جزء من شعره الجافّ يفيض على كتلة الحجر المغطّاة بكفن أبيض، بينما تشير اللحية إلى السقف المنخفض للصندوق الذي تتمدّد فيه الجثّة.
يده اليمنى تتّكئ على حافّة القماش المجعّد.
الجسد عار باستثناء قطعة قماش تغطّي جزءه السفلي.
العظام شاحبة والعضلات متيّبسة والبشرة متجعّدة وهامدة.
من الصعب وأنت تتأمّل لوحة هانز هولبين هذه أن تعتبر هذا العمل الفنّي لوحة.
انه جسد ميّت يرقد عند مستوى العين في فجوة في جدار بمتحف بازل السويسريّ.
طبعا، تستطيع أن تكتشف أن الفجوة في الجدار ليست أكثر من حيلة بصرية لجأ إليها الرسّام مستخدما تقنية الأبعاد الثلاثة.
لكن حتّى وإن أعجبتك مهارة هولبين في الرسم فإنك ستنظر إلى عمله ليس كلوحة مرسومة وإنما كجسد إنسان ميّت.
أسلوب الطبيعة في التعامل مع الكائن البشري واضح هنا وفي هذه اللحظة.
اللوحة عريضة ومنخفضة بقدر ارتفاع وطول الكفن. وهذا عنصر مهمّ في أن لها كلّ هذا التأثير المزعج.
هذا الشكل الخانق يعطي هولبين فراغا كافيا لأن يخلق منظوره الدقيق. لكنه ليس كافيا لارتكاب أخطاء من قبيل إضافة تفاصيل منمّقة قد تصرف اهتمام الناظر عن الموضوع الأصليّ.
القبر المرسوم يؤدّي وظيفة الإمساك بالجثّة ويُظهر تفاصيلها الصادمة: دم داكن يتجمّع حول جرح من أثر رمح أو آلة حادّة. التجويف البطنيّ الخاويّ. وتلك العينان الصغيرتان الذابلتان.
وعلى عكس ما يوحي به العنوان، ليس في هذا الجسد شيء يشبه المسيح. ولا شيء يميّزه عنه.
إنها جثّة يمكن، ببساطة، أن تخصّ أيّ إنسان.
وهولبين يقدّمها لنا بشكل طبيعيّ وإكلينيكيّ كخبير في علم الأمراض يصوّر ضحيّة احد الحوادث على مشرحة بمستشفى.
القليلون من الفنّانين هم من صوّروا مصير الإنسان بمثل هذه القسوة.
تنظر إلى هذه التحفة الفنّية فتصدمك تفاصيلها وجوّها. غير أن رؤيتها عيانا أبلغ بكثير من مشاهدة صورها المستنسخة على الانترنت.
رؤية الرسّام عن الموت تخيف، تحزن وتصدم.
وبالتأكيد، لن يجد الموت فنّانا يمكن أن يرسمه بأفضل ممّا فعل هولبين.


Credits
salvador-dali.org
hans-holbein.org

Sunday, December 14, 2008

محطّات

رحيل الفراشات


الرسّام لا يحتاج فقط للمهارة الفنّية وإنما للثقافة وسعة الخيال أيضا. والثقافة لا تتأتّى إلا من خلال القراءة والملاحظة المستمرّة، كما في حالة الرسّام السوريالي الروسي فلاديمير كوش.
يلزمك لفهم صور هذا الرسّام أن تكون على إلمام بالأساطير والفولكلور والأديان. ومن أجمل لوحاته واحدة بعنوان "رحيل السفينة المجنّحة". وهي تصوّر سفينة في وسط البحر تزيّن أشرعتها عدد من الفراشات الملوّنة بينما يقف على الشاطئ بضعة رجال منهمكين في صيد الفراشات.
هذه اللوحة تثير في النفس شعورا بالبهجة والارتياح. فالرسّام يصوّر جمال العالم في عيني الإنسان عندما ينوي الرحيل إلى أماكن بعيدة ونائية. ولن يكتمل فهمك للصورة إلا عندما تفهم دلالة الفراشة في التراث وفي الثقافات العالمية.
فصُوَر الفراشة في اليابان، مثلا، ترتبط بحفلات الزواج وهي كانت مصدر إلهام للعديد من الفنّانين هناك منذ مئات السنين. والفراشات مرتبطة أيضا بأفضل اللحظات في حياة الإنسان.
ومن الأشياء التي قد لا يعرفها الكثيرون أن الفراشات، برغم كونها مخلوقات ضعيفة وسريعة العطب، إلا أنها معروفة بحبّ الترحال. ويقال إن هناك فصيلة منها تستطيع بمساعدة الرياح عبور البحار والمحيطات، وأثناء الرحلة تستريح على أشرعة السفن.
وهذه هي الفكرة التي أراد الرسّام تصويرها في لوحته بهذه الطريقة الجميلة والمعبّرة.

❉ ❉ ❉

بيتهوفن و غوته


يروي بيتهوفن قصّة معبّرة وذات مغزى جمعته مع صديقه الفيلسوف والشاعر غوته.
يقول: ما أروع أن يشعر الإنسان ببعض العظمة والاعتداد بالنفس. بالأمس، وبينما كنّا في طريق عودتنا إلى البيت، قابلنا أفراد العائلة الإمبراطورية في الطريق.
رأيناهم قادمين نحونا من مسافة. وعندما اقتربوا منا سحب غوته يده من يدي لكي يتنحّى عن الطريق. حاولت كلّ ما بوسعي ثنيه وإقناعه بمواصلة السير، لكن دون جدوى.
وبينما أنا أمشي قبالة الجمع، كنت أضغط قبّعتي على رأسي بنزق وأحكم إغلاق أزرار سترتي وأثني يديّ خلف ظهري.
ولاحظت أن الأمراء وكبار الحاشية والأعيان أفسحوا لي جزءا من الطريق. الارشيدوق رودولف رفع قبّعته باتجاهي محيّيا. بينما رفعت الإمبراطورة يدها لي بالسلام.
إذن فهؤلاء الناس العظماء يعرفونني! هكذا حدّثت نفسي.
لكن، كانت لحظة من أغرب اللحظات وأكثرها طرافة عندما رأيت الموكب يمرّ من أمام غوته بهدوء ولا مبالاة. كان ما يزال واقفا هناك إلى جانب الطريق متكوّما على نفسه ونازعا قبّعته وخافضا رأسه إلى الأرض بأقصى ما يستطيع.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

أسطورة ذات مغزى


حدث هذا منذ زمن بعيد. بعيد جدّا إلى الحدّ الذي يصعب تذكّره.
في بقعة ما من هذه الأرض، كان يعيش شعب بلغ درجة من التطوّر المعرفي والتكنولوجي بحيث استطاع أفراده اكتشاف آلات زمنية وأجهزة استشعار ومراكب فضائية متطوّرة مكّنتهم من التحرّك بحرّية في الفضاء وبلغوا بفضلها أبعد الكواكب والمجرّات.
وفي نهاية الأمر، استطاعوا استنساخ أنفسهم في الزمان والمكان.
في البداية، كان ذلك مثارا لدهشتهم وافتتانهم. غير أنهم سرعان ما بدءوا يشعرون بالضجر ورتابة الحياة، لأنهم أحسّوا بأنه ما من شيء بعد ذلك كان قادرا على إدهاشهم أو مفاجأتهم.
لقد رأوا المستقبل أمام أعينهم ووصلوا إلى ما لا يمكن تخيّله من مظاهر التقدّم وأسباب المعرفة، ولم يعد هناك ثمّة ما يثير مخيّلتهم أو يحفّز فيهم روح التحدّي لاكتشاف أو معرفة المزيد.
لذا قرّروا أن يفعلوا شيئا مختلفا. وقالوا لأنفسهم: لا بدّ لنا من أن نصرف النظر عن كلّ هذه التكنولوجيا ونذهب إلى الكهوف لنعيش فيها حياة بدائية وبسيطة. هناك سنكبر وسنربّي أطفالنا ونعلّمهم مرّة أخرى بعض المهارات والمعارف.
ولكي تكون تجاربهم جديرة بالاهتمام، فقد قرّروا أن يعيشوا في بيئة تتعامل مع المجهول.
من ذلك الشعب انحدرنا نحن. هم أسلافنا بمعنى ما. ونحن الآن في طريقنا لـ "نتذكّر" ما فعلوه.
هذه الأسطورة، على بساطتها، تنطوي على معنى عميق وتتضمّن درسين مهمّين:الأول: أن المعرفة الجزئيّة، لا الكليّة، هي التي تحفّز الإنسان على اكتشاف الخبرات والتجارب وتسمح للحياة بأن تتقدّم وأن ترتقي.
والثاني: أن أصل كلّ المعارف والابتكارات يعود إلى فعل التذكّر نفسه. بمعنى أن تعلّم أو فهم شيء ما لا يأتي من فراغ، وإنّما من تذكّر ذلك الشيء الموجود أصلا والذي نعرفه.
لكنّه بحاجة إلى أن يُستدعى من الذاكرة وتُبثّ فيه الحياة.

Credits
the-tls.co.uk

Monday, December 08, 2008

الأزمة وأخواتها

الأخبار والتحليلات من النوعية التي تقصفنا بها يوميا شبكات التلفزيون المختلفة لا تثير سوى القلق وتجعل من المستحيل على الفرد أن يحافظ على سلامه الداخلي، خصوصا في ظلّ هذه الفوضى والصخب اللذين يلفان العالم.
لذا قد يكون من المفيد أن يحاول الإنسان تقليل ساعات مشاهدته للأخبار هذه الأيام. فالكثير منها سيئ ولا يجلب سوى الهمّ والحزن.
أعرف أن الكثيرين منا يصعب عليهم إعادة برمجة عقولهم كي يتحكّموا في نوعية ما يشاهدونه. لكن باستطاعتهم، متى أرادوا، أن يقصروا مشاهدتهم على ما يفي بحاجتهم ويلبّي اهتماماتهم المباشرة.
لكن أيّا كان الأمر، لا يمكن للإنسان، بحكم الانتماء الديني والقومي والشعور الإنساني والوجداني، أن يدير ظهره ويتجاهل ما يحدث في أماكن مثل غزّة وفلسطين والعراق ولبنان من أمور مؤلمة وتطوّرات محزنة.
وقد لاحظت مؤخّرا، وهذا من دواعي البشر والتفاؤل، أن معظم القنوات العربية لم تعد تغري الكثيرين بمشاهدتها أو متابعة أخبارها المزعجة وحواراتها الزاعقة.
فقناة الجزيرة، مثلا، فقدت بريقها القديم وتحوّلت إلى قناة مملّة لا تجلب سوى التثاؤب والنعاس، بل وأصبحت لا تختلف في قليل أو كثير عن أيّ قناة عربية رسمية. وقناة العربية هي الأخرى أصبحت بلا لون ولا طعم، وحريّ بإدارتها أن تفكّر جدّيا بتحويلها إلى قناة للأسهم بعد أن اتضح أن ذلك هو الجانب الذي يحسنونه ويتميّزون فيه.
لكن ما حفزّني لكتابة الموضوع في الأساس هو الصخب المثار حاليا حول الأزمة الاقتصادية العالمية وما يرافقها من انخفاض مطّرد في أسعار البترول.
وما يعنينا في المقام الأوّل هو تأثير ما يحدث على واقعنا وأحوالنا.
والذي يتابع ما تنشره الصحف وما يبثّه التلفزيون من أخبار وتقارير عن أوضاع الاقتصاد في العالم العربي سيصاب ولا شك بالقنوط والإحباط.
فالغلاء ما يزال على حاله وأسعار الغذاء والدواء وغيرهما من ضرورات الحياة وصلت إلى مستويات قياسية.
وفي الخليج، على وجه الخصوص، لا يخفي بعض المواطنين سرورهم وابتهاجهم بانخفاض أسعار البترول. وليس سرّا أن الكثير من الخليجيين يتمنّون لو انخفض سعر النفط إلى معدّله القديم، أي إلى اثني عشر دولارا للبرميل. حيث أن الزيادة التي طرأت على الأسعار في السنوات الماضية لم يواكبها تحسّن يذكر في مستوى معيشة الناس. فالرواتب ظلت على حالها، وأسعار الموادّ والسلع في ازدياد، وأسعار الأراضي وإيجارات المساكن وصلت إلى معدّلات فلكية في بلدان ما تزال معظم أراضيها صحراء جرداء. كما أن مشاريع التنمية موضوعة على الرفّ، وأعداد الفقراء والعاطلين تزيد ولا تنقص، وحالة المرافق والبنى التحتية والخدمات أصبحت في منتهى البؤس والتخلف. وما ضاعف من معاناة الناس النقص المتزايد في إمدادات المياه وغياب أيّ خطط أو برامج عملية لحلّ المشكلة أو التقليل من آثارها وانعكاساتها على حياة الناس.
وقد شاهدت الأسبوع الماضي على شاشة إحدى القنوات الخليجية الخاصّة مواطنا وصف الوضع ببلاغة متناهية حيث قال: عندما كان سعر برميل النفط أكثر من مائة وخمسين دولارا كان المواطن يعاني اشدّ المعاناة، وما طالنا شيء من الإيرادات المليارية. ووالله إني أتمنّى أن ينزل السعر إلى عشرة دولارات عسى أن تنزل علينا رحمة الله".
ورغم أن الصحف المحلية تنشر الكثير من المقالات التي تتطرّق إلى هذه المشاكل وتنتقد المسئولين بنبرة عالية أحيانا، فإنه يبدو ألا شيء يتغيّر أو يتقدّم للأمام.
وفي الأيام الأولى التي تلت انهيار البنك الأمريكي مع ما صاحبه من بوادر الأزمة المالية الراهنة، قرأت تعليقا طريفا وذا مغزى كتبه مواطن خليجي في احد منتديات النقاش الاليكتروني إذ قال: من حقّ الرئيس المناضل والصديق جورج بوش أن يأتي إلينا ويأخذ الفلوس التي عندنا، وهذا حقّ الصديق على صديقه. وإذا ووجه بالرفض لأيّ سبب كان فإنه يجب أن يأخذ ما يريد بالقوّة. فالمواطن ماكل تبن في الحالتين، سواءً بقيت الفلوس هنا أو ذهبت للخارج".
طبعا مثل هذا الكلام ينمّ عن تفكير عبثي وساذج. ومن الواضح أن من كتبه إنما فعل ذلك بدافع من شعوره الشديد بالإحباط والتشاؤم.
غير أن ما فاجأني حقيقة هو ما قاله بعض المواطنين الكويتيين في ندوة بثتها قناة "سكوب" التي يملكها الشاعر طلال السعيد. فقد لاحظت أن الجميع مستاءون من تردّي حال الخدمات والمرافق وارتفاع الأسعار، في حين ينشغل مجلس الأمّة بإثارة قضايا هامشية دافعها التعصّب الطائفي والولاءات الحزبية الضيّقة والرغبة في تصفية الحسابات مع رئيس الحكومة وبعض الوزراء.
والحقيقة أن الحوار كان غاية في السخونة، كما اتّسمت بعض المداخلات والتعليقات التي تخللته بصراحتها وجرأتها الشديدة ونقدها اللاذع لأكثر من وزير ومسئول. وقد لفت انتباهي عبارة قالها احد الحضور يصف فيها الحال التي وصلت إليها المرافق الصحية عندما قال: عندنا مستشفيات لو دخلتها الجراثيم لماتت"!
وقلت في نفسي: إذا كان هذا حال الكويت، على صغر مساحتها ومحدودية عدد سكّانها وضجيج برلمانها المغرم أعضاؤه بمساءلة ومحاسبة الوزراء وإقالتهم من مناصبهم، فكيف إذن هو حال جيرانها؟!
ومع أن المرء قد يتساءل عن جدوى الانتقاد والشكوى طالما أن شيئا لا يتغيّر على ارض الواقع، فإن مما لا شكّ فيه أن مجرّد السماح بانطلاق قنوات خاصّة مثل "سكوب" الكويتية وجعلها منبرا يتحدّث من خلاله الجمهور عن شكاواهم وهمومهم هو أمر يدلّ على ذكاء الحكومة الكويتية وبعد نظرها وإدراكها لأهمّية وجود منفذ يستطيع من خلاله الناس التنفيس عن همومهم، وبذا تنتفي احتمالات نشوء حالات احتقان وتململ اجتماعي قد تأتي بما لا يحمد عقباه لا سمح الله.
وقد فكّرت في أن أيّ مواطن خليجي يشاهد تلك القناة لا بدّ وأن يشعر أن ما يثار فيها من مشاكل وهموم هي في الواقع صورة طبق الأصل تقريبا لما هو عليه الحال في بقيّة الأوطان الخليجية. ربّما الفارق الوحيد في المسألة هو أن صوت الكويتيين أعلى من أصوات جيرانهم ومساحة الحرّية المتاحة لهم لا تقارن بتلك التي لدى الآخرين.
في بعض الأحيان لا يمكن للمرء وهو يفكّر في أسباب اتساع رقعة المشاكل التنموية في الخليج وازدياد معاناة مواطنيه واستعصاء التوصّل إلى معالجات عملية وفعالة لأوجه النقص والقصور على الرغم من كل هذه الثروة الهائلة وبرغم كلّ ما يقال ويكتب في سياق النقد واستعجال الحلول وإظهار نفاذ الصبر، إلا أن يفترض أن "السيستم" لا يعمل وأن التغذية الاسترجاعية أو "الفيدباك" غائبة. وأسباب ذلك كثيرة ومتعدّدة، يأتي في طليعتها تفشّي البيروقراطية وترهّل المؤسّسات المعنية بالخدمات والنفع العام وسوء إدارة الثروة الوطنية، بالإضافة إلى المظاهر المتفرّعة عن ذلك من محسوبية وفساد مال وإداري وتغليب للمصالح الخاصّة على العامة.
ختاما، أرجو أن يعذرني القارئ على استطرادي في الكلام وانتقالي غير المنظم من موضوع لآخر. فقد كتبت الموضوع على عجل ودون تحضير مسبق. لذا جاءت الأفكار غير متسلسلة أو مرتّبة. لكن كما يقال: الحديث ذو شجون والكلام يجرّ بعضه.
كلّ عام والجميع بخير وعيدكم مبارك. وإلى لقاء قريب.

Wednesday, November 26, 2008

قراءة هادئة في مشهد عنيف


اصطدمت عيناي بهاتين اللوحتين أكثر من مرّة وفي أوقات مختلفة بينما كنت أبحث عن لوحات تصلح لأن تضاف إلى سلسلة اللوحات العالمية. وفي كلّ مرّة، كان ردّ الفعل مزيجا من الصدمة والاستغراب. الصدمة؛ لأن المنظر صادم ومستفزّ من حيث طبيعته وتفاصيله. فأنا لا أظنّ أن هناك منظرا يمكن أن يفوق في توحّشه وساديّته منظر قتل إنسان بقطع رأسه كائنا ما كانت الجريمة التي ارتكبها. أما الاستغراب فمردّه أن من يقوم بفعل الذبح في الصورة امرأة. ومن هنا قد يستكثر الإنسان على المرأة، بما يُفترض أنها جُبلت عليه من رقّة وعاطفة، أن ترتكب عملا يتسم بالعنف والوحشية، بصرف النظر عن مدى عدالة أو منطقية الأسباب وما يُساق لها أحيانا من مبرّرات ودوافع وطنية أو دينية.. إلى آخره.
وليس هناك حاجة للقول إن المنظر الذي تصوّره اللوحتان مزعج وغير مريح بالمرّة. فالعنف فيهما واضح والقسوة صارخة بما لا يحتمل. ويقال إن لوحة كارافاجيو هي اللوحة الأعنف في تاريخ الفن التشكيلي العالميّ.
كارافاجيو ايطالي وكذلك الرسّامة ارتيميشيا جينتيليسكي. ولوحتاهما هنا تعالجان موضوعا واحدا بطلته امرأة يهودية اسمها جوديث. وهي نموذج للمرأة التي تقتل العدوّ كي يحيا شعبها. وسلاحها في ذلك جمالها وجاذبيّتها الطاغية.
والقصّة تعود إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وقد ورد ذكرها في الإنجيل. وفي تفاصيلها أن الملك البابلي نبوخذ نصّر أرسل قائد جيشه هولوفيرنس على رأس كتيبة ضخمة لتأديب الشعوب المجاورة التي لم تساند حكمه. وقد فرض هولوفيرنس خلال تلك الحملة حصارا على أهالي مدينة تسمّى بيتوليا. ومن تلك المدينة خرجت جوديث التي ستقتل القائد البابلي وتنهي الحصار المفروض على قومها. وقد مثلت القصّة كثيرا في الفن، ورسمها ميكيل انجيلو في سقف كنيسة سيستين في ثلاثة مشاهد متسلسلة.
وجوديث نموذج آخر لنساء يهوديات كثيرات فعلن شيئا مثل هذا.
دليلة، مثلا، سلّمت شمشون الجبّار إلى أعدائه بعد أن سيطرت عليه بسحرها وغوايتها.
وسالومي، وهي بغيّ يهودية أخرى، اشترطت على الملك الروماني هيرودس أن يأتيها برأس يوحنّا المعمدان (أو يحيى بن زكريّا في الأدبيات الإسلامية) مقابل أن تهبه نفسها. وكان لها ما أرادت.
وقائمة النساء من هذا النوع طويلة. ومن الواضح أن ثمّة ثلاثة عناصر ثابتة في مثل هذه القصص: الجنس والتخفي والخمر.
لكن، لا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه القصص - باستثناء الأخيرة - حقيقية أو أنها مجرّد أساطير أو حكايات فولكلورية جرى تأليفها لإضفاء طابع البطولة والتضحية على شخصية المرأة اليهودية.
ومنذ فترة، اطلعت على دراسة جميلة كتبتها اندريا مارتن، أجرت فيها مقارنة بين رؤية كل من كارافاجيو وأرتيميشيا جينتيليسكي لقصّة جوديث من منظور الجندر، أو الفوارق الجنسانية بين الرجل والمرأة.
تبدأ الكاتبة كلامها بالحديث عن الأرملة اليهودية جوديث التي حاولت وقف هجوم العدوّ على شعبها، فدخلت مخيّم الجيش المهاجم مع وصيفتها لمواجهة قائده المسمّى هولوفيرنس.
وقد تمكّنت المرأة من دخول المخيّم بعد أن فتنت الحراس بجمالها. وهي ستفعل الشيء نفسه في ما بعد مع هولوفيرنس. واستطاعت في ما بعد إقناع القائد البابلي بأنها راغبة فعلا في مساعدة جيشه فقبل مشورتها له بتأجيل خطة الهجوم.
وفي إحدى الليالي وبعد أن تناول الجميع العشاء، سكر القائد حتى أغمي عليه وأصبح في حالة من الضعف مكّنت جوديث "بدعم من العناية الإلهية" من قطع رأسه.
وعادت هي ووصيفتها منتصرة إلى أرض قومها ومعها رأس القائد المقطوع. وبذا ضمنت سلامة شعبها، كما يقول الإنجيل.


الترجمات الفنية للقصّة مختلفة ومتباينة. بعضها يصوّر جوديث وهي تصلي من اجل العون الإلهي قبل وقت قصير من بدء مهمّتها. بينما تظهر في لوحات أخرى حاملة رأس هولوفيرنس وهي في طريق عودتها إلى قومها.
ولوحة ارتيميشيا جينتيليسكي عن القصّة هي عبارة عن تصوير عنيف ومبتكر للحظة التي تحزّ فيها المرأة رقبة الرجل. والمنظر يثير شعورا بقوّة الأنثى وسيطرتها.
ثم تجري الكاتبة مقارنة بين لوحتي كارافاجيو و جينتيليسكي عن الحادثة، في محاولة للوقوف على الاختلافات والفوارق بين أسلوبي الرسّامين في معالجتهما للموضوع، فتقول: إن الفحص المتأنّي للغة الجسد في هاتين اللوحتين سيكشف بوضوح عن اختلاف الفنانين في رؤيتهما للقصّة من منظور الجندر.
فـ كارافاجيو، من منظوره الذكوري، يرسم جوديث معتمدة على تدخّل الربّ باعتباره الوسيلة التي تمنحها القوّة.
بينما جينتيليسكي، من منظورها الأنثوي، تؤكّد على أن قوّة جوديث متأصّلة فيها ومتأتية من ذاتها. فهي تبدو قويّة، مصمّمة ومعتدّة بنفسها بينما تباشر قطع رأس قائد الجيش الغازي.
إنها تمسك بيدها اليسرى خصلة من شعره لمنعه من الحركة فيما ذراعها الأيمن يجري الخنجر بقوّة على رقبته. كما أنها تُميل جسدها إلى الخلف في محاولة لإبعاد الدم عن ملابسها، تماما مثلما يفعل من يذبح حيوانا.
إن المرأة تؤدّي مهمّتها بإحكام. وهي ترمق هولوفيرنس بنظرات باردة توحي بأنها منفصلة عن ضحيّتها، لكنها أيضا تعكس إصرارها وعزيمتها.
وتعبيرات وجهها، خاصّة ما حول الحاجبين، تنمّ عن تركيز وتصميم شديدين. وهي تبدو مستعدّة بل وراغبة في قتل الخصم بلا اكتراث أو ندم.
ورغم أن القصّة الإنجيلية توحي بأن تدخل الربّ كان ضروريا وحاسما في مساعدة المرأة على تنفيذ عملية القتل، فإن أسلوب جينتيليسكي في التعامل مع شكل وهيئة جوديث يكشف عن أن الرسّامة تعتقد انه حتى وإن كان الفعل قد نفّذ بمشيئة الله فإنها تعتبر جوديث قادرة تماما على أداء واجبها بفضل حيَلها الخاصّة وقوّتها الجسدية وبراعتها.
إن جوديث في لوحة جينتيليسكي تميل بجسدها إلى الوراء، لكن جوديث كارافاجيو تفعل ذلك كما يبدو نتيجة إحساسها بالصدمة النفسية من تصرّفها. إنها لا تسيطر على نفسها، بل ترتكب جريمة قتل لأن إرادة الله أوجبت ذلك.
وبينما تبدو جوديث جينتيليسكي وهي تنفذ المهمّة بوحي من شعورها الوطني وقوّتها الخاصّة والكامنة، فإن كارافاجيو يصوّرها وكأنها تطلب مساعدة الإله في ارتكاب ذلك العمل.
ومن الواضح أن جينتيليسكي تريد أن تقول إن النساء يمكنهن التحكّم في أيّ وضع يواجهنه. وفي المقابل، يُظهر كارافاجيو الأنثى في وضع من يطلب تدخّلا إلهيا لكي يتغلّب على مثل ذلك الظرف الهائل والعصيب.


والواقع أن تعامل الرسّامَين مع خادمة جوديث يكشف، هو أيضا، عن فارق جنساني آخر.
ورغم انه من غير الواضح في الإنجيل كم كان عمر الخادمة، فإنها تبدو في لوحة جينتيليسكي شابّة وقويّة، بل وأيضا مشاركة بفاعلية في جريمة قتل هولوفيرنس .
إن جينتيليسكي تشرك الخادمة في عملية القتل، وفي هذا مخالفة للرواية الدينية التي تذكر أن جوديث قهرت خصمها بفضل العناية الإلهية وحدها.
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن موت القائد كان على يد المرأتين الشابتين. وهو تفسير قد لا يخطر ببال رجل بسهولة.
ذلك أن فكرة أن تقوم نساء بقتل رجل، بصرف النظر عمّا إذا كان عدوّا، يمكن أن تعتبر تهديدا وتحدّيا للسلطة الأبوية التي كان يتمتع بها الرجال زمن جينتيليسكي.
لكن الفنانة كانت ترى أن النساء قادرات على أن يتجاوزن دورهن الاجتماعي الهامشي والضيّق. وأكثر من هذا، فإن تفسيرها للقصّة يخوّل النساء أن يتصرّفن خارج إطار سيطرة الله.
وبالنتيجة، فإن تصويرها للخادمة وهي تشارك في قتل هولوفيرنس يبدو نابعا من منظور أنثوي واضح.
ولا بدّ وأن نلاحظ أن تمثيل كل من جينتيليسكي وكارافاجيو المتناقض للغة جسد هولوفيرنس في لحظات موته هي نتيجة لاختلاف منظوريهما. مثلا وكما ورد آنفا، فإن الخادمة في لوحة جينتيليسكي تمسك بالضحية وتثبّته أرضا بينما تطبق جوديث على رأسه في محاولة للسيطرة عليه وشلّ حركته.
وعلى النقيض من ذلك، فإن كارافاجيو - وكما هو متوقّع - يصوّر هولوفيرنس وكأنه يعرف أن الله قد هزمه. والدليل على هذا واضح على وجه الرجل. فهو ينظر إلى أعلى مدركا انه لن يكون بمقدوره أن يتجنّب غضب الربّ. ورغم أن جوديث تشدّ شعره بينما تقوم بفصل رأسه، فإنه لا جوديث ولا خادمتها مهتمّة بتثبيت جسده أرضا.
وهذه نقطة مهمّة تفترض أن هولوفيرنس كان قادرا على التصدّي للمرأتين ومقاومتهما لأنه غير مسيطَر عليه تماما.
وكارافاجيو يريد أن يقول ضمنا إن صراع هولوفيرنس كان مع الله فقط.
وفي حين أن لوحة جينتيليسكي تشير بوضوح إلى قوّة وسيطرة المرأتين على عدوّهما ومسئوليّتهما عن موته، يشدّد كارافاجيو من خلال أسلوبه في تصوير المرأتين على حاجتهما لمساعدة إلهية لكي ينفذا مؤامرتهما بنجاح.
وتضيف الكاتبة: إن جنس كلّ من الفنانَين يؤثّر في طبيعة نظرته إلى جوديث في مثل هذه الظروف. وكلّ منهما لديه استجابة جنسانية مختلفة تجاه موضوع وفكرة اللوحة.
فـ كارافاجيو في لوحته يؤكّد منظورا ذكوريا واضحا بتصويره جوديث حذرة ومتردّدة إلى حدّ ما. وهي تستخدم قوّتها "التي منحها إياها الربّ مؤقتا" كي تقتل عدوّها.
وفي لوحة كارافاجيو أيضا نرى هولوفيرنس وهو ينظر إلى السماء مدركا أن قدرة الله اكبر من قدرته. وكارافاجيو لا يرى أن موت هولوفيرنس تحقق فقط على يد امرأة شابّة متسلّحة بخنجر، لأنها في النهاية مجرّد امرأة ضعيفة ومحدودة القوى.
في حين أن لوحة جينتيليسكي تظهر جوديث بمظهر المرأة القويّة والشديدة البأس والحازمة. وهي ووصيفتها؛ المتساوية معها في حدود المسئولية، مسئولتان معا عن قتل غريمهما.
وهكذا يبدو جليا أن الاختلافات بين اللوحتين تعكس الفوارق الفردية بين جنسي الرسّامين.
فـ كارافاجيو يصوّر المشهد من منظور رجل، وجينتيليسكي تصوّره من منظور امرأة.

Thursday, October 16, 2008

إيماءات بعيدة

"دون دليل أو ضوء
غير تلك النار التي كانت تضطرم في أعماق قلبي
قادتني النار إلى فوق
كان لمعانها اشدّ من وهج شمس منتصف النهار
وصلت إلى حيث كان ما يزال ينتظر
كان مكانا لا يستطيع أحد آخر أن يبلغه"..

مستحيل أن تسمع هذه الأغنية دون أن تؤثر فيك أو تحرّك مشاعرك أو تثير في نفسك بعض الأفكار والأسئلة.
صوت لورينا ماكينيت مذهل، يأخذ الأنفاس، يصهر المشاعر ويتسلل إلى الزوايا العميقة والمعتمة من الروح. وهي سبق وأن غنت أشعارا لـ شكسبير و ييتس و تينيسون، لكنها في هذه الأغنية ترتفع بالشعر إلى أعلى الذرى من خلال الصور التي يستحضرها صوتها من توق، حنين، رهبة وإحساس غامض بالأزلية.
كلمات أغنية ليل الروح المعتم The Dark Night of the Soul تعتمد على نصّ من قصيدة للشاعر الصوفي الاسباني القدّيس جون اوف ذي كروس الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي.
إنها أغنية عن حبّ الإنسان لله، عن النقاء الروحي وعن التأمّلات والخطرات الصوفية.
ورغم أن عنوان الأغنية يثير إحساسا بالانقباض والتشاؤم، فإن جوّها رومانسي إلى حدّ ما كما أن كلماتها توحي بأننا إزاء قصّة عشق أرضي. بل إن المقطع الأوّل من الأغنية يحتوي على صورة لا تخلو من ايروتيكية رغم أن القصيدة تحكي عن تجربة القدّيس الصوفية واتصاله مع الله.
كتب القدّيس جون القصيدة وهو في السجن. ويقال انه ُسجن بعد أن أغضبت أفكاره الإصلاحية زملاءه من الكهنة. أما المصطلح نفسه، أي "الليل المعتم"، فيشير إلى مرحلة من مراحل الرحلة الصوفية على طريق التوحّد مع الله. وهناك قصص كثيرة عن متصوّفة من الشرق والغرب مرّوا بنفس هذه التجربة التي يحسّ فيها المتصوّف أو العارف بأن العبادة أصبحت متعبة وغير مجدية وبلا غاية وأن الله تخلى عنه وتركه وحيدا.
بعضهم ينتهي به الأمر إلى الإلحاد وإنكار الدين بل وحتى نفي وجود الله. والبعض الآخر يواصل رحلته إلى أن يتحقق له الصفاء الروحي والاندماج في ذات الله.
القدّيس جون دام "ليله المعتم" أكثر من أربعين عاما ظلّ خلالها نهبا لمشاعر الشكّ وانعدام اليقين قبل أن تطمئن نفسه وتهدأ روحه.
القصيدة هي إحدى أغاني ألبوم "القناع والمرآة" وهي توفر نموذجا لطبيعة المضامين والأفكار الإنسانية والفلسفية التي تختارها لورينا ماكينيت لأغانيها، كالحبّ والحياة والموت والوطن والهويّة الخ..
وماكينيت ليست مجرّد مغنية فحسب. إن شغفها بالأدب والشعر والفلسفة ليس له حدود. ولعلّ هذا هو السبب في أنها تهتمّ كثيرا باختيار عناوين أغانيها: محطات القوافل، صلاة دانتي، حلم المتصوّف، سوق ليلي بالمغرب، شجرتان، بوّابات اسطنبول، بين الظلال، الطرق القديمة، انكسار الصمت، الفصول، أشجار الصنوبر القديمة، حديقة شتائية وأحلام متوازية. . إلى آخره.
ولأمر ما حرصت لورينا ماكينيت على أن يتضمّن غلاف ألبومها "كتاب الأسرار" عبارة ذات مغزى اقتبستها من الحكيم الصيني لاو تسو تقول: إن المسافر الجيّد لا يجب أن يحتفظ بخطط ثابتة ولا أن يكون في ذهنه أن يصل إلى مكان محدّد". وفي هذا إشارة إلى ضرورة أن يتخلى الإنسان عن أفكاره المسبقة والجاهزة كي يكون أكثر قدرة على اكتشاف الأسرار الحقيقية للأمكنة والأشياء والظواهر.
وهذا يفسّر شغف المغنية بالسفر والتعلم من خلال اكتشاف الثقافات والحضارات المختلفة.
وأغانيها ذات النكهات المتنوّعة من وثنية وشرق أوسطية وهندية وإسلامية ويهودية هي أشبه ما تكون بالموزاييك الذي جمعت أجزاؤه قطعة قطعة ثم وضعت جميعها في إطار واحد جميل الشكل متناسق الألوان.
يخيّل إليك وأنت تستمع إلى هذه الأغنية انك أمام لوحة فنية تتجاور فيها عناصر الضوء والظل والعتمة بانسجام وتناغم. ولا بدّ وأن يثير اهتمامك في الأغنية صوت لورينا المقدّس الذي يشبه الضباب في الجبال والندى في الأشجار. ثم هناك الأداء الشجيّ للكمان المنفرد الذي يستدعي جوّا من الحزن والغموض، وكذلك صوت الغيتار والنغمات الخفيفة لآلة السيدار الهندية التي تتخلل الأغنية من مستهلها إلى نهايتها.
تسمع هذه الأغنية وأنت مغمض العينين فتذكّرك ترانيمها وإيماءاتها البعيدة ببدايات التكوين وتأخذك إلى شرفات تطل على غيم وشطآن مغسولة المدى وحقول من حنين وشجن.
يمكن سماع الأغنية هنا أو هنا ..

Thursday, September 25, 2008

حالات


"سوف أعالجك: إذهب بعيدا بعيدا، إلى مكان لا يعرفك فيه احد. إبحث عن أرجوحة أو حصان خشبي. إذا فشلت أو خشيت من استعمال احدهما، فلا تعد إلى بيتك مرّة أخرى".
"أي تكبير لصور مناقير العصافير يقرّبها من الصقور. فاحترس"!
"السندباد البحري وروبنسون كروزو.. محصّلة قوى أحلام الجميع: الانقطاع عن هذا العالم في جزيرة نائية".
"كانت راقية هادئة مهذبة وتخلصت منه دون سكّين أو حبل أو سمّ. فقط كانت تنمّق الزهور بكثافة حول فراشه كلّ ليلة وتغلق النوافذ وتبتسم".
"بعد أن جرفت السيول بيوت الأحياء، نظرتْ بخجل إلى المقابر".
"هذه الجبال الشرسة تراجعت إلى الخلف، ثم بدأت تنحني لتتشمّم نباتات الوادي في وداعة".
- محمّد مستجاب، أديب وكاتب مصري



شُيِّد المعبد على جزيرة ونُصِب فيه ألف جرس. أجراس كبيرة وأخرى صغيرة صاغها أمهر ُصنّاع العالم. وعندما كانت تهبّ ريح أو تثور عاصفة، كانت كلّ الأجراس تجلجل في سيمفونية ينخطف لها قلب المستمع طرباً.
لكن الجزيرة ما لبثت مع تقادم القرون أن غرقت في البحر، والمعبد وأجراسه معها. غير أن أسطورة قديمة تروي أن الأجراس ظلت تجلجل بغير انقطاع بحيث يمكن لكلّ من يودّ الإصغاء أن يسمعها.
استلهم شابّ هذه الأسطورة وارتحل آلاف الكيلومترات، عاقداً العزم على سماع هذه الأجراس. جلس أيّاماً على الشاطئ، مواجهاً الجزيرة المتوارية، مصيخاً السمع بكل قوّته. لكنّ كلّ ما استطاع سماعه كان صوت البحر. وبذل قصارى جهده لكي يبعده، إنما بلا جدوى، إذ بدا صوت البحر غامراً العالم.
وظلّ على دأبه أسابيع. وفي كل مرّة يدبّ اليأس في قلبه، كان يصغي لشيوخ القرية يتكلمون متلذّذين عن الأسطورة الغامضة.
كانت تلك الأحاديث توقد العزيمة في نفسه. لكنه يعود مثبط الهمّة من جديد عندما لا تورثه أسابيع من الجهد غير الخيبة.
قرّر أخيراً التخلي عن المحاولة. فلعله غير مقدَّر له أن يسمع الأجراس. ولعلّ الأسطورة لم تكن صحيحة.
كان ذلك يومه الأخير، فذهب إلى الشاطئ ليودِّع البحر والسماء والريح وأشجار جوز الهند. استلقى على الرمل، وللمرة الأولى أصغى إلى صوت البحر. وسرعان ما بلغ من الاستغراق في الصوت حدّاً كاد معه يغيب عن نفسه، من فرط عمق الصمت الذي ولّده الصوت.
ومن عمق ذلك الصمت، سَمِعَه! رنين جرس ضئيل تبعه آخر، ثم آخر، وآخر..
وسرعان ما كان كلّ من الأجراس الألف يجلجل بتناغم. وذاب قلبه في غبطة الوَجْد.
هل تتمنّى أن تسمع صوت أجراس المعبد؟
إذن أصغ ِ إلى صوت البحر.
أو تتمنّى أن تلمح وجه الله؟
إذن أمعن النظر في الخليقة.
- أنتوني دي ميللو، حكيم ومعلم هندي



الكتب مليئة بأسماء الملوك والقادة والسلاطين.
هل الملوك هم من بنى تلك الكتل الضخمة القديمة من الحجر؟
بابل التي دمّرت مرّات ومرّات، من الذي أعاد بناءها في كلّ مرّة؟
وفي أيّ بيت من بيوت "ليما" عاش أولئك الذين بنوا تلك المدينة التي كانت تلتمع بالذهب؟
وفي تلك الليلة التي انتهى فيها بناء سور الصين العظيم، أين ذهب البنّاءون؟
وامبراطورية روما المملوءة بأقواس النصر، من كان يطلّ منها، وعلى من؟
هل انتصر القياصرة؟
إن بيزنطة ما تزال تعيش في أغنية. لكن أين ذهبت جميع قصورها ومساكنها؟
في اتلانتيس الأسطورية، في تلك الليلة التي هرع فيها البحّارة، كان الرجال الغرقى ما يزالون يصرخون طالبين النجدة من عبيدهم.
الاسكندر الشاب فتح الهند. هل كان لوحده؟
قيصر هزم الغال. ألم يكن هناك حتى طبّاخ في جيشه؟
فيليب الاسباني كان يبكي عندما غرق أسطوله وتحطّم. ألم تكن هناك دموع أخرى؟
فريدريك اليوناني انتصر في حرب السنوات السبع. من انتصر معه؟
في كلّ صفحة ثمّة انتصار. لكن على حساب من كان الانتصار؟
في كلّ عشر سنوات، يظهر "رجل عظيم".
لكنْ من الذي كان يدفع للزمّار ونافخ البوق؟!
- بيرتولد بريخت، كاتب ومسرحي ألماني

Wednesday, September 24, 2008

باخ: موسيقى للإنسان 2 من 2

عندما سافر مكوك فويجر إلى الفضاء في العام 1977 وضع العلماء على متنه صندوقا يحتوي على مجموعة من الأصوات والصور المختارة التي تمثل ما يمكن اعتباره سجلا عن أفضل ما أبدعته حضارة سكّان الأرض.
وكان في ذهن أولئك العلماء احتمال أن تعثر على الصندوق كائنات من الكواكب البعيدة فتتعرّف على حضارة كوكبنا وتطلع على أفضل ما توصّل إليه أهل الأرض من معارف وإبداعات وابتكارات.
وكانت أوّل قطعة صوتية تم اختيارها هي الحركة الثانية من براندنبيرغ كونشيرتوز، أحد أشهر مؤلفات باخ والتي استخدمت في ما بعد في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية أشهرها سلسلة X-Files أو الملفات السرّية.
وفي عام 1950 أنجز عازف البيانو غلين غولد تسجيله المشهور لـ تنويعات غولدبيرغ Goldberg Variations فتضاعف نجاحه واشتهر أكثر. ولم يكن الناس وقتها مندهشين من براعة العازف الكندي الشابّ بل من موسيقى باخ التي لم يكن الكثيرون قد سمعوا بها من قبل.
وقد تحدّث المهتمّون بالموسيقى مطوّلا عن الأنماط الرياضية المتضمّنة في تنويعات غولدبيرغ وعن المتعة الفكرية فيها وتأثيرها الانفعالي الكبير وكأنها تتحدّث إلى أرواحنا.
ويقال إن التنويعات تعكس معرفة باخ الواسعة والاستثنائية بالأساليب المتعدّدة والإيقاعات الهارمونية المختلفة لموسيقى عصر الباروك بالإضافة إلى براعته في العزف والتأليف.

كان باخ مؤلفا غزير الإنتاج، لذا جاءت موسيقاه غنيّة باختلافها وتنوّعها وبعمقها الفكري وقوّتها الانفعالية وجمالها الفنّي. وهناك من دارسي الموسيقى من بحثوا كثيرا في المعاني الخفيّة التي كان باخ يضمّنها أعماله وفي الأسس الرياضية لبعض تلك الأعمال.
هناك، مثلا، معزوفته المشهورة موسيقى وترية أو Air on the G String . عندما تستمع إلى هذه المعزوفة لا بدّ وأن تتساءل ما إذا كانت مجرّد لحن جميل أم أنها أيضا تخفي وراءها طبقات وظلالا من المعاني والصور التي تقرّبنا أكثر إلى سرّ الجاذبية الكونية لموسيقى باخ. بمعنى أنه لا يوجد في هذه المقطوعة ما يمكن أن يربطها في أذهاننا بالعالم الأرضي. إنها منفصلة جدا عن بيئتها الاجتماعية والجغرافية ومن الصعب ربطها بزمن أو مكان معيّن. أي أنها من ذلك النوع من الموسيقى التي تستحقّ أن توصف بأنها أزلية وخالدة.
وهناك أيضا معزوفته الأخرى توكاتا اند فيوك التي تعتبر أشهر مقطوعة موسيقية كتبت لآلة الأرغن. ومن الغريب أن هذه المعزوفة ظلت الأكثر تفضيلا لدى مخرجي أفلام الرعب بالإضافة إلى توظيفها في الكثير من أفلام والت ديزني.
إن التماثل الظاهري لموسيقى باخ يخفي تنوّعا تعبيريا كبيرا يساوي قرونا من التأليف الموسيقي المتراكم. وباخ يتعامل مع الموسيقى كالحرفي البارع الذي لا يتوقّف عن البحث عن حلول للمشاكل. لذا تلمس في موسيقاه ذلك الإحساس بأن كلّ نوتة هي في مكانها الذي ينبغي أن توضع فيه وكلّ آلة مخصّصة لمقطع بعينه. فلا يمكن للهاربسيكورد، مثلا، أن يقوم مقام البيانو ولا الفيولا يمكن أن تحلّ محلّ البوق وهكذا..
لقد كان باخ يتمتع بمهارة موسيقية استثنائية تتضاءل أمامها كلمة عبقري. وقد وصفه غوستاف ماهلر ذات مرّة بقوله: إن موسيقى باخ تتّحد مع الخلايا الحيوية للموسيقى وتتآلف مثل ما يتحدّ العالم مع الله".
وعندما تستمع إلى أنغام باخ المرحة وتتأمّل بُناه الموسيقية والفلسفية والروحية الفخمة وعناصر التوق والحزن والأمل والفرح التي أودعها في السويتات الاوركسترالية وفي كونشيرتوهات براندنبيرغ وفي مئات الألحان المكتوبة لآلتي التشيللو والكمان، سرعان ما تكتشف استقلالية موسيقاه عن التاريخ والسياسة والمجتمع. إن باخ يفصل الموسيقى عن كلّ هذه العناصر ويصهر كلّ شيء معا في قالب واحد.
ولهذا السبب مقدّر لـ باخ أن يدوم ويستمرّ طويلا.
المعروف أن موسيقى باخ ارتبطت بعصر الباروك الذي كان امتدادا لعصر النهضة وأحد المعالم الرئيسية في مسيرة الحضارة الإنسانية. وكان الأدباء والموسيقيون والرسّامون آنذاك يصوّرون في أعمالهم معاني النقاء والتضحية والفكر والحضارة. وهناك علاقة وثيقة جدّا بين فنّي الموسيقى والعمارة اللذين كانا سائدين خلال ذلك العصر. وربّما كان هذا يفسّر غلبة العناصر الزخرفية والديكورية على الكثير من موسيقى باخ.
ومنذ القرون الوسطى، ظلّ الفلاسفة ورجال الدين يحاولون فهم العلاقة بين الموسيقى والكون. وفي بعض الأوقات توصّل فريق منهم إلى بعض المواصفات والعناصر التي يمكن أن تعين الموسيقيين على تأليف ألحان تتناغم وتتآلف مع بعضها مكوّنة شكلا من أشكال الموسيقى السماوية كما يتخيّلونها.
ومن هذه الناحية، كان باخ قادرا على أن يؤلف موسيقى ذات قوّة روحية وانفعالية عالية بفضل موهبته الفذّة في مزج الموسيقى بالفكر والعاطفة ورغبته في أن يكون دائما فنانا متجدّدا ومتطوّرا.
يقول بعض النقاد إن الاستماع إلى موسيقى باخ يشبه مراقبة الطاقة وهي تنتقل من ترس لآخر في ماكينة ركّبت أجزاؤها بإتقان وإحكام. وفي موسيقاه إحساس عظيم بالجمال لأن الكثير منها ذو أساس تجريدي. بمعنى أنه يمكنك أخذ مقطوعة من مجموعة ما وعزفها خارج سياقها دون أن تفقد شيئا من رونقها وبهائها.
وفي السنوات الأخيرة أدى اتساع دائرة الوعي بأهميّة باخ إلى تحفيز الكثير من الموسيقيين الجدد على إعادة تقديم أعماله برؤية جديدة، ومن هؤلاء عازفة الغيتار الكرواتية آنا فيدوفيتش وعازفة الكمان الهولندية جانين جانسن والسوبرانو التشيكية ماغدالينا كوزينا والبيانيست الأمريكية سيمونا دينرستين بالإضافة إلى جاك لوسيير الذي أعاد توزيع الكثير من أعمال باخ مضيفا إليها نكهة موسيقى الجاز الحديثة.

وفي هذه الأيام بالذات فإن باخ مثل ميداس في الأساطير، لا يلمس شيئا إلا ويحيله إلى ذهب. ومن الواضح انه قادر على أن يقدّم لكل شخص شيئا ما. وموسيقاه تصلح لكلّ مناسبة ويمكن تطويعها وتحويرها لتتواءم مع أيّ أسلوب موسيقي أو درامي متطوّر وعصري.
في فيلم كازينو، مثلا، اختار المخرج أن يبدأ الفيلم وينتهي بالكورال الختامي لما يوصف أحيانا بأنه أكثر الأعمال درامية وعمقا في تاريخ الموسيقى الغربية، أي أحزان سينت ماثيو St Matthew Passion، التي أرادها باخ أن تكون تأمّلا عميقا في مصير الإنسان ومعاناته.
وباختصار، فإنه لا نهاية للأماكن التي يمكن أن يأخذنا باخ إليها.
لنتذكّر فقط انه كتب أكثر من ألف قطعة موسيقية وعاش خمسة وستين عاما. وبعد وفاته لفّه النسيان لمائتي عام ولم يعد أحد يتذكّره بعد أن أصبح الباروك نفسه قصّة من الماضي. لكن في مطلع القرن الماضي بُعث الاهتمام بـ باخ من جديد على يد كل من مندلسون وشومان. وفي عام 2000 احتفل العالم بمرور 250 على وفاته، وهو اليوم يعتبر احد أعظم رموز الموسيقى الغربية والعالمية.
إن أناقة يوهان سيباستيان باخ وعمقه الشعوري والعاطفي يجعل موسيقاه اقرب لأن تكون سلسلة من التمارين الفكرية ومزيجا من الجمال السماوي والتناغم الأزلي والإحساس النبيل والمتسامي.
إنه يجعلنا أقرب إلى إنسانيتنا وإلى أنفسنا. فأنت لا ترى باخ في موسيقاه وإنما ترى نفسك.
باخ لم يكن عالما في الرياضيات ولا باحثا في عالم الروح.
الكلمة الوحيدة المناسبة لوصفه هي أنه "إنسان".

Tuesday, September 23, 2008

باخ: موسيقى للإنسان 1 من 2

كنت قد انتهيت، منذ بعض الوقت، من إعداد موضوع يتناول أشهر بورتريه لـ يوهان سيباستيان باخ والذي يعود للعام 1746م. وكان من المفترض أن يدرج الموضوع ضمن سلسلة اللوحات العالمية.
لكن لأنني من المفتونين كثيرا بموسيقى باخ، فقد رأيت من الأنسب أن يكون الحديث عن البورتريه جزءا من موضوع أشمل يتحدّث عن حياة هذا الموسيقي العبقري وعن موسيقاه ومكانته ودوره في تاريخ الموسيقى العالمية.
ولعل أفضل مدخل للحديث عن باخ ومحاولة استكشاف عالمه الثري والمدهش هو الحديث عن ذلك البورتريه الذي رسمه له إي جي هاوسمان قبل سنوات قليلة من وفاة باخ أي منذ أكثر من مائتين وخمسين عاما.

في البورتريه نرى باخ بهيئة رجل عجوز يرتدي باروكة شعر بيضاء ضخمة ويمسك بيده نوتة موسيقية. في ذلك الزمان كانت الباروكة مهمّة جدّا لأيّ شخص قريب من البلاط. وباخ عاش في القرن الثامن عشر، أي في حقبة ازدهار طبقة الملوك والنبلاء في أوربا عندما كانت الأدوار الاجتماعية محدّدة بصرامة والمكانة الاجتماعية للشخص تفرض عليه ما يجب وما لا يجب فعله.
هذا البورتريه هو الذي يعرفه أكثر الناس لـ باخ، وفيه يبدو بهيئة وقورة يخالطها قدر من الرصانة والجدّية.
والذي يتمعّن قليلا في الصورة سيدرك أننا أمام شخصية متميّزة بل وعظيمة. لكن المفارقة هي أن هذا البورتريه أصبح عاملا أسهم بطريقة غير منصفة في إبعاد أجيال عديدة من الموسيقيين الشباب عن باخ وعن موسيقاه.
وهناك عامل آخر لا يقلّ أهمية كان له نفس التأثير، ويتمثل في حقيقة أن باخ لم يغادر ألمانيا أبدا وكانت حياته الشخصية والعائلية هادئة ومستقرّة بل ورتيبة إلى حدّ ما ولم يكن فيها ما يثير اهتمام الناس أو فضولهم.
لكن من ينظر إلى هذا البورتريه محاولا قراءته من منظور ما تثيره موسيقى باخ في النفس من مشاعر وانطباعات – وهو ما فعلته – فإن باخ سيبدو له إنسانا طيّب النفس، سمحا، متواضعا، أنيقا في ما غير تكلف أو تصنّع، موفور الحواس، مشغول المخيّلة ودائم التطلع إلى المثالية والكمال.
انه يقف بوقار كما لو انه في محراب للصلاة.
ورغم ما تكشف عنه تعابيره من هواجس رمادية مردّها، ربّما، التقدّم في العمر والتفكير في ما تخبئه الأيام، فإنه ما يزال ذا نفَس إنساني رحب وإحساس متيقظ ونفس صافية حدّ التجرّد والتصوّف.
إن باخ لم تكن له جاذبية موزارت الذي كتب نشيده الجنائزي وهو على سرير الموت، ما أدّى إلى ازدياد شعبيته وجماهيريته. كما لم تكن له رومانسية بيتهوفن الذي ازداد تعاطف الناس معه أكثر بعد أن أصيب بالصمم.
لكن يمكن القول إن هذا "الظلم" أو التجاهل خدم باخ كثيرا، لأنه يوحي بأن شعبيته نابعة من عبقريته الموسيقية فحسب وليست مرتبطة بأية أسباب أخرى تتعلق بشخصه أو بحياته الخاصّة.
لكن هناك بورتريه آخر لـ باخ أقلّ شهرة ويظهر فيه شابّا وسيما وأنيقا ومفعما بحبّ الحياة.
رسم البورتريه يوهان رينتش عندما كان باخ في سنّ الثلاثين أو نحوها، أي في الفترة التي ألف خلالها أكثر أعماله الموسيقية شعبية مثل براندنبيرغ كونشيرتوز ومجموعة سوناتات التشيللو والكمان.
إن موسيقى باخ عبارة عن سلسلة من التأملات التي تأخذنا من إحساس لآخر. وأنت تستمع لموسيقاه يساورك شعور بأنها تأخذك إلى أماكن لم تزرها أو تألفها من قبل.
ويقال إن من يسمع باخ لبضعة أيام سرعان ما يتعوّد عليه ويدمن سماعه. ومهما استمعت إليه فلن تتعب أو تملّ من موسيقاه، بل ستحبّها أكثر وتسعى إلى استكشافها بقيّة حياتك.
إن موسيقى باخ ليست للترفيه أو التسلية بالمعنى التقليدي. إنها تنعش العقل بتأثيرها الطهراني الغريب وتدفعك لان تفكّر في الأسس والبدايات. إنها معنية أولا بالتطوّر الجمالي وبالغوص في أعماق التجربة الإنسانية. ومجالها الذي تتحرّك ضمنه هو العواطف الإنسانية على إطلاقها من حياة وحبّ وتضحية وتوق وخلود وموت.. إلى آخره.
من المعروف أن باخ كان من أتباع مارتن لوثر. وكانت أفكاره متساوقة مع أفكار لوثر عن الدين والموسيقى.
صحيح أن باخ كان مسيحيا تقيّاً. وصحيح أنه بدأ حياته كموسيقي في الكنيسة. لكن ليس شرطا أن تكون إنسانا متديّنا حتى تحرّك موسيقى باخ مشاعرك وتترك أثرا في نفسك. فجاذبيته الموسيقية تتجاوز حدود الأديان والثقافات والجغرافيا. وباخ نفسه لم يكن يقيم فاصلا بين الموسيقى الدينية والدنيوية.
كان باخ يرى أن الموسيقى نوع من الممارسة الروحية. ورغم أن المستمع أو العازف قد لا يشاركه قناعاته الدينية، فإن من الصعب أن تستمع إلى موسيقاه دون أن يعتريك إحساس قويّ بأنك مدعوّ لأن تغيّر من حياتك وتتطهّر من التوتّرات والمخاوف وتحصّن نفسك ضدّ الملل والكآبة وتتسلح بالتفاؤل والأمل.
إن الدراما جزء لا ينفصل عن موسيقى باخ، ولا تخلو حتى المقاطع الصغيرة من هذه السمة. كما أن موسيقاه مليئة بالجمل المتداخلة والمعقّدة. وكلما اعتدت سماع الموسيقى كلما استطعت التمييز أكثر فأكثر بين السطور والمقاطع.

في موسيقاه، كثيرا ما يترك باخ لمحات أو إشارات قويّة في بداية كل معزوفة تخبرك أين وكيف ستنتهي هذه المعزوفة أو تلك. وغالبا ما تبدأ الموسيقى بحركة بطيئة جدّا، ثم يتنامى الإيقاع بهدوء وسلاسة، إلى أن يتحوّل إلى موسيقى مرحة ومبهجة.
ومعظم أعماله تستدعي التأمّل لكنها لا تدعوك إلى الاسترخاء أو الراحة، بل تحفّزك لأن تشارك فيها وتكون جزءا من جوّها.
كان باخ شخصية لامعة مملوءة بالحماس والنشاط. وهناك من يقول إن مكانته في الموسيقى لا تقلّ عن مكانة نيوتن في العلم أو شكسبير في الأدب.
وقد أحسّ بحزن عميق عندما توفيت زوجته وعدد من أطفاله. ولم يجد السلوان إلا بعد أن تزوّج آنا ماغدالينا التي أنجبت له 12 طفلا.
ومن أجمل معزوفاته القطعة المسمّاة موسيقى للفرح والتي كتبها بشكل عابر وأهداها لزوجته ماغدالينا وأصبحت منذ ذلك الوقت أشهر معزوفة موسيقية تعزف في حفلات الزواج حول العالم وتحوّلت إلى أغنية على لسان أكثر من مغنّ.
في هذه الموسيقى يتجلى شيء من عبقرية باخ وصيغه الموسيقية ذات البُنى الرياضية المركّبة.
تبدأ الموسيقى بخط رئيسي يتّسع شيئا فشيئا ثم يلتحم تدريجيا ليندمج مع الخطوط الأخرى مولّدا في النهاية كيانا نغميا متكاملا له حياة وروح.
إن موسيقى باخ تشبه في تأثيرها الأكسجين. تسمعها فتحسّ أن القلب يغني والروح في حالة انتشاء. كما أنها تبعث إحساسا بالنظام وبعالم اقلّ شكّا وأكثر يقينا. وهي مهمّة أكثر عندما يكون هناك الكثير من الفوضى والاضطراب في عالمنا.
ولهذا السبب تروق جاذبية باخ كثيرا للفنانين والعازفين المعاصرين أمثال فانيسا ماي ولارا سينت جون وهيلاري هان ويو- يو ما وغلين غولد، وأخيرا وليس آخرا المغنّي الصوفي الإيراني داود آزاد الذي مزج بين أشعار جلال الرومي وموسيقى باخ.. والقائمة تطول..

Saturday, August 23, 2008

تأمّلات وأفكار


تأمّل صامت


في ذلك الصباح، كان البحر هادئا جدّا لدرجة انك كنت تستطيع رؤية انعكاسات النجوم المتلألئة فوق صفحة الماء الساكنة. لم يكن الفجر قد بزغ بعد. وعندما لاحت الشمس فوق الأفق، تسلّلت أشعّتها الذهبية عبر سماء صافية إلا من بضع غيمات متناثرة هنا وهناك.
وأنت تتأمّل المكان يغمرك سكون عظيم. من الغريب حقّا أن تشعر بمثل بهذا الهدوء الهائل. "تشعر" ليست الكلمة المناسبة هنا. إن نوعية ذلك الصمت، السكون، لا يشعر بها الدماغ. إنها ابعد منه. يمكن للدماغ أن يتصوّر، أن يخطّط، أن يفكّر.
لكنّ هذا السكون خارج نطاق العقل ويتجاوز كلّ خيال ويسمو فوق كلّ رغبة. أنت ساكن جدّا لدرجة أن جسدك يصبح جزءا من الأرض، جزءا من كلّ شيء ساكن.
وعندما هبّت نسمات عليلة من جهة التلال، أثارت بعض أوراق الشجر. لكنّها لم تبدّد السكون أو تخفّفه.
وأنت تشاهد هذا البحر الساكن اللانهائي، تصبح جزءا من كلّ شيء، تصبح كلّ شيء. ومرّة أخرى، "أنت" ليست كلمة مناسبة، لأنك في الواقع لم تكن هناك، لم يكن لك وجود. لم يكن هناك سوى ذلك السكون، الجمال، الصفاء، والإحساس غير العاديّ بالحبّ.
كلمات "أنا وأنت" تباعد بين الأشياء. إنها بلا معنى وليس لها وجود في مثل ذلك الصمت والسكون الجميل.
وعندما تطلّ من النافذة، تحسّ أن الزمن والفراغ وصلا إلى نهايتهما، وأن الفراغ الذي يفصل الأشياء عن بعضها ليس حقيقة، وأن الورقة ونبات الاوكاليبتوس والماء الأزرق لم تكن مختلفة عنك في شيء.
إن للعزلة والتأمّل نشوة لا تتحقّق إلا عندما لا تعود تخشى أن تكون لوحدك، وانك لم تعد منتميا إلى العالم أو مرتبطا بشيء.
لوقت طويل، ظللت ساكنا بلا حراك. واستسلمت لذلك المزيج الذي لا يوصف من المشاعر وسمحت لها بأن تخترقني في هدوء؛ هدوء السماء وعمق اللحظة. لا اعرف ما الذي كان يدور في ذهني لحظتها. ولا أستطيع أن اعبّر عنه بالكلمات. كانت لحظة من تلك اللحظات التي يحسّ فيها الإنسان بأن شيئا ما في نفسه ينام، وشيئا آخر يستيقظ.


سحر الماء



عُرف عن المخرج السينمائي الروسي اندريه تاركوفيسكي حبّه الجارف للماء. ولا يخلو أيّ من أفلامه من عنصر ماء. تاركوفيسكي يشرح علاقته الحميمة بالماء بقوله: أحبّ الماء، خاصّة الجداول والغدران الصغيرة.
البحر واسع جدّا، عادة لا أهابه بسبب رتابته.
في الطبيعة أحبّ الأشياء الصغيرة. وأحبّ موقف اليابانيين من الطبيعة. إنهم يركّزون على فراغ محدود لكنّه بنفس الوقت يعكس اللانهائية.
إن الماء عنصر غامض بسبب تركيبته. لذا يصلح للسينما كثيرا. لأنه ينقل الحركة والتغيير والعمق.
في الحقيقة لا شيء في الطبيعة يفوق جماله جمال الماء.


الجوقة الكونية


الفيلسوف والمفكّر الاسباني ميغيل اونامونو اشتهر بعشقه للطبيعة. وكثيرا ما كان يمزج أفكاره الفلسفية بلمسات شاعرية. يقول واصفا إحدى تجاربه مع الطبيعة:
وأنت تصعد أرضا أعلى أو ترقى الجبال، ستلاحظ أن الشاطئ قد تلاشى تماما وأن النجوم أصبحت قريبة جدّا من مجال البصر.
انك لا ترى النجوم وتلمسها فحسب، وإنما تسمعها أيضا. تماما مثلما يمكنك سماع غناء الشمس على هيئة ذبذبات كهرومغناطيسية يصفها بعض العلماء بأنها أشبه ما تكون بقرع الطبول.
إن النغمات الشمسية تشبه نظام السلّم الموسيقي، تتراوح ما بين البطء والسرعة، الارتفاع والانخفاض، بحسب ساعات اليوم.
إذا كان هذا ما يمكن أن نسمعه من الشمس، أقرب النجوم إلينا، فماذا عن الجوقة الكونية العظيمة؟
ماذا عن أغاني المجالات والمجرّات والأجرام الأخرى. وماذا عن أغاني القمر التي يصفها شاعر اسباني بقوله: إن القمر يغنّي في صمت. ويتعيّن على الإنسان أن يسمعه بعينيه، وأن يصغي بعمق إلى أغنياته المهدهدة البيضاء".


رحلة اكتشاف


أفكّر أحيانا أنني لو خُيّرت بين أن أكون أصمّ أو أكون أعمى لفضّلت الخيار الأول. ليس الأمر سهلا كما قد يتصوّر البعض. لكنّي منذ أن انتقلت من سماع ما يقوله الناس إلى رؤية ما يفعلونه، تغيّر العالم في نظري إلى الأفضل.
شيئا فشيئا، تعوّدت على أن اكرّر ببطء نفس الشكاوى القديمة المحزنة التي تبتلعها هذه الطاحونة اليومية الثقيلة التي نسمّيها "الحياة".
إن الأمر لا يتعلّق بالآخر بقدر ما يتعلّق بأنفسنا. فنحن نهتمّ كثيرا بما نفكّر فيه أو نقوله. لكنّنا لا نميل إلى إبداء نفس الاهتمام بما نفعله.
هل تدرك ما تقوله؟ هنا يكمن أساس المشكلة. ومن هنا أيضا تبدأ الطريق نحو بوّابة الحرّية. أي عندما تنتقل من القول إلى الفعل، ومن الانطباع إلى الجوهر، ومن التفكير إلى النتائج.
هذا التحدّي ماثل بوضوح في وجودنا الحالي المتخم بهذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات التي تحاصرنا من كل جانب.
إننا نجمع المعلومات كما لو أنها البلسم الذي سيمنحنا الخلود. المراهقون، مثلا، يحملون مئات الأغاني في أجهزتهم الاليكترونية لكي يشغّلوا اثنتين أو ثلاثا منها فقط. كما أننا نحفظ ايميلات لا نقرؤها مرّة ثانية أبدا. ونشتري مجلات وكتبا تتضمّن المزيد من الكلمات التي تريحنا، لكنّها تصرفنا عن مواجهة القضايا الحقيقية التي نعرف أننا يجب أن نناقشها ونجد لها حلولا.
اعترافات، وعود، حلول، علاقات، التزامات يتعيّن الوفاء بها، تعديل سلوكيات وتغيير أنماط وعادات.. إلى آخره.
رجال الدين يَعِظون، إنهم يفعلون هذا منذ ألف عام وسيستمرّون في ذلك لآلاف السنين القادمة. ومع هذا، لا يهمّ كثيرا ما الذي يقولونه أو ما الذي نسمعه. إن كلماتنا عندما تتكامل مع أفعالنا، عندها يحدث الترابط ويتحقّق الانجاز الذي لا يمكن حيازته أو شراؤه بالمال.
يقول مارسيل بروست: إن رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تعني البحث عن ارض جديدة. وإنّما أن يكون للشخص عينان جديدتان".
يجب أن نستيقظ كلّ يوم وكلّ دقيقة وكلّ ثانية لنُسكِت الضجيج في رؤوسنا ونتوقّف عن قول الكلمات الرخيصة وننظر إلى ما هو ابعد من التظاهر والتلهّي بما لا طائل من ورائه. أي أن نركّز على الأفعال فحسب لأن الكلمات تدفن الحقيقة.
إن أفعالنا هي من صنعنا وهي في النهاية كلّ ما نتركه وراءنا.
ترى لماذا تطلّب الأمر هذه الكلمات الكثيرة لقول شيء هو في الأساس معلوم لمعظم الناس؟!


غياب


كلّنا معرّضون من وقت لآخر لأن نفقد أناسا نحبّهم. أقارب، أصدقاء، معارف، زملاء .. إلى آخره.
لكن هل للفقد شكل؟ هل للغياب هيئة ما؟ هل يمكن الوقوف والتحديق في "غياب" من كان له بالأمس حضور ملموس، صلب ومتجسّد؟
أحدهم قال لي مؤخّرا: نعم، إن الأمر أشبه ما يكون بيد تنسحب فجأة من إناء مملوء بالماء. عندما نفقد شخصا ما عزيزا، شيئا ما حميما، فإن العالم يُطبق من حولنا مثل الماء. لكن بالتأكيد، يظلّ ذلك الإحساس القويّ بأن شيئا ما يبقى، يقاوم الغياب، مثل بقعة في العين لا تبرح مكانها إلى الأبد.


الورقة والسحابة


إن كنت شاعرا، سترى بوضوح أن هناك سحابة تطفو على هذه الورقة.
من دون سحابة، لا يوجد ماء.
ومن دون ماء، لا يمكن للأشجار أن تنمو.
وبدون أشجار، لا تستطيع أن تصنع ورقة.
لذا فالسحابة هنا.
إن وجود هذه الصفحة معتمد على وجود سحابة.
لذا فالورقة والسحابة قريبتان جدّا من بعضهما.
- نات هان، معلّم صيني


سؤال


لا أحد منّا يتذكّر حاله قبل ولادته. ولم أقابل أيّ شخص قال إنه أحسّ بالصدمة أو الألم قبل أن يأتي إلى هذه الدنيا.
وإذا كان الوجود أرفع وأسمى منزلة من العدم، فقد كان يجب أن تكون ردّة الفعل على العدم سلبية، بصرف النظر إن كان يحدث قبل الحياة أو بعدها.
إنني أتساءل أحيانا إن كان لهذا علاقة بالسبب في أننا نثمّن الحياة عاليا عندما نكون أحياء.
إن قتل إنسان ما جريمة بشعة. أما أن ننكر على إنسان حقه في أن يولد، ابتداءً، فمسألة تافهة!
إن النقاش حول الإجهاض يتركّز أساسا حول ما إذا كان يمثّل جريمة، وليس حول الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بحرمان الإنسان من حقّه في أن يولد.
والامتناع عن إبداء رأي في المسألة هو شكل من أشكال رفض ذلك الحق، وإنْ ضِمناً.
وهذا يثير سؤالا مهمّا: هل تفضّل أن تموت غدا، أو ألا تكون قد ولدت على الإطلاق؟
ليست الإجابة هي ما يثير العقل ويشحذ الفكر، بل السؤال نفسه!


تحوّلات اوفيد


كان سرب من طيور البحر ما يزال يواصل تحليقه وانقضاضه في الفضاء البعيد.
تطلّع هو إلى فوق وثبّت نظره على أحدها.
في تلك اللحظة، كان جناحا الطائر قد اقتربا كثيرا من بعضهما.
حدّق فيه مليّاً. لم يعجبه شكل منقاره.
كان يتابعه بعينيه وهو يصعد من جديد، شيئا فشيئا، باتجاه قبّة السماء.
وبدأ الجناحان يرسمان دوائر كبيرة ومتّصلة تأخذ شكل حرف O على خلفية من أفق ازرق غائم.
وعندما وصل إلى أعماق الفضاء، تحوّل الطائر إلى نقطة صغيرة نائية.
كان ما يزال يراقب المشهد. وفجأة داهمه شعور لا يُقاوَم بالأنا والرغبة الجامحة.
إعتقد اوفيد أن الدوائر ترمز لأوّل حرف من اسمه.
إنه حرف أساسي، متعلّق بالجوهر، مهيب، مرن وبيضاوي الشكل.
وهو علامة، أو لعله إشارة، تؤكّد أن حلمه الذي طالما داعب مخيّلته يوشك أن يتحقّق.
كان يتوق دائما لأن يُحمل عاليا إلى أعماق الفضاء وأن يحلّق بحرّية مثل الطيور وأن يمارس هناك "تحوّلاته" إلى الأبد.
- جين أليسون
"مترجم بتصرّف".

Saturday, August 16, 2008

قصة حبّ صوفية

"بينما كنت أفكّر فيها غالبني نعاس لذيذ".
كذا يقول مطلع هذه القطعة الاوبرالية الجميلة التي وضع لحنها المؤلف الموسيقي الألماني هانز زيمر Hans Zimmer لفيلم هانيبال.
النصّ المغنّى مأخوذ من قصيدة للشاعر الايطالي دانتي بعنوان Vide Cor Meum يحكي فيها عن تجربة حبّ صوفية جمعته مع امرأة تدعى بياتريس.
كان دانتي يرى المرأة، أو خيالها، في الكثير من الأماكن التي كان يذهب إليها.
كانت صامتة ساهمة على الدوام. وكلّ ما ظفر به منها كان تحيّة عابرة ألقتها عليه في ظهيرة أحد الأيام قبل أن تختفي مرّة أخرى.
وقد اختار مخرج الفيلم أن يصوّر هذه القطعة في احد دور الأوبرا في مدينة فلورنسا الايطالية. وكنت قرأت ترجمة لهذه القصيدة بالانجليزية غير أنها لم تشدّني كثيرا. وأتصوّر أن الكثير من شعراء هذه الأيام يمكن أن يأتوا بقصائد شعرية تصف مثل هذه الحالة الوجدانية بأفضل مما فعله دانتي.
المهم أن أكثر ما يشدّ الاهتمام في الأغنية هو موسيقاها الراقية والشحنة الميلودرامية المكثفة التي أودعها المؤلف فيها.
هنا ليس مطلوبا منك أن تهتم كثيرا بالكلام بل أن تستمع إلى الموسيقى الفخمة والى الغناء الاوبرالي الذي يلامس الروح ويتسلل إلى الوجدان.
الإنشاد الجماعي في المقطوعة يشبه غناء كائنات علوية يتردّد صدى ترانيمها في السماء. هذا بالرغم من حقيقة أن اللحن نفسه حزين وفيه نبرة ندم وأسى عميق.
يبدأ الإنشاد على خلفية من موسيقى الكمان تصاحبه الاوركسترا والكورال. وبعد قليل يدخل صوت السوبرانو ثم التينور في حين تلتحم أصوات المنشدين بالموسيقى في تناغم رائع وذوبان حميم وصولا إلى نهاية الأغنية.
ومن الواضح أن المؤلف بذل جهدا كبيرا في إخراج هذه القطعة بهذا المستوى الضخم. فقد اختار لعزفها اوركسترا مدينة براغ الفيلهارمونية التي اشتهرت بكثرة عازفيها المحترفين وبالمستوى العالي للغناء الجماعي الذي توفره.
في ما بعد، أدّى الأغنية مغنّون كثر من بينهم السوبرانو البريطانية كاثرين جينكينز التي ضمّنتها ألبومها بعنوان طبيعة ثانية Second Nature بمصاحبة التينور ريس ميريون.
ومع مرور الأيّام أصبحت الموسيقى أشهر من الفيلم نفسه، وتمّ توظيفها في أكثر من عمل سينمائي كان آخرها فيلم مملكة السماء.
الجدير بالذكر أن هانز زيمر وضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام السينمائية المشهورة مثل الساموراي الأخير وشيفرة دافنشي وقراصنة الكاريبي وغيرها.
يمكن سماع الموسيقى هنا أو هنا بصوت كل من تشارلوت كيندر "بياتريس" و ويلس مورغان "دانتي"..

Monday, August 04, 2008

الفصول الأربعة

لو كان انتونيو فيفالدي ما يزال حيّا لكان عمره اليوم 330 عاما. ورغم أن هذا مجرّد افتراض بعيد الوقوع، فإن الأمر المؤكد هو أن فيفالدي ما يزال حيّا بالفعل من خلال موسيقى كونشيرتو الفصول الأربعة الذي ما يزال يعزف إلى اليوم ويستمتع به الناس ويتحدّثون عنه بعد كلّ هذه السنوات الطويلة.
وهناك شبه إجماع في أوساط المهتمّين بالموسيقى بأن هذا الكونشيرتو الذي كتبه فيفالدي وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين هو أشهر عمل موسيقي كلاسيكي، بل وأكثر الأعمال الموسيقية رواجا وشعبية على مرّ العصور.
انه حتى أكثر شعبية وانتشارا من السيمفونية الخامسة لـ بيتهوفن أو السيمفونية الأربعين لـ موزارت أو موسيقى الماء لـ هاندل ومن وترية بــاخ ومن كارمن لـ جورج بيزيه ومن كونشيرتو البيانو لـ تشايكوفسكي ومن مارش كلارك ومن تأمّل شومان الصامت ومن شهرزاد كورساكوف ..
لكن كيف تحقق ذلك؟ كيف أمكن لبضع نوتات موسيقية كتبت على ورقة صغيرة قبل ثلاثة قرون أن تعيش طوال هذه السنوات بل وأن تصبح برأي بعض النقاد احد أشهر معالم الألفية الماضية دون أن يخفت بريقها أو يخبو سحرها أو يتوقف الناس عن سماعها.
قد يكون احد الأسباب – بالإضافة طبعا إلى جودة الموسيقى وقيمتها الإبداعية - هو أن العالم يتغيّر باستمرار لكنّ ما بداخلنا لا يتغيّر. والإنسان عادة يحتاج للراحة والتأمّل اللذين توفرهما الموسيقى وهو لا يهتم كثيرا مثلا بمن كتب الموسيقى ولا في أي عصر ظهرت.
وفي حالة الفصول الأربعة على وجه الخصوص فإن الارتباط الحميم بين الإنسان والطبيعة، يعدّ عنصرا إضافيا مهمّا في رواج هذا العمل الموسيقي وانتشاره.
في العام 1703 كان فيفالدي يعمل مدرّسا للموسيقى في ملجأ للأيتام بمدينة فينيسيا. وكانت مهمّته تعليم الفتيات العزف على الكمان. وقد خامرته فكرة انجاز هذا العمل في تلك الفترة بالذات.
وزمن فيفالدي كانت الفصول حاضرة بقوّة في حياة الناس. كان بعضها رمزا للخير والوفرة والنماء، وكان بعضها الآخر يحمل معه نذر الشؤم والخراب على هيئة ثلوج وعواصف وفيضانات تتلف الزرع وتدمّر المحاصيل وتتسبّب في نشر الجوع والفقر والمعاناة.
وقد وظفت موسيقى الفصول الأربعة في عدد من الأفلام السينمائية والبرامج الوثائقية والإعلانات وخلافها. وعندما ظهر الكونشيرتو لأوّل مرة في العام 1725 ، راق كثيرا للملك الفرنسي لويس السادس عشر لدرجة انه كان يأمر بعزف موسيقى الربيع في المناسبات التي كان يقيمها لضيوفه.
ويعتبر الكونشيرتو من أفضل الأعمال الموسيقية التي الفت في عصر الباروك. وقد حرص فيفالدي على أن يكتب سوناتا وصفية لترافق كلّ حركة من حركات الفصول.
الحركة الأولى من "الربيع" تعكس إحساسا بالسعادة والفرح. تبدأ الموسيقى خفيفة مبهجة وهي تعلن مقدم الربيع. وأصوات الكمان تتداخل مع بعضها وكأنها عصافير ترفع أصواتها بالإنشاد والتغريد فرحا بقدوم فصلها الأثير.
الحركة الثانية صامتة كما يعبّر عنها صوت الكمان الهادئ. المروج مزهرة والقطيع نائم والأنهار والغدران ممتلئة بالماء والرعاة في حالة خلوة وتأمّل.
في الحركة الثالثة تعود الطيور مجدّدا للغناء. المياه صافية ورقراقة والأزهار متفتّحة والأغصان نضرة والحداة يرفعون أصواتهم بالغناء. لكن هناك في الجو ما ينبئ باقتراب موعد العاصفة.
الحركة الأولى من "الصيف" بطيئة وكسولة. انه أحد أيام الصيف القائظة. الشمس حارقة والرياح تهبّ بخفّة. لكن سرعان ما يعلو الإيقاع وتتسارع وتيرته مع قرب هبوب العاصفة. هنا يدخل التشيللو بحشرجته وصوته المفرغ معلنا وصول رياح الشمال.
الحركة الثانية ساكنة، وقورة. كل شيء هادئ عدا أن هذا الوقت هو الوقت الذي تتجمّع فيه الغيوم في السماء.
الحركة الثالثة مجلجلة وعاصفة. والتشيلو والآلات الوترية تعطي انطباعا عن قوّة الريح وتأثيرها المدمّر.
في الحركة الأولى من "الخريف" صورة لطيور مهاجرة تعبر الأفق مؤذنة بمقدم الخريف. ثم هدوء. هنا يمكن استحضار صور لسيول وبرق ورعد، وروابي وتلال مغسولة بالمطر.
في الحركة الثانية تدخل الآلات الوترية والاكورديون لتشيع جوّا من الدعة والاسترخاء. فالنسيم عليل والرياض مبتسمة والورود متألقة. بوسع السامع أيضا أن يتخيّل الفلاحين وهم يستمتعون بالحصاد بينما يسلم البعض الآخر منهم نفسه للنوم الهادئ.
الحركة الثالثة متوثبة وسريعة. هذا هو موسم الصيد. والصيّادون يتأهّبون ببنادقهم وكلابهم لجني صيد وافر. ووسط الغبار والمعمعة تجاهد الحيوانات الجريحة للفرار بيأس.
الحركة الأولى من "الشتاء" متوتّرة وجامحة. واهتزاز أوتار الكمان يعزّز الإحساس بالبرد القارس والرياح الباردة. الثلج يغطي الطبيعة وبرودة الجو تلفح الوجوه.
في الحركة الثانية نتخيّل الأرض وقد اكتست بحلة من الثلج الأبيض الناصع. والمشي فوق الثلج يتطلب الحذر خوف الانزلاق والسقوط. هذه الحركة لا يمكن وصف رقتها وشاعريتها وأناقتها. الموسيقى هنا منسابة في رفق، حزينة .. تخالطها نشوة راقصة. مدّتها بالكاد دقيقتان لكنها ممتعة، مرهفة، عذبة وتعلق في الذهن بسهولة. تسمعها فتحسّ أن الوقت توقف أو كأنك تقف على مشارف حلم..
الحركة الثالثة تعطي انطباعا عن الجلوس إلى جانب النار. وقرب نهايتها يتسارع صوت الكمان كما لو أننا نسمع وقع جياد تعدو. انه الإعلان عن نهاية الشتاء وعودة دورة الفصول من جديد.


ولد فيفالدي في فينيسيا يوم 4 مارس 1678 وعمّد راهبا في سنّ الخامسة والعشرين ليلقب في ما بعد بالراهب الأحمر بسبب لون شعره المائل للحمرة. لكنه سرعان ما ترك الكنيسة نتيجة معاناته من الربو وآلام المفاصل. وربّما كان قد ادّعى المرض لكي يعود إلى عشقه الأول، أي الموسيقى.
كانت الموسيقى في روما آنذاك تشهد ذروة نشاطها وتوهّجها. وكان موسيقيون لامعون مثل سكارلاتي وكوريللي وهاندل جزءا لا يتجزّأ من المناخ الثقافي السائد في ذلك الوقت.
ومن خلال الفصول الأربعة استطاع فيفالدي إضفاء طابع وصفي على الموسيقى تلعب فيه الوتريات الدور الرئيسي. وبفضله أصبح للموسيقى الايطالية نكهة خاصة ومتفرّدة لا تخطئها الأذن.
ومن الغريب أن هذا الكونشيرتو، من بين 5000 عمل موسيقي آخر ألفها فيفالدي، هو الوحيد الذي ذاع واشتهر. وقد جنت شهرة الفصول الأربعة على أعمال موسيقية أخرى لـ فيفالدي لا تقلّ جمالا.
الشعبية الكاسحة التي تمتعت بها الفصول الأربعة عزّزت جاذبيتها لدى العازفين والموزّعين الموسيقيين وجمهور الناس على السواء.
وقد ظهرت الفصول الأربعة في مئات التسجيلات. وكلّ منها يحاول تقديم العمل وترجمته من منظور مختلف. لكن يمكن التوقف عند أربعة تسجيلات: الأول لعازف الكمان البريطاني نايجل كينيدي. هذا التسجيل ظهر عام 1989 ليكسر كل الأرقام القياسية السابقة في تسجيلات الموسيقى الكلاسيكية وليصبح بالتالي أكثر تسجيلات الفصول الأربعة مبيعا في جميع الأوقات.
وهناك أيضا تسجيل جميل آخر لعازفة الكمان الروسية فيكتوريا مولوفا تحت قيادة المايسترو كلاوديو ابادو.
ثم هناك تسجيل عازف الكمان الأمريكي غيل شاهام تحت قيادة اوركسترا اورفيوس. والتسجيل الرابع لعازفة الكمان الأمريكية من أصل كوري ساره تشانغ.
لكن هناك توزيعين للفصول يعتبران من بين التوزيعات الأكثر خصوصية وتفردّا؛ الأول للألمانية آنا زوفي موتار التي عزفت الفصول الأربعة مع المايسترو العبقري هيربرت فون كارايان والثاني للهولندية جانين يانسن. موتار مبهرة ويانسن متميّزة وترجمتهما للفصول الأربعة تنطوي على ابتكار وتجديد من نوع خاص.

عندما يأتي الحديث على كونشيرتو فيفالدي، سرعان ما نتذكّر سيمفونية بيتهوفن السادسة المعروفة أكثر بسيمفونية الرُعاة The Pastoral Symphony . الحركة الثانية من هذه السيمفونية، وهي بالمناسبة من ارقّ وأجمل أعمال بيتهوفن ومن أكثرها استدعاءً للتأمّل، تبدأ بتصوير حركة انسياب الماء في الغابة. وقبل نهايتها نسمع غناء وشدو الطيور. وكلّ ذلك من خلال تطويع أصوات آلات الفلوت والاوبو والكلارينيت لتحاكي الأصوات الإيقاعية في عالم الطبيعة.

إن الفصول الأربعة حافلة بالمعاني الدرامية والتلاوين التصويرية. وفيفالدي قد يكون موسيقيا في الأساس، لكنه هنا يمسك بريشة رسّام يجلب معه ألوانه وعدّة الرسم الأخرى ليرسم لوحات ذات ألوان متنوّعة، قشيبة وزاهية تجذب الأنظار وتخلب الألباب.
وهذا يشي بالعلاقة النفسية والروحية التي تربط الموسيقي بالطبيعة. فقد كان فيفالدي مندمجا كلية بالطبيعة، مصغيا على الدوام لأصواتها وأنغامها وأسرارها ومكنوناتها. وقد ساعده إحساسه القويّ بالحياة ونقاء روحه وقوّة ملكته التعبيرية على إبداع هذه الموسيقى الخالدة والعظيمة.
توفي فيفالدي في فيينا يوم 28 يوليو 1741 بعد أن داهمته أزمة ربو حادّة. وهو المرض الذي لازمه طيلة حياته. ومثل موزارت، الذي توفي بعد ذلك بخمسين عاما، مات فيفالدي شبه منسي ولم يحظ بجنازة تليق به.
وبعد وفاته ذهب هذا الموسيقي المبدع في غياهب النسيان ولم يعد احد يتذكّره سوى بالكاد. لكن شعبيّته سرعان ما بعثت من جديد في مستهلّ القرن الماضي مع إعادة اكتشاف الفصول الأربعة التي أصبحت منذ ذلك الحين إحدى العلامات الفارقة والمهمّة في تاريخ الموسيقى العالمية.

Thursday, July 24, 2008

نافذة على عالم ماغريت – 4 من 4

كان رينيه ماغريت، من بين كافّة الرسّامين السورياليين، ينفرد بكونه الوحيد الذي كان يرسم بواقعية ويوظف في أعماله أشكالا وأشياءً من صميم الحياة قبل أن يضعها في سياقات غريبة وغير مألوفة.
وعندما نتأمّل عالمه عن قرب والأفكار الفلسفية التي يبثّها في لوحاته سرعان ما نتذكّر بعض التصوّرات التي تنهض عليها الفلسفة البوذية. تفترض البوذية مثلا أن النفس الإنسانية سجينة لنزواتها ورغباتها وما يطرأ عليها من مشاعر سلبية كالكراهية والكبر والغرور وحبّ الأنا والأثرة. هذه المشاعر من شانها أن تقيّد معرفة الإنسان وتحدّ من قدرته على التعرّف على الطبيعة الحقيقية للأشياء وللعالم من حوله. وهذا الجهل سبب أساسي للمعاناة والألم.
وهنا يثور سؤال: هل قرأ ماغريت شيئا عن البوذية؟ وهل كان متأثرا ببعض تصوّراتها التي تركّز على أسرار العقل وحالات الذهن بالإضافة إلى قولها بعدم إمكانية تجزئة العالم وإنما النظر إليه باعتباره كلا واحدا لا يتجزّأ؟
إن في مضامين بعض لوحات ماغريت ما يمكن أن يشي بوجود علاقة ما. وليس من المستغرب أن بعض منظري البوذية ورموزها المعاصرين كثيرا ما يتوقفون عند لوحتيه "خيانة الصور" و "المرآة المزيّفة" باعتبارهما ترجمة واضحة لأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها البوذية، وهو ضرورة أن يتخلص الإنسان من فهمه الخاطئ للنفس كي يستطيع أن يفهم العالم بشكل أفضل وبذا ينتصر على الألم ويرتقي وعيه وعقله إلى مرحلة النيرفانا.
كما أن في البوذية كلاما كثيرا عن المتضادّات التي يضمّنها ماغريت في لوحاته. فالشيء لا تظهر طبيعته أو صفاته إلا بمضاهاته بنقيضه وليس من خلال صفاته الخاصّة المتجسّدة فيه. ومما يروى عن أحد معلمي البوذية انه سُئل مرّة: كيف ترى الأشياء بوضوح؟ فأجاب: أغلق عينيّ. وهذا هو بالضبط ما يردّده ماغريت عن خطورة أن يركن الإنسان إلى ما تراه عينه المجرّدة متوهّما أن ذلك سبيله الوحيد لفهم نفسه والعالم.

من الموتيفات التي كان ماغريت يوظفها في لوحاته بشكل متواتر الستارة. أحيانا يضعها على جانبي اللوحة لتقوم بوظيفة ستارة المسرح وللإيحاء بأن ما نراه لا يعدو كونه تمثيلا وليس حقيقة. وأحيانا يحرّك الستارة من الأطراف إلى منتصف اللوحة لتكون جزءا من الموضوع الأساس أو الفكرة الرئيسية.
والستائر لا تختلف عن النوافذ من حيث أنها تحدّ من مقدرة الإنسان على الرؤية. غير أنها تخفي الأشياء خلفها وبذا لا يرى الناظر سوى جزء من الصورة الكلية.
في لوحة مذكّرات قدّيس نرى ستارة حمراء دائرية الشكل تقفل على سماء غائمة، وخارج السماء والستارة يتوزّع السواد على طرفي اللوحة.
اللوحة ولا شك جميلة ورائقة وتنطوي على دقة في التصوير وبراعة في تمثيل الخطوط والألوان التي جاءت رقيقة وناعمة.
وبما أن العنوان يتحدّث عن قدّيس، فمن الطبيعي أن ينصرف الذهن مباشرة إلى السماء وما يرتبط بها من جنّة ونار وثواب وعقاب.. إلى غير ذلك. وبناءً عليه، يمكن للمرء أن يتوقع أن ما بداخل الستارة ربّما يرمز إلى حسنات القدّيس وأعماله المجيدة في الدنيا، بينما يشير اللون الداكن إلى خطاياه وذنوبه. لكن قد تحتمل اللوحة تفسيرات وقراءات أخرى غير هذه.

كان من بين أصدقاء ماغريت الفنانان ماكس ارنست وسيلفادور دالي والفيلسوف جاك ديريدا والشاعران بول ايلوار ومالارميه.
في لوحة الصفحة البيضاء The Blank Page يستعير ماغريت جملة لـ مالارميه يتحدّث فيها عن "استحالة الكتابة على صفحة بيضاء"، ليرسم ستارة على هيئة ورق شجر وأمامها، وليس خلفها كما يفرض المنطق، يلوح ضوء قمر لم يكتمل. وفي ما بعد ستتكرّر نفس هذه الفكرة في لوحته المسمّاة The Sixteenth of September أو السادس عشر من سبتمبر.

برأي ماغريت أن الحياة ليست سوى لغز كبير وأن من المتعذّر كسره أو فكّ طلاسمه. وكان يعتقد أن طبيعة الإنسان تدفعه لئلا يرى إلا ما يريد أن يراه أو ما يبحث عنه. ومن ثم فإن إدراكنا مرتبط إلى درجة كبيرة بطبيعة توقعاتنا.
في لوحة بطاقة بيضاء نرى امرأة تتمشّى بين أشجار الغابة على ظهر حصان. غير أن ماغريت يتلاعب بالشكل والفراغ بحيث ُتظهِر الأشجار من المرأة والحصان ما كان يجب أن تخفيه وتحجب ما كان يقتضي المنطق كشفه. قد يكون الفنان قصد أن يقول إن المرأة والحصان ما يزالان هناك رغم الأشجار. وقد تكون اللوحة ترجمة لعبارة طالما ردّدها: إن جزءا من مهمّتي هو أن أجعل الأفكار مرئية".

كان ماغريت يعتقد انه لم يعد هناك الكثير مما يمكن عمله من خلال الرسم التقليدي. لذا كان عليه أن يختار أسلوبا غير مألوف للتعبير عن أفكاره ورؤاه رغم إدراكه أن ذلك سيجلب عليه سخط واستهجان النقاد والعامّة.
في إحدى لوحات الأسير الجميل يرسم لوحة داخل لوحة. اللوحة الصغيرة تصوّر طبيعة جبلية تبدو فيها الغيوم وهي تنزاح ببطء سابحة خارج الإطار، وكأن ماغريت يفترض أن المتلقي الذي طالما اعتاد رؤية الغيم والسماء في لوحاته أصبح بالفعل داخل عالمه الخاص بعد أن ألفه واستوعب صوره ومشاهده.
الصورة الذهنية هنا جميلة، إذ تؤكّد على علاقة الإنسان بالطبيعة من خلال المشاعر والانفعالات والمزاج. لكن الطريقة التي رُسمت بها اللوحة قد تشير إلى رسالة أو فكرة ما من خلال هذه المزاوجة بين موضوع الداخل والخارج. ترى هل يقصد الفنان أن رسم الطبيعة، مهما كان دقيقا وشديد الواقعية، فإنه يظلّ عاجزا عن نقل حركتها وتصوير تحوّلاتها المستمرّة؟ إن أقصى ما يمكن أن يفعله رسّامو المناظر الطبيعية هو محاولة الإمساك باللحظة الراهنة، لكنهم لا يستطيعون نقل ديناميكية الطبيعة وما يطرأ عليها من أطوار وتغيّرات.
وقد يكون ماغريت أزاح الطبيعة من مكانها لكي يؤكّد على الدور الخلاق للفنّ وعلى حرّية الفنان في أن يبتكر عوالم جديدة يستمدّ منها معاني وإمكانيات مختلفة تعينه على إعادة تشكيل الواقع من خلال رؤاه ومدركاته الخاصّة.

من أهم الركائز التي قامت عليها السوريالية أنها كانت تعبيرا عن أفكار عصر ما بعد الحداثة؛ مثل عدم الاعتراف بالفوارق بين الثقافات، والشكّ في الفرضيات والمسلّمات التقليدية، ونسبية الزمن والحقيقة والأخلاق، وضبابية مفهوم الهويّة الإنسانية، واعتبار المعرفة الذاتية أساسا لجميع أشكال المعرفة، وتقدير التضادّية والازدواجية، وتوظيف أساليب السخرية والمفارقة، والترويج لمبدأ الفنّ للفنّ.
في لوحة محاولة المستحيل Attempting the Impossible يصوّر ماغريت نفسه وهو يرسم موديلا عارية يفترض أنها زوجته. وقد رسمها بملامح تمثالية وبذراع واحدة، الأمر الذي يذكّرنا بتمثال افرودايت أو فينوس الشهير. والمعنى هنا واضح، وهو أن الجمال في النهاية قيمة نسبية، وأن محاولة تصوّر نموذج أو مثل أعلى للجمال هي محاولة عبثية لأننا لن نحصل في النهاية سوى على ملامح ساكنة، جامدة وبلا مضمون؟
وفي العالم الخفي يرسم غرفة ذات ديكور خشبي يتوسّطها حجر ضخم. والغرفة تطلّ على بحر تعلوه غيوم كثيفة داكنة.
إنها صورة أخرى للعالم غير المنظور الذي يتحدّث عنه ماغريت دائما والذي يتوارى خلف العالم المادّي الذي يحيط بنا. هنا أيضا يلجأ الفنان إلى استخدام العلاقات والرموز لإثارة اهتمام الناظر ودفعه لاكتشاف المعاني الباطنية والصور الاستعارية التي يضمّنها لوحاته.
المشهد ساكن إجمالا ويتعذّر رؤية شيء آخر باستثناء الحجر والغرفة والبحر. لكن الصورة توحي بأن هناك أشياءَ قد لا نراها بالعين. الصوت مثلا يمكن أن يسافر عبر الصمت. صوت الرعد، صوت سيارة أو قطار مارّ من بعيد. هنالك عوالم أخرى خفية حولنا، كائنات دقيقة، أصوات، إشارات، همهمات قد لا نراها رأي العين لكنها مع ذلك جزء لا ينفصل عن وجودنا وعن عالمنا الأكبر.

لقد عُرف عن ماغريت اهتمامه الكبير بالفيزياء والعلوم عامةً وقد قرأ كثيرا لاينشتاين ونيوتن وغيرهما. وهناك عدد غير قليل من لوحاته يمكن اعتبارها ترجمة لبعض الأفكار والنظريات العلمية.
في لوحة معركة ارغون ، مثلا، نطالع صورة لصخرة وغيمة معلقتين في الهواء جنبا إلى جنب وتحتهما منظر طبيعي. المشهد غامض ويصعب تصوّر حدوثه، إذ السؤال ما الذي يجمع حجرا قاسيا داكن اللون بغيمة رقيقة بيضاء على هذا الارتفاع؟ وهل ما نراه هو حقا صخرة وغيمة؟
لكن قد يكون في قانون الجاذبية ما يفسّر اللوحة، إذ من المعروف أن الأجسام تفقد وزنها كلما سافرت في الفضاء بفعل انعدام الجاذبية مع احتفاظها بنفس كتلتها. هذا هو على الأقل ما يقوله علماء الفيزياء. أما العنوان "ارغون" فيشير إلى إحدى المعارك المشهورة التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى بين الألمان والفرنسيين.

وهناك لوحة أخرى لـ ماغريت اسمها بيت الزجاج The House of Glass يعتقد أنها هي الأخرى ليست سوى ترجمة لنظرية اينشتاين التي يقول فيها انه لو قدّر لإنسان أن يسافر إلى الفضاء بسرعة الصوت فإن جسمه يغدو مسطّحا إلى الدرجة التي يمكن معها رؤية وجهه في مؤخّرة رأسه. وهو أمر قد يستعصي على الإنسان العادي إدراكه أو تصوّره.
وفي إحدى لوحات غرفة الاستماع نرى تفاحة تملأ حيّز غرفة كاملة، في إشارة على ما يبدو إلى نظرية اينشتاين عن العلاقة ما بين الكتلة وسرعة الصوت.
وللتفاحة أهمّية خاصّة عند ماغريت إذ تظهر كعلامة فارقة في الكثير من لوحاته، ويمكن فهمها وطبيعة وظيفتها ضمن سياقات مختلفة ومتعدّدة. فالتفاحة فاكهة لكنها بنفس الوقت صورة مجازية لأشياء أخرى كالجاذبية والإغراء والخطيئة أو الطرد من الجنّة. كما يمكن أن تكون رمزا لاختراع أو ابتكار ما أو نظرية أو فكرة علمية.. إلى آخره.

كان ماغريت يرى أن الحرّية هي نقطة الارتكاز في الوجود الإنساني كله. وأن عقل الإنسان عبارة عن كون يتشكّل ويتجلى للعالم من خلال مجموعة من المصادفات الغير متوقعّة. ولأن الإنسان غير قادر على كشف الحقيقة، فإن مهمّته هي أن يكشف على الأقل عن حقيقته الخاصّة".
في لوحة المحرّر The Liberator يظهر رجل بلا ملامح وهو جالس أمام مبنى غارق في الغيم ويحمل بإحدى يديه عصا وبالأخرى كأسا مرصّعا بالجواهر على هيئة وجه امرأة.
لكنْ لا العنوان يساعد على فهم المعنى المقصود ولا تفاصيل اللوحة نفسها تكشف عن مضمونها أو عن الفكرة التي يريد الفنان إيصالها.
لقد سبق للكثير من النقاد أن تكهّنوا بأن لا تعمّر لوحات ماغريت طويلا لأنها برأيهم ساكنة أكثر مما ينبغي ومغرقة في الذاتية والاغتراب والتجريد وتفتقر للحيوية التي تضمن لها البقاء والديمومة. وقد قصر آخرون اهتمامهم على قراءة أعماله من منظور سيكولوجي بحت وأغفلوا مضامينها الفلسفية واللغوية والفكرية.
ويبدو أن ماغريت لم يكن مهتمّا كثيرا بهذه المسألة بدليل قوله: لا يهمّني قيمة لوحاتي بعد مائة عام. ربّما تكون قد فقدت صلتها بالواقع وأصبحت شيئا من الماضي. المهم هو أن يكتشف الناس في ذلك الوقت ما اكتشفته أنا، وإن بطريقة مختلفة".
غير أن من الواضح أن رسالة ماغريت أصبحت اليوم أعلى صوتا وأقوى تأثيرا من أي وقت مضى، خاصّة إذا أخذنا في الاعتبار طبيعة التطوّرات السريعة والمهمّة التي شهدتها مجالات الاتصال والإعلان والتكنولوجيا في العقود الأخيرة. فالعوالم الافتراضية أصبحت حقيقة واقعة هذه الأيام، وهناك الآن كلام كثير عن الواقع الافتراضي وعن المجتمعات الافتراضية التي ولدت مع الانترنت وباتت إحدى سمات هذا العصر. ومن الصعب التمييز في هذه المجتمعات بين ما هو واقع أو خيال. وهي الفكرة التي طالما تطرّق إليها ماغريت في العديد من أعماله.

لقد تحدّث ماغريت كثيرا في لوحاته عن محدودية اللغة وقصورها في وصف وترجمة التجارب والخبرات التي افرزها واقع العالم الجديد. وجاء بعده العديد من الكتاب ومنظري اللغة والاتصال الذين أخذوا بعض أفكاره إلى آفاق ومستويات أعلى من التحليل والنقاش والجدل.
وممّا لا شكّ فيه أن تأثير ماغريت في الإعلان كان وما يزال هو التأثير الأقوى. فهما يستخدمان نفس اللغة، وعالم ماغريت الغنيّ بصور الخيال والفانتازيا ما يزال هو الأكثر قبولا وتفضيلا لدى المتخصّصين في مجال الدعاية والإعلان الذين يجدون في رسوماته مادّة يسهل تشكيلها وتطويعها بما يخدم أغراضهم ومتطلباتهم.
ومن الأمور التي لا تنكر أن ماغريت ابتكر صورا ومشاهد لا تنسى أسهمت بفاعلية في تشكيل المخيّلة البصرية للناس طيلة عقود. وهناك العديد من لوحاته التي يمكن اعتبارها من بين أكثر صور الفنّ الحديث شهرةً واستنساخا في القرن العشرين. كما لا يمكن إنكار دوره في بلورة ما عرف في ما بعد بفنّ المفاهيم Conceptual Art والفنّ الشعبي Pop Art.
وما تزال لوحاته، أو نسخ معدّلة منها، تظهر على أغلفة المصنّفات الفنية وفي الأفلام والمسرحيات، بالإضافة إلى عشرات الروايات وقصائد الشعر والأغاني والقطع الموسيقية التي تتضمّن إشارات إلى اسم ماغريت وعناوين لوحاته.

لقد قيل في إحدى المرّات أن شخصا مثل ماغريت لا يمكن أن يظهر إلا في مدينة مثل بروكسيل. فقد اتصفت هذه المدينة دائما بهدوئها وتنوّعها واعتيادية الحياة فيها. لكنه ذلك النوع من الهدوء الذي يدفع الإنسان إلى التمرّد والثورة ومن ثم تشويه ما هو هادئ واعتيادي بطريقة ساخرة وأحيانا متسامية.
وفي بلجيكا يُنظر الآن إلى ماغريت باعتباره قيمة وطنية وثقافية كبرى لا تقلّ شأنا عمّا لـ بريغل وروبنز من أهمّية. كما انه يتمتع اليوم بمكانة لا ينافسه فيها سوى عدد قليل من مواطنيه المعاصرين كالممثلة اودري هيبورن والممثل جان كلود فان دام.
ومؤخّرا تم الانتهاء في بروكسيل من بناء متحف يحمل اسم ماغريت أسهمت في إنشائه مجموعة شركات فرنسية وبلجيكية. وقد أقيم المتحف في نفس مكان المنزل الذي عاش فيه الفنان وزوجته لأكثر من عشرين عاما.
ومن المقرّر افتتاح المتحف رسميا في منتصف العام القادم 1909م لكي يضمّ أكثر من 160 لوحة من لوحات الفنان.
وقد روعي في تصميم واجهة المتحف وديكوراته وغرفه وسلالمه أن تعكس روح عالم ماغريت بشكل يتيح لزوّاره رؤية مناظره الحالمة وقد بعثت فيها الحياة من جديد.

Wednesday, July 16, 2008

نافذة على عالم ماغريت – 3 من 4

اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، عمّ الناس شعور بالخوف واليأس جرّاء اكتشافهم بأن العالم مكان غير آمن وأبعد ما يكون عن الكمال الذي كانوا يتصوّرونه.
وفي ظل هذا المناخ المشوّش والسوداوي ظهرت السوريالية. وكان روّادها الأوائل يجاهرون بأن هدفهم هو تغيير الواقع من خلال إطاحة النظام القديم واستنباط قيم وأخلاقيات جديدة يستعيد من خلالها الإنسان قواه الروحية الأصيلة التي تضمن له الحرّية والخلاص من القيود التي تكبّله وتعيق تطوّره.
وكان اندريه بريتون، مؤسّس السوريالية ومنظّرها الأوّل، يرى أن بنية عقل الإنسان تعكس بطريقة ما عقل الكون نفسه، وأن عالم اللاوعي هو الذي يشكّل الطبيعة الحقيقية للإنسان لأنه النقطة التي لا تتناقض عندها الحياة مع الموت ولا الخير مع الشرّ ولا العدل مع الظلم ولا الماضي مع المستقبل ولا الواقع مع الخيال ولا الحقيقة مع الزيف.. إلى آخره.
ولهذا السبب كان بعض السورياليين لا يخفون تعاطفهم، بل وإعجابهم أحيانا، بالمجرمين والخارجين على القانون لأنهم برأيهم أشخاص أذكياء وجريئون و"مبدعون" في انتهاك القوانين والأعراف المتوارثة.
بل إن بريتون نفسه لم يكن يرى في الإنسان المجنون مجنونا بل مصدرا للحكمة والنبوءة، على اعتبار أن المرض النفسي يفسح المجال لظهور الجانب المظلم من العقل ومن ثم الكشف عن بعض الحقائق المؤلمة عن المجتمع وعن الطبيعة الإنسانية.
رينيه ماغريت كان هو أيضا جزءا من هذا الحراك الفكري والفلسفي. ومن المعروف انه قضى في باريس ثلاث سنوات كانت هي الأهم والأكثر غنى في مسيرته الفنية. وقد اتّسمت علاقته مع زملائه السورياليين بفترات من المدّ والجزر إلى أن انتهت تلك العلاقة تماما بعودته إلى بلجيكا حيث قضى فيها العشرين سنة الأخيرة من حياته.
ويقال إن ماغريت احرق كلّ المقتنيات والأشياء الخاصّة التي كانت تذكّره بالحقبة السوريالية. وقد نفى بعد ذلك أكثر من مرّة أن يكون سورياليا أو أن تكون لفنه صلة بالسوريالية. وكانت علاقته مع بريتون، خاصّة، قد تدهورت عندما غضب الأخير لرؤيته زوجة ماغريت في احد اجتماعاتهم وهي ترتدي صليبا وطالبها بنزعه فرفضت.
ومن المعروف أن السوريالية ارتبطت في بدايات ظهورها بالماركسية. وماغريت نفسه لا يتحرّج من الإشارة إلى انه اعتنق الأفكار اليسارية في مطلع شبابه.
وفي إحدى المراحل انتسب للحزب الشيوعي، غير انه سرعان ما تركه بعدما طُلب منه أن يكيّف فنّه مع الايديولوجيا الحزبية وأن يوظف لوحاته للترويج لأفكار الحزب ومبادئه.

كان ماغريت، الذي تفتّح وعيه مبكّرا على أشعار الان بو وروايات ستيفنسون وأفلام شارلي شابلن، يرسم ليستفز ويثير المشاعر.
وبالنسبة إليه فإن هذا العالم يعتبر مصدرا كافيا للكشوفات المدهشة والتجليات الشفافة. ولهذا السبب، وخلافا للسورياليين الآخرين، لم يكن مهتمّا بأن يستقي من الأحلام والهلوسات والظواهر الغريبة مصدرا لمضامين لوحاته.
في لوحته غموض الأفق نرى ثلاثة أشخاص متماثلين ظاهريا ويرتدون القبّعات. المنظر يدلّ على أن الوقت قد يكون فجرا أو ساعة الغروب. ومع أن الرجال الثلاثة يقفون في نفس المكان، فإن كلا منهم منفصل نفسيا وشعوريا عن الآخر. وما يعزّز هذه الفرضية أن لكلّ منهم هلاله الخاص ووجهته الخاصّة.
تفاصيل اللوحة توحي بأننا قد نكون أمام صورة من صور تشظّي الذات وتجزؤ الإنسان وابتعاده عن الإحساس بالكُلّ. وهناك احتمال أن يكون ماغريت أراد من خلال اللوحة التأكيد على مسألة التمايزات والفروق الفردية التي تجعل من كلّ شخص مختلفا عمّن سواه في المزاج النفسي وفي طريقة النظر إلى الحياة برغم التماثل في الملامح الفيزيائية أو الجسدية.
هذان مجرّد احتمالين. مع أن المعنى قد يكمن في مكان آخر..

إن بعض لوحات ماغريت تعطي إحساسا بأن الفنان يتعمّد السخرية من الحداثة والرأسمالية والاشتراكية ومن البورجوازيين بل وحتى من العصر نفسه الذي برأيه يستحقّ الشفقة. هذا بالرغم من حقيقة انه كان هو نفسه بورجوازيا طوال حياته بقدر ما كان إيمانه قويّا أيضا بأفكار العصرنة والليبرالية.
في لوحة جولكوندا يضعنا ماغريت أمام منظر غريب . هنا بوسع الناظر أن يرى مجموعة من الأشخاص المعلقين في الهواء، متّخذين شكل وقوف رأسي أمام عدّة مبان متجاورة طليت واجهاتها باللون البنّي الغامق.
قد يكون ماغريت رسم هذا المنظر كي يصوّر من خلاله الآثار السيّئة التي تنتج عن رصّ البشر ومحاولة تشكيلهم أو قولبتهم على نسق أو نموذج أو نظام واحد بعيدا عن أي مضمون إنساني كما لو أنهم كتل من الحجارة الصمّاء. والنتيجة واضحة، وهي أن السياق الذي ينتظم الأشخاص في اللوحة أصبح مبعثرا ومتنافرا، بحيث لا نرى أمامنا سوى بضعة أشخاص كاملين فيما تضاءلت أحجام البقية وأصبحوا مجرّد ظلال. ويمكن أن تكون اللوحة إشارة إلى البنية الطبقية للمجتمع الصناعي التي تتّسم بالتفاوت الشديد والصرامة والقسوة. كما يمكن أن تكون رمزا لضياع هويّة الفرد بعد أن حوّلته المدنية الحديثة بإيقاعها الآلي إلى مجرّد رقم أو جزء ضئيل من آلة الإنتاج الهائلة والمتوحّشة.
لكن هناك تفسيرا آخر يستند إلى ما عُرف عن ماغريت من براعة في التلاعب باللغة وتغيير نظام الكلمات. فعنوان اللوحة "جولكوندا" ربّما يشير ضمنا إلى لوحة دافنشي الجيوكندا أو الموناليزا. كأن ماغريت أراد أن يقول إن الجيوكندا ليست ما تراه في هذا المنظر، لأنها تحوّلت في العالم الحديث وبفضل هيمنة رأس المال وسطوة الإعلان إلى مجرّد سلعة لكسب الربح وجني المال بعد أن تطاير مضمونها الفني والإبداعي في الهواء.

إن من أهم سمات لوحات ماغريت أنها تمتلئ بالشكّ وبالأسئلة الوجودية الكثيرة ولا نكاد نرى فيها وجودا ملموسا لخالق أو لذات عليا. والإنسان في العديد من رسوماته غريب ويائس ومهزوم لأنه يعيش في عالم يجهل الكثير من معطياته وحقائقه. وهو بالإضافة إلى هذا إنسان عاجز ومسلوب الإرادة بفعل تسلط الجماعة وهيمنة القيم الموروثة.
في الحنين إلى الوطن يرسم ماغريت رجلا بجناحين وأسدا رابضا على الأرض وعمود إنارة ورصيفا.
من الواضح أن كلا من الرجل والأسد موجود خارج هيئته الطبيعية. فالرجل له جناحان قد يكون ماغريت استعارهما من الصورة الكلاسيكية للأسد، إذ تذكر الأساطير انه كان للأسد جناحان في بدايات خلق الأرض. لكنه اليوم أصبح حيوانا مروّضا وبذا فقد حرّيته رغم انه يبدو حرّا ظاهريا.
الأسد أصبح خارج القفص لكنه ليس حرّا. والرجل صار له جناحان لكنه ما يزال داخل "قفص". والاثنان أسيرا إحساسهما بالوحدة والغربة والحنين إلى الماضي. ويمكن اختصار مضمون هذه اللوحة بعبارة جان بول سارتر: الحرّية هي المصدر الأول لمعاناة الإنسان المعاصر".

إن ماغريت لا يتوقف عن العبث بنظام الأشياء لكي يخرّب إحساسنا بالاطمئنان إلى ما نعتبره واقعا وحقيقة مسلّما بها ويعتبره، هو، مجرّد تهيّؤات وأحلام ورغبات غامضة.
في لوحة الآخرة The Hereafter يرسم منظرا تنقبض له النفس يعبّر من خلاله عن مأساة الإنسان وعدمية الوجود. في اللوحة لا نرى سوى قبر وحيد من الحجر بلا شاهد أو اثر يدلّ على صاحبه وسط صحراء موحشة يلفها السراب والصمت وتلهبها أشعة الشمس الحارقة.
وفي الإجابة غير المتوقّعة يرسم ماغريت بابا تتوسّطه فجوة طولية على هيئة شخص شبحي. الصورة قد تكون تجسيدا لخوف الإنسان الغريزي من المجهول. مثلا، قد يفاجأ احدنا في ساعة متأخّرة من الليل بمن يقترب من بيته ليطرق الباب ويوقظه من نومه. وبما انه لا يتوقّع زيارة احد في مثل تلك الساعة، فإنه من الطبيعي أن يتسرّب الخوف والقلق إلى نفسه ويتساءل عمّن عساه يكون ذلك الزائر الغريب. وفي غمرة إحساسه بالخوف والتوجّس قد يفترض أن الطارق إما لصّ مغامر أو مجرم محترف. لكن لا يخطر بباله أن الزائر قد يكون صديقا قديما اهتدى إلى البيت بعد طول بحث أو عابر سبيل يطلب غوثاً أو مساعدة. لكننا اعتدنا على الخوف من المجهول وتوقع الأسوأ، لان عقولنا مبرمجة سلفا وبشكل لا إرادي على التخيّلات الجامحة والتهيّؤات غير الواقعية.

وفي أزهار الشرّ The Flowers of Evil يرسم ماغريت مشهدا استمدّ عنوانه من اسم أشهر ديوان شعر لـ بودلير. كان بودلير يؤمن بأن الشرّ ينطوي على عنصر غواية وجمال وأن ثمّة حاجة لاستخلاص الجمال من الشرّ. كما كان يرى أن ثنائية الإنسان هي مكمن شقائه الوجودي فهو يتطلع للتسامي إلى الأعلى، أي إلى الله، لكنه مشدود بنفس الوقت إلى رغباته الأرضية التي يمليها عليه الشيطان.
في اللوحة رسم ماغريت امرأة عارية بملامح تمثالية جميلة وهي تمسك بإحدى يديها زهرة بينما تسند يدها الأخرى على حجر.
ومن الواضح أن جسد المرأة ينطوي على عنصر حسّي لكنها في النهاية مصنوعة من حجر. وهي تبدو حيّة لكن عينيها متحجّرتان. وهذا التناقض بين ما هو حقيقي وما هو مزيّف، بين اللحم الحيّ والمادة الساكنة، يطبع اللوحة بالمفارقة ويضفي عليها مسحة من التناقض والغموض.
ومن أكثر أعمال ماغريت احتفاءً لوحته المسمّاة علاقات خطرة التي تظهر فيها امرأة عارية وهي تمسك بمرآة كبيرة تغطي معظم جسدها.
لكن المرآة تعكس صورة جانبية للمرأة تبدو فيها كما لو أنها تستدير محاولة إخفاء صدرها.
والأسئلة التي تثيرها اللوحة كثيرة. مثلا، هل يتضمّن المشهد أكثر من مرآة؟ هل هناك امرأة واحدة أم أكثر؟ ومن حيث المضمون، هل يشير ماغريت هنا إلى فكرة الأنوثة، صورة الجسد، أو وعي الإنسان بصورة جسده؟
هل النظر في المرآة هو العلاقة الخطرة التي يشير إليها العنوان لأنها لا تقود، حسب ماغريت، سوى إلى وهم وخداع؟
أم هل أن صورة الإنسان عن جسده ترتبط بشعور غامض بالخوف أو الخجل أو الارتياب كما تشي بذلك حركة المرأة في الإطار؟
أم أن الموضوع لا يعدو كونه شكلا آخر من أشكال الايهام البصري يلجأ إليه ماغريت كي يقول لنا إن سطح الزجاج ليس هو بالضرورة سطح الواقع وليؤكّد من جديد فكرته القائلة بهشاشة وضعف إدراك الإنسان للواقع؟
كلّ هذه الاحتمالات ممكنة. لكن لا شيء منها مؤكّد.

وفي لوحة اكتشاف النار يرسم ماغريت "تيوبا"، وهي آلة موسيقية نفخية لها أنابيب ملتوية ومتجاورة، بينما راحت النار تلتهمها من أطرافها.
وللنار عند ماغريت دلالة خاصة، إذ تظهر في أكثر من لوحة من لوحاته. هناك مثلا لوحة اسماها الطوفان The Flood وفيها تظهر امرأة جسدها نصف عارٍ والى جوارها آلة تيوبا تحترق. وينقل عن ماغريت انه قال في إحدى المرّات أن الاكتشاف المدهش للنار، من خلال عملية احتكاك جسمين ببعضهما، يذكّرنا بالآلية الفيزيائية للمتعة.
وهناك من الكتاب والفلاسفة من يرى أن النار مقترنة بالمتعة وأن المتعة تستمدّ فكرتها من الحبّ والحرّية. وبناءً عليه، فالنار هي المعادل المجازي للاثنين. وليس من المستغرب أن يكون للمرأة حضور متخفّ ودائم في لوحات السورياليين، فهي عندهم رمز للحبّ وهي الوجود المختبئ دائما في غابة أحلامهم وتخيّلاتهم.

إن الفضول الذي تثيره عناوين لوحات ماغريت كثيرا ما يدفع الناظر إلى العودة إلى الصورة ليتأمّلها من جديد وليتساءل، مثلا، عن المنطق الذي يدفع ماغريت إلى إطلاق اسم الوتر الحسّاس أوLe Corde Sensible على لوحة تصوّر غيمة ثلجية تطفو على سطح كأس زجاجي، أو عن العلاقة بين تلك الكتل من الصخور الضخمة التي ركّبت فوق بعضها لتأخذ شكل كلمة "الحلم" بالفرنسية وبين الاسم الذي اختاره ماغريت لتلك اللوحة (فنّ المحادثة)، أو عن الفكرة التي تنطوي عليها لوحته بعنوان الابتكار الجماعي The Collective Invention التي يقلب فيها الصورة النمطية، والرومانسية غالبا، الشائعة عن عروس البحر فيجعل لها رأس سمكة وساقي امرأة.

في إحدى اللوحات التي اقتبس ماغريت اسمها من عنوان قصّة لـ ادغار الان بو بعنوان مملكة آرنهايم يرسم صورة يدفع من خلالها الناظر إلى إعادة النظر في أفكاره وتصوّراته عن الجبال. فقد رسم جبلا على هيئة نسر عملاق وفي مقدّمة اللوحة يستقر عشّ بيض على جدار. تفاصيل المشهد وطريقة رسمه توحي بأن الجبل هو الذي وضع البيض مع أن البيض صغير جدّا بالنسبة لحجم النسر المهول.
لكن بصرف النظر عن هذه التفاصيل الصغيرة، فإن هذه اللوحة تعتبر اليوم من أشهر أعمال ماغريت بالنظر إلى سورياليتها الموغلة وقوّتها البصرية الأخّاذة.

إن ماغريت الذي يشغله غموض العالم وتستفزه تناقضاته الكثيرة لا يتردّد في خلخلة الأفكار والتصوّرات المستقرّة وقلب الأعراف والقوانين رأسا على عقب، فيحوّل النباتات إلى طيور والتماثيل إلى لحم حيّ والبشر والفاكهة إلى حجارة وكأنه يباشر عملية خلق فصيلة أو نظام جيني جديد بطريقة لا تخلو أحيانا من السخرية وروح الدعابة.

لقد ترسّخت عند الفنانين والنقاد فكرة تقول إن الفنان لكي يكون حداثيا فلا بدّ من أن يكون قبيحا وصادما عند السطح. وقد كان بإمكان ماغريت أن يكون كذلك لولا أن نقاءه كفنان كان يدفعه دائما لأن يدفن القبح والصدمة تحت السطح.
وربّما لا يستثنى من هذا التوصيف سوى بضع من لوحاته أهمّها اثنتان؛ الأولى: الاغتصاب The Rape التي يأخذ فيها وجه امرأة شكل أعضائها الخاصّة، في إشارة إلى أن المغتصب إذ يقوم بفعلته يكون قد طمس ملامح وجه المرأة في "لا وعيه" وأحلّ مكانها تصوّراته عن تفاصيل جسدها مدفوعا بتأثير نزواته ورغباته المكبوتة.
والثانية: القاتل المهدَّد The Threatened Murderer التي تصوّر مسرحا لجريمة قتل.
ويمكن أن نجد في إحدى عبارات ماغريت تبريرا لرسمه هاتين اللوحتين إذ يقول: لا يجب أن نخشى ضوء النهار لمجرّد انه يكشف أحيانا عن بعض تعاسات العالم الذي نعيش فيه".

في اللوحة الأخيرة، أي القاتل المهدّد، يظهر رجلا تحرّي يرتديان القبّعة ويكمنان في طرفي غرفة استعدادا للانقضاض على قاتل بهيئة محترمة. القاتل منهمك في الاستماع إلى الموسيقى من جهاز تسجيل قديم بينما يظهر بالقرب منه جسد عار لامرأة يبدو انه قتلها للتوّ. وخلف النافذة في نهاية الغرفة نرى ثلاثة رجال يراقبون ما يجري.
عنوان اللوحة نفسه ينطوي على مفارقة، إذ كيف يمكن تصوّر أن يكون القاتل مهدَّدَا؟ لكن عند التدقيق في ملامح الرجال، القاتل ورجلي التحرّي والمتفرّجين بل وحتى المرأة الضحيّة، سرعان ما نكتشف أنهم جميعا يحملون نفس الوجوه. أي أن القاتل والمقتول والجمهور كلهم ضحايا وكلهم جناة.
إن ماغريت لا يكفّ عن طرح بعض أكثر أسئلة الوجود صعوبة وتعقيدا. وغالبا ما تكون الإجابات ضمنية. وهو بهذا المعنى يمارس العنف ضد أفكارنا وقناعاتنا الجاهزة والمقبولة، ولا يتوانى أثناء ذلك عن تقويض العقل واللغة والواقع لكي يبدّد رضانا وقناعتنا بأن عالمنا مستقرّ ويمكن التنبّؤ به.

وبعض النقاد ممّن درسوا لوحاته قالوا بأنها انعكاس لرغبة الفنان في التعبير عن اعتراضه على رتابة وعبثية الحياة. والبعض الآخر رأوا فيها ما يمكن اعتباره حيلة هروبية ونكوصا عن مواجهة الواقع. والبعض الثالث تحدّث عن دأب ماغريت ومثابرته في توظيف فنّه من اجل كشف بعض المناطق المظلمة والمعقّدة في الطبيعة الإنسانية.
وهناك فريق آخر من النقاد ممّن لا يخفون افتتانهم بجمال مناظره وجاذبيتها رغم كون بعضها مربكا ومستفزّا.
وهو قال ذات مرة بطريقته المختزلة والساخرة: إن كل لوحة تبدأ كقصّة حبّ وتنتهي كعملية اغتصاب!"