:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, December 21, 2008

خواطر في الأدب والفن

دالي واكتشاف أمريكا


في إحدى مراحل حياته الفنّية، شعر سلفادور دالي بالملل من تكرار مواضيع لوحاته وقرّر أن الوقت قد حان لرسم لوحة تترجم مشاعره الوطنية وتتحدّث عن تاريخ وطنه اسبانيا.
وقد اختار لهذا اللوحة موضوعا غريبا بعض الشيء، وهو اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد أو القارّة الأمريكية. ومبعث الغرابة هو أن جنسية كولومبوس نفسه كانت وما تزال موضع جدل واسع. فبعض المؤرّخين يعتبرونه ايطاليّا.
والبعض الآخر يذهبون إلى انه كان في الأصل اسبانيّا وأن عائلته نُفيت من اسبانيا في احد الأوقات واتخذت من ايطاليا وطنا جديدا.
ومع ذلك يقال أن كولومبوس لم يكتب أبدا بالايطالية وأن كلّ كتاباته، بما فيها مذكّراته عن وقائع اكتشافه لأمريكا، كانت باللغة الاسبانية.
دالي في اللوحة يرسم اكتشاف كولومبوس لـ أمريكا. وكولومبوس يحمل ملامح دالي نفسه ويظهر إلى يسار المنظر وهو يقود إحدى سفنه بعد رسوّها على شواطئ العالم الجديد، بينما يمسك في يده اليمنى بعصا تعلوها صورة ضخمة لزوجة دالي وملهمته غالا.
وإلى يمين كولومبوس شخص يمسك بسارية. وإلى جانبه مباشرة، أي في الزاوية اليمنى إلى أسفل، شخص آخر يغطّي رأسه برداء، قيل انه يرمز إلى القدّيس الاسباني جيمس كومبوستيلا.
وفي سماء اللوحة، ترتفع صور لصلبان طائرة ورايات متعدّدة الألوان وأشياء أخرى.
تضمين دالي صورته وصورة زوجته في اللوحة أراد منه الإشارة إلى دور غالا في مساعدته على اكتشاف أمريكا عندما قاما بزيارتها للمرّة الأولى، وهو أمر أدّى إلى ازدياد شهرته وترسيخ مكانته عالميا.
تزامن رسم دالي لهذه اللوحة مع مرور ثلاثمائة عام على وفاة الرسّام الاسباني الكبير فيلاسكيز الذي كان دالي معجبا به كثيرا. وقد صرّح آنذاك انه أراد من اللوحة إحياء أمجاد فيلاسكيز من خلال تصوير المحاربين الأسبان الذين سبق لـ فيلاسكيز أن رسمهم من قبل.
توليف اللوحة ومعمارها اقتبسه دالي من لوحة ماريا فورتوني معركة تيتوان.
أما الرماح والصلبان الطائرة فيها فتحمل إشارات للوحة فيلاسكيز بعنوان استسلام بريدا.

❉ ❉ ❉

كافكا لاند


بالأمس توقّفت قليلا في الموقع الافتراضي لـ متحف فرانز كافكا ، الأديب التشيكي، والكائن في وسط براغ عاصمة التشيك.
كافكا كما هو معروف عاش حياة تعسة ومعذّبة لكنه اليوم يعتبر من أهم الشخصيات الروائية العالمية التي ظهرت في القرن الماضي.
وخلال محاولة الحصول على معلومات عن المتحف لفتت نظري صورة التمثالين الغريبين اللذين يحرسان مدخله وهما يصوّران شخصين شبحيين متحرّكين يتبوّلان في بركة اتخذت شكل خارطة التشيك!
وقلت: فعلا صدق من قال إن الفنون جنون، إذ ما العلاقة بين هذا المنظر المقزّز وبين كافكا الروائيّ المشهور والمبدع؟
وكيف يسكت التشيك على اهانة بلدهم بمثل هذه الطريقة الفجّة؟!
وقد عرفت في ما بعد أن صاحب هذا العمل النحتيّ الغريب هو مثّال تشيكي غريب الأطوار يدعى ديفيد سيرني ويُلقّب بصانع الفضائح نسبة إلى شذوذ أعماله النحتية وإثارتها لحنق واشمئزاز الناس.
في احد الأوقات قرأت الترجمة العربية لرواية كافكا "المسخ"، وبقدر ما أعجبتني لغة الرواية بقدر ما نفرت من أجوائها المخيفة والمظلمة. حيث تبدأ أحداثها بمشهد يصوّر بطلها جورج سامسا وهو يصحو من نومه ذات صباح ليكتشف انه تحوّل فجأة إلى صرصار ضخم. ويصدم البطل بهذا التغيير الذي حدث لجسمه فجأة، وتصاب أسرته بالذهول ويفقد عمله قبل أن يفقد حياته في النهاية.
المسخ رواية قويّة في فكرتها ومغزاها وهي تُعدّ تصويرا ساخرا لظروف المجتمع الذي تحكمه وتتحكّم فيه الطبقة البرجوازية. ومنذ تأليف الرواية شاع في أوساط الأدب والفلسفة تعبير "الكافكوية" نسبة إلى كافكا كرمز لكلّ كاتب يخترع للشخصية الرئيسية في عمله شرَكا عبثيا ومظلما.
كان كافكا يصف براغ بـ "أمّي العزيزة الصغيرة ذات المخالب". وتوجد بمتحفه، كما قرأت، أروقة وممرّات كثيرة تلفّها الظلال وتُسمع عبرها الموسيقى الرتيبة وأصوات المياه الجارية.
ويظهر أن المتحف صُمّم بطريقة تجعل الزائر يتخيّل طبيعة الحياة التي عاشها الكاتب وأيضا الأفكار والصور التي جسّدها في رواياته.

❉ ❉ ❉

الكلب والإنسان


كثيرة هي القصص والحكايات التي تدلّل على وفاء الكلب وأمانته وحفظه للمعروف. ويروق لبعض الناس عقد المقارنات بين الكلب والإنسان وأيّهما أكثر وفاءً وأمانة، وطبعا يفوز الكلب على الدوام. وفي نفس الوقت تتوالى القصص والحكايات من واقع الحياة اليومية لتثبت اكثر فأكثر تفوّق الكلاب على البشر في الكثير من الخصال الحميدة!
ولا يعرف فضل الكلاب ولا جميلها أكثر من الغربيين الذين يكرمون كلابهم ويخصّونها بنفس المعاملة تقريبا التي يخصّون بها أبناءهم وربما أكثر أحيانا. والكلب في بيوت أولئك القوم ملك متوّج ويحظى بمحبّة ورعاية خاصّة فتُجلب له أطايب الطعام ويستشار في أمور صحّته ومرضه امهر الأطبّاء والأخصائيين وربّما قاسم الزوجين سريرهما وتنعّم ببعض الدفء والحنان. بل إن بعض الموسرين هناك لم يجدوا سوى كلابهم الوفيّة ليوصوا لها بثرواتهم الطائلة أو بجزء منها اعترافا بوفاء تلك المخلوقات وأمانتها واخلاصها النادر..
وضمن هذا السياق قرأتُ مؤخّرا في بعض كتب التراث قصّة أعجبتني، وملخصّها أن تاجرا قاسي القلب كان يشتري في كلّ عام عبدا يظلّ في خدمته اثني عشر شهرا ثم يلقي به إلى عدد من الكلاب الجائعة فتفتك به وتفترسه.
وكان هذا التاجر يعتقد أنه بذلك يحافظ على أسراره التي يكون العبد قد عرفها أثناء عمله خلال السنة، واختار ذات مرّة خادما شديد الذكاء عرف أمر هذا التاجر فلما أتمّ في الخدمة عشرة أشهر حرص على أن يصادق الكلاب التي كان التاجر يجوّعها لتقضي على عبيده، فكان يلاعبها ويقدّم لها الطعام من غير أن يعرف سيّده القاسي.
ثم حبس سيّده تلك الكلاب أيّاما بلا طعام استعدادا لليوم الموعود..
وبعد انقضاء العام أمر الرجل بإلقاء الخادم إلى الكلاب الحبيسة الجائعة، ولشدّ ما كانت دهشته ودهشة الآخرين عندما رأوا الكلاب تهزّ ذيولها وتتمسّح في الخادم.
وعندما سأل الرجل خادمه، في ما بعد، عن سرّ ذلك قال:
لقد خدمتك سنة كاملة فألقيتني إلى الكلاب الجائعة لتفترسني، وخدمتُ أنا هذه الكلاب شهرين فقط فكان منها ما ترى!

❉ ❉ ❉

هولبين وموت المسيح


رؤية هذا الفنّان الألماني عن الموت يمكن أن تخيفك وتحبطك.
الوجه الأخضر الرماديّ للرجل المّيت يميل باتجاه الناظر قليلا.
جزء من شعره الجافّ يفيض على كتلة الحجر المغطّاة بكفن أبيض، بينما تشير اللحية إلى السقف المنخفض للصندوق الذي تتمدّد فيه الجثّة.
يده اليمنى تتّكئ على حافّة القماش المجعّد.
الجسد عار باستثناء قطعة قماش تغطّي جزءه السفلي.
العظام شاحبة والعضلات متيّبسة والبشرة متجعّدة وهامدة.
من الصعب وأنت تتأمّل لوحة هانز هولبين هذه أن تعتبر هذا العمل الفنّي لوحة.
انه جسد ميّت يرقد عند مستوى العين في فجوة في جدار بمتحف بازل السويسريّ.
طبعا، تستطيع أن تكتشف أن الفجوة في الجدار ليست أكثر من حيلة بصرية لجأ إليها الرسّام مستخدما تقنية الأبعاد الثلاثة.
لكن حتّى وإن أعجبتك مهارة هولبين في الرسم فإنك ستنظر إلى عمله ليس كلوحة مرسومة وإنما كجسد إنسان ميّت.
أسلوب الطبيعة في التعامل مع الكائن البشري واضح هنا وفي هذه اللحظة.
اللوحة عريضة ومنخفضة بقدر ارتفاع وطول الكفن. وهذا عنصر مهمّ في أن لها كلّ هذا التأثير المزعج.
هذا الشكل الخانق يعطي هولبين فراغا كافيا لأن يخلق منظوره الدقيق. لكنه ليس كافيا لارتكاب أخطاء من قبيل إضافة تفاصيل منمّقة قد تصرف اهتمام الناظر عن الموضوع الأصليّ.
القبر المرسوم يؤدّي وظيفة الإمساك بالجثّة ويُظهر تفاصيلها الصادمة: دم داكن يتجمّع حول جرح من أثر رمح أو آلة حادّة. التجويف البطنيّ الخاويّ. وتلك العينان الصغيرتان الذابلتان.
وعلى عكس ما يوحي به العنوان، ليس في هذا الجسد شيء يشبه المسيح. ولا شيء يميّزه عنه.
إنها جثّة يمكن، ببساطة، أن تخصّ أيّ إنسان.
وهولبين يقدّمها لنا بشكل طبيعيّ وإكلينيكيّ كخبير في علم الأمراض يصوّر ضحيّة احد الحوادث على مشرحة بمستشفى.
القليلون من الفنّانين هم من صوّروا مصير الإنسان بمثل هذه القسوة.
تنظر إلى هذه التحفة الفنّية فتصدمك تفاصيلها وجوّها. غير أن رؤيتها عيانا أبلغ بكثير من مشاهدة صورها المستنسخة على الانترنت.
رؤية الرسّام عن الموت تخيف، تحزن وتصدم.
وبالتأكيد، لن يجد الموت فنّانا يمكن أن يرسمه بأفضل ممّا فعل هولبين.


Credits
salvador-dali.org
hans-holbein.org

No comments: