:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, March 07, 2019

هيرودوت الصينيّ

مصارحة السلطة بالحقيقة كانت على الدوام عملا محفوفا بالمخاطر في الصين. فحكّامها كانوا دائما يفضّلون أن يجامَلوا. والكتّاب الذين يتجاهلون هذه الحقيقة غالبا ما كانوا يدفعون ثمنا باهظا.
مؤرّخ الصين العظيم، الذي عاش قبل حوالي ألفي عام، كان واحدا من كثيرين دفعوا غاليا ثمن صراحتهم.
"من بين كافة العقوبات، لا شيء يعادل في فظاعته عقوبة الإخصاء، وأيّ شخص عانى من هذه العقوبة عاش بعدها حياة كالعدم". الرجل الذي كتب هذه الكلمات لا يعتبر اليوم مجهولا أو منسيّا بحال. كان سيما تشان أوّل، وربّما أعظم مؤرّخ عرفته الصين.
الزمن حوالي عام تسعة وتسعين قبل الميلاد. على حدود الصين الشمالية، استسلم جنود الإمبراطور أمام جيش البرابرة. وفي البلاط استُقبل هذا الخبر بالصدمة. والإمبراطور نفسه في حالة غضب عارم.
لكن مسئولا واحدا فقط تجرّأ على أن يتحدّى تقاليد البلاط وأن يتحدّث بصراحة نيابةً عن الجنرال المهزوم.
وقد كتب سيما تشان هذه الكلمات إلى احد أصدقائه في ما بعد ويقول فيها:
لقد حقّق هذا الجنرال العديد من الانتصارات. أما رجال البلاط؛ هؤلاء الذين جلّ همّهم الحفاظ على مصالحهم وعائلاتهم، فقد أمسكوا عليه خطأ واحدا. إنني اشعر بالقرف عندما أرى هذا".
كان ذلك الجنرال قد ارتكب الخيانة العظمى باستسلامه. كما ارتكب سيما تشان الخيانة العظمى أيضا بدفاعه عنه.
جرى تحقيق. وأخبر سيما تشان صديقه بأن جسده لم يُخلق من خشب أو حجارة. "لا احد من أصدقائي هبّ لمساعدتي، ولا احد من زملائي تحدّث بكلمة نيابةً عني. كنت لوحدي مع المحقّقين، واُقفل عليّ داخل زنزانة مظلمة".
وفي النهاية، عُرض عليه أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ: إما الموت أو الإخصاء.
بالنسبة لمعاصري سيما تشان، كان الموت هو أهون الشرّين وأكرم الخيارين. لكن كان في ذهن الرجل جمهور آخر اكبر من بلاط الصين في القرن الأوّل قبل الميلاد.
فقد كان يكتب تاريخا للإنسانية ستقرؤه الأجيال التالية. كان والده قد عمل قبله مؤرّخا للبلاط وبدأ ذلك المشروع. وعلى سرير المرض، انتزع الأب من ابنه وعدا بأن يكمل الكتاب الملحميّ. لذا اختار سيما تشان الإخصاء.
"الإنسان لا يموت سوى مرّة واحدة. وذلك الموت قد يكون ثقيلا مثل جبل تاي وقد يكون خفيفا مثل ريشة إوزّة. وكلّ شيء يعتمد على الطريقة التي نموت بها".
لكن سيما تشان لم يصف في تلك الرسالة ولا في سيرته الذاتية رعب العقوبة التي تعرّض لها. تحدّث فقط عن ذهابه إلى غرفة دودة الحرير. في ذلك الوقت، كان من المعروف أن أيّ رجل يتعرّض لتجربة الإخصاء يمكن أن يموت نتيجة النزيف أو العدوى. لذا كان ضحايا هذا النوع من تشويه الجسد يوضعون كدودات الحرير داخل غرف معتدلة الهواء.
لم يتعافَ سيما تشان من ذلك الإذلال أبدا. "أنظر إلى نفسي الآن وأنا مشوّه الجسد وأحيا حياة حقيرة. وكلّما فكّرت في هذا العار أجد نفسي أتصبّب عرقا".
لكنه أيضا كتب يقول: لو كانت نتيجة تلك التضحية هي أن يصل كتابي في النهاية إلى أيدي الناس فيقدّرونه ويأخذونه إلى قراهم ونجوعهم، عندها لن اشعر بندم على الإطلاق حتى لو لحقت بي آلاف التشوّهات الجسدية".
في الصين اليوم يُعتبر كتاب سيما تشان "سجلات المؤرّخ العظيم" أشهر كتاب تاريخ، وأصبح تشان بالنسبة للصينيين مثل هيرودوت للأوربّيين.
وما يميّز كتابه هو انه عندما كتب عن أمور البلاط لم يكن مجاملا. وهو هنا، مثلا، يصدر حكمه على احد أباطرة سلالة شانغ الذي عاش قبل ذلك التاريخ بألفي عام.
يقول: كان الإمبراطور جو ذا شخصية حادّة وصارمة. قوّته الجسدية تفوق تلك التي لدى الناس. كان يصارع الحيوانات المفترسة بيديه العاريتين. وكان يعتبر جميع الناس اقلّ منه شأنا. كما كان مغرما بالنبيذ والمتع والنساء. وقد أمر كبير الموسيقيين في القصر أن يؤلّف موسيقى جديدة منحلّة وأغاني هابطة".
ويضيف: وإلى جوار بركة مملوءة بالنبيذ، مع لحوم معلّقة مثل أشجار غابة، كان الإمبراطور يأمر النساء والرجال بأن يطاردوا بعضهم وأن يسكروا ويعربدوا طوال الليل. وكان من طبيعة ذلك الإمبراطور أن يقطّع أجساد منتقديه إربا، أما النبلاء الذين يدعوهم لحفلاته ولا يحضرون فقد كانوا يُشوون وهم أحياء".
كان الإمبراطور جو مثالا جيّدا لنظرية سيما تشان عن التغيير السلالي. فقد كان يرى أن السلالات الحاكمة تبدأ عادةً بمؤسّس نبيل وطيّب، ثم يستمرّون على تلك الحال عبر سلسلة من الحكّام، إلى أن ينتهوا بحاكم أخير سيّئ، وعادةً ما يكون هذا الحاكم منحلا أخلاقيّا لدرجة يتحتّم معها الإطاحة به.
وكان سيما تشان يعتقد أن الغرض من التاريخ هو تعليم الحكّام كيف يكونون صالحين ويحكمون الناس بالعدل.
وبعد وفاته، خاطرت ابنته بسلامتها وأخفت كتابه السرّي. وبعد انتهاء فترة حكم إمبراطورين متعاقبين، خاطر حفيده مرّة أخرى بحياته عندما كشف عن وجود الكتاب.
والبقية، كما يقولون، تاريخ.

Credits
bbc.com