:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, March 15, 2016

كينوبف وغموض الفنّ

ثمّة جملة منسوبة للمايسترو الراحل ليونارد بيرنستاين يتعجّب فيها من الناس الذين يحاولون أن يفسّروا سرّ جمال الموسيقى، متناسين أنهم بهذا إنّما يجرّدونها من غموضها وسحرها.
والحقيقة أن هذا الكلام صحيح، وهو برأيي لا ينطبق على الموسيقى فحسب، وإنما ينسحب على كافّة أنواع الفنون بلا استثناء.
وقد تذكّرت كلام بيرنستاين وأنا أتأمّل هذه اللوحة للرسّام البلجيكيّ فرناند كينوبف. كان كينوبف فنّانا رمزيّا، وقد أحبّ الأدب منذ سنّ مبكّرة وانجذب لأعمال الكتّاب الفرنسيين خاصّة. ثم قرّر أن يدرس الرسم.
ويقال انه من بين أكثر الرسّامين غموضا، وأعماله القليلة لا تكشف سوى عن القليل من سمات شخصيّته أو من حياته الداخلية.
والمؤسف انه بعد وفاته في العام 1920، أحرقت عائلته جميع أوراقه الخاصّة، وكأنها كانت تريد أن لا يحلّ احد غموضه أبدا. وقد ذكّرني هذا بما حدث لرسّام آخر لا يقلّ غموضا هو البريطانيّ جون غودوورد الذي قامت والدته بعد وفاته بإتلاف كافّة صوره وأشيائه الشخصية بسبب علاقتهما التي كان يشوبها التباعد والجفاء.
تأثّر كينوبف بأعمال ديلاكروا وغوستاف مورو وما قبل الرافائيليين. وكانت لوحاته تتمتّع بالشعبية، كما كان له زبائنه الذين يقدّرون موهبته، بالإضافة إلى انه كان معروفا جيّدا في المجتمع البلجيكي. وفي لوحاته سترى الكثير من الأشياء، من الدين والتاريخ وعلم النفس والميثولوجيا وما إلى ذلك.
وهذه اللوحة بعنوان "وأغلقت الباب" تُعتبر من أكثر أعمال الرسّام انتشارا. ويقال انه استوحاها من قصيدة بنفس العنوان للشاعرة كريستينا روزيتي، شقيقة الرسّام والشاعر الانجليزيّ من أصل إيطاليّ دانتي غابرييل روزيتي.
والحقيقة أن كلّ شيء في اللوحة غريب، اسمها وهيئة المرأة ووضعية جلوسها وتعبيرات وجهها. كما أنها تحتوي على تفاصيل غامضة، مثل تمثال الرأس المجنّح الموضوع على الرفّ خلفها.
هذا التمثال الصغير يقال أنه يصوّر "هيبنو" إله الأحلام في الأساطير الإغريقية. وكان كينوبف يملك التمثال الأصليّ وقد التقط لنفسه عدّة صور معه.
أما الزهرة الحمراء إلى جوار التمثال فتمثّل نبتة الخشخاش التي لها خصائص مخدّرة وترتبط بالأحلام.
المرأة التي في اللوحة هي مارغريتا شقيقة الرسّام والتي تظهر في العديد من لوحاته. ومن الواضح أنها تعيش في عزلة، عيناها ساكنتان وملامحها حزينة. الجدران الخربة والأزهار الجافّة والخشب المتآكل والألوان الباهتة والاعتكاف في هذا المكان الساكن الصامت، كلّ ذلك يكرّس الإحساس بالوحشة والانقباض.
وقد ألهمت هذه اللوحة كاتبة تُدعى جويس اوتس بتأليف رواية بنفس العنوان كتبتها عام 1990 وتسرد فيها قصّة حياة فتاة كانت تعيش في ريف نيويورك مطلع القرن الماضي.
بعض النقّاد يشيرون إلى أن للوحة ارتباطا بقصّة وليام موريس التي ينتقل فيها البطل إلى ارض يوتوبية ويؤخذ ليتجوّل في البيت القديم. وهناك يمرّ بتحوّل روحيّ سببه الإحساس بأن الزمن توقّف وتلاشى بداخله الإحساس بالدهشة.
كينوبف، الذي ينتمي إلى عائلة موسرة، كان شخصا غريب الأطوار، فقد بنى لنفسه بيتا بلا نوافذ. وكان الصمت والعزلة فكرتين أساسيتين في لوحاته. وقد نقش على باب منزله جملة تقول: ليس للإنسان إلا نفسه".
ويُروى أن شاعرا عاش في عصره وصفه بأن له شعرا أحمر جميلا وقامة مديدة. وبعد وفاته بعشر سنوات، تمّ هدم بيته بناءً على طلب عائلته.
وعودا على بدء، ترى كم من هذه اللوحة تكشّف لك بعد أن قرأت الكلام المكتوب أعلاه وكم منها ما يزال غامضا برأيك؟
أظنّ انه ليس من مهمّة الفنّان أن يجعل عمله مفهوما لكلّ احد، بل بالعكس عليه أن يترك في عمله بعض الغموض، كي يخلق الدهشة في عقل المتلقّي ومن ثمّ يدفعه لطرح الأسئلة والاحتمالات. وربّما أن ما نعتبره كمتلقّين غموضا وإبهاما هو ما أراد الفنّان أن يودعه في عمله أصلا وعن قصد.
إن وظيفة الفنّان، كما يقول الرسّام الانجليزيّ فرانسيس بيكون، هي أن يعمّق الغموض في أعماله دائما. ومن طبيعة الفنّ الغامض انه لا يُنسى بسرعة.
وأختم بعبارة مأثورة وتتردّد كثيرا مؤدّاها أننا كلّما اكتسبنا معرفة اكبر، فإن الأشياء لا تصبح أكثر اتساعا ووضوحا وإنّما أكثر إبهاما وغموضا.