:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, August 28, 2013

حكايات صينية 3 من 3

ظلّت الصين دائما في حالة عدم وفاق مع كلّ ما هو أجنبيّ. وكان الصينيون يَعتبرون أن جميع الشعوب التي تعيش خارج حدود السور العظيم هم من البرابرة. ولكن في بعض الأحيان كان الغزاة موضع ترحيب داخل الأسرة الصينية الكبيرة. وأحد هؤلاء كان قُبلاي خان.
في القرن الثالث عشر، لم يكن احد يدرك كم أن هذا العالم كبير وواسع. لذلك لم يكن غريبا أن ينطلق المغول خارج مراعيهم ومروجهم وفي ذهنهم فكرة أن يبسطوا سيطرتهم على العالم أجمع.
عندما توفّي الزعيم القويّ جنكيز خان عام 1227، كان قد أسّس بالفعل إمبراطورية تمتدّ من المحيط الهادئ إلى حدود أوروبّا. وكان على حفيده قبلاي خان أن يكمل تلك المهمّة. وقد بدأ الأخير مسيرته بالاتجاه جنوبا لمهاجمة سلالة سونغ الصينية.
لكن الصين كانت إمبراطورية موحّدة لأكثر من ألف عام. وبالنسبة لحكّام سلالة سونغ، لم يكن متصوّرا على الإطلاق أن يتمكّن المغول من الاستيلاء على كامل التراب الصينيّ. كان الأمر أشبه بأن تحتلّ قبيلة بدائية روما، أو بأن تحتلّ قبيلة هندية كلا من كندا والولايات المتحدة. كان أمرا لا يمكن تصوّره أبدا. لذا عندما حدث، كان يمثّل صدمة وكارثة. الإمبراطور الطفل أقدم على الانتحار. وكذلك فعل العديد من المسئولين وأفراد الحاشية وأبنائهم وأسرهم.
وعلى مدى قرون، كان الصينيون ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم حضارة العالم. والآن أصبحت هذه الحضارة تحت رحمة شعب كانوا يعتبرونه من البرابرة. المحتلّون الجدد كانوا يبدون مختلفين. وهذا الاختلاف كان يمثّل مشكلة، إذ لم يكن الصينيون يعرفون حقّا كيف يتعاملون مع هؤلاء الناس.
كان المغول يجدون متعتهم في المصارعة وفي تناول حليب الفرس المخمّر وفي الغناء. وهذه الاهتمامات كانت مختلفة جدّا عن أسلوب حياة النخب الصينية التي كان أفرادها يرتدون ملابس الحرير النفيسة ويتذوّقون الشِعر والرسم والموسيقى.
كان قبلاي خان متفوّقا جدّا من الناحية العددية. لكن كانت سلالة سونغ أقوى بعشرات المرّات من ناحية العتاد والمؤن. وكان على المغول أن يتصرّفوا بذكاء. إحدى المعارك الكبيرة بين الجانبين وقعت في شيانغيانغ، وهي مدينة ذات أسوار لا يمكن اختراقها، كما أنها تتحكّم في منطقة نهر هان، أحد روافد اليانغتسي.
وتحوّلت المعركة إلى نوع من حصار طروادة مصغّر. واستمرّ الحصار خمس سنوات لم يستطع الصينيون خلالها كسره كما لم يتمكّن المغول من النفاذ إلى الداخل. وكانت هناك محاولات لا تُعدّ ولا تُحصى للتسلّل إلى داخل المدينة، لكن تمّ إحباطها جميعا. لذلك كان لا بدّ للمغول من البحث عن وسيلة ما.
وكان قبلاي قد سمع بالمقاليع الضخمة التي سبق للمسيحيين أن استخدموها أثناء الحروب الصليبية. فاستدعى مهندسَين من بلاد فارس شيّدا له ما يشبه المدفعية الثقيلة اليوم. كان ذلك السلاح عبارة عن منجنيق ضخم يمكن أن يطلق حجرا زنته مائة كيلوغرام إلى مسافة تصل إلى مائتي متر.
وبعد بضع طلقات تجريبية لتحديد المدى المطلوب، اسقط المنجنيق برجا قويّا وسط سحابة من الغبار. وفي نهاية الأمر تمكّن المغول من احتلال المدينة، ما سمح لأساطيلهم بالوصول إلى مناطق جنوب الصين.
قبلاي خان حكم في الواقع كلّ مناطق الصين التي نعرفها اليوم: من يونان الواقعة في الجنوب الغربيّ والمحاذية لفيتنام وبورما، إلى شينجيانغ الممتدّة إلى وسط آسيا، وبالطبع إقليم التبت. ومن المفارقات الغريبة أن هذا البلد يدين بمساحته الهائلة للغزاة الذين كانت تتملّكهم طموحات توسّعية.
التاجر والرحّالة الفينيسي ماركو بولو زار قبلاي خان وترك لنا هذا الوصف لقصره: كان القصر محاطا بسور كبير مع خمس بوّابات على واجهته الجنوبية. البوّابة الوسطى لا تفتح أبدا في أيّة مناسبة إلا عندما يغادر الخان القصر أو يدخله. هذا هو أعظم قصر تمّ بناؤه على الإطلاق. السقف فخم جدّا. والجدران مغطّاة بالكامل بالذهب والفّضة. القاعة ضخمة بحيث يمكنها استيعاب ستّة آلاف شخص. والسقف مزيّن بالألوان القرمزي والأصفر والأخضر والأزرق. والبلاط يتألّق مثل الكريستال ويمكن رؤيته من مسافة بعيدة".
كانت عاصمة قبلاي خان بيجين، المدينة التي تزدحم اليوم بناطحات السحاب. لكن قبلاي هو من أحدث فيها التحوّل الكبير الأوّل. وقد أعطى سلالته اسما صينيّا "يوان"، وكان يحكم من خلال نظام خدمة صيني. وقد ردّ التاريخ الصينيّ على هذه التحيّة بمثلها عندما استوعب سلالة المغول ضمن قصّة الإمبراطورية، وكذلك عندما دمج جزءا من منغوليا نفسها في الدولة الصينية.
اليوم يشكّل المغول واحدة من ستّ وخمسين مجموعة عرقية في الصين، جنبا إلى جنب مع سكّان التبت والاويغور وطائفة الهان المهيمنة.
أثناء حكمهم للصين، جلب المغول الكثير من المستجدّات المفيدة، كالفلفل وأواني الشاي المعروفة بـ "الصينيّ" والدرّاجات.
والثابت تاريخيّا انه لولا قبلاي خان، لما وصلت القوى الغربية إلى الصين في القرن التاسع عشر. كانت أسطورته هي التي ألهمت عصر الاستكشافات الجغرافية الأوروبّي. وبسبب حكاية ماركو بولو عن قبلاي خان، قرّر كولومبوس التوجّه إلى الصين. وبدلا من أن يصل إليها اكتشف أمريكا عن طريق الصدفة.
لم يتحقّق حلم قبلاي خان بالهيمنة على العالم. وقد سيّر أسطولا بحريّا ضخما لاحتلال اليابان مرّتين. لكن الأسطول هُزم وتفرّق في البحر على أيدي الكاميكاز اليابانيين المسمّين بالرياح الإلهية. وبذا غرق حلم المغول بفتح العالم مع سفن قبلاي الغارقة.
في نهاية حياته، أصبح قبلاي خان عجوزاً وبديناً ومريضاً. وقد توفّي ابنه الوحيد ووريث عرشه، ثمّ توفّيت زوجته، وتوفّي هو نفسه عام 1294 تاركا هذا الجزء من الإمبراطورية لورثته. لكنّ أيّا من هؤلاء لم يكن يشبهه في كفاءته وقدرته. لذا بعد ذلك بثمانين عاما، انتهى حكم المغول للصين بعد أن اندلعت ضدّهم ثورة، فطوردوا ليعودوا أدراجهم إلى حيث المراعي والمروج التي خرجوا منها أوّل مرّة.

Credits
bbc.com

Tuesday, August 27, 2013

حكايات صينية 2 من 3

مضى على موت ماو تسي تونغ أربعون عاما. لكن رفاته ما تزال محفوظة داخل ضريح في ساحة تيانان مين أو ميدان السلام السماوي. هذا الميدان يُعتبر القلب الرمزي للدولة الصينية، ومنه أعلن ماو الصين جمهوريةً شعبية عام 1949.
ماو، أو الإمبراطور الأحمر كما كان يُلقّب، كان يعزو فكرة هذا البلد الشاسع والعريق إلى مؤسّس عاش قبل حوالي ألفي عام. هذا الرجل هو تشين تشى هوانغ، الإمبراطور الذي ارتبط اسمه بما يُعرف الآن بجيش التماثيل الطينية. وقد أطلق اسم تشين الأوّل على هذا البلد، ولولاه لما كانت هناك اليوم دولة تُدعى الصين.
ضريحا ماو وتشين يُعتبران اليوم قبلة للزوّار الأجانب الذين يحلّون ضيوفا على الصين. غير أن هناك أيضا شيئا آخر مشتركا بين هذين الرجلين، فقد علّم تشين ماو دروسا في كيفية اضطهاد وقمع المثقّفين.
قبل تشين تشى هوانغ، كانت الصين عبارة عن ارض تحوي عددا من الدول المتباينة والمتباعدة. وكان لكلّ دولة كتابتها وتقويمها الخاصّ. تشين نفسه كان ملكا على دولته الصغيرة منذ أن بلغ سنّ الثالثة عشرة. وقد بدأ حكمه بإزالة ما كان يعتبره تهديدا لعرشه عندما أمر بإعدام عشيق والدته ومعه كافّة أفراد أسرته.
وبعد مائة عام على تلك الحادثة، كتب مؤرّخ صيني يصف الملك الشابّ: كان لـ تشين صدر منتفخ مثل صقر وصوت أشبه ما يكون بصوت ابن آوى. لم يكن في قلبه ذرّة من رحمة، بل كان له قلب ذئب. كان عندما تواجهه مشكلة يُظهر تواضعا أمام الآخرين. لكن عندما تكون أموره سالكة كان لا يجد غضاضة أبدا في التهام الآخرين وهم أحياء. كان تشين على استعداد لأن يضع العالم كلّه في السجن لو اكتشف انه يقف في طريقه".
بنى تشين تشى هوانغ آلة قتال هائلة. جيشه من السهل تصوّره لأنه ترك لنا تماثيل الطين المشهورة التي تصوّر محاربيه الأشدّاء. وقد قاتل الدول المجاورة وهزمها الواحدة تلو الأخرى، ثم ابتلع أراضيها بضمّها إلى إمبراطوريّته المتنامية بعد أن قام باستعباد وخصي مواطنيها. كانت غايته من خصي سكّان الدول التي يفتحها أن يذلّهم ويصمهم بالخزي قبل أن يحوّلهم إلى رقيق. وكان بلاطه يضمّ عددا كبيرا من هؤلاء الخصيان.
أصبحت أراضي الصين في عهد تشين تمتدّ من منغوليا إلى هونغ كونغ، أي حوالي مساحة الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. وهناك من المؤرّخين من يرى بأن تشين تشى هوانغ لا يعود إليه الفضل في تأسيس الصين فحسب، وإنما أيضا في إنشاء أوّل إمبراطورية بيروقراطية مركزية في العالم. وقد عمل على توحيد الإجراءات والسياسات الإدارية لجميع الأراضي الواقعة تحت حكمه.
كانت فكرة تشين أن كلّ منطقة يجب أن يكون لها مسئول يتمتّع بالكفاءة والقدرة، على أن يحتفظ بدليل إجراءات يحدّد المهام والمسئوليات ويرعى مصالح الناس الذين يتعيّن عليهم، هم أيضا، أن يكونوا ملمّين بتلك القواعد والإجراءات. كان يجمع الضرائب وينفذ العدالة. كما قام بتدريب البيروقراطيين في جميع أنحاء الصين. وهذا كان إنجازا غير عاديّ.
لكن على الرغم من كلّ هذه الانجازات، فإن ما بقي من تشين تشى هوانغ هو قصص سفك الدماء التي تحدّث عنها المؤرّخون طويلا. كان يتخلّص من كلّ شخص يُظهر معارضة أو لا يكون على وفاق معه. ويبدو أنه كان مصابا بجنون الارتياب. كانت تساوره المخاوف من احتمال أن لا يتمكّن من الاستمرار في السيطرة على هذه الأراضي الواسعة ذات الثقافات المختلفة والأعراق المتباينة.
كان بعض العلماء وأصحاب الرأي يتحدّثون من وراء ظهره. وبالطبع، ولكونه شخصا متشكّكا، لم يكن يعجبه ذلك. لذا أمر في إحدى المرّات باعتقال أكثر من أربعمائة عالم ومثقّف وقام بدفنهم أحياء.
ولم يكن تشين متوافقا مع التعاليم الكونفوشية، وكان خوفه من الفكر والمفكّرين متجذّرا. وممّا يؤثر عنه قوله: لا نريد أن نسمع الناس ينتقدون الحاضر بالرجوع إلى الماضي. الماضي لا صلة له بالموضوع. لذا يمكن حرق الكتب ودفن أهل العلم، خاصّة أولئك الذين يهوون الانتقاد".
بعض المؤرّخين المعاصرين يرون شبها بين الصين اليوم وما كانت عليه في عهد تشين. فالحزب الشيوعي يتسامح مع النقاش حول الأمور التكتيكية والتفصيلية، لكن ليس حول الاتجاه العام أو السياسات الأساسية.
في عام 1974، عثر مزارعون كانوا يحفرون بئر ماء في شيان بمقاطعة شانسي على ثمانية آلاف جنديّ مصنوعين من الطين، مع عرباتهم وخيولهم وأسلحتهم. وكانت التماثيل قد دُفنت في أربع حفر كبيرة ومتجاورة حوالي عام مائتين قبل الميلاد. وقد اجمع علماء الآثار على أن هذا الكنز الأثريّ يصوّر جيش الإمبراطور المؤسّس تشين تشى هوانغ. ويبدو أن تشين أمر بصنع هؤلاء المقاتلين كي يوفّروا له الحماية في الحياة الآخرة، أو هكذا كان يعتقد. وقد أصبح هذا الموقع مصنّفا ضمن مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو.
في الصين الشيوعية، تبنّى الحزب النموذج الإمبراطوري، أي الإمبراطور الحاكم المطلق. كان الحزب يرى بأن الطريقة المثلى والوحيدة لحكم امبراطورية ضخمة ومترامية الأطراف كالصين هي اعتماد أقصى درجات القسوة.
وفي ذروة احتدام الثورة الثقافية، خاطب ماو تسي تونغ كوادر الحزب قائلا: لقد دفن تشين تشى هوانغ أربعمائة وستّين عالما وهم أحياء. وقمنا نحن بدفن ستّة وأربعين ألف عالم. وأنتم – المثقّفين - تلعنوننا لأننا نتصرّف مثل تشين. لكنّكم مخطئون. فقد تجاوزنا تشين هوانغ بمئات المرّات".
منذ موت ماو في سبتمبر من عام 1976، يتمّ إنزال جثمانه كلّ ليلة داخل نعش من الكريستال في مصعد إلى قبو مقاوم للزلازل تحت الأرض. وفي الصباح يعاد الجثمان إلى مكانه مرّة أخرى.
ترى لو رأى تشين تشى هوانغ ضريح ماو، هل كان سيُسرّ ويُعجب به؟ ضريح هوانغ نفسه يضمّ، بالإضافة إلى جيش الطين، أوركسترا كاملة من الأدوات الموسيقية ومناظر لطبيعة نهرية مع طيور غرانيق وبجع وإوز. بإمكانك أن تقول إن هذا الرجل القويّ والعنيف كان يختبئ وراء القبر طوال هذه الآلاف من السنين.
تشين وماو ما يزالان يعيشان بقوّة في مخيّلة الصينيين من خلال وجودهما الجسدي. لكنّ الصين ظلّت دائما أكبر من أباطرتها.
عندما مات الإمبراطور تشين، استمرّ حكم سلالته بعده لأشهر معدودة فقط.، وما بقي هو فكرة الصين نفسها. وعندما مات ماو، قال خلفاؤه إن إشعاع أفكاره سيدوم إلى الأبد. لكن ماو ذهب هو أيضا. وعلى الرغم من الحشود في مكان ضريحه، إلا أنه يندر هذه الأيّام أن تجد أحدا يذكر الماويّة أو يتحدّث عن أفكارها أو يردّد شعاراتها.

Monday, August 26, 2013

حكايات صينية 1 من 3

احد الأشياء المثيرة للاهتمام في التاريخ الصيني هو الطريقة التي يصبح بها البشر آلهة أو مخلوقات قريبة من الآلهة. ومفهوم ولاية السماء في الثقافة الصينية ينطوي على فكرة مؤدّاها أنه إذا كان الحاكم جيّدا فإن السماء تُسرّ لذلك وكلّ شيء يسير على ما يرام. وإن كان سيّئا فإن السماء تُظهر استياءها من خلال الزلازل والفيضانات وغيرها من كوارث الطبيعة التي تُعتبر مؤشّرات على وجوب إطاحة الحاكم وتغييره.
في القرن الخامس قبل الميلاد، كان لدى أوربّا سقراط، وكان لدى الصين كونفوشيوس. وكلا هذين الفيلسوفين كانا منشغلين بالتنظير عن الأخلاق وعن طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود بين الفرد والدولة.
وقد اعتاد كثير من الناس على أن ينظروا إلى كونفوشيوس باعتباره الشخص الذي وضع حجر الأساس للفلسفة السياسية الصينية، مع انه إنّما كان يعيد تشكيل أفكار كانت قد أخذت في التبلور على مرّ قرون عديدة.
معلّم كونفوشيوس، وربّما أبوه الروحي، كان شخصا يُدعى الأمير جو. كان هذا الأمير رجل فكر ودولة. وقد اقترن اسمه بتأسيس سلالة جو التي حكمت الصين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد.
في زمن الأمير جو وتحت سلطة شقيقه، كانت هناك في شمال الصين مدن ونظم للزراعة والتجارة. لكن لم تكن قد ولدت امبراطورية بعد، لأن حكم مملكة كان يتطلّب الكثير من المهارة والذكاء.
وبعد وفاة أخيه، أصبح جو يتصرّف كوصيّ على العرش. وفور أن بلغ ابن أخيه مرحلة النضج بادر إلى تسليمه السلطة.
النبل والسماحة اللذان أبداهما الأمير جو وهو يسلّم السلطة لابن شقيقه أكسبته إعجاب المؤرّخين، كما جعلته يبدو في أعين الناس كنموذج للخيريّة والإيثار طوال تاريخ الصين.
وما فعله هذا الأمير لم يكن يشبه بحال ما كان يفعله أعمام الملوك وأشقّاء الأباطرة وأراملهم ومحظيّاتهم الذين كانوا في الغالب يتصرّفون بشكل سيء عندما يتعلّق الأمر بتوريث السلطة.
وتاريخ صعود وسقوط السلالات الحاكمة في الصين مليء بالقصص المروّعة عن سفك الدماء والموت لأسباب غامضة والرؤوس المقطوعة والأطفال الرضّع الذين يموتون خنقا والأشقّاء والأقارب الذين يُلقى بهم في أسفل الآبار والملوك الذين يموتون بالسمّ، وبقصص عن عائلات أعدمت بأكملها ومنافسين على السلطة مُزّقت أجسادهم إربا.
لكن الأمير جو نجا من هذا المصير الرهيب. وهذا ما جعل منه شخصا مفضّلا عند أتباع كونفوشيوس. كان الإخلاص والالتزام بالعهد وإظهار الاحترام للأسلاف أمورا تقع في قلب الفلسفة السياسية عند هؤلاء. وقد اعتبروا ما فعله جو مع ابن أخيه نزولا من الأوّل على رغبة السماء. كانت ولاية السماء هي الفكرة الكبيرة التي رسّخها الأمير. وكانت تقتضي من الحاكم أن يصبح قدوة وأن ينشر الفضيلة في الأرض ويتناغم مع المقدّس. وفشَلُ الملك في أن يحكم بطريقة عادلة كان يعني نهاية ذلك التناغم الذي لا يمكن استعادته إلا بخلع الملك واختيار آخر.
منذ ثلاثة آلاف عام، وضع الأمير جو للصين قدوة متوهّجة ومثالا للفضيلة أوضحه في فلسفته عن الحاكم المتناغم مع السماء والتي ألهمت كونفوشيوس. وقد كتب الأخير قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام يقول: الحاكم الذي يسوس رعيّته بالفضيلة هو أشبه ما يكون بنجم الشمال الذي يحافظ على مكانه بينما تدور حوله كلّ النجوم".
عندما كتب كونفوشيوس هذه الكلمات كان في ذهنه الأمير جو الذي كان أوّل شخص يخطو خارج منطقة الأسطورة ليدخل التاريخ الحقيقيّ للصين.
الأمير جو يعود إليه الفضل أيضا في إنشاء الطقوس الإمبراطورية، وهي عملية عزّزها كونفوشيوس نفسه الذي ساعد على جعل الصين أمّة طقوسيّة. وما يزال الكثير من هذه الطقوس قائما إلى اليوم. وهي تعبّر في الغالب عن مكانة الشخص في المجتمع أو داخل الأسرة. وليس هذا بالمستغرب، إذ تؤكّد التعاليم الكونفوشية على وجوب أن يطيع الابن والده وأن تطيع الزوجة زوجها.
ومن الأمور الأخرى المهمّة التي ركّزت عليها الكونفوشية واجب الأسلاف على الأحياء. وعبادة الأسلاف في الصين أمر مهم جدّا، لأن الصينيين لا يدينون بدين ولا يؤمنون بإله. غير أنهم جميعا يعبدون الأجداد. وإذا كنت ترغب في ترسيخ مكانتك في المجتمع، فيجب أن يكون لك سلف جيّد، كما ينبغي أن تحتفظ بعلاقة طيّبة مع ذلك السلف.
بالنسبة لكونفوشيوس، كان الأمير جو هو ذلك السلف الصالح بامتياز. كان كونفوشيوس يتطلّع إلى الوراء؛ إلى الأجداد الأسطوريين، لاستخدامهم كنماذج يشكّل من خلالهم أمّة وثقافة الصين.
لكن في عام 1949، حدثت ثورة في الصين. وكانت أوّل خطوة للثوّار تدمير ثقافة كانت تقوم على تبجيل الأسلاف وتعلّم الدروس من حكمهم المثالي.
كان الشيوعيون بزعامة ماو مصرّين على تدمير ماضي البلاد، ومعه نظام العائلة والدين والعادات والتقاليد. وكان ماو يؤمن بأن السلطة السياسية تولد من فوهّة البندقية وأن على الإنسان أن يحاول تعليم أولئك الذين يختلفون معه. لكن إن فشل في تعليمهم فيجب عليه أن يدمّرهم".
على مدى قرن كامل قبل ماو، ظلّت الصين تعاني من احتلال أجزاء متزايدة من أراضيها من قبل المستعمرين الغربيين واليابانيين. وللمرّة الأولى في التاريخ، كانت هذه الحضارة العريقة والواعية تشعر بالبؤس والتخلّف.
وقد بدا للعديد من الصينيين أن فلسفتهم القديمة كانت جزءا من المشكلة وسببا في تخلّف بلدهم. لذا أمر ماو الصينيين بأن يديروا ظهرهم لتعاليم كونفوشيوس. وكان أوّل ما فعله الشيوعيون بعد استيلائهم على السلطة عام 1949 هو إلقاء كونفوشيوس والأمير جو من النافذة.
وفي عام 1966، أي في ذروة ما سُمّي بالثورة الثقافية، اكتسح عشرة ملايين من أفراد الحرس الأحمر بيجين ودمّروا الآلاف من الآثار والمعابد والتماثيل وحرقوا الكتب والتحف والقطع الفنية وحطّموا كلّ ما استطاعوا العثور عليه من تاريخ وتراث الصين.
لكن عندما توفّي ماو بعد ذلك بعشر سنوات، ماتت معه الثورة الثقافية والهجوم على التاريخ. وكان هذا هو الوقت المناسب كي تعود الصين إلى البدايات.
بعد انتهاء الثورة الثقافية، كانت الحكومة الصينية، وكذلك الشعب، بحاجة ماسّة إلى ايديولوجيا جديدة، بعد أن تسبّبت فلسفة ماو وأفكاره في إحداث ضرر فادح بالبلاد. لذا جاءت الكونفوشية بهدوء لتملأ الفراغ من جديد.
واليوم عاد كونفوشيوس إلى مكان الصدارة في الصين. كما استعاد الأمير جو شعبيّته أيضا. والكثير من الناس يتحدّثون الآن عن الأمير وعن عبادة الأسلاف وعن نظام ولاية السماء بطريقة أكثر إيجابية، ما يعكس تغييرا في تفكير المجتمع.
وهناك من يرى أن السبب في أن هذه الحقائق والأفكار البسيطة عاشت بعد كلّ هذه الألوف من السنين هو أنها ساعدت أجيالا عديدة من الصينيين على فهم الطبيعة والثقافة التي شكّلتهم وعلى ألا يفرّطوا في هويّتهم حتى في مواجهة التغييرات الاجتماعية الهائلة.
ولا يكاد يمرّ شهر دون أن تفتتح الحكومة الصينية معهدا لكونفوشيوس في مكان ما من العالم لتعليم اللغة والثقافة الصينية ولإبراز القوّة الناعمة للصين. وهناك الآن ما يقرب من ألف معهد في أكثر من مائة بلد حول العالم.
وعلى مقربة من مقرّ الحزب الشيوعي في بيجين، يقوم تمثال لكونفوشيوس يظهر فيه وهو يحدّق في الجموع بطمأنينة. وفي مكان ما من عالم الروح، يلوح خيال الأمير جو وهو يبتسم من وراء عباءته المرصّعة باليَشَب الأخضر.