:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, June 10, 2017

إن لم ... فمَنْ..؟


في البداية، تحتار كيف تصنّف هذا الكتاب. لكن يمكن القول إجمالا أنه مزيج من السيرة الذاتية والتجارب الشخصية والعملية والأحداث والشخصيات والمواقف التي مرّ بها المؤلّف في حياته وأسهمت في تشكيل رؤيته ونظرته للحياة.
والكتاب مصاغ بلغة مختزلة ومركّزة، لكنها سهلة، سلسة، أنيقة وفيها شاعرية. كما انه يتضمّن الكثير من الإشارات المضيئة والوقفات الموحية التي لا تخلو من روح الفلسفة والفكر المتأمّل والعميق.
وقد اختار سموّ الأمير خالد الفيصل أن يستهلّ كتابه بهذه العبارات الجميلة والعميقة الدلالة:
لماذا اكتبني لتقرأني؟ لماذا أشرحني لتفهمني؟".
ويجيب: لأنني منك وأنت منّي، وكلانا بأغنية الوطن يغنّي".
ثم يشير إلى أن فكرة الكتاب ظهرت عندما ألحّ عليه الكثيرون بالكتابة، فاعتذر مرارا، وفي النهاية استجاب لرغبتهم وقرّر أن يكتب.
ويؤكّد الفيصل على انه ليس عالما ولا مؤرّخا ولا منظّرا، كما انه لم يخطّط لمستقبله. "أنا نبتة هذه الأرض ومواطن هذا الوطن، آمنتُ بالقدر وعايشتُ الحياة واستمتعتُ بالتحدّي".
والكتاب مقسّم إلى عدّة أبواب، وكلّ باب يتناول موضوعا أو جملة من المواضيع والأحداث التي كان الأمير مشاركا فيها أو شاهدا عليها. وفي سياق كلّ موقف أو حدث، يُورد قصيدة أو جزءا من إحدى قصائده تتناغم مع سياق القصّة أو الحدث. "ناغمت الحروف حتى تغنّي بالمعاني، ورسمت الحياة نورا وظلا وألوانا".
ثم يسرد المؤلّف بدايات رحلته منذ ولادته في حارة الباب في مكّة المكرّمة، إلى أن انتقل وهو طفل بمعيّة والدته إلى الأحساء، ومن هناك إلى الظهران فالرياض ثم جدّة فالطائف.
ولا بدّ وأن يستوقف القارئ وصف الأمير للقائه الأوّل بجلالة الملك المؤسّس عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود أثناء زيارته للأحساء. وهو يصفه لحظة نزوله من الطائرة فيقول: عبدالعزيز، هذا الرجل الذي لم أرَ مثله، رجل شامخ القامة، رفيع الهامة، في وجهه صرامة، وفي شفتيه ابتسامة، وفي نظرته شجاعة وشهامة".
ثم يحكي الفيصل عن قصّة ذهابه إلى الولايات المتّحدة للدراسة في جامعة برنستون والصداقة التي ربطته هناك بالمؤرّخ المشهور فيليب حتّي. ثم يتحوّل للحديث عن قصّة التحاقه بجامعة أكسفورد في لندن. ويتذكّر أوّل درس تلقّاه في تلك الجامعة العريقة أثناء جلسة جمعته مع أستاذ الفلسفة فيها.
وفي احد أبواب الكتاب، يتطرّق الأمير خالد الفيصل إلى دور الصدف في حياة الإنسان وكيف أنها تسهم إسهاما كبيرا في تحديد اتّجاهه في الحياة. ثم يُتبع حديثه بهذه الأبيات الجميلة والمعبّرة:
"الله يسامح زماني كيف سوّى بي
لا هو تركني على حالي ولا طابِ
غيّر حياتي ولا كانت على الخاطر
أبي سهلها وهو عرّض بي هضابِ".
ثم يتحدّث المؤلّف عن عودته إلى المملكة وتكليفه بالمسئولية عن رعاية الشباب وعن لقاء له مع الشيخ المرحوم علي الطنطاوي. وبعدها يتناول تجربته كأمير لمنطقة عسير التي كانت واحدة من أهم تجاربه العملية. "ذهبت إلى عسير لأبقى ثلاث سنوات، وبقيت 37 عاما كانت حافلة بكلّ شيء، من أوّل يوم حتى اليوم الأخير".
ويشير الأمير خالد الفيصل إلى انه ذُهل من جمال المنطقة حال وصوله إليها، إذ لم يكن يصدّق بأن في المملكة العربية السعودية مثل هذه المناظر. وهو يصف بعض ما رآه هناك بأسلوب الشاعر والفنّان. "جبال تكسوها الأشجار ويغطّيها السحاب ويلاحقنا فيها الضباب. هواؤها عليل، ومنظرها جميل، وقطرات الندى على الزهور تسيل".
ثم يتوقّف للحديث عن المشاريع التنموية الكبيرة والعديدة التي أنجزت في تلك المنطقة وعن بعض المعوّقات التي اعترضتها، من قبيل بعض الأفكار الضالّة والمغالية التي ظهرت على حين غفلة في بلد يتّخذ من القرآن والسنّة دستورا له.
وفي باب آخر من الكتاب، يتحدّث الفيصل عن تعيينه أميرا لمنطقة مكّة المكرّمة، وعن مشروع ثقافة الأمل والتفاؤل الذي تبنّاه في مواجهة ثقافة تحاول إشاعة اليأس والإحباط في المجتمع. كما يتطرّق إلى بعض جوانب المشروع الفكريّ الثقافيّ الذي تمّ تأطيره بشعارات وطنية تركّز على احترام النظام والتركيز على منهج الوسطية والاعتدال.
ثم يتحدّث عن مشروع إحياء سوق عكاظ الذي أصبح اليوم معلما حضاريّا وثقافيّا وتراثيّا وسياحيّا. ويشير إلى أن المشروع كان في الأساس فكرة الملك فيصل، ثم دخل حيّز التنفيذ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله.
وبعد ذلك يتحدّث الأمير عن فترة تولّيه وزارة التربية والتعليم، ويتوقّف عند تغييره مفهوم الوزارة من التركيز على التعليم إلى التركيز على التعلّم ومساعدة الطلاب على اكتشاف مواهبهم وصقلها.
احد أكثر أجزاء هذا الكتاب إمتاعا وعمقا هو ذلك الذي يتحدّث فيه الأمير خالد الفيصل عن ثقافة السؤال وهل يتشكّل الإنسان فكرا. "سألت نفسي أين كان السؤال في طفولتي، بل في طفولة جيلي، حذّرونا من السؤال فانتهينا، ونهرونا فامتنعنا، والتزمنا فسكتنا وجهلنا. وبعد عمر اكتشفت أن للسؤال ثقافة، ووجدت أنني خسرت بعدم السؤال أكثر بكثير مما خسر غيري بالجرأة على طرح السؤال".
ثم يثير الأمير أسئلة فلسفية عن التجارب التي تشكّل أفكار الإنسان، وهل المجتمع هو من يصوغ نظرة الإنسان إلى الحياة، أم الأصدقاء، أم مجالس الناس، أم العادات والتقاليد، أم الفطرة؟ وهل تولد شخصية الإنسان معه أم تتشكّل مع مرور الأيّام وتوالي الأحداث والمواقف والتجارب؟.
في الأجزاء المتبقيّة من الكتاب، يتناول المؤلّف مواضيع مختلفة مثل تجربة إصدار صحيفة الوطن في أبها وإنشاء مؤسّسة الملك فيصل الخيرية ومؤسّسة الفكر العربيّ. كما يُفرد صفحات للحديث عن شخصيّة المغفور له الملك فيصل. "لم اسمع منه يرحمه الله كلمة قاسية وجّهها لأحد أبنائه أو تأنيبا ظاهرا أو أمام الناس، بل ولم اسمعه يوما يتلفّظ بكلمة نابية على احد، لا في بيته ولا في مكتبه".
كتاب (إن لم ... فمن..؟!!) هو عبارة عن إلماحات سريعة ومكثّفة عن محطّات بارزة في حياة الأمير خالد الفيصل الفكرية والعملية الحافلة بالكثير من الانجازات والتجارب الإنسانية الثريّة والمهمّة.
وعنوان الكتاب قد يبدو غريبا بعض الشيء، لكنه مقصود لأنه يستثير القارئ على التفكير في كلمات يملأ بها النقاط الفارغة في العنوان. وخالد الفيصل، بحكم كونه شاعرا وفنّانا ومثقّفا أيضا، ربّما أراد أن يقول إن لم نعمل فمَن إذن؟! وبعبارة أوضح، إن لم نخدم وطننا ونعمل على رفعته وازدهاره، كلّ في موقعه، فمَن يفعل؟!
أيضا العنوان على الغلاف الخارجيّ للكتاب "كتاب ليس فيه أنا" عنوان معبّر ويصحّ أن يكون تكملة للعنوان الرئيسيّ. كأنّما أراد الفيصل من خلاله أن يؤكّد على قيمة العمل الجماعيّ، لأن الإنسان لوحده، ومهما فعل أو أنجز، إلا انه في النهاية مجرّد فرد في جماعة وجزء من كلّ. وكلّ مشروع عظيم هو في النهاية محصّلة لجهد مجموعة من الأفراد. واختيار هذه العبارة كعنوان فرعيّ للكتاب ينمّ عن وعي عال وحكمة وتواضع وبُعد نظر، لأنه يدعو ضمناً إلى نكران الذات ونبذ التفكير الأنانيّ وإعلاء قيمة الجهد المؤسّسيّ وذهنية الفريق.

Tuesday, June 06, 2017

الصيد في غابة ليليّة

كلّ تفصيل في هذه اللوحة غير العاديّة يضجّ بالحركة والنشاط. فالكلاب تجري وتتقافز في كلّ اتجاه، والجياد تعدو متحفّزة ما بين إقبال وإدبار، والبشر يتدافعون ويتصايحون في صخب وفوضى. وكلّ هذا يحدث في غابة مظلمة.
الصيّادون الذين يعتلون ظهور خيولهم ويرتدون ملابس حمراء وسوداء يبدون في حالة تردّد أو تراجع، بينما يرقبون حركة الكلاب وهي تنطلق في الظلام خلف فرائسها من الغزلان إلى ابعد مسافة في أعماق غابة الليل هذه.
ومصدر الضوء في المشهد غير واضح، لكن يُفترض انه نور القمر الذي لا نراه أو الشموع. والسماء التي يظهر جزء منها فوق قمم أشجار السنديان تصطبغ بزرقة داكنة. والثراء العامّ للمنظر تعزّزه الألوان الساطعة والأنيقة، خاصّة ألوان معاطف الصيّادين الحمراء والبرتقالية.
هذه هي ايطاليا عصر النهضة. وهذه المجموعة من أثرياء فلورنسا يقوم على خدمتهم في هذه الغابة أشخاص مسلّحون برماح حادّة، ومهمّتهم على ما يبدو هي جمع وعزل حيوانات الغابة كي يسهل اصطيادها.
هذه اللوحة تمثّل نوعية نادرة وغير مألوفة في الرسم. ومن الواضح أن ما نراه هو مشهد متخيّل. وعدم واقعية الصورة يسهم أكثر في غموضها وسحرها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يكون الرسّام قد أودعه فيها من معان وإشارات خفيّة.
كان باولو اوتشيللو احد أوائل رسّامي القرن الخامس عشر الذين استخدموا المنظور في لوحاتهم. ولتقريب فكرة ما الذي يعنيه المنظور في هذه اللوحة يكفي أن تنظر إلى وسطها، أي إلى المساحة التي يتحرّك فيها الأشخاص الراجلون والكلاب والغزلان، لتلاحظ أن الأشياء والأشخاص والأشجار تتضاءل شيئا فشيئا كلّما ابتعدَتْ باتجاه أعماق الغابة المظلمة.
الساحة المثلّثة في وسط المنظر تتراجع باتجاه نقطة متلاشية في عمق الظلام، ما يضفي على المشهد شيئا من الرهبة والغموض.
كان اوتشيللو مفتونا كثيرا بهذا الأسلوب الجديد في تصميم الصور. وفي هذه اللوحة، هو لا يُظهِر فقط التأثيرات البصرية، وإنما أيضا التأثيرات الشاعرية والانفعالية للمنظور الذي يمنح ليل الغابة هذا الجمال والروعة.
كان الصيد وما يزال هواية ارستقراطية لها طقوسها الخاصّة. وفكرة الصيد ليلا ليست بالفكرة الواقعية أو العملية، لكنها في اللوحة لا تخلو من روح دعابة ومن رمزية ما.
كان اوتشيللو رسّام طبيعة، وهو من أوائل الرسّامين الذين ابتكروا المنظور الرياضيّ. ومن الواضح انه صمّم اللوحة بعناية ووضع خطوطها الأفقية والعمودية من خلال رسومات أوليّة.
وقد استخدم طبقة مكثّفة من الطلاء الأسود ليغطّي به المناطق التي سيعود إليها لاحقا ليضيف إليها درجات متفاوتة من الألوان الخضراء.
أما جذوع الأشجار والأشخاص والحيوانات فقد تركها كظلال بيضاء مقابل الخلفية الداكنة، ما أنتج هذا الضوء الأخّاذ المنعكس على كلّ شيء وكأنه من عالم آخر.
وهناك أيضا آثار من اللون الذهبيّ التي وضعها الرسّام على النباتات والأشجار لجعلها تتوهّج بالضوء.
في الحقيقة، لا أحد يعرف لماذا رسم اوتشيللو هذه اللوحة وما إذا كانت بالفعل تعكس تجربة حقيقية أو أنها ترجمة لقصيدة أو حتى لقصّة ما.
لكن قيل أنها رُسمت كي تزيّن مكانا ما في اوربينو أو فلورنسا، قد يكون قاعة عامّة أو قصرا تابعا لأحد رعاة الرسّام.
وقيل أنها تمثّل احتفالا فروسيّا، أو صورة رمزية لعاشق يقتفي اثر حبّ لا يمكن بلوغه. وقد تكون اللوحة رُسمت كهديّة لعروسين ثريّين.
لكن أيّاً ما كان سبب رسمها، فإن هذه اللوحة تظلّ أصليّة ومتفرّدة جدّا، سواءً من حيث كونها تصويرا لطبيعة ليلية أو بوصفها توليفاً شُيّد بطريقة رائعة.

Credits
paolouccello.org
ashmolean.org