:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Wednesday, September 16, 2020

عن الكتب والقراءة

جمع الكتب لغرض بناء مكتبة خاصّة هو حلم الكثير من الناس، لأن الكتب - والقراءة استطرادا - تثري العقل وتربط البشر بعضهم ببعض وتتناول قصصا صاغت مسيرة الإنسانية على مرّ قرون.
والمكتبة الخاصّة تحكي عادةً قصّة صاحبها ونوعية الكتب التي يقرؤها، ويمكن أن تقول عنه أشياءً قد لا يكشفها حديث طويل معه. كما أننا من خلال الكتب نسافر وتتغيّر هيئاتنا ونعثر على طبيعتنا الحقيقية.
في بيتنا خزانة كتب صغيرة تحتوي على حوالي ثلاثمائة كتاب، وهو رقم متواضع جدّا ولا يرقى لوصفه بالمكتبة الخاصّة. لكن عدد الكتب ليس ثابتا، بل يزيد حينا وينقص أحيانا. والسبب يعود إلى طبيعتي، فأنا لا أمانع في أن يستعير احد منّي كتابا أو أكثر، مع أنني افهم أن الكتاب المستعار نادرا ما يُردّ.
وكثيرا ما أهديتُ كتبا لصديق أو قريب، لأنني لا أؤمن بجدوى أن احتفظ بكتاب بعد أن أكون قد قرأته، والأفضل أن تهديه لغيرك كي يقرأه ويستفيد منه، وبذا تسهم في نشر وتعميم المعرفة.
والحقيقة أنني لا أتذكّر أنني قرأت كتابا فأعجبني إلا وأهديته إلى صديق أو زميل فور انتهائي من قراءته. ويندر أن اقرأ كتابا أكثر من مرّة رغم ما يقال أحيانا عن فوائد القراءة الثانية (لكن هذا حديث آخر).
هناك شيء فاتن على نحو ما في المكتبات الخاصّة وما يمكن أن تقوله عن أصحابها، خاصّة إن كانوا من المشاهير. الكاتب الأرجنتيني بورخيس تحدّث عن هذه الجزئية ذات مرّة في كتابه المشهور "مكتبة بابل". كما تناولتها الكاتبة آذر نفيسي في كتابها "أن تقرأ لوليتا في طهران". وتحدّث عنها أيضا البيرتو مانغويل في جميع كتبه وخاصّة في "المكتبة في الليل".
ومثل هذه النوعية من الكتب تقول لك الكثير عن حياة بعض القرّاء المشهورين ومتى يقرؤون أو يكتبون وما معنى أن تكون قارئا في المقام الأوّل.
وهناك اليوم اتجاه جديد ومتصاعد يتمثّل في حديث نجوم المجتمع عن الكتب التي يقرؤونها. ربّما كان هذا الأمر موجودا من قبل لكنه كان غير منظور، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتكشف عنه أكثر.
وأصبح من المألوف هذه الأيّام أن يظهر بعض المشاهير على التلفزيون ليتحدّثوا من أمام مكتباتهم المنزلية. ومن هؤلاء الأمير الإنغليزي تشارلز الذي ظهر مؤخّرا وهو يقرأ كتابا عن حياة وفنّ جورج ستبس رسّام الخيول المشهور في القرن الثامن عشر.
أن يكون لديك مكتبة خاصّة فكرة روّج لها المجتمع بحجج عديدة، منها أن حبّ الكتب والقراءة مسألة أخلاقية، بينما في الحقيقة لا علاقة حتمية للأخلاق بالقراءة، لأن القراءة لا تنتج أشخاصا طيّبين أو صالحين بالضرورة.
ولو حدث وقابلت شخصا جاهلا أو متغطرسا ولديه نظرة سلبية ومؤذية عن العالم فإن أوّل ما ستفترضه انه لا يقرأ. غير أن هذا ليس معيارا سليما دائما لتقييم طبائع الناس. فهناك أشخاص يقرؤون كثيرا وهم أذكياء ولكن بلا أخلاق أو قيم.
ويقال أحيانا انه لكي تستحقّ أن يُطلق عليك لقب جامع كتب، يجب أن يكون لديك مائة ألف كتاب على الأقلّ.


كارل لاغرفيلد، الاسم المشهور في عالم الموضة والأزياء، قيل انه كان مدمنا على القراءة وكان يمتلك في مكتبته المنزلية أكثر من ثلاثمائة ألف كتاب. وقبل خمس سنوات قال انه لم يعد مهتمّا سوى بجمع الكتب وأنه لم يبقَ في بيته فراغ يسع المزيد منه.
ومكتبة لاغرفيلد تضمّ كتبا بالفرنسية والألمانية والإنغليزية. ولكي يوفّر فراغا إضافيّا في بيته، قام برصّ الكتب بطريقة تجانبية، أي أفقيّا وليس عموديّا.
والحقيقة أن جمع الكتب لا يقتصر على فئة اجتماعية دون غيرها. فحتّى الفنّانين والفنّانات يقرؤون ويجمعون الكتب.
المغنّي مايكل جاكسون الذي كان يُلقب بملك البوب كان خلال حياته ملكا للكتب أيضا ومحبّا للقراءة وزبونا دائما للمكتبات. وكان يحتفظ في مكتبته بعشرة آلاف كتاب.
كان كاتبه المفضّل رالف ايمرسون. ولو زرت مكتبة جاكسون اليوم لرأيت الأماكن التي كان يفضّل الجلوس فيها في بيته، ولوجدت في مكتبته كتبا ما تزال علامات القراءة بين صفحاتها.
وهناك اليوم فنّانون كثر يزوّدون متابعيهم في شبكات التواصل بمعلومات منتظمة عن مكتباتهم الشخصيّة المليئة بالكتب، وينشرون على حساباتهم من وقت لآخر صورا للكتب التي يقرؤونها والأماكن التي يقرؤون فيها في منازلهم.
المخرج السينمائي جورج لوكاس أسّس في نهاية الثمانينات مكتبة تحتوي على سبعة وعشرين ألف فيلم وكتاب وصورة ودوريّة. ومكتبته ليست مفتوحة لعامّة الناس، بل للبعض فقط. وقد زارها من قبل كاري غرانت وهيتشكوك وكلينت ايستوود وغيرهم.
والمفكّرة الألمانية هانّا آرندت كان في شقّتها في نيويورك، حيث عاشت إلى حين وفاتها عام 1975، حوالي أربعمائة كتاب. كانت قراءاتها أدبية في الغالب. ومثل هذا العدد الذي قد يبدو متواضعا كان في مكتبة فرجينيا وولف أيضا.
ذات مرّة، قال توماس جيفرسون: لا استطيع أن أعيش بلا كتبِ". وطبقا لمكتبة الكونغرس فإنه عندما احرق الإنغليز العاصمة واشنطن عام 1814، كان جيفرسون قد بنى اكبر مكتبة شخصية في أمريكا.
وكانت مكتبته تحتوي على أكثر من ستّة آلاف كتاب. وقد باعها إلى الكونغرس مقابل خمسة وعشرين ألف دولار. ثم بدأ جمع الكتب من جديد. وباع المجموعة الجديدة عام 1829 لكي يسدّد بثمنها ديونه.
في السنوات الأخيرة، شاعت عادة تأليف بعض المشاهير لكتب أو مذكرات شخصية يتحدّثون فيها عن حياتهم وانجازاتهم وأفكارهم. ويقال انه كثيرا ما يلجأ الشخص المشهور إلى كاتب مستعار كي يؤلّف كتابه ويكتبه بالنيابة عنه.
ومثل هذه الكتب تبيع جيّدا على ما يبدو ويُقبل الناس على قراءتها بداعي الفضول والرغبة في معرفة التفاصيل المجهولة والحياة الداخلية للنجم، مع أن بعضها في واقع الأمر قد لا تستحقّ ثمنها ولا الوقت الذي يمكن أن يُهدر في قراءتها. لكن هذا لا ينفي أن من المشاهير من لا تعوزهم القدرة ولا المعرفة لتأليف كتب عظيمة وملهِمة.

Credits
bookriot.com

Wednesday, September 09, 2020

لوحات ناقصة

في عام 1481، تلقّى ليوناردو دا فنشي تكليفا من بعض الرهبان بأن يرسم قصّة الحكماء الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيت لحم لرؤية المسيح الطفل. وبعد أن اعدّ الرسّام بعض الدراسات بدأ رسم اللوحة. لكن عمله فيها توقّف عندما كُلّف برسم "العشاء الأخير"، فترك اللوحة الأولى ناقصة ولم يعد لإكمالها أبدا.
والحقيقة أن فنّانين آخرين من عصور مختلفة مرّوا بنفس هذه التجربة، إذ يحدث أن يبدأ فنّان برسم لوحة معيّنة ثم يتخلّى عنها، إما لنقص المال، أو لانعدام الاهتمام أو الإلهام، أو لتدخّل الصدفة، أو لعدم القدرة على الذهاب إلى نقطة ابعد في الرسم، أو ببساطة لأن الرسّام توفّي فجأة.
بعد الثورة الأمريكية، ذهب الآباء المؤسّسون لأمريكا إلى باريس لعقد مفاوضات سلام مع فرنسا واسبانيا وانغلترا. وكُلّف الرسّام بنجامين ويست بأن يرسم تلك اللحظة التاريخية.
لكن الانغليز رفضوا الجلوس إلى الطاولة لرسمهم، وذلك لإحساسهم بالحرج بسبب هزيمتهم في الحرب. لذا رسم ويست المجتمعين وترك مكان الوفد الانغليزي على الطاولة فارغا لأنهم لم يكونوا هناك.
ورسّام البورتريه الأمريكي المشهور غيلبيرت ستيوارت الذي رسم صورا لأكثر من ألف شخصية، ترك بورتريه جورج واشنطن ناقصا.
وكان قد رسم للرئيس الأمريكي بورتريها ناجحا قبل ذلك. فكلّفته زوجة الرئيس برسم بورتريه ثانٍ له. لكن ستيوارت لم يستطع إكماله لسبب ما. ثم ظهر هذا البورتريه الناقص في ما بعد مطبوعا على ورقة نقدية من فئة الدولار.
ورسّام عصر النهضة الايطالي بارميجيانينو كُلّف ذات مرّة برسم صورة للمادونا وابنها (الأولى فوق). وكان هذا الرسّام معروفا بإتقانه وبراعته. وظلّ يرسم اللوحة إلى أن مات فجأة عام 1540 دون أن يكملها.
وقد قرّر راعيه أن يعلّق اللوحة في الكنيسة كما هي وأمر بأن تُكتب عليها عبارة تقول: القدر المحتوم منع الرسّام من إكمال هذه اللوحة".
والرسّام الفرنسي بول سيزان ترك بعض أجزاء من لوحته "طريق العودة" ناقصة. وقيل إن اختياره لفرشاة غير مناسبة هو ما دعاه إلى ترك اللوحة عند تلك النقطة.
وقال آخرون إن ضعف بصره لم يسعفه في ملاحظة النقص في الصورة. وعندما عرف لم يرغب في أن يتلفها عملا بقاعدة أن القليل يغني عن الكثير.
بعض خبراء الفنّ يقولون إن عدم اكتمال بعض الأعمال الفنّية هو ما يعطيها قيمة وأهمية أحيانا. فهي مثيرة بسبب نقصها لأنها تكشف عن قصص لم يُقدّر لها أن تظهر. كما أنها تقدّم فكرة عن العملية الإبداعية للفنّان وعن السياق التاريخي للعمل، حتى عندما يكون النقص متعمدّا.
المسوّدة الضخمة للوحة "الحكماء الثلاثة" التي تركها دا فنشي ناقصة تقدّم مثالا عن النقص عندما يصبح أداة ثمينة يوظّفها مؤرّخو الفنّ ومدراء المتاحف لسبر أغوار العمل الإبداعي.


وبحسب بعض النقّاد فإن الصورة غير الكاملة تشبه الأشعّة التي تسمح لك برؤية ما وراء سطح اللوحة كالنُسخ المبكّرة والرسوم الأوّلية والمعمار المؤسّس للصورة.
لكن هناك سؤالا يثار أحيانا وهو متى يُعتبر عمل فنّي ما منتهيا فعلا، وهل يحتاج لأن يبدو منتهيا كي يصبح كاملا وذا معنى؟
معلّمو عصر النهضة مثل دوناتيللو وليوناردو وميكيل انجيلو وغيرهم تركوا لنا بعض أهمّ الأعمال الفنّية غير المنتهية. وليس مصادفة أن الأخيرين بالذات، وهما أعظم فنّاني ذلك العصر، تركا اكبر عدد من اللوحات غير المكتملة.
الصور الناقصة لليوناردو ورفاقه شكّلت سابقة للفناّنين في القرن السادس عشر وما بعده. فقد أصبح من قبيل الموضة أن يترك فنّانون أعمالهم غير كاملة، لدرجة أنه ظهر مصطلح جماليّ جديد هو "نون فينيتو" الذي يعني بالايطالية الصورة غير المكتملة.
وقد قيل إن ميكيل انجيلو وجد في وقت ما أن من المستحيل بالنسبة له أن يعبّر بما فيه الكفاية عن مفاهيم الفخامة والرهبة باستخدام يديه وعدّة النحت. لذا فقد تخلّى عن الكثير من أعماله، بل وأتلف بعضها خوفا من أن يبدو في أعين الناس اقلّ براعةً وإتقانا.
أما ليوناردو فمعروف انه كان يلزمه سنوات لإكمال قطعة فنّية واحدة، لأنه كان يعتقد أن الجودة تأخذ وقتا، وهذا هو السبب في أن معظم أعماله تُركت ناقصة.
في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أعلن بعض النقّاد أن بعض لوحات كلود مونيه (مثل اللوحة الثانية فوق) غير كاملة. واتّهم الناقد جون راسكين الرسّام جون ويسلر بأنه لا يرسم شيئا وإنما يكتفي بإلقاء الأصباغ في وجوه الجمهور.
وقد دافع بودلير عن الاثنين بقوله إن الكامل ليس منتهيا بالضرورة وإن المنتهي من حيث التفاصيل قد يفتقد إلى وحدة الشيء الكامل.
وهناك نظرية تقول إن للعمل الفنّي غير المكتمل أو الناقص جمالا فريدا يجعل الناظر يظنّ انه أكثر تلقائية وأكثر أصالة، كما انه يمسك أكثر بالحركة وبالجوهر الداخليّ للشخصية.
ويقول ناقد إن الصورة غير الكاملة تصنع تاريخا بسبب الظروف التي جعلتها تبدو ناقصة، كما أنها تعجب الناس أكثر من غيرها أحيانا لأنها تتيح رؤية الرسوم التمهيدية وأفكار الفنّان الحقيقية.
كان أفلاطون يرى أن الفن مجرّد وهم ويمكن أن يكون خطيرا إذا بدا حقيقيا أكثر ممّا ينبغي.
وفي مراحل مختلفة من تاريخ الفنّ ظهرت أصوات تدعو لإنتاج أعمال فنّية غير مكتملة، وكان ذلك انعكاسا لتغيّر أذواق الناس واختلاف معايير الجمال من عصر لآخر.
وهناك أعمال فنّية تُركت ناقصة عمدا مثل تلك لتي تحدّث عنها الروائي امبرتو ايكو واصفا إيّاها بالأعمال المفتوحة التي تعتمد بنيتها على عدم وجود نهاية. ويدخل ضمن ذلك أعمال بعض الموسيقيين مثل السيمفونية الناقصة لشوبيرت.
ورغم أن كثيرا من الفنّانين لم يكن في نيّتهم أن يرى الناس أعمالهم الناقصة، إلا أن تلك الأعمال تظلّ جديرة بالتقدير لأنها تقول لنا الكثير عن الروح الداخلية لأصحابها.
في عام 1998، بيعت لوحة للرسّام الهولندي بيت موندريان بـ 40 مليون دولار. وكان الرسّام قد ترك هذه اللوحة ناقصة إثر موته المفاجئ في نيويورك عام 1944.

Credits
artsheaven.com

Tuesday, September 01, 2020

مدن في البال

اسم هيرات يثير في الذهن صورة لمدينة تاريخية وثقافية بامتياز. وهي تشبه من بعض الوجوه سمرقند. ومثل الأخيرة، هناك سمة رومانسية تطبع تاريخ هيرات، مع أن تاريخها أكثر اضطرابا من تاريخ سمرقند.
عمر هيرات أزيد من ثلاثة آلاف عام. وقد وصفها هيرودوت بأنها سلّة خبز آسيا الوسطى. بينما وصفها العالمان الجغرافيّان المسلمان ابن حوقل والاصطخري بأنها مدينة مترفة ومتعدّدة الأديان، إذ تضمّ عددا من المساجد والكنائس والمعابد الزرادشتية.
وبدءاً من القرن العاشر الميلادي، توالى على حكم هيرات العديد من الأقوام، كالساسانيين والغزنويين والعرب والسلاجقة وغيرهم. وتعايشت فيها بسلام قوميات مختلفة، كالطاجيك والأوزبك والهزارا والهندوس والأرمن واليهود وغيرهم.
وأيّام طريق الحرير القديم الذي كان يربط أسيا بأوربّا، كانت هيرات محطّة تجارية مهمّة. وبسبب موقعها الجغرافي، اجتذبت العديد من التجّار والفاتحين في فترات مختلفة من التاريخ. فقد غزاها المغول ودمّروها بالكامل وذبحوا سكّانها وتركوها خرابة، بناءً على أمر من جنكيز خان.
وفي مرحلة تالية، اتّخذها التيموريون عاصمة لمملكتهم المزدهرة. وما تزال المدينة إلى اليوم تضمّ بقايا حضارات من فارس وتركيا واليونان وغيرها.
وتتميّز هيرات بتراثها الفنّي والثقافي الكبير. ففيها أكثر من ثمانمائة موقع اثري وتاريخي. كما أنها مسقط رأس العديد من الشعراء والكتّاب المشهورين، كالرسّام كمال الدين بهزاد والعالم التفتزاني والشاعر الفارسي نور الدين جامي والفيلسوف أبي بكر الرازي والرسّام محمّد الهيراوي، بالإضافة إلى الرسّامين رضا عبّاسي ودوست محمّد وغيرهم.
في حوالي عام 320 قبل الميلاد، انتزع الاسكندر المقدوني هيرات من الفرس الإخمينيين وأسّس فيها قلعة باسمه. لكن القلعة تعرّضت للدمار مرارا بسبب الحروب المستمرّة، إلى أن أُعيد ترميمها مؤخّرا.
وكانت القلعة تُستخدم في الماضي كإقامة ملكية وكمخزن للسلاح. وأدّت قرون من الصراع والإهمال إلى تدهورها، لكنها ظلّت معلما سياحيا مهمّا حتى السبعينات.
المسجد المعروف بمسجد الجمعة هو أعجوبة هيرات الدينية والثقافية. ويُعتبر أجمل مسجد، ليس فقط في هيرات، بل في عموم وسط وجنوب آسيا. وقد بناه السلطان غياث الدين الغوري عام 1200. وطوال ثمانمائة عام، كان عرضة لآثار الحروب والزلازل. وكان معروفا بموزاييكه البديع الألوان والذي تلاشى على مرّ القرون إلى أن أُعيد ترميمه حديثا.
ومن أشهر معالم هيرات الأخرى المنارات التيمورية الخمس وضريح الشاعر الصوفي عبدالله أنصاري المتوفّى عام 1098. وقد أمر ببناء الضريح شاه روك ابن تيمورلنك. كان أنصاري يُلقب بحكيم هيرات، وكان معروفا ببلاغته وبمعرفته الواسعة بالقرآن الكريم وعلوم الدين.
في القرن الخامس عشر، أُعيد بناء هيرات كعاصمة لآسيا الوسطى. وكانت قبل ذلك محكومة من شمس الدين كرت الذي ازدهرت في عهده العلوم والفنون، وأصبحت هيرات آنذاك تُعرف بلؤلؤة خراسان.


ذكريات هيرات كعاصمة للتيموريين في آخر أيّامهم ما تزال حيّة في الأذهان. وكان من أشهر أمرائهم الذين حكموا المدينة غياث الدين بيسونغور، الذي عُرف بكونه راعيا للفنون والآداب وخطّاطا بارعا وجامعا للكتب.
وهناك أيضا حسين ميرزا بايكارا آخر سلاطين هذه السلالة والذي كان هو أيضا محبّا للعلم والمعرفة.
ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، أي بعد اغتيال نادر شاه عام 1747، أصبحت هيرات مركز تَنافس إقليمي وصراع على السلطة دام مائة عام. ولم ينتهِ ذلك الصراع إلا عندما أعلن الفرس القاجار سيادتهم على المدينة عام 1857.
وقد التزم ملوك القاجار الأوّلون بالمحافظة على هيرات كجزء ممّا كانوا يسمّونه "ممالك إيران المحروسة" وتعاملوا معها كمنطقة حدودية ينبغي حمايتها.
وقد اتخذ الصفويون من هيرات عاصمة ثانية لهم وأسموها دار السلطان. لكن قبضتهم على أطراف الإمبراطورية سرعان ما تراخت، ما وفّر فرصة مواتية لقبيلة عبدالعلي الأفغانية للسيطرة على المدينة اعتبارا من القرن الثامن عشر.
ومع تحلّل الإمبراطورية الصفوية، بدأت حرب قبائل في المنطقة، أُلحقت هيرات خلالها بالمناطق التي حولها، إلى أن استولى عليها احمد شاه دُرّاني وضمّها إلى البلد الذي أسّسه حديثا، أي أفغانستان. لكن بسبب الصراعات التي نشأت داخل عشيرة دُرّاني، احتفظ القاجار بسيطرتهم الهشّة على هيرات.
في القرن التاسع عشر، كان عدد سكان هيرات حوالي مائة ألف يتشكّلون من ناطقين بالفارسية من مجموعات إثنية متعدّدة. وفي ذلك الوقت، وبفضل بازاراتها الكبيرة وقاعدتها الصناعية، أصبحت مركزا تجاريّا مهمّا بين الهند وكشمير وكابول وبخارى ويزد وخراسان.
في عصور هيرات الذهبية، لعبت النساء أدوارا مهمّة في الثقافة والفنّ. وهناك مدارس وأماكن كثيرة فيها سُمّيت على أسماء كاتبات وشاعرات، مثل مهري الهيراوي ونادية انجومان وغيرهما.
لكن أشهر امرأة في تاريخ هيرات هي جوهرشاد بيغوم التي عاشت في القرن الخامس عشر. كانت زوجة للإمبراطور التيموري شاه روك، وعُرف عنها شغفها بالفنون والآداب، كما كانت مستشارة عظيمة لزوجها ومعاونة له في شئون الحكم والدولة.
رغم تاريخها الطويل والمضطرب، ظلّت هيرات كالجوهرة الثمينة. لكنّها تغيّرت كثيرا في السنوات الأخيرة، فحلّت مباني الخرسانة محلّ البيوت الطينية البسيطة. لكن أهلها ظلّوا مضيافين وكرماء.
وأرض هيرات تنتج أكثر من خمسين نوعا من العنب الذي يُصدّر معظمه للخارج. وفي الماضي، كانت المدينة مشهورة بنبيذها المميّز. وهناك لوحة للرسّام بهزاد تُصوّر حفلة في حديقة يُقدّم فيها النبيذ.
ويجري في أرض هيرات نهر يُسمّى هاريرود، أي مياه الحرير، وهو يسهم إلى حدّ كبير في تخضير المدينة. كما تشتهر بينابيعها الطبيعية وبكونها مركزا مهمّا لإنتاج نوعية عالية من القماش المسمّى بالكشمير.


Credits
Yama Karimi & Aziz Ahmad Photography