:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, December 06, 2016

رحلة في عالم فيرمير


مايكل وايت شاعر وأستاذ جامعيّ أمريكيّ، عايش ظروفا عائلية صعبة بعد وفاة زوجته الأولى وطلاقه من الثانية، فحزم أمتعته وتوجّه إلى أمستردام على أمل أن يلتمس فيها بعض العزاء.
وبينما كان يزور متحف ريكس لمعاينة لوحات رسّامه المفضّل رمبراندت، وجد نفسه وجها لوجه أمام فيرمير، فتملّكه الشغف وأصبح مهجوسا بمناظر الأخير لدرجة انه قرّر أن يطوف متاحف العالم باحثا عن لوحاته.
ومحصّلة هذه الرحلة الطويلة هي هذا الكتاب الذي يمكن وصفه بأنه قطعة أثرية تذكّر بقصّة غرامية. انه ليس عن الرسم، بقدر ما هو عن الحبّ. وجزء منه هو وصف للرحلة، والجزء الآخر عبارة عن تأمّلات في معنى الفنّ.
في الكتاب يتحدّث المؤلّف عن قصّته الشخصية كشاعر، وكيف أصبحت لوحات فيرمير بالنسبة له مصدرا للسلوى والنسيان، كما يتحدّث عن زوجته الراحلة ووفائه لها.


قبل عشر سنوات عشتُ تجربة فريدة مع الرسم، وكنت قد مررت في ذلك العام بحالة من الاكتئاب والحزن جرّاء وفاة زوجتي الأولى ثم طلاقي من زوجتي الثانية. وبصراحة لم يكن في حياتي شيء على ما يرام، وساورني شعور قويّ بالهرب لأضع محيطا ورائي. لذا قرّرت أن آخذ أوّل طائرة إلى أمستردام.
وبحكم أنّني شاعر، لم يكن لديّ أيّة فكرة عن الفنّ. لكن كنت اعرف على الأقلّ أن رمبراندت هو رسّامي المفضّل. وقد ذهبت إلى متحف ريكس وأنا انوي أن استلقي في ضوء كلّ لوحة من لوحات رمبراندت التي سأجدها هناك. لكن في طريقي قرّرت أن آخذ نظرة عجلى على معرض فرعيّ صغير كان يعرض أربع لوحات ليوهانس فيرمير.
وأنا امشي إلى داخل الصالة الصغيرة، أتذكّر بوضوح أنني شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، كما كتبت في ما بعد في مذكّراتي بعنوان "أسفار مع فيرمير". وعندما وقفت مباشرة أمام اللوحات، خاصّة "خادمة الحليب" و"الزقاق الصغير" و"امرأة بفستان ازرق تقرأ رسالة"، وجدت أن اللوحات صغيرة بشكل لم أتوقّعه. لكن تأثيرها عليّ كان قويّا جدّا، لدرجة انه كان من الصعب عليّ أن أتحرّك أو أتنفّس.


"خادمة الحليب" بشكل خاصّ بدا أنها تثير نوعا من الوخز والإلحاح الذي استمتعت به حتى وإن كان مزعجا. وعلى الفور وخلال ثوان قليلة، عرفت أنني سأكتب عن فيرمير. وككاتب، لم اشعر أبدا بمثل ذلك اليقين أو الاقتناع من قبل، ولم اشكّ فيه أبدا. كانت هناك قوّة غريبة لا يمكن تفسيرها، كانت تناديني لأكتب، واستجبت لها.
لوحة خادمة الحليب تصوّر امرأة ممتلئة الجسم تصبّ الحليب في وعاء من الفخار. وهي تقف في منتصف عالمها الخاصّ، الذي هو عبارة عن مطبخ بجدران من الجصّ، مع قشور متناثرة من كسر الخبز على الأرضية. عينا المرأة مسبلتان بلطف إلى أسفل وكأنها ملتهية بعالم آخر. ويبدو أنها تنظر خلسة إلى حافّة الحياة، أو في مرآة، وتدير حوارا ساحرا في تلك اللحظة.
وما فعلته بعد ذلك هو أنني خطوت إلى خارج المتحف وجلست على أوّل مقعد رأيته، ثم رسمت خطّ سير يسمح لي بزيارة معظم لوحات فيرمير في العالم خلال العام التالي.
وقد قرأت وبحثت وسافرت ثم كتبت عن رحلاتي. كنت أريد أن أدوّن انطباعاتي عن الفنّ طالما أنني استطيع ذلك. وأوّل شيء فعلته بعد عودتي إلى الوطن هو أنني كتبت قصائد عن لوحات فيرمير التي رأيتها، مستخدما المذكّرات الكثيرة التي خربشتها أثناء وقوفي في المعارض.
وبعد أن كتبت بضع قصائد عن الرحلة، مدينةً مدينة ومتحفاً متحفا، قمت بتضمين الكتاب لقاءات عشوائية أجريتها مع غرباء ووصفا لوجبات لا تُنسى الخ، ظنّا منّي أن ذلك سيضيف إلى الكتابة شيئا من الدراما والإحساس بالفورية. وفي نهاية المطاف ومع تراكم الصفحات، أصبح الكتاب عبارة عن مذكّرات شخصية.
أن تصبح مهجوسا بفيرمير ليس بالشيء الجديد طبعا. فكلّ شخص، بدءا من بروست إلى تريسي شيفالييه، شعروا بجاذبيّته الغريبة. وأنت تتأمّل في شخوصه، سيُخيّل إليك كما لو أنهم منتزَعون من رواية ساحرة عن الحبّ المفقود والرغبة والشفاء.
كان فيرمير في زمانه شخصية مهمَلة، لكن نجمه سطع بقوّة في السنوات الأخيرة، خاصّة بعد المعرض الكبير الذي أقيم لأعماله في الولايات المتحدة عام 1995، والذي قيل إن نجم فيرمير طغى بعده على نجم البطل الهولنديّ العظيم رمبراندت.


عندما أنهيت الكتاب، اتصلت بإحدى دور النشر فوافقت على نشره بعد أن اخترت له عنوان "أسفار مع فيرمير". وبهذه الطريقة حقّقتُ شيئا من حلمي كشاعر. والآن وأنا اتأمّل هذه الحلقة المذهلة من حياتي، أحاول أن احدّد ما الذي اجتذبني في فيرمير لكي اكتب عنه هذا الكتاب دون أيّ تدبّر أو تفكير أو تخطيط مسبق؟!
في عصرنا الحاضر ومع افتتاننا بالواقع وبما نسمّيه قصص الخيال العلميّ، نجد أنفسنا ملفوفين داخل عالم فيرمير الغامض، خاصّة ما يشاع أحيانا من انه كان يستخدم الأدوات البصرية في لوحاته.
في لوحة جندي وفتاة مبتسمة ، يرسم الفنّان امرأة ترتدي غطاء رأس ابيض ووجهها يلمع في الضوء المتسرّب من النافذة. يدها ممدودة باتجاه جنديّ يجلس قبالتها ويحتلّ معظم مقدّمة الصورة وظهره إلى الناظر. عينا المرأة مثبّتة على الرجل وتعبيراتها تنمّ عن سعادة. غير أن اللوحة ترفض أن تقدّم تفسيرا لما يجري.
وفي لوحة "خادمة نائمة"، يرسم فيرمير خادمة بملابس ثمينة تجلس عند طاولة بمفردها، عيناها مغمضتان ورأسها مسنود إلى يدها وخلفها باب موارب يؤدّي إلى غرفة فارغة.
في تلك الغرفة، كان هناك رجل وكلب. لكن فيرمير رسم فوقهما وأزال أيّ اثر لهما. الغياب يتردّد في زوايا هذه الغرفة مثل سؤال يلفّه السكون والصمت، لحظة من لحظات الحياة التي تستعصي على التفسير. هل هي نائمة حقّا كما يوحي المشهد؟ أم أنها تتظاهر بالنوم لمصلحة الرجل الذي لم يعد موجودا في اللوحة؟!
وفي لوحة "امرأة تُوقف عزفها فجأة"، يرسم الفنّان امرأة تجلس إلى طاولة وأمامها نوتة موسيقية. لكن انتباهها يتحوّل عن الموسيقى فجأة لتنظر إلى المتلقّي بتعبيرات غامضة.
أعمال فيرمير تتضمّن مثل هذه الخيوط السردية الفاتنة، لكنها تظلّ في النهاية مجرّد خيوط. وهذه الحالات السردية هي دائما عن الفقد العاطفي وتجدّد الأمل.
إن الفكرة القائلة بأن صور فيرمير قد تكون نوعا من حيل الصالون الفانتازية وأنها تقليد للطبيعة بفضل تقنية الغرفة المظلمة، وهي نظرية شعبية روّج لها كلّ من ديفيد هوكني وفيليب ستيدمان، لم تسهم سوى في صقل الأسطورة أكثر وجعلها أكثر جاذبيّة ولمعانا.


وهناك أسرار وألغاز أخرى في فنّ فيرمير يلعب فيها النازيّون ومزوّرو الفنّ وأعمال الدراما الغامضة أدوارا مهمّة. لكن اتّضح أن لا شيء من هذه الأمور كان وثيق الصلة بحالتي، فاهتمامي منذ البداية كان ذا طابع شخصيّ للغاية.
ومن هذه المسافة في الزمن استطيع أن أقول إن الحالة التي مررت بها بسبب قصّة الطلاق ووفاة زوجتي الأولى كانت دافعي الأوّل للاهتمام بفيرمير والكتابة عنه. وأعتقد أن لوحاته هي قبل كل شيء عبارة عن تشريح للحياة الداخلية والحميمة للناس.
وبسبب ظروفي الشخصية، كانت تلك اللوحات على مقاسي تماما. فقد جعلتني اشعر بأشياء لم اشعر بها طوال سنوات وبلورت مفهومي للحبّ والعواطف والتي تأكّدت أكثر أثناء زياراتي لمتاحف لاهاي ونيويورك ولندن.
إنني أتصوّر انه ليس من مهمّة الخبراء أو النقّاد أن يشرحوا لنا كيف كان فيرمير يخلق تأثيراته الغامضة وكيف استخدم فهمه العميق لأسطح الأشياء وللكيفية التي يعمل بها الضوء. يكفي أن تقف أمام لوحة من لوحاته لتدرك انك أمام شخص آخر حقيقيّ وحيّ يعرفك بأفضل ممّا تعرف نفسك ويحدّد لمشاعرك آفاقا ومسارات جديدة.
وإذا كانت لقاءاتي مع فيرمير نقطة تحوّل لي على المستوى الشخصي، فربّما يمكنني القول أيضا أن كوني شاعرا غنائيّا قد يساعد في توضيح ما يجري داخل فنّه الغنائي.
إن نساء فيرمير الغامضات وديكوراته الداخلية المشحونة سيكولوجيّا تتيح نوعا من المقابلة التي تختفي فيها اللوحة بالكامل ولا يعود المتلقّي يرى فيها سوى نفسه. وهذا هو سرّ فيرمير الحقيقيّ ومصدر الغموض والفتنة في لوحاته.

Credits
michaelwhitepoet.com

Saturday, December 03, 2016

قصص وملاحم


كثيرا ما تتضمّن قصص الملاحم بحثا ومغامرات وروّادا يناضلون في محاولتهم الذهاب إلى ما هو أبعد من الحالة الراهنة، ولأيّ سبب نبيل. غلغامش، مثلا، كان يبحث عن الخلود. وإينياس أنجز قدَرَه بتأسيس إمبراطورية جديدة في لاتيوم. وأخيل حارب من اجل الأخوّة ولينتقم من موت صديقه. وأوديسيوس حاول الإبحار إلى ما وراء الشمس الغاربة، وطوال الطريق ظلّ يحلم بالعودة إلى "إيثيكا" أو الوطن.
تقاليد الملاحم وُلدت منذ القدم لتتحدّث عن توق الإنسان ورغبته الفطرية في أن يتجاوز مكانه وأن يسافر إلى ما وراء الحدود المقيّدة له على هذه الأرض.
العالم الفيزيائيّ كارل ساغان كتب في مقدّمة مؤلّفه "الكون" يقول: البشر المولودون من غبار النجوم يقطنون الآن ولبعض الوقت عالما يُسمّى الأرض، وقريبا سيبدءون رحلة العودة إلى الوطن".
ومثل اوديسيوس، فإن البشر في حالة بحث أبديّ عن وطن، أي عن أصولنا؛ عن مكان يملك الإجابات على تساؤلاتنا ويهدّئ من مخاوفنا.
غير أن إيثيكا البشر ظلّت متمنّعة ومراوغة. هذه الإيثيكا الأبدية، سواءً كانت بالمعنى الدينيّ مثل الجنّة والنيرفانا والموشكا، أو بالمعنى الأدبيّ مثل لاتيوم أو يوتوبيا أو عدن، كانت وما تزال الهدف النهائيّ للبشرية الباحثة، وحتى لنقّاد ما بعد الحداثة والحركات النسوية.
والملاحم الأدبية تحدّثت عن هذا البحث منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهو بحث لم يكلّ أو يملّ، فقط غيّر أشكاله وأساليبه بينما الإنسانية تبدأ الآن في استكشاف الكواكب الأخرى.
غير أن بعض النقّاد يرون أن القصيدة الملحمية كجنس أدبيّ أنجزت نموّها منذ زمن طويل وأصبحت قديمة ولا علاقة لها سوى "بالماضي التليد". وهذا الماضي لا ارتباط له بالخطاب المعاصر، كما أن عقل القارئ الحديث لا يمكنه الدخول إلى الماضي الملحميّ، فنحن اليوم منقطعون عن أزمنة الملاحم وهي تظلّ مجرّد ذكرى بعيدة وماض مثالي.
إن فكرة وجود عدد من الآلهة يقرّرون مصير البشر ويمثّلون تهديدا دائما لبعضهم البعض وللخليقة، ثمّ في النهاية يلوذون بالسماء حيث يعيشون هناك حياة أبدية على هيئة مجموعات نجمية أو أبراج، تبدو فكرة غريبة على كلّ الثقافات هذه الأيّام.
كما أن الأديان المعروفة اليوم تناقض فكرة تعدّد الآلهة، بل إنها حتى ترفض الحضارات القديمة على أساس أنها وثنية وضدّ التوحيد.
لكن روح الملاحم ما تزال تعيش معنا إلى اليوم وتؤثّر على المتلقي المعاصر من خلال قصص الخيال العلميّ التي يمكن من خلالها أن نفهم تقاليد الملاحم ونفهم أنفسنا كبشر بشكل أفضل.
روايات الخيال العلمي تضع عقل الإنسان في مواجهة مع أسئلة الذات والمصير. فيلم "حرب النجوم" مثلا هو عبارة عن قصّة ملحمية، من حيث أن الملايين شاهدوه وأنه يتضمّن صورا وأفكارا وموتيفات عن مخلوقات مختلفة، كما أن الفيلم يحمل بصمة مبتكره.
ملحمة الاوديسّا، التي تعني حرفيّا الرحلة الطويلة إلى الوطن، هي ككلّ الملاحم تقريبا عبارة عن قصّة عودة، وهي تسأل: هل يمكن للإنسان أن يعود إلى وطنه، خاصّة بعد سنوات طويلة من الحرب الدامية؟ والملحمة تحاول أن تعيد النظام بعد فوضى الحرب التي تُوجّت بسقوط طروادة.
في نهاية الملحمة يتعلّم اوديسيوس أن أفضل مكان له هو حيث تكون زوجته وعائلته، أي الوطن.

Credits
literature.org

Friday, November 25, 2016

الأوقات الثمينة للدوق

"الأوقات الثمينة للدوق" هو عنوان أهمّ مخطوطة ملوّنة من أوربّا القرن الخامس عشر. وهي عبارة عن كتاب يحتوي على زخارف ورسومات نفيسة رسمها الإخوة لامبور بين عامي 1412 و 1416 بناءً على تكليف من راعيهم دوق دو بيري.
و المخطوطة توضّح بالرسم الأنشطة المختلفة التي يقوم بها بلاط الدوق وفلاحوه في كلّ شهر من أشهر السنة.
وقد تُركت المخطوطة ناقصة عند وفاة الإخوة الثلاثة في عام 1416 خلال موجة الطاعون التي ضربت أوربّا في بداية القرن الخامس عشر.
كانوا وقتها دون الثلاثين، وهذا كان متوسّط العمر الطبيعي للإنسان في القرون الوسطى. لكن على الرغم من حياتهم القصيرة، إلا أنهم استطاعوا أن ينتجوا عددا من الأعمال الفنّية الرائعة من بينها هذه المخطوطة التي تُعدّ الأشهر.
كان الإخوة لامبور بارعين جدّا في رسم المنمنمات، ولهذا السبب ذاعت شهرتهم كثيرا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ومعظم التراث الذي تركوه تمّ نسيانه مع مرور الوقت، إلى أن اشترى دوق "امالي" احد أعمالهم.
وقد تعهّدهم بالرعاية دوق دو بيري. وقصّتهم أصبحت مرتبطة بعهد ذلك الأمير الموسر والمتنفّذ والذي كان بنفس الوقت راعيا ومشجّعا للفنون.
وعلى الأرجح قضى احدهم بعض الوقت في ايطاليا لدراسة فنّ عصر النهضة، وخاصّة طريقة رسم المناظر الطبيعية والحوافّ الزخرفية.
وهذه المخطوطة، كما سبق، تتضمّن رسومات عن أنشطة الدوق وعن الأعمال المختلفة التي يقوم بها العمّال والفلاحون الذين يعملون في خدمته. وفي خلفية معظم هذه الصور، تظهر قلاع وأراض تخصّ دوق دو بيري، وأحيانا أجزاء من داخل قصره.
واللوحات مليئة بالتفاصيل المتعلّقة بأنشطة كلّ شهر. في شهر يناير، مثلا نرى الدوق جالسا في قصره بثيابه الزرقاء وهو يتبادل الهدايا مع ضيوفه لمناسبة رأس السنة الجديدة. الطاولات مغطّاة بالحرير والأشياء الثمينة التي ترمز إلى ثراء الدوق وذوقه.
المخطوطة التي تصوّر شهر فبراير تأخذ الناظر إلى فصل الشتاء القارس. الضوء يسقط على طبيعة ثلجية، بينما نرى في الخلفية بلدة مغطّاة بالجليد مع مزارع وحماره. وفي الوسط نرى فلاحا آخر يقطع الأخشاب، بينما يلتمس ثالث ملجئاً يقيه من البرد. وفي المقدّمة نرى عائلة من الفلاحين يُدفّئون أنفسهم في بيت خشبيّ صغير.
وفي مايو، نرى نبلاء يركبون الخيول في موكب، وفي الخلفية مقرّ إقامة الدوق في باريس.
في ابريل يظهر شابّان، رجل وامرأة، وهما يتبادلان الخواتم. وفي يونيو نرى بعضا من مشاهد الحصاد. وفي أغسطس الصيد بالصقور. وفي سبتمبر حصاد العنب. وفي أكتوبر حراثة الحقول. وهكذا.
وفي بعض هذه اللوحات مناظر لفرسان يبرزون من القلعة ويتأهّبون للذهاب إلى المعركة.
الرسّامون الثلاثة كانوا جزءا من هذه الطقوس. وقد استخدموا لإنجاز هذه الصور فُرَشا رائعة وطلاء رسم ثمين.
الفنّ القوطي، وهو الفنّ الذي ارتبط بتلك الفترة، كان يركّز على الأنماط الزخرفية. وهذا واضح من الملابس التي يرتديها الأشخاص. ولكن حتى الأشجار أيضا تخلق أشكالا زخرفية. والأشخاص أنيقون وبأطراف طويلة.
تمّ العمل على هذا الكتاب على مدار قرن كامل تقريبا. إذ بعد وفاة الإخوة لامبور في العام 1416، كلّف دوق دو سافوي الرسّام جان كولومب بإتمام مهمّتهم وإكمال الرسومات.
وهناك شيء ربّما يفاجئ المتلقّي المعاصر ويثير فضوله، وهو إدخال الأبراج الفلكية في الكتاب. ففي رأس كلّ صفحة، هناك علامة فلكية. والسبب هو أن النجوم كانت مرتبطة بمواقيت الزراعة. وحتى الأطبّاء في القرون الوسطى كانوا يعتقدون أن صحّة الناس لها علاقة بالأبراج التي ولدوا فيها. أما الكنيسة فكانت تلجأ للأبراج لحساب مواقيت الصيام.