Tuesday, May 13, 2008

آنا نيتريبكو: المرأة .. الصوت

لمع نجم السوبرانو الروسية آنا نيتريبكو AnnaNetrebko.com بقوّة خلال السنتين الأخيرتين. بل إن مجلة التايم اختارتها العام الماضي كواحدة من الشخصيات المائة الأكثر شهرة ونفوذا في العالم اليوم.
وهناك من يشبّه صوتها وأداءها وحضورها بماريا كالاس، رغم أن هذا التشبيه لا يروق لـ نيتريبكو كثيرا إذ أنها تريد أن تكون هي نفسها فحسب.
يتميّز صوت آنا نيتريبكو بقوّته وثرائه وعمقه الدرامي. ويقول بعض النقاد إنها تنتمي إلى جيل جديد من مغنيات الأوبرا اللاتي يطمحن إلى كسر نخبوية هذا الفنّ وجعله قريبا من موسيقى البوب لاجتذاب الأجيال الشابّة لسماعه والاستمتاع به.
من أجمل القطع الاوبرالية التي برعت نيتريبكو في أدائها هذا المقطع الشهير بعنوان O Mio Babbino Caro "يا والدي العزيز"، والمأخوذ من أوبرا جياني سكيتشي للموسيقي الايطالي جياكومو بوتشيني.
عزفت هذه القطعة مرّات كثيرة على شكل موسيقى بتوزيعات مختلفة، كما أدّتها العديد من مغنّيات الأوبرا المشهورات مثل ماريا كالاس ومونسيرات كابالي وانجيلا جيورجيو وسارا برايتمان، بالإضافة إلى كل من شارلوت تشيرش ورينيه فليمنغ اللتين يمكن سماع أدائهما لهذا المقطع هنـا ..

Sunday, May 11, 2008

سـلاح المقاومـة

عند وقوع حدث مهم، يجد الإنسان نفسه مرغما على البقاء إلى جوار شاشة التلفزيون كي يتمكّن من التعرّف على المزيد من جوانب الصورة والى أين ستتجه أو تتطوّر الأمور. وأمس وأوّل من أمس تابعت مثل غيري تغطية تفاصيل وتطوّرات الانقلاب الذي قام به حزب الله في بيروت.
والحقيقة أنني لم أفاجأ كثيرا بما حدث. إذ كنت وما أزال مقتنعا بأن المنظمات والأحزاب الأيديولوجية لا يمكن أبدا دمجها في بنية الدولة الحديثة كما لا يمكن إقناعها بمزايا ومنافع الديمقراطية والتعدّدية والعمل المدني والسلمي.
ويصبح خطر مثل هذه الجماعات مضاعفا إذا كانت تملك السلاح والعتاد، ويتعاظم شرّها وخطرها إذا كان سلاحها أقوى من سلاح الدولة التي يفترض أنها فوق الجميع. أما الطامّة الكبرى فهي إن كانت اجندة هذه الجماعة أو تلك تتوجّه لخدمة جهات خارجية تتناقض مصالحها مع مصالح البلد الذي ينتمي إليه هذا الحزب أو تلك الجماعة.
إن المشاركة في الحياة السياسية تتطلب انتهاج أساليب الحوار والإقناع والاستعداد للتوصّل إلى تسويات وحلول وسط مع الفرقاء الآخرين. وهذا كله غير موجود في قاموس الجماعات الأصولية المتطرّفة. فهي لا تعترف بالحوار ولا تعوّل كثيرا على الديبلوماسية بل تميل، بحكم تكوينها البنيوي والفكري والعقائدي، إلى توظيف العنف وإرهاب الخصوم من اجل تحقيق أهدافها السياسية.
وقد رأينا قبل يومين كيف أن حزب الله واجه الضغوط السياسية، لا بأدوات السياسة ومنطق الحوار والحلول التوافقية، وإنما باللجوء إلى العنف المسلح، فأطلق عناصره في شوارع بيروت حاملين الرشّاشات والأحزمة الناسفة ردّا على مطالبته بأن يخضع، مثله مثل غيره، لسلطة الدولة وقرارها.
ورسالة السيّد نصر الله وحزبه كانت واضحة: نحن أقوى جماعة في البلد وكل من يتحدّانا أو يفكر في مقاومتنا سيواجه بالإذلال والقمع".
لقد اسقط حزب الله بالأمس مزاعمه بأنه حركة مقاومة وسقط عن وجه قيادته القناع بعد أن ظهر زيف مزاعمها بأن سلاح الحزب لن يوجّه إلى صدور اللبنانيين.
إن طبيعة لبنان المتعدّد الأعراق والأديان والمذاهب لا تحتمل أصلا وجود أحزاب طائفية فما بالك إن كانت مدجّجة بالسلاح. وقد ثبت أن السلاح بيد المتطرّف خطر عليه وخطر على من حوله. فالتطرّف، الأيديولوجي أو الديني أو الشوفيني أو المذهبي أو القومي، هو في النهاية ضرب من الجنون وتنكّب لسبيل العقل. والمجنون يجب الحجر عليه والحيلولة بكل الوسائل دون يؤذي نفسه والآخرين.
المهم، بعد أن أصابني القرف والاشمئزاز وأنا أرى مشاهد التدمير والتخريب وحرق المؤسسات الصحفية والإعلامية وغيرها من التصرّفات الهمجية والمستهجنة التي قام بها أشاوس حزب الله، قرّرت أن اهرب من القنوات العربية لأبحث عن شيء مختلف يعيد إلى النفس شيئا من الهدوء والطمأنينة.
واستقرّ المؤشّر أخيرا على برنامج الدكتور فيل الذي تبّثه قناة الام بي سي الرابعة.
والواقع أن عدد مرّات مشاهدتي لبرنامج الدكتور فيل (أو فيليب ماكغرو) لا يتجاوز الستّ أو السبع مرّات. ومع ذلك فقد لاحظت حرص الكثير من الناس عندنا على متابعة برنامجه، على الرغم من أن كثيرا من الحالات والمواقف التي يعرضها ذلك البرنامج هي نتاج واقع مختلف وثقافة وقيم مغايرة لثقافتنا وقيمنا.
غير أن مشاكل العصر ومتاعب وتحدّيات الحياة الحديثة تكاد تفرض نفسها على جميع الناس مهما تباينت أفكارهم وثقافاتهم. ومع مرور الوقت أصبح الناس ميّالين لمتابعة الحوارات الكلامية وبرامج الفضفضة لأنهم، من خلال بعض ما يعرض ويقال فيها، إنمّا ينفّسون عن مشاكلهم وهمومهم الخاصّة.
وأكثر ما شدّ انتباهي في برنامج الدكتور فيل أمران: الأول جرأة الأشخاص الذين يظهرون في البرنامج وهم يتحدّثون بالتفصيل عن أدقّ أمورهم وأسرارهم الشخصية والعائلية دون أدنى تحفظ أو شعور بالخجل أو الحرج.
وعندما أبديت هذه الملاحظة لزميل لم يزد على أن قال: وماذا كنت تتوقّع؟ هذه هي أمريكا، وعلى كلّ فإن إغراء المال وسطوة الإعلان يمكن أن يفعلا مثل هذا وأكثر".
الأمر الثاني هو شخصية الرجل، أي الدكتور فيل، حيث يبدو واثقا من نفسه ومعتدّا بها كثيرا، لدرجة أن البعض قد يظنه مصابا بعقدة الغرور أو الخيلاء. وقد قرأت انه يتقاضى عن برنامجه راتبا سنويا قدره 75 مليون دولار، وان رئيسته ليست سوى اوبرا وينفري التي عيّنته، وبيدها وحدها أن تعزله أو تسمح له بالاستمرار في منصبه.
ويقال إن العلاقة بينهما ليست على ما يرام هذه الأيّام على خلفية ما يشاع عن تورّطه في انتهاك خصوصية المغنّية بريتني سبيرز. وتعود بدايات القصّة إلى الوقت الذي كانت فيه سبيرز نزيلة احد المصحّات النفسية بعد طلاقها من زوجها وفقدانها الحق في رعاية أطفالها.
وقد سرّبت وينفري كلاما قيل على لسانها وأشارت فيه إلى أن فيل ربّما أراد من وراء إثارة قصة سبيرز إنقاذ برنامجه المترنّح وانتشاله من دائرة التكرار والملل.
في احد الأوقات كانت سبيرز طفلة هوليوود المدللة. لكن نتيجة لتزايد مشاكلها العائلية، أصبحت تعاني من بعض السلوكيات الغريبة. فقد حلقت شعر رأسها وأدمنت تعاطي الكحول بل وعرضت مؤخّرتها مرارا أمام "الباباراتسي" أو المصوّرين المتطفّلين، الأمر الذي اضطر والديها لطلب النجدة من الدكتور فيل.
ويقال إن الدكتور ذهب فعلا إلى المغنّية في مشفاها دون علمها، فما كان منها إلا أن أعطته ظهرها وخرجت من غرفتها احتجاجا على ما اعتبرته تدخّلا في حياتها الشخصية وتشكيكا في قدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها دون إملاء أو وصاية من احد حتى لو جاءت تلك الوصاية من والديها.
الخطأ المهني الآخر الذي وقع فيه فيل هو انه تحدّث في برنامجه علنا عن مرض سبيرز دون إذن منها، كما أكّد نيّته في إحضارها هي ووالديها إلى البرنامج للحديث عن مرضها النفسي ومعاناتها العائلية.
هذه الحادثة أتاحت لخصوم فيل الكثر الفرصة لمهاجمته والانتقاص منه. حتى أن بعضهم شكّك في مؤهّلاته وزعم انه يزاول المهنة دون ترخيص. مع أن من الثابت انه يحمل درجة الدكتوراه في علم النفس.
والبعض الآخر سرّبوا شائعات تقول إن فيل وزوجته "روبين" التي تصرّ على الحضور بانتظام في برنامجه لسبب غير واضح، على وشك أن يتطلقا بعد زواج دام أكثر من ثلاثين عاما. وبالتالي فهو بحاجة لمن يقدّم له بعض النصائح والإرشادات الرومانسية عوضا عن أن ينصح الناس. وقال آخرون بنبرة بدت متشفّية وساخرة انه لو صحّت شائعات الطلاق فإن فيل وزوجته يستحقان جائزة الأوسكار تقديرا لموهبتهما الاستثنائية في التمثيل، إذ برغم التوتّر الذي يشوب علاقتهما فإنهما يبدوان أمام الناس في غاية السعادة والانسجام وكأنهما عصفوران تزوّجا للتوّ.
الدكتور فيل يروّج في برنامجه لنوع من الحبّ يقوم على الصرامة والمصارحة. ومن عادته أن يطلب من ضيوف برنامجه أن يوقّعوا على إقرار يقول إنهم يعرفون سلفا انه لا يوفر لهم علاجا طبيا وان برنامجه ليس عيادة ولا مركز تأهيل.
ومن عباراته الجميلة التي أصبحت رائجة ومأثورة قوله: من الصعب أحيانا أن ترى وجهك دون مرآة". و "الأشخاص الذين ليس عندهم شيء يخفونه لا يخفون شيئا"..
وأنا أشاهد تلك الحلقة من برنامج "الدكتور فيل"، كان ما يزال في ذهني بعض صور العنف والفوضى التي نقلتها محطات التلفزة العربية من بيروت. وقد خيّل إليّ في تلك اللحظة أننا كعرب، زعامات وشعوبا، بحاجة إلى علاج نفسي شامل يعالج عاهاتنا المزمنة ويصحّح اختلالاتنا وبلاوينا الكثيرة ويعيد تأهيلنا كي نصبح بشرا أسوياء يرحم بعضنا بعضا ونتّجه للحب لا للكراهية وللخير لا للشرّ وللبناء لا للهدم..

Wednesday, May 07, 2008

مائدة، كرسي، طبق فاكهة وآلة كمَان

لماذا إذا تهيّأت للنوم يأتي الكمان؟!
فأصغي آتياً من مكان بعيد
فتصمت همهمة الريح خلف الشبابيك
نبض الوسادة في أذني
تتراجع دقّات قلبي
وأرحل في مدن لم أزرها
شوارعها فضّة
وبناياتها من خيوط الأشعّة
ألقى التي واعدتني على ضفّة النهر واقفة
وعلى كتفيها يحطّ اليمام الغريب
- أمـل دنقـل

******

عندما يتعلق الأمر بالموسيقى، لا صوت يطربني ويثير مخيّلتي مثل امتزاج آلتي الكمان والبيانو. لكنْ لو كان لي أن اختار آلة مفردة لما تردّدت في اختيار الكمان، لأنني مع من يقول إن الكمان هو الرمز الأسمى لأناقة الموسيقى وجمال الطبيعة معا. الكمان قريب جدّا من المشاعر وهو اقرب الآلات الموسيقية شبها بصوت الإنسان.
وقد قرأت ذات مرّة أن بدايات ظهور هذه الآلة تعود إلى القرن التاسع الميلادي. ويقال انه أتى من آسيا وان الأتراك والمغول قد يكونون أوّل من عرف الكمان في التاريخ، وكانوا يصنعون أوتاره من شعر ذيل الحصان.
وما لبث الكمان أن انتشر إلى الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط. وطبعا كان شكل الآلة آنذاك بدائيا وبسيطا. وقد استغرق الأمر خمسة قرون كاملة قبل أن تصل هذه الآلة إلى شكلها الحالي والمتعارف عليه.
التغيير الجذري الذي طرأ على شكل الكمان وعلى تطوّر إمكانياته تحقّق في مدينة ميلان الايطالية (ويقال في البندقية) حوالي بدايات القرن السادس عشر.
ويشار إلى أن أول عازف كمان مشهور كان الايطالي اندريا اماتي Andrea Amati الذي يرجع إليه الفضل أيضا في صنع أول آلة كمان بشكلها الحديث والمعروف.
وأشهر ماركات الكمان في العالم هي ستراديفاريوس Stradivarius وأماتي Amati وغارنييري Guarnieri، وهي أسماء لصنّاع ايطاليين برعوا منذ قرون في صناعة الكمان واستخدامه. وأشهر العازفين اليوم يفضّلون اقتناء هذه الأنواع من الكمان المعروفة بغلاء أسعارها وبأدائها العالي وجودة النغمات التي تصدرها.
وفي مناسبات مختلفة بيع بعض هذه الآلات، لشهرتها ولقدم صنعها، بأكثر من مليون جنيه استرليني، في حين لا يكلف أغلى وأجود نوع حديث أكثر من عشرة آلاف دولار.
ولأن بدايات الكمان الحقيقية ارتبطت بايطاليا، لم يكن غريبا أن يصبح نيكولو باغانيني Nicolò Paganini الايطالي أشهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى كله.
ويقال انه كان لمهارته يستخدم كلتا يديه في العزف كما كان بارعا في العزف على وتر واحد في حال انقطعت الأوتار الثلاثة الأخرى. وقد أصبح تقليدا شائعا منذ ذلك الوقت أن يحتفظ العازف في جيبه بوتر اضافي تفاديا لانقطاع احد الأوتار.
وفي زمن باغانيني، وأيضا فيفالدي Vivaldi، كان الكمان مرتبطا بالطبقة الراقية وبفئة النبلاء والارستقراطيين.
اليوم ثمّة ملاحظة جديرة بالاهتمام تتعلق بهذه الطفرة الكبيرة التي نراها الآن في عدد النساء اللاتي يعزفن الكمان بعد أن كان في الماضي عملا يختصّ به الرجال وحدهم. والكثير من هؤلاء العازفات لا تنقصهن البراعة ولا الجاذبية، وهذه الصفة الأخيرة تعتبر عاملا مهمّا جدّا لا تغفل عنه شركات التسجيل ولا منظمو الحفلات الموسيقية.
وهناك من يقول إن معظم الأسماء الكبيرة اليوم في مجال العزف على الكمان هي لنساء. ويتساءلون هل أن الأمر مجرّد مصادفة، وهل الإناث أكثر قدرة من الرجال على تحمّل الدروس الطويلة والشاقّة التي يتطلبها العزف على الآلة، أم لانّ الكمان يتميّز بصغر حجمه وبسهولة حمله من مكان لآخر دون حاجة إلى تجهيزات ثقيلة وتحضيرات معقدة؟
وهل يمكن فعلا اعتبار الكمان والبيانو والفلوت آلات أنثوية بحكم أن الأسماء البارزة والأكثر شهرة في العزف على هذه الآلات في العالم اليوم تعود لنساء؟ (بالمناسبة هناك من خبراء الموسيقى من يعتبر الأرجنتينية مارثا ارغيريتش Martha Argerich أفضل من يعزف البيانو في العالم اليوم).
وفي المقابل، هل يمكن اعتبار الغيتار والساكسوفون والآلات النحاسية آلات ذكورية على اعتبار أن الرجال هم من يتسيّدون ساحة العزف على هذه الآلات حاليا؟
لقد قرأت مؤخّرا بعض الأفكار التي لا يخلو بعضها من طرافة عن تأثير موضوع الجندر في الموسيقى.
لكن ممّا لا شكّ فيه أن إتقان العزف على الكمان بخاصّة يتطلّب مستوى عاليا من الموهبة والذكاء وسعة الخيال.
وقائمة مشاهير النساء البارعات في العزف على الكمان اليوم طويلة ولا تكاد تنتهي. وبعضهن عملن مع أشهر الفرق السيمفونية في العالم وتتلمذن على أيدي أشهر العازفين وقادة الاوركسترا من أمثال ياشا هايفيتز Jascha Heifetz وايزاك شتيرن Isaac Stern ويوجين اورماندي Eugene Ormandy ودانيال بارانبويم Daniel Barenboim وفلاديمير اشكنازي Vladimir Ashkenazy وهربرت فون كارايان Herbert von Karajan ..
والأسماء النسائية المهيمنة الآن على صناعة العزف على آلة الكمان هي امتداد للرعيل الأول من النساء الرائدات في هذا المجال مثل البولندية واندا ولكوميرسكا Wanda Wilkomirska والنمساوية ايريكا موريني Erica Morini، والأمريكية مود باول Maud Powell، والمجرية يوهانا مارتزي Johanna Martzy، والبولندية ايدا هاندل Ida Haendel، واليابانية تاكاكو نيشيزاكي Takako Nishizaki وغيرهن.
ويأتي على رأس عازفات الكمان من الجيل الجديد الألمانية آن صوفي ماتر Anne-Sophie Mutter التي تخصّصت في عزف بيتهوفن وفيفالدي وباخ وموزارت وسترافنسكي.
وعلى ذكر موزارت، لا اعتقد أنني سمعت من قبل أجمل ولا أروع من عزف آن صوفي ماتر لكونشيرتو الكمان رقم 3 الذي يعتبر ليس فقط احد أفضل أعمال موزارت وإنما احد أعظم القطع الكلاسيكية التي تم تأليفها على مرّ العصور.
ولـ صوفي ماتر طريقتها الخاصّة والمتميّزة في العزف، وهي لا تنظر إلى الجمهور إلا نادرا ولا تعيد العزف إلا في ما ندر. كما أنها تعامل في بلدها كأميرة ووريثة للعازف والمايسترو العظيم فون كارايان الذي اختارها وهي بعد في الثالثة عشرة وأجلسها معه في فرقته. وصوفي ماتر هي اليوم في الخامسة والأربعين وتجني أكثر من ثلاثة ملايين دولار سنويا مقابل الحفلات الموسيقية التي تعزف فيها، أي ضعف ما يتقاضاه أفراد اوركسترا كاملة في فرنسا أو بريطانيا.
وماتر مغرمة كثيرا بموزارت الذي تقول عنه إن تأثير موسيقاه في الروح مثل تأثير أشعّة اكس التي تشفّ الجسم وتكشف كل ما فيه.
ويظهر أن الأمريكيين بدءوا هذه الأيام يغارون من اتساع شعبية صوفي ماتر التي يرون في صعود نجمها وازدياد شعبيتها عندهم تهديدا لمكانة من يعتبرونه عازف الكمان الأول في العالم اليوم وهو الأمريكي اسحاق بيرلمان Itzhak Perlman ..
والحقيقة أن ريادة الأمريكيين في مجال العزف على الكمان وكثرة العازفين المبدعين عندهم أمر لا يمكن إنكاره. هناك مثلا العازفان الأسطوريان اسحق شتيرن ويوشا هايفيتز بالإضافة إلى كبار العازفين الأحياء أمثال جون كوريليانو John Corigliano وريجينا كارتر Regina Carter وأخيرا وليس آخرا جوشوا بيل Joshua Bell الذي يستخدم آلة كمان من نوع ستراديفاريوس يعود تاريخ صنعها إلى ما قبل ثلاثة قرون. وكان آخر أعمال جوشوا بيل اشتراكه مع زميله كوريليانو في وضع الموسيقى التصويرية للفيلم السينمائي المشهور الكمان الأحمر.
كلّ هؤلاء أمريكيون. كما أن أعظم عازف للتشيللو في العالم الآن هو الأمريكي من أصل صيني يو يو ما Yo-Yo Ma الذي اشتهر بعزفه المنفرد والمتميّز لسوناتات باخ وموسيقى دفورجاك وشوبيرت وموزارت.
بعد صوفي ماتر يأتي اسم عازفة الكمان الأمريكية من أصل كوري سارة تشانغ Sarah Chang التي تتلمذت على يد يهودي مينوهين Yehudi Menuhin الذي وصفها في إحدى المرّات بأنها أكثر عازفات الكمان روعة ومثالية وإحكاما.
ثم هناك الهولندية جانين جانسن Janine Jansen التي برعت في عزف تشايكوفسكي ومندلسون وبرامز. وبوسع زائر موقعها الاليكتروني JanineJansen.com الاستماع إلى عزفها الجميل لبعض سوناتات فيفالدي.
وهناك أيضا الأمريكية الصاعدة بقوّة هيلاري هان Hilary Hahn التي احتلّ أول ألبوماتها الذي ضمّ بعض سوناتات باخ المرتبة الأولى في قائمة التسجيلات المفضّلة طوال أسابيع. يذكر أن هيلاري هان برعت على وجه الخصوص في عزف كونشيرتو جان سيبيليوس Jean Sibelius الذي يقال انه احد أصعب القطع الموسيقية التي كتبت لآلة الكمان، وإجادته تتطلب مستوى غير عادي من التركيز الذهني والسيكولوجي.
وهناك كذلك الاسكتلندية نيكولا بينيديتي Nicola Benedetti التي تظهر في بعض صورها محتضنة آلة كمانها المصنوع في فينيسيا عام 1751 على يد بييترو غارنييري.
والقائمة تطول، لكن يمكن الإشارة في عجالة إلى بعض الأسماء النسائية الأخرى والمهمّة مثل الكندية لارا سانت جون Lara St. John، واليابانية ايكوكو كاواي Ikuko Kawai، والروسية فيكتوريا مولوفا Viktoria Mullova، والكورية كيونغ واتشونغ Kyung Wha Chung، والصينية جيو ياو Jue Yao، والبريطانية تاسمين ليتل Tasmin Little، والفنلندية ليندا لامبينيوس Linda Lampenius، والمولدوفية باتريشيا كوباتشينيسكايا Patricia Kopatchinskaja، والبريطانية السنغافورية الأصل فانيسا ماي Vanessa-Mae، والأمريكية الكورية الأصل جينيفر كو Jennifer Koh، والكندية ليلى جوزيفويتس Leila Josefowicz، واليابانية ميدوري Midori، والجورجية ليزا باتياشفيلي Lisa Batiashvili، والألمانية جوليا فيشر Julia Fischer، والنرويجية سوزان لندينغ Susanne Lundeng وسواهن.
الملاحظة الأخرى التي تلفت الانتباه هي أن معظم عازفات الكمان، وأكاد أقول جميعهن، يتميّزن بقدر عال من الجمال والجاذبية والحضور. بل لا أبالغ إن قلت إن ملامح بعضهن وطريقة لباسهن وحتى أسلوب حياتهن لا يختلف في شيء عن عارضات الأزياء والممثلات ومغنّيات البوب. وقد اكتشفت مع الأيام انه حتى الجيل الجديد من مغنّيات الأوبرا (على خلاف ما يتصوّره الكثيرون عن جدّيتهن ورصانتهن) يشتركن في هذه السمة التي تلخّص إلى حدّ ما طبيعة الأنثى وميلها الغريزي إلى إبراز جمالها وحتى التفنّن في أظهار مفاتنها للفت أنظار الجنس الآخر.
ومع ذلك لا يمكن لوم النساء وحدهن، فالموسيقيون من الرجال أيضا يبالغون في إظهار أناقتهم واهتمامهم بالشكل الخارجي. وقد قرأت مؤخّرا في هذه الجزئية بالذات رأيا لم اتأكّد من صحّته وملخّصه أن نشأة الموسيقى الكلاسيكية نفسها ومن ثم تطوّرها خلال القرنين الأخيرين كان قائما على فكرة التقاطع ما بين الفن والجنس (أي الذكورة في مقابل الأنوثة)، وأن عددا كبيرا من المؤلفين الموسيقيين من الرجال كانوا حريصين دائما على تقمّص نموذج شخصية اللورد بايرون في محاولة لخطب ودّ النساء والتقرّب منهن.
وبعض قادة الاوركسترا الكبار كانوا يعمدون إلى ترتيب ديكور حفلاتهم بحيث يكون الضوء مركّزا على شعورهم الطويلة اللامعة للفت أنظار النساء ونيل إعجابهن.
ومن العبارات المنسوبة إلى باغانيني قوله: لست بالرجل الوسيم، لكن عندما تسمعني النساء وأنا اعزف، سرعان ما يأتين إليّ زحفا ويجثين عند قدمي".
وضمن هذه الإطار يقال إن الموسيقي فرانز ليست Franz Liszt كان مضرب المثل في جماله ووسامته، كما كان أشهر عاشق في أوربّا في زمانه وأعظم عازف بيانو في تاريخ الموسيقى كله. وكانت النساء تتقاتلن من اجل الحصول على أعقاب السجائر التي كان يتركها على البيانو بعد الحفلات الموسيقية التي كان يحييها.
إن تزايد أعداد النساء اللاتي برزن بقوّة في مجال العزف على الكمان في السنوات الأخيرة يرقى إلى اعتباره ظاهرة يمكن أن تكون تعبيرا عن عمق التغيير الاجتماعي والأدوار المتغيّرة في المجتمعات الغربية على صعيد الجندر.
وهناك ثمّة من يقول إن عازفات الكمان هذه الأيام، مع الاعتراف ببراعتهن وإتقانهن، تعوزهنّ العضلات خاصّة عندما يتعاملن مع بعض أعمال مندلسون وبيتهوفن وتشايكوفسكي التي تتّسم بإيقاعاتها وضرباتها القويّة والفجائية والسريعة. وفي الغالب يأتي عزفهن رقيقا ورفيعا وبطيئا، وأحيانا تتحوّل الموسيقى المجلجلة والصاخبة في أصابع بعض العازفات إلى قطع تأمّلية وشاعرية يخيّل لمن يسمعها أنها آتية من عوالم وفضاءات أخرى.


Monday, May 05, 2008

فانغيليس: عرّاب موسيقى العصر الجديد

تسمع موسيقى فانغيليس Vangelis فتجذبك الفراغات المفتوحة والمساحات الواسعة فيها وكثرة أنغامها وألوانها وتأثيراتها الانفعالية (من إحساس موغل بالحزن إلى شعور غامر بالفرح إلى إحساس عميق بالعزلة أو الكآبة في بعض الأحيان)، بالإضافة إلى ثراء وتنوّع عناصرها الصوتية والسردية وحتى الفلسفية.
وتحتشد في موسيقى فانغيليس "الذي يعني اسمه باليونانية الملاك الطيّب" أصوات وأصداء وظلال وأضواء وقطرات مطر وهالات وعواصف وأجراس وكواكب وغابات.. إلى آخره.
وفي إحدى مقطوعاته التي استوحاها من رواية الطاعون لالبير كاميه نلمس شعورا عميقا بآلام الإنسان ومعاناته في صراعه مع القدر ومع الطبيعة.
وربّما كان من أهم ما يميّز موسيقى فانغيليس فخامتها وطابع بعضها الملحمي. لكنْ حتى المقطوعات التي تتسم بقوّتها وملحميّتها لا تخلو أحيانا من بعض المقاطع التي تبعث شعورا بالعاطفة والرّقة.
ومن الواضح انه يعتمد في موسيقاه إلى حدّ كبير على المؤثّرات الصوتية التي تنتجها الأجهزة الاليكترونية الحديثة. لكنه يتميّز عن غيره في كونه فنانا مثقفا وذا رؤية وعلى اطلاع واسع على الموسيقى الكلاسيكية وعلى موسيقى العالم بشكل عام.
وطوال الخمس عشرة سنة الأخيرة لا أظنّ أن مقطوعة واحدة بلغت في شهرتها وانتشارها ما بلغته موسيقى "فتح الجنّة" التي ألفها فانغيليس لتكون المقدّمة الموسيقية لفيلم كولومبوس الذي أنتج لمناسبة مرور 500 عام على اكتشاف أمريكا.
ومن الصعوبة أن نفهم سبب انتشار تلك المعزوفة والنجاح الساحق الذي حققته. هل هو موضوع الفيلم نفسه والذي أثار جدلا واسعا في حينه، أم الكلمات القليلة التي يردّدها الكورس في المقطوعة رغم أنها مبهمة وغير مفهومة وربّما لا تنتمي لأيّ من اللغات الحيّة المعروفة اليوم في العالم.
ومنذ ظهورها، استخدمت موسيقى غزو الجنّة في العديد من البرامج الوثائقية والأفلام التسجيلية والإعلانات التجارية. كما اجتذبت العديد من المغنّين الذين صاغوا على لحنها كلمات لأغان حقّقت هي الأخرى نجاحا معتبرا، ومن بين هؤلاء المطربة دانا وينر Dana Winner والسوبرانو الايطالية – الكندية جيورجيا فيومانتي Giorgia Fumanti .
وقبل فيلم كولومبوس وضع فانغيليس الموسيقى التصويرية لفيلم عربات النار، وهي الموسيقى التي عرّفته إلى العالم لأوّل مرّة وعزفت في ما بعد في حفل افتتاح دورة الألعاب الاوليمبية الشتوية في سراييفو عام 1974.
كما ألّف الموسيقى التصويرية لبرنامج وثائقي عن كوكب المريخ موّلته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.
وفي السبعينات وضع موسيقى مسلسل تلفزيوني تسجيلي مأخوذ عن كتاب الكون للعالم والفيلسوف كارل ساغان. وقد أرسل إليه المؤلف تسجيلات لأصوات من الفضاء الخارجي رصدتها الأقمار الاصطناعية كي تعينه على إتمام مهمّته.
على المستوى الشخصي يعتبر فانغيليس (64 عاما) شخصا غامضا جدّا، إذ لا احد يعرف شيئا عن حياته الشخصية ولا أين يعيش نظرا لكثرة أسفاره وتنقلاته. كما انه لا يحبّ الأضواء وينفر من التلفزيون والصحافة.
وفي إحدى مقابلاته النادرة التي أجرتها معه صحيفة الديلي تلغراف البريطانية يقول: إن الموسيقى موجودة في هذا الكون من قبل أن يخلق الإنسان، وأنا فهمت العالم من خلال الأصوات. إن لغتي كانت الموسيقى ومعلّمي كان الطبيعة".
وفانغيليس لا يدخّن ولا يشرب كما انه لا يؤمن بجدوى الزواج أو إنجاب الأطفال.
وعن نظرته للاسكندر الذي وضع مؤخرا موسيقى فيلم عن حياته يقول: الاسكندر جزء من هوّيتي كيوناني. لقد كان ذكيّا جدّا وأراد أن يوحّد العالم كما كان تلميذا لأرسطو".
بعض النقاد يشبّهون فانغيليس بالراهب الروسي راسبوتين لغموضه وسحر شخصيّته. وقد زاره منذ سنوات صحفيان هولنديان في الاستديو الذي يملكه ووصفا ذلك المكان بأنه عبارة عن صالة ضخمة ُطلي فيها كل شيء باللون الأسود؛ الجدران والسقف والأرضية.
وعلى الجوانب اصطفّت تماثيل من عاج ومصابيح أثرية وثريّات ذهبية وساعة قديمة ومجسّم لسفينة بريطانية مشهورة. بينما ازدانت الأرضية بمجموعة من السجّاد الفارسي الفاخر وعلقت على احد الجدران لوحة للرسّام الهولندي كارل ابل.
إن إحدى سمات موسيقى فانغيليس هي أنها موسيقى تخاطب القلب والروح في المقام الأول. ولا يشغل بال الفنان، على ما يبدو، أن تحتلّ أعماله قائمة التسجيلات الأكثر مبيعا أو رواجا.
ومن بين أعماله خصّص فانغيليس البوما اسماه "إل غريكو" وقد أراد من خلاله أن يكرّم مواطنه الرسّام اليوناني - الاسباني الشهير. كما خصّص ريع الألبوم لإنشاء صندوق مهمّته البحث عن لوحات إل غريكو وشراؤها وإحضارها لليونان.
إن الثقافة اليوناينة غنيّة ومعطاءة، وقد منحت اليونان العالم العديد من الأسماء اللامعة في شتى ميادين الإبداع والعطاء.
وفانغيليس هو بلا شك احد هؤلاء.
وقد كافأه الاتحاد العالمي للفلكيين على اهتمامه بموسيقى الفضاء والعوالم الأخرى بأن أطلق اسمه على احد الكواكب الصغيرة التي تبعد عن الشمس حوالي 347 مليون ميل. ويقع "كوكب فانغيليس" على مقربة من ثلاثة كواكب أخرى تحمل أسماء بيتهوفن وموزارت وباخ.
يمكن سماع موسيقى فتح الجنّة هنا ، أو هنا بتوزيع مختلف. كما يمكن الاستماع إلى عربات النار هنا أو هنا ..

Sunday, May 04, 2008

Morgan Weistling - Illuminated

بعض الأعمال الفنية تحبّها وتألفها من النظرة الأولى. وكلما رأيتها كلما انجذبت إليها وراقت لك أكثر. وطبعا لست مضطرّا لان تشرح أسباب إعجابك باللوحة ولا ما الذي يشدّك إليها بالتحديد. إذ قد تتعذّر أحيانا الإجابة عن هذا السؤال.
المهم هو أن ترى اللوحة جميلة وأن تحسّ بأنها تثير في نفسك شعورا بالارتياح أو حتى مجرّد الاهتمام. وهذا الكلام ينطبق كثيرا على هذه اللوحة لـ مورغان ويستلينغ (MorganWeistling.com).
وكلّ ما في اللوحة يثير الخيال ابتداءً من نظرات الفتاة التي تبدو وكأنها مستغرقة في حلم، إلى ملابسها البسيطة وطيف الابتسامة الخفيفة والغامضة على شفتيها، ثم منظر الشمعة التي تحملها باعثة الدفء والسكينة في إحدى ليالي الشتاء الباردة، أو هذا على الأقل ما يوحي به المشهد الذي أمسك به الفنان من منتصفه ثم تركه مفتوحا على النهايات.



وهذه نسخة معدّلة من نفس اللوحة لكن بتأثير برامج تحرير الصور والرسوميات، وقد عثرت عليها بالصدفة في أحد مواقع التصوير الرقمي..

Music: Katherine Jenkins - Nella Fantasia ‎