:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Saturday, November 30, 2019

جماليات النستعليق

كنت على الدوام شغوفا بالخطّ العربي، ولطالما نظرت إلى العديد من نماذجه متأمّلا ومستحسنا ومتمنّيا بنفس الوقت لو أنني أتقنها.
وعلى مرّ سنوات، تعلّمت بعض أنواع الخط، كالرقعة والنسخ والديواني. لكن الخطّ الذي أحببته أكثر من غيره، وهو النستعليق، بدا لي دائما متمنّعا وبعيدا وصعبا.
لكن لأن الاهتمام موجود والرغبة في التعلّم متوفّرة، فقد بدأت تعلّمه وحقّقت نتائج لا بأس بها. والنموذجان المتضمّنان في هذا الموضوع هما من خطّي. أظنّ أنهما مقنعان لدرجة ما، مع أنني أطمح في المزيد من التجويد والإتقان، وهذا يتأتّى بالمزيد من المران والتدريب.
ولا شكّ لديّ في أن الخطّاط المحترف العارف بخفايا وأسرار هذا الخطّ لا بدّ وأن يكتشف بعض الملاحظات والنواقص عندما ينظر إلى الصورتين المرفقتين.
مثلا سيعرف بأنني شبكت بين نقاط الحروف خلافا للقاعدة التي تقضي بأن تكون متباعدة. ثم اضطررت لرسم الحروف بأكثر ممّا ينبغي، والسبب هو أنني استخدمت قلما عاديا وليس من أقلام الخشب الموصى عادةً باستخدامها لكتابة خطّ النستعليق بمستوى إتقان أفضل.
وقد لاحظت أن قواعد الكتابة بهذا الخط دقيقة وصارمة، بحيث لا تسمح بالكثير من التجريب والاجتهاد بعد أن استقرّت منذ حوالي ثمانمائة عام.
ومن خلال التجربة، اكتشفت أن على من يريد إتقان هذا الخط ألا يخلط بينه وبين الخطّ الديوانيّ. وقد وقعت في نفس هذا الخطأ في البداية، لكن سرعان ما عدّلته واتبعت القواعد الأصلية.


خطّ النستعليق فيه الكثير من الفنّ والشاعرية والإبداع. وإن أردت أن تتأكّد من هذا فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة على المخطوطات القديمة المكتوبة بهذا الخطّ ومعظمها من كتب الشعر والملاحم.
وهناك من يعتبر هذا الخطّ أجمل الخطوط وأكثرها أناقةً، وربّما أصعبها، لدرجة انه يُسمّى أحيانا بملك الخطوط. ويبدو أن شهرته تعود في الأساس إلى كثرة انحناءاته التي تميّزه والطريقة المرنة التي ينساب بها عبر صفحة الكتابة.
وهناك سمة أخرى غامضة تتعلّق بالشعر الفارسيّ الذي يُكتب بهذا الخط، أي شعر الخيّام وحافظ وسعدي والرومي، الممزوج عادة بأفكار ومعتقدات صوفية.
ويقال إن أشكال الحروف في النستعليق تحاكي بطريقة ما الانثناءات والانحناءات الموجودة في الطبيعة. وقد رأيت بالفعل كتاب دليل قديما لهذا الخطّ يتضمّن رسومات ونباتات وحيوانات تضاهي بعض أجزائها أشكال وانحناءات الأحرف المكتوبة بالنستعليق.
وهناك خاصّية أخرى تميّز هذا الخطّ، وهي انحداره من أعلى لأسفل، أي انه لا يوجد مستوى أو ارتفاع محدّد وثابت لأيّ حرف.
وهناك اليوم ما لا يقلّ عن عشر لغات من بينها العربية تستخدم النستعليق في الكتابة، ويبدو أن لهذا علاقة بانتشار الثقافة الفارسية في البلدان المجاورة.
وثمّة شبه اتّفاق على أن الخطّاط ميرعلي التبريزي هو الذي ابتكر خطّ النستعليق في القرن الرابع عشر بمزجه خطّ النسخ مع خط التعليق. وفي العهد الصفوي، في القرن السادس عشر، أصبحت المنمنمات تُزيّن بهذا الخطّ، خاصّة في كتابة القصائد والأشعار وكلمات الحكمة وما إلى ذلك.
للموضوع بقيّة.

Saturday, October 12, 2019

ميلودراما يان ستين

في تاريخ الرسم، هناك مرحلة اتّفق مؤرّخو الفنّ على تسميتها بالعصر الذهبيّ للرسم الهولندي والذي امتدّ طوال القرن السابع عشر. والحقيقة انه ليس من السهل أن يعجب المرء اليوم بالكثير من الفنّ الذي أُنتج خلال تلك الفترة. وهناك الآن منه الكثير في المتاحف وفي المجموعات الفنّية الخاصّة. ومعظمه عصيّ على الفهم بمعايير هذه الأيّام.
لكن بطبيعة الحال فإن رمبراندت وفيرمير، وإلى حدّ ما هولس، يُعتبرون متميّزين عن غيرهم. ثم هناك تيربورش الذي يجبرك على أن تتوقّف أمام لوحاته لتتأمّل تفاصيلها وألوانها المدهشة.
وهناك اسم خامس هو يان ستين الذي يبدو انه ما يزال يتمتّع حتى اليوم بحضور لافت بدليل المعارض التي تقام لأعماله من وقت لآخر. تفاصيل لوحاته المرحة والمليئة بالحياة لا بدّ وأن تدفع كلّ من يراها للابتسام، مع أن المرح سمة نادرة في الرسم عموما.
ربّما كان الناس في الماضي يظنّون أن كون الفنّان مرحا ينزع عنه لباس الوقار والجدّية ويجرّده من العظمة. غير أن العصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ أنتج عددا كبيرا من الفنّانين الهزليين. وما من شك في أن سخريّتهم التي تُشيع السعادة هي من بين انجازات ذلك العصر.
كان يان ستين أفضل هؤلاء. مناظره المنزلية التي تمتلئ بالفوضى تبعث على الابتسام، على الرغم من الرسائل الأخلاقية الثقيلة التي تحملها. لكن ستين رسم، بالإضافة إلى صوره المنزلية، عددا من اللوحات التي تتناول قصصا من العهد القديم.
وإحدى لوحاته من النوع الأخير اسمها "غضب اخشورش". واخشورش (أو Xerxes كما يُكتب اسمه باللاتينية) كان ملكا فارسيّا حكم قبل أكثر من ألفي عام إمبراطورية واسعة كانت تضم بالإضافة إلى بلاد فارس أراضي تركيا والأردن ولبنان وفلسطين وغيرها.
وفي اللوحة التي رسمها ستين (فوق)، يظهر الملك مرتديا عمامة مع ملامح وجه غضوبة، وأمامه يجلس كبير وزرائه هامان الذي ينتسب إلى العماليق الذين عُرف عنهم كراهيّتهم الشديدة لليهود.
تقول القصّة إن ايستر زوجة اخشورش اليهودية الظاهرة في اللوحة (يقال أن اسمها مشتقّ من اسم الإلهة عشتار) دعت زوجها الملك ووزيره هامان إلى وليمة في القصر. ولوحة ستين تصوّر جانبا من تلك الوليمة، أو بالأصح اللحظة الدرامية التي تنتقم فيها ايستر من هامان كاره قومها.
المصادر التاريخية تذكر أن هامان كان قد نجح في استصدار قرار من الملك بقتل جميع اليهود في الإمبراطورية. لكن هذه المرأة بدهائها وجمالها استطاعت أن تحبط الخطّة وأن تقنع اخشورش بقتل هامان، بل وجميع أعداء اليهود. وقد تحقّق لها ما أرادت ثم خلا لها الجوّ وأصبحت المتصرّفة بلا منازع في شئون الإمبراطورية.
في الصورة تبدو ايستر بهيئة امرأة جميلة ترتدي فستانا زهريا رائعا، بينما اخشورش يقفز في غضب من على كرسيّه بعد سماعه كلامها ويحكم على هامان من فوره بالموت. وقد صوّر ستين تلك اللحظة بالكثير من التفاصيل. لكن ستين ليس رمبراندت. وإن كنت تبحث عن العمق الانفعاليّ أو الإحساس بالخلاص فلن تجد من هذا شيئا في هذه اللوحة. لكن بعض تفاصيلها لا تخلو من كوميديا. فالملك الشرقيّ الشموليّ كامل بلحيته وعمامته. والمرأة التي ترتدي ثوبا هولنديا من ذلك الزمن تبدو صغيرة على اللباس وغير مقنعة في دور المرأة اليهودية المغرية. أما هامان، بتعابيره التي تنطق بالصدمة والهلع، فيذكّرنا بالمهارات التمثيلية المبالغ فيها في بعض المسارح.
استمرّ ستين في رسم المزيد من اللحظات المسرحية المسليّة والمستمدّة من القصص الدينية، فرسم شمشون لحظة قصّ شعره وكأننا أمام حفلة عشاء صاخبة لمجموعة من السكارى في هارلم.
حادثة اخشورش و ايستر وقعت حوالي عام 480 قبل الميلاد. ومنذ تلك الحادثة واليهود يحتفلون بما يسمّونه عيد البوريم، أي اليوم الذي قُتل فيه هامان ومن ثم مُنحوا الرخصة بقتل كلّ من يعتبرونه عدوّا.
كلّ الدراما والإيماءات والملابس في هذه اللوحة تحمل علامات المسرح الشعبي الهولندي. وفي كلّ لوحاته يكشف ستين عن تأثّره بذلك المسرح. كانت المسارح آنذاك تعرض قصّة ايستر وزوجها بانتظام. وكانت هولندا واقعة بين براثن الاحتلال الاسبانيّ، لذا فإن فكرة أن "شعبا مختارا" تنقذه بطلة جميلة كان لها وقع وطنيّ قويّ في نفوس الهولنديين في ذلك الوقت.

Credits
thetimes.co.uk

Sunday, September 15, 2019

صور من العصر الجليدي الصغير

كان الرسّام هندريك ايفركامب (1585-1634) المعلّم الذي لا ينافَس في رسم مناظر الثلج. وقد أرست صوره المعايير الأساسية لتصوير الحياة على الثلج في رسوم الطبيعة الهولندي خلال القرن السابع عشر.
لوحته الموسومة (طبيعة شتوية مع متزلّجين) من عام 1608 هي مثال على براعته وإتقانه. والأشخاص الذين يظهرون فيها ينتمون لمختلف طبقات المجتمع الهولندي. وجميعهم منهمكون في كافة أنواع الأنشطة التي يمكن تخيّلها ويمكن أن تمارَس على الجليد.
فالأطفال يتقاذفون كرات الثلج في ما بينهم والفلاحون يبحثون عن طعام إضافي يردّ عنهم غائلة الجوع الذي كان مألوفا وقتها في الشتاء، ووسيلتهم في ذلك نصب الفِخاخ لاصطياد الطيور. وفي اللوحة أيضا نرى الماء يُحمَل في دلاء من حفرة. وكلّ شيء ممتزج بتناغم وحميمية في الأجواء الشتوية للأراضي المنخفضة خلال ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير.
وطبقا للمؤرّخين، فإن ذلك العصر يغطّي الفترة من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، حيث كانت درجات الحرارة في أوربّا اشدّ انخفاضا بكثير مما هي عليه هذه الأيّام وكانت أيّام الشتاء وقتها أطول وأشدّ قسوة.
وبشكل عام تأثّرت الحياة بقوّة بهذه الظاهرة المناخية. ولا غرابة في أن الحديث عن المناخ وقتها في بلد مثل الجمهورية الهولندية "آنذاك" كان مهيمنا على أحاديث الناس واهتماماتهم الاجتماعية.
وقد خبِر هذا الشعب الذي يتألّف في الأساس من رجال بحر وتجّار وفلاحين ذلك التغيير الدراماتيكي الكبير في المناخ وأصبح لزاما عليهم أن يعتادوا على فصول شتاء طويلة وقارسة البرد.
لكن العصر الجليديّ الصغير لم يكن تجميدا على الدوام، بل كانت تأتي فصول صيف اقلّ برودة وأكثر تحمّلا. وفي الحقيقة كانت هناك علاقة قويّة بين ذلك التغيير المناخي الكبير وبين رسم الأجواء المثلجة في لوحات ذلك الزمن.
ويمكن القول أن لوحات الرسام الألماني بيتر بريغل في منتصف القرن السادس عشر والتي تصوّر الحياة في بعض القرى والبلدات في ذروة الشتاء كانت مرتبطة هي أيضا بالتغيير المناخيّ في أوربّا في ذلك الوقت.
ولا بدّ وأن الرسّام ايفركامب كان يعرف تلك اللوحات التي رسمها بريغل وأتباعه في أمستردام مثل هانز بول وسواه. لكن ايفركامب ذهب إلى ابعد من ذلك، وفي الواقع يمكن القول انه الرسّام الذي حوّل مناظر الثلج إلى نوع مستقلّ وقائم بذاته من الرسم. وايفركامب كان ينتمي إلى الجيل الأوّل من رسّامي الطبيعة الهولندية، كما كان هو أيضا احد الروّاد في رسم السماء التي تعلو بلده.
في لوحاته المبكّرة التي تأثّر فيها بتقاليد الطبيعة الفلامنكية، كان ايفركامب يميل إلى وضع قلعة أو بناء مرتفع في أفق المنظر الطبيعيّ. لكن في حوالي عام 1609 بدأ يرسم مناظره بأفق منخفض، كما أن الامتداد الواسع للثلج بدا وكأنه يمتدّ نحو الأبدية، أي أن تصوير حالات الجوّ - وخاصّةً المزاج الذي يستثيره البرد - أصبح يهيمن أكثر على لوحاته.
ومعظم مناظر ايفركامب الثلجية تتوهّج بشعاع الشمس الشاحب الذي اعتاد الناس رؤيته في أيّام الشتاء. ومن الملاحظ أن السماء لا تمطر ثلجا أيدا في لوحاته.
ولأنه كان يرسم الثلج دائما، فإننا نرى في صوره أسطحا ناعمة ومشعّة تعكس ألوان الأشياء التي تجاورها. وقد اثبت ايفركامب على الدوام انه رسّام قويّ الملاحظة للطبيعة والناس. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن أتباعه من رسّامي الطبيعة الهولندية الذين صوّروا حالات المناخ التي سادت ذلك الجزء من أوربّا أثناء ما عُرف بالعصر الجليديّ الصغير.

Credits
rijksmuseum.nl