:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, January 19, 2019

قراءات مؤجّلة


صرفتُ بعض الوقت مؤخّرا لقراءة بعض الكتب التي كنت اشتريتها في أوقات مختلفة، لكن لم تسعف الظروف لقراءتها.
  • الكتاب الأوّل رواية "الحبّ في زمن الكوليرا" لغارسيا ماركيز. هذه رواية ملحمية بامتياز يمتزج فيها الواقع بالخيال. السرد سهل ومشوّق ولا يخلو من روح السخرية والشاعرية التي يتصف بها أسلوب ماركيز.
    في هذه الرواية كتب الروائيّ الكولومبيّ إحدى أشهر عباراته التي يجري اقتباسها كثيرا، واصفا فيها شعور بطلي روايته اللذين التقيا بعد فراق دام خمسين عاما. يقول: لقد أدركا أن الحبّ هو الحبّ في كلّ زمان ومكان، وإنه ليبدو أكثر قوّة كلّما اقتربا من الموت".
    وهناك أيضا وصف ماركيز الرائع لشعور بطلي الرواية بعد لقائهما وهما على حافّة الشيخوخة: كلاهما خائف لا يعرفان ماذا يفعلان في تلك المسافة البعيدة عن صباهما على المصطبة المبلّطة في منزل غريب تنبعث منه رائحة أزهار المقبرة.
    ويضيف: بعد مرور نصف قرن، ها هما ولأوّل مرّة وجها لوجه، ولديهما ما يكفي من الوقت لرؤية بعضهما بوضوح وكما هما فعلا: عجوزان يترصّدهما الموت، لا شيء يجمع بينهما سوى ذكرى ماض غابر لم يعد ماضيهما وإنّما هو ماض لشابّين ماتا".
    "الحبّ في زمن الكوليرا" رواية مشوّقة فعلا وهي لا تقل إمتاعا عن رواية ماركيز الأشهر "مائة عام من العزلة".
  • الكتاب الثاني "اسمي احمر" رواية الكاتب التركي اورهان باموك. لسوء الحظ لم استطع قراءة أكثر من أربعين صفحة من الرواية وبعدها توقّفت. والسبب هو أنّني وجدتها بطيئة ومملّة، مع قدر كبير من الإبهام. لذا لم أجد فيها ما يحرّضني على متابعة قراءتها، فركنتها جانبا.
    ولاحظت من خلال التقليب السريع لبعض صفحات الرواية حديث الكاتب عن الألوان والمنمنمات والرسومات القديمة. لكن ذلك لم يغيّر رأيي فيها. وهذا بالتأكيد مجرّد انطباع شخصيّ، إذ قد يكون غيري ممّن قرءوا الرواية وجدوا فيها غير ما وجدته.
  • الكتاب الثالث رواية "ليون الأفريقي" لأمين معلوف. في الرواية يسرد المعلوف بطريقة ممتعة قصّة حياة الحسن بن محمّد الوزّان المولود في غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر والمعروف في الغرب بليون الأفريقي.
    نقطة التحوّل في حياة الوزّان حدثت عندما اختطفه قرصان صقلّي يُدعى بييترو بوفاديليا وقدّمه هديّة إلى البابا ليون العاشر دي ميدتشي حبر روما الأعظم وأمير المسيحيين كوسيلة من القبطان للتوبة والتكفير عن ماضيه الإجرامي.
    في مقدّمة الرواية يكتب الوزّان رسالة لابنه وهو في طريق عودته من روما إلى شاطئ أفريقيا بعد انتهاء رحلته الطويلة يقول فيها: لسوف تسمع من فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامّية الايطالية، لأن جميع اللغات وكلّ الصلوات ملك يدي. وستبقى بعدي يا ولدي تحمل ذكراي وتقرأ كتبي.
    ويضيف: ماذا ربحت وماذا خسرت وماذا أقول للديّان الأعظم: لقد أقرضني أربعين عاما بدّدتها في الأسفار، فعشت الحكمة في روما والصّبابة في القاهرة والغمّ في فاس، وما زلت أعيش طهري وبراءتي في غرناطة".
    "ليون الأفريقي" رواية ممتعة يمتزج فيها التاريخ بالخيال، والذي لم يقرأها بعد أوصيه بقراءتها.
  • Sunday, January 13, 2019

    رمبراندت أم دافنشي ؟

    في هولندا أُعلن رسميّا أن 2019 هو عام رمبراندت. وأكبر المتاحف الهولندية أعلنت عن تنظيم العديد من المعارض احتفالا بمرور ثلاثمائة وخمسين عاما على وفاة رمبراندت في عام 1669.
    لكن رمبراندت ليس وحده المحتفى به هذا العام الذي يصادف أيضا ذكرى مرور خمسمائة عام على وفاة ليوناردو دافنشي في عام 1519.
    والكثير من الكتّاب رأوا في تزامن هاتين المناسبتين فرصة لطرح هذا السؤال: ترى أيّهما أعظم رمبراندت أم دافنشي؟
    قد يكون الرهان الذكيّ على رمبراندت. ففنّه عميق ومأساويّ ومثير للأفكار والمشاعر. يمكن القول أن بورتريهاته هي المعادل الفنّي لمأساة الملك لير. وروح الإنسان على إطلاقه متجسّدة في صوره.
    في المقابل فإن ليوناردو نجم شعبيّ، وهو ما يزال يشغل الناس حتى بعد مرور خمسة قرون على رحيله. وبالتأكيد لن تشعر بالعزلة وسط كلّ ذلك العدد الكبير من الهواتف الذكيّة التي يحملها السيّاح الذين يفدون إلى اللوفر ليقفوا أمام تحفته "الموناليزا".
    البورتريه الذي رسمه رمبراندت لنفسه بعنوان بورتريه شخصيّ مع دائرتين (الصورة فوق) لا يُرجّح أن تراه محاطا بالكثير من الزوّار والكاميرات في ما لو أتيحت لك زيارته في متحف كينوود هاوس في لندن.
    يمكنك هناك أن تحدّق في عيني الرسّام المظلمتين وهما تتأمّلانك. حضوره الواعي يتبدّى من خلال الألوان الهادئة والناعمة.
    انه يستخدم فرشاته ليخلق نفسه وليخلق في نفس الوقت ما يبدو انه خارطة ناقصة للعالم. رمبراندت يبدو نبيلا وغير كامل، يحدّق فيك كما يحدّق شخص متعب في آخر.
    هل أنجز ليوناردو دافنشي شيئا بمثل هذه الدرامية والإنسانية؟
    قصّة ليوناردو تشبه الحكايات الخيالية. وهناك صورة ذهنية عنه في طفولته وهو يشتري الطيور من السوق فقط لكي يحرّرها ويطلقها في الجوّ.
    إن من التجنّي أن تقارن صورة رمبراندت لنفسه بلوحة الموناليزا. أعجوبة ليوناردو الحقيقية هي رسوماته الأوّلية أو اسكتشاته.
    هو لم يكمل سوى القليل من اللوحات، لكنه لم يحلّق عاليا سوى في اسكتشاته. في صفحات متتالية من مفكّرته، رسم ليوناردو دراسات للطيور والطبيعة والآلات والأسلحة والتحصينات، كما بحث في أسرار الطيران.
    لكن أعظم تجليّات دافنشي البصرية هي رسوماته التشريحية. هذه الرسومات هي ردّه على بورتريهات رمبراندت، كما أنها في نفس الوقت معجزات علمية.
    ذات مرّة كتب ليوناردو عن الرعب الذي شعر به عندما قضى ليلة بأكملها في غرفة تشريح محاطا بهياكل الموتى. ومن تلك التجارب أنتج رسومات أعمق من رسومات رمبراندت. وبدلا من أن يتأثّر بملامح وجه، كان ليوناردو يحفر ويقطع بحثا عن البنى الخفيّة للإنسان.
    وليس هناك من عمل فنّي مثير للأحاسيس من رسمه للجنين في بطن أمّه (الصورة فوق). غموض رسوماته المخيفة للرئتين والقلب، ودقّة رسوماته للعين والدماغ تتمتّع جميعها بحساسية شديدة ومبهرة.
    بالتأكيد يمكن اعتبار رمبراندت شكسبير الرسم. لكن ليوناردو هو شكسبير وآينشتاين والأخوان رايت مجتمعين في شخص واحد.

    Credits
    theguardian.com

    Tuesday, January 08, 2019

    زونارو: الرسّام المنسيّ


    هذه الأيّام لا يكاد احد يتذكّر اسم فاوستو زونارو. لكن قبل أكثر من مائة عام، كان هذا الرسّام الايطالي أشهر فنّان أوربّي عمل وعاش في الشرق.
    كانت لوحاته عبارة عن وثائق تاريخية. وبعضها يُظهر مواقع في اسطنبول لم تعد قائمة اليوم كما أنها غير معروفة بالنسبة للكثيرين. وهي تعكس احتفالات وعادات ومراسم وتقاليد من الزمن العثمانيّ.
    ولد زونارو عام 1854 وأظهر منذ طفولته شغفا بالرسم. وتعلّم في ما بعد في بادوا ثم في أكاديمية فيرونا. وبعد أن عمل في نابولي وفي مدن أخرى عدّة سنوات، قرّر أن يستقرّ في فينيسيا.
    وفي عام 1891، حدثت نقطة تحوّل مهمّة في حياته، عندما وقع في حبّ إحدى تلميذاته وتُدعى اليزابيتا بانتي. ثم قرّر الاثنان أن يتزوّجا ويذهبا إلى اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية. وكان ملهم الرسّام لتلك الرحلة ديوان شعر كان قد قرأه لشاعر ايطاليّ يُدعى ادموندو دي اميتشيز يسرد فيه انطباعاته بعد رحلة له لتلك المدينة المشرقية.
    في اسطنبول افتتح زونارو لنفسه محترفا، وحظي برعاية السفيرين الايطاليّ والروسيّ لدى البلاط اللذين قدّماه إلى السلطان عبدالحميد الثاني. ولم يلبث الأخير أن عيّنه رسّاما للبلاط، حيث شغل تلك الوظيفة لأكثر من أربعة عشر عاما. وقد رسم ضيوف السلطان من الأجانب، خاصّة الذين يأتون من أوربّا، كما رسم لوحات متعدّدة لمعالم المدينة.
    كان عبدالحميد نفسه شخصا محبّا للفنون وراعيا للفنّانين، وفي نفس الوقت كان رسّاما موهوبا. وكان قصر يلدز في زمانه أشبه ما يكون بأكاديمية الفنون كما نعرفها اليوم. وكان هناك بهو مخصّص للرسّامين الذين كانوا يعامَلون بلا تمييز من حيث جنسياتهم أو دياناتهم أو لغاتهم أو أعراقهم، وكان البهو يُستخدم في نفس الوقت لتعليم الطلبة الرسم.


    مع مرور الأعوام، تعلّم زونارو اللغة التركية وأتقنها وأصبح أكثر قربا من أوساط الحكم بفضل رسوماته التي صوّر فيها شجاعة وبطولة الجنود الأتراك في مقارعة اليونانيين أثناء حرب عام 1897.
    وقد كافأه عبدالحميد على ذلك مكافأة مجزية وخصّص له منزلا كبيرا يمتدّ على مساحة أكثر من ألفي متر مربّع. وفي ذلك البيت كان زونارو يستقبل ضيوفه من كبار مسئولي الدولة. كما خصّص جزءا من المنزل ليكون ورشة فنّية يرسم ويعرض فيها لوحاته.
    لكن حظوظه تغيّرت فجأة عندما أزيح السلطان عبدالحميد عن العرش في ثورة عام 1908. وقد أراد زونارو أن يرسمه بعد تلك الأحداث، فأخبر السلطان برغبته تلك واستطاع في النهاية أن يقنعه وأصبح هو الفنّان الوحيد الذي رسم بورتريها للسلطان.
    بعد الانقلاب على عبدالحميد، صُرف زونارو عن الخدمة ولم يعد لديه وظيفة. كما صودرت كافّة الحقوق والامتيازات التي كان يتمتّع بها. ومع ذلك أبدى رغبته في أن يبقى في اسطنبول وأن يستمرّ في تأدية واجباته بطريقة مختلفة.
    لكن في ما بعد قرّر أن يعود إلى روما على متن قطار الشرق السريع في مارس من عام 1910. ثم انتقل إلى سان ريمو إحدى أجمل مدن الريفييرا الايطالية. وفي السنة التالية رسم مناظر للأماكن التي تجوّل فيها على امتداد الساحل. كما استمرّ يرسم مواضيع من وحي تجربته وذكرياته المشرقية.
    رسوماته لشواطئ انتيب التي أنجزها في تلك الفترة تشبه كثيرا رسومات مونيه أبي الانطباعية. وقد قيل انه لو أن زونارو كرّس نفسه لرسم الريفييرا الفرنسية والايطالية بدلا من التركيز على الرسم الاستشراقي، لربّما كان الناس سيتذكّرونه اليوم كما يتذكّرون مونيه وسيسلي وبيسارو وغيرهم من رموز الانطباعية.
    ظلّ فاوستو زونارو يعيش في سان ريمو حتى وفاته في يوليو من عام 1911. ولوحاته موجودة اليوم في متاحف اسطنبول وجنوا وميلانو وباريس وغيرها.

    Credits
    pictorem.com