:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Thursday, September 24, 2020

ليلة أخرى مرصّعة بالنجوم

آدم إلزهايمر ليس اسما شائعا أو مألوفا. لكنّ هذا الرسّام الألمانيّ يعرفه مؤرّخو الفنّ بسبب هذا المنظر الليليّ الذي رسمه قبل أكثر من أربعمائة عام.
وعندما توفّي الفنّان في سنّ الثانية والثلاثين، لم يترك أيّ أثر عن الفترة القصيرة التي عاشها على الأرض، باستثناء هذه اللوحة التي وُجدت في غرفة نومه بعد وفاته.
كانت اللوحة، واسمها "الرحلة إلى مصر" تحفته بلا منازع. وقد أثارت حيرة المؤرّخين لأنها أوّل منظر مرسوم بواقعية للسماء الليلية في كلّ تاريخ الرسم. القمر والنجوم، وحتى مجرّة درب التبّانة التي لا تُرى عادة إلا بصعوبة، رُسمت بدقّة شديدة. بل إن بالإمكان أيضا تمييز كوكبتي الأسد والدبّ الأكبر بوضوح في سماء المنظر.
وهناك اليوم من العلماء من يؤكّدون، من خلال الحسابات الفلكية والسجلات التاريخية، أن منظر السماء الليلية في اللوحة يتوافق مع شكل سماء روما في تلك الليالي من شهر يوليو عام 1609م.
والسؤال المحيّر: كيف تسنّى للرسّام أن يفعل هذا؟ هل كان يعرف فلكيين؟ هل استخدم تلسكوبا، على الرغم من ندرة التلسكوبات في ذلك الوقت؟
عندما نُظّم معرض إستعاديّ لأعمال آدم إلزهايمر قبل بضع سنوات، أطلق المنظّمون على المعرض اسما معبّرا هو "الشيطان في التفاصيل". وأرفقوا بكلّ تذكرة دخول إلى المعرض منظارا مكبّرا قيمته ستّة جنيهات لتسهيل رؤية التفاصيل في اللوحات الصغيرة المعروضة. كما اختاروا لغلاف الكرّاس المرافق للمعرض منظرا ينيره ضوء القمر، وهو تفصيل من لوحة إلزهايمر الأشهر، أي "الرحلة إلى مصر".
وكان ذلك اختيارا موفّقا. فاللوحة تكفي لإثبات أحقيّة الرسّام لأن يكون شخصا مهمّا في تاريخ الفنّ. مع أنك لو نظرت من بعيد إلى حيث توجد اللوحة اليوم في إحدى صالات متحف في ميونيخ لما لفتت انتباهك، لكن عند اقترابك منها ستُذهل لروعتها وجمال تفاصيلها.
في "الرحلة إلى مصر" يستدعي إلزهايمر كلّ مهارته ليرسم تنويعا أصيلا ومتفرّدا على قصّة معروفة وشائعة. والغريب انه كان أول فنّان يرسم القصّة في الليل وكما روتها المصادر الدينية.
ومثل معظم لوحات إلزهايمر، فإن هذه القصّة داخل المنظر الطبيعي صغيرة. وقد رسمها على النحاس الذي يكشف سطحه الأملس عن لمعان الطلاء الزيتيّ، ما يجعل الألوان تبدو متوهّجة والتفاصيل في غاية الوضوح.
في مقدّمة الصورة، أمام غابة مظلمة، نرى عائلة المسيح الطفل أثناء رحلة هروبهم من بطش الملك هيرود الذي أمر بقتل كلّ طفل يولد في مملكته خوفا من أن يكون هو النبيّ الموعود.
الضوء المنبعث من الشعلة التي يمسك بها يوسف النجّار، ذو الرداء الأحمر، لامع بما يكفي لرؤية تقاطيع وجهي المسيح وأمّه التي تمسك به. ويوسف الجالس بالقرب منهما يمدّ يده بحنوّ إلى الطفل ويداعبه. الأشخاص الثلاثة ضائعون في الليل بين بحيرة ساكنة ونار قريبة وقمر منعكس في الماء.
عتمة الأشجار خلفهم هي رمز للظلام والخطر. والغيوم إلى اليمين تُعطي شعورا بالانزياح وتبدو وكأنّها تتحرّك طالما أنت تنظر إليها. إنها لوحة ناعمة ومتوتّرة معا بسبب موضوعها. والليل فيها مرسوم كمعجزة ودليل هداية على الطريق. والضوء الآتي من القمر يجمّد حوافّ الظلام.
وإلى اليسار يظهر بضعة أشخاص آخرين يغمرهم ضوء أقوى. وهؤلاء هم مجموعة من الرعاة الذين يسهرون على رعاية مواشيهم في هذا المكان.
ووجودهم في الصورة استمدّه الرسّام من قصّة الرعاة الذين تلقّوا خبر ولادة المسيح من ملاك وذهبوا إليه كي يشهدوا على نبوءته كما تقول القصّة. وهذه الجزئية في الصورة تخلق إحساسا بالسكينة وتبدّد شيئا من قلق الرحلة.


ما رسمه الفنّان في اللوحة هو مزيج من الطبيعة الحقيقية والشاعرية. السماء الزرقاء تهيمن على المنظر. والقمر المكتمل المتوهّج والمنعكس نوره في البحيرة الساكنة هو المصدر الأقوى للضوء الذي ينير المشهد ويتخلّل الأشجار القريبة والأبعد قليلا.
إنها ليلة أخرى مرصّعة بالنجوم، نهر من النجوم الصغيرة تتناثر في سماء المنظر وتختفي خلف الأشجار. التأثير هنا ساحر، فهذا أوّل رسم لمجرّة درب التبّانة قريب من الحقيقة. بل إن مؤرّخي الفنّ يعتقدون أن هذا هو أوّل مشهد لقمر مضيء واقعيّ في تاريخ الرسم الغربيّ.
وعلى الأرجح لا يوجد رسم للنجوم، بهالاتها الباردة وسطوعها الغريب، أفضل مما تقدّمه هذه اللوحة. ويمكنك، ليس فقط تمييز النجوم والكواكب، وإنما أيضا سترى، ربّما لأوّل مرّة، تجسيدا صحيحا علميّا لدرب التبّانة.
كما سترى كوكبة الأسد المرتبطة بالملوكية والقوّة، مع ألمع نجومها، أي النجم المسمّى "ريغولوس" أو الملك الصغير. وهناك أيضا كوكبة الدبّ الأكبر المرتبطة بـ "دايانا" ربّة القمر ورمز العفّة والعذرية والطهر، وكلّها صفات للعذراء.
يقول احد النقّاد: مع هذه اللوحة لم تعد سماء الليل مجرّد عباءة سوداء، بل تحوّلت إلى رمز لفضاء لا تحدّه حدود ومليء بالمجازات والرؤى.
ويُرجّح الآن أن إلزهايمر، أثناء إقامته في روما، تواصل مع فلكيين كانوا، بدءا من منتصف عام 1609، يستخدمون التلسكوبات لاستكشاف السماء.
وقد أثبت خبراء هولنديون عام 2005 أن الرسّام وظّف معرفته الفلكية في رسم اللوحة وأنه لا بدّ أن يكون قد استخدم تلسكوبا. فالطبيعة السماوية في المنظر تتوافق بدقّة مع مواقع القمر ومنازل النجوم في سماء روما في ذلك الشهر من تلك السنة.
ولد الرسّام آدم إلزهايمر عام 1578 في مدينة فرانكفورت لأب كان يعمل خيّاطا. وبدأ دراسة الفنّ هناك قبل أن ينتقل إلى ميونيخ التي درس فيها على يد فيليب اوفنباخ.
وبحلول عام 1598، غادر إلى ايطاليا والتحق بأكاديمية سانتا لوكا للفنّ التي كانت تضمّ مجموعة من الرسّامين المتميّزين الذين كانوا يرتبطون بدائرة الرسّام الهولندي بيتر بول روبنز.
حقق إلزهايمر شهرة كبيرة أثناء حياته. وكان الزبائن يبحثون عن لوحاته، لكنه لم يكن ناجحا ماليّا لأن نتاجه كان قليلا ومتباعدا. كان يعمل ببطء ويدرس موضوعاته بحرص ويعمل من الذاكرة.
ولطالما اعتبره روبنز فنّانا كسولا على الرغم من موهبته الكبيرة. وقيل انه عانى من الاكتئاب في نهايات حياته. ثم توفّي وعمره لا يتجاوز الـ 32. وكانت "الرحلة إلى مصر" هي آخر ما رسمه.
وعندما توفّي، لم يترك أيّ اثر عن حياته الشخصية. لكننا اليوم نعرف انه أثناء إقامته في ايطاليا، تحوّل من اللوثرية إلى الكاثوليكية ثم تزوّج من امرأة اسكتلندية تُدعى كارولا ستيوارت وأنجبا ولدا، ثم سُجن في ما بعد بسبب ديونه.
وبعد مرور قرون على رحيله، أصبح لإلزهايمر شعبية واسعة في إنغلترا على وجه الخصوص. وقد جمع الملك تشارلز الأوّل أعماله المتوفّرة، ويقال أن ثلثها موجود اليوم في بريطانيا.
أما الأعمال الأخرى فتتوزّع على أفضل المتاحف في أوربّا وأمريكا، بما فيها اللوفر والارميتاج وبول غيتي وغيرها.
ومعروف أن إلزهايمر ترك أثرا على الكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده، وأهمّهم مواطنه الألماني كاسبار فريدريش الذي تُذكّر لوحته "أمسية على شاطئ بحر البلطيق" (1831) بهذه اللوحة.

Credits
wsj.com

Wednesday, September 16, 2020

عن الكتب والقراءة

جمع الكتب لغرض بناء مكتبة خاصّة هو حلم الكثير من الناس، لأن الكتب - والقراءة استطرادا - تثري العقل وتربط البشر بعضهم ببعض وتتناول قصصا صاغت مسيرة الإنسانية على مرّ قرون.
والمكتبة الخاصّة تحكي عادةً قصّة صاحبها ونوعية الكتب التي يقرؤها، ويمكن أن تقول عنه أشياءً قد لا يكشفها حديث طويل معه. كما أننا من خلال الكتب نسافر وتتغيّر هيئاتنا ونعثر على طبيعتنا الحقيقية.
في بيتنا خزانة كتب صغيرة تحتوي على حوالي ثلاثمائة كتاب، وهو رقم متواضع جدّا ولا يرقى لوصفه بالمكتبة الخاصّة. لكن عدد الكتب ليس ثابتا، بل يزيد حينا وينقص أحيانا. والسبب يعود إلى طبيعتي، فأنا لا أمانع في أن يستعير احد منّي كتابا أو أكثر، مع أنني افهم أن الكتاب المستعار نادرا ما يُردّ.
وكثيرا ما أهديتُ كتبا لصديق أو قريب، لأنني لا أؤمن بجدوى أن احتفظ بكتاب بعد أن أكون قد قرأته، والأفضل أن تهديه لغيرك كي يقرأه ويستفيد منه، وبذا تسهم في نشر وتعميم المعرفة.
والحقيقة أنني لا أتذكّر أنني قرأت كتابا فأعجبني إلا وأهديته إلى صديق أو زميل فور انتهائي من قراءته. ويندر أن اقرأ كتابا أكثر من مرّة رغم ما يقال أحيانا عن فوائد القراءة الثانية (لكن هذا حديث آخر).
هناك شيء فاتن على نحو ما في المكتبات الخاصّة وما يمكن أن تقوله عن أصحابها، خاصّة إن كانوا من المشاهير. الكاتب الأرجنتيني بورخيس تحدّث عن هذه الجزئية ذات مرّة في كتابه المشهور "مكتبة بابل". كما تناولتها الكاتبة آذر نفيسي في كتابها "أن تقرأ لوليتا في طهران". وتحدّث عنها أيضا البيرتو مانغويل في جميع كتبه وخاصّة في "المكتبة في الليل".
ومثل هذه النوعية من الكتب تقول لك الكثير عن حياة بعض القرّاء المشهورين ومتى يقرؤون أو يكتبون وما معنى أن تكون قارئا في المقام الأوّل.
وهناك اليوم اتجاه جديد ومتصاعد يتمثّل في حديث نجوم المجتمع عن الكتب التي يقرؤونها. ربّما كان هذا الأمر موجودا من قبل لكنه كان غير منظور، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتكشف عنه أكثر.
وأصبح من المألوف هذه الأيّام أن يظهر بعض المشاهير على التلفزيون ليتحدّثوا من أمام مكتباتهم المنزلية. ومن هؤلاء الأمير الإنغليزي تشارلز الذي ظهر مؤخّرا وهو يقرأ كتابا عن حياة وفنّ جورج ستبس رسّام الخيول المشهور في القرن الثامن عشر.
أن يكون لديك مكتبة خاصّة فكرة روّج لها المجتمع بحجج عديدة، منها أن حبّ الكتب والقراءة مسألة أخلاقية، بينما في الحقيقة لا علاقة حتمية للأخلاق بالقراءة، لأن القراءة لا تنتج أشخاصا طيّبين أو صالحين بالضرورة.
ولو حدث وقابلت شخصا جاهلا أو متغطرسا ولديه نظرة سلبية ومؤذية عن العالم فإن أوّل ما ستفترضه انه لا يقرأ. غير أن هذا ليس معيارا سليما دائما لتقييم طبائع الناس. فهناك أشخاص يقرؤون كثيرا وهم أذكياء ولكنهم بلا أخلاق.
ويقال أحيانا انه لكي تستحقّ أن يُطلق عليك لقب جامع كتب، يجب أن يكون لديك مائة ألف كتاب على الأقلّ.


كارل لاغرفيلد، الاسم المشهور في عالم الموضة والأزياء، قيل انه كان مدمنا على القراءة وكان يمتلك في مكتبته المنزلية أكثر من ثلاثمائة ألف كتاب. وقبل خمس سنوات قال انه لم يعد مهتمّا سوى بجمع الكتب وأنه لم يبقَ في بيته فراغ يسع المزيد منه.
ومكتبة لاغرفيلد تضمّ كتبا بالفرنسية والألمانية والإنغليزية. ولكي يوفّر فراغا إضافيّا في بيته، قام برصّ الكتب بطريقة تجانبية، أي أفقيّا وليس عموديّا.
والحقيقة أن جمع الكتب لا يقتصر على فئة اجتماعية دون غيرها. فحتّى الفنّانين والفنّانات يقرؤون ويجمعون الكتب.
المغنّي مايكل جاكسون الذي كان يُلقب بملك البوب كان خلال حياته ملكا للكتب أيضا ومحبّا للقراءة وزبونا دائما للمكتبات. وكان يحتفظ في مكتبته بعشرة آلاف كتاب.
كان كاتبه المفضّل رالف ايمرسون. ولو زرت مكتبة جاكسون اليوم لرأيت الأماكن التي كان يفضّل الجلوس فيها في بيته، ولوجدت في مكتبته كتبا ما تزال علامات القراءة بين صفحاتها.
وهناك اليوم فنّانون كثر يزوّدون متابعيهم في شبكات التواصل بمعلومات منتظمة عن مكتباتهم الشخصيّة المليئة بالكتب، وينشرون على حساباتهم من وقت لآخر صورا للكتب التي يقرؤونها والأماكن التي يقرؤون فيها في منازلهم.
المخرج السينمائي جورج لوكاس أسّس في نهاية الثمانينات مكتبة تحتوي على سبعة وعشرين ألف فيلم وكتاب وصورة ودوريّة. ومكتبته ليست مفتوحة لعامّة الناس، بل للبعض فقط. وقد زارها من قبل كاري غرانت وهيتشكوك وكلينت ايستوود وغيرهم.
والمفكّرة الألمانية هانّا آرندت كان في شقّتها في نيويورك، حيث عاشت إلى حين وفاتها عام 1975، حوالي أربعمائة كتاب. كانت قراءاتها أدبية في الغالب. ومثل هذا العدد الذي قد يبدو متواضعا كان في مكتبة فرجينيا وولف أيضا.
ذات مرّة، قال توماس جيفرسون: لا استطيع أن أعيش بلا كتبِ". وطبقا لمكتبة الكونغرس فإنه عندما احرق الإنغليز العاصمة واشنطن عام 1814، كان جيفرسون قد بنى اكبر مكتبة شخصية في أمريكا.
وكانت مكتبته تحتوي على أكثر من ستّة آلاف كتاب. وقد باعها إلى الكونغرس مقابل خمسة وعشرين ألف دولار. ثم بدأ جمع الكتب من جديد. وباع المجموعة الجديدة عام 1829 لكي يسدّد بثمنها ديونه.
في السنوات الأخيرة، شاعت عادة تأليف بعض المشاهير لكتب أو مذكرات شخصية يتحدّثون فيها عن حياتهم وانجازاتهم وأفكارهم. ويقال انه كثيرا ما يلجأ الشخص المشهور إلى كاتب مستعار كي يؤلّف كتابه ويكتبه بالنيابة عنه.
ومثل هذه الكتب تبيع جيّدا على ما يبدو ويُقبل الناس على قراءتها بداعي الفضول والرغبة في معرفة التفاصيل المجهولة والحياة الداخلية للنجم، مع أن بعضها في واقع الأمر قد لا تستحقّ ثمنها ولا الوقت الذي يمكن أن يُهدر في قراءتها. لكن هذا لا ينفي أن من المشاهير من لا تعوزهم القدرة ولا المعرفة لتأليف كتب عظيمة وملهِمة.

Credits
bookriot.com

Wednesday, September 09, 2020

لوحات ناقصة

في عام 1481، تلقّى ليوناردو دا فنشي تكليفا من بعض الرهبان بأن يرسم قصّة الحكماء الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيت لحم لرؤية المسيح الطفل. وبعد أن اعدّ الرسّام بعض الدراسات بدأ رسم اللوحة. لكن عمله فيها توقّف عندما كُلّف برسم "العشاء الأخير"، فترك اللوحة الأولى ناقصة ولم يعد لإكمالها أبدا.
والحقيقة أن فنّانين آخرين من عصور مختلفة مرّوا بنفس هذه التجربة، إذ يحدث أن يبدأ فنّان برسم لوحة معيّنة ثم يتخلّى عنها، إما لنقص المال، أو لانعدام الاهتمام أو الإلهام، أو لتدخّل الصدفة، أو لعدم القدرة على الذهاب إلى نقطة ابعد في الرسم، أو ببساطة لأن الرسّام توفّي فجأة.
بعد الثورة الأمريكية، ذهب الآباء المؤسّسون لأمريكا إلى باريس لعقد مفاوضات سلام مع فرنسا واسبانيا وانغلترا. وكُلّف الرسّام بنجامين ويست بأن يرسم تلك اللحظة التاريخية.
لكن الانغليز رفضوا الجلوس إلى الطاولة لرسمهم، وذلك لإحساسهم بالحرج بسبب هزيمتهم في الحرب. لذا رسم ويست المجتمعين وترك مكان الوفد الانغليزي على الطاولة فارغا لأنهم لم يكونوا هناك.
ورسّام البورتريه الأمريكي المشهور غيلبيرت ستيوارت الذي رسم صورا لأكثر من ألف شخصية، ترك بورتريه جورج واشنطن ناقصا.
وكان قد رسم للرئيس الأمريكي بورتريها ناجحا قبل ذلك. فكلّفته زوجة الرئيس برسم بورتريه ثانٍ له. لكن ستيوارت لم يستطع إكماله لسبب ما. ثم ظهر هذا البورتريه الناقص في ما بعد مطبوعا على ورقة نقدية من فئة الدولار.
ورسّام عصر النهضة الايطالي بارميجيانينو كُلّف ذات مرّة برسم صورة للمادونا وابنها (الأولى فوق). وكان هذا الرسّام معروفا بإتقانه وبراعته. وظلّ يرسم اللوحة إلى أن مات فجأة عام 1540 دون أن يكملها.
وقد قرّر راعيه أن يعلّق اللوحة في الكنيسة كما هي وأمر بأن تُكتب عليها عبارة تقول: القدر المحتوم منع الرسّام من إكمال هذه اللوحة".
والرسّام الفرنسي بول سيزان ترك بعض أجزاء من لوحته "طريق العودة" ناقصة. وقيل إن اختياره لفرشاة غير مناسبة هو ما دعاه إلى ترك اللوحة عند تلك النقطة.
وقال آخرون إن ضعف بصره لم يسعفه في ملاحظة النقص في الصورة. وعندما عرف لم يرغب في أن يتلفها عملا بقاعدة أن القليل يغني عن الكثير.
بعض خبراء الفنّ يقولون إن عدم اكتمال بعض الأعمال الفنّية هو ما يعطيها قيمة وأهمية أحيانا. فهي مثيرة بسبب نقصها لأنها تكشف عن قصص لم يُقدّر لها أن تظهر. كما أنها تقدّم فكرة عن العملية الإبداعية للفنّان وعن السياق التاريخي للعمل، حتى عندما يكون النقص متعمدّا.
المسوّدة الضخمة للوحة "الحكماء الثلاثة" التي تركها دا فنشي ناقصة تقدّم مثالا عن النقص عندما يصبح أداة ثمينة يوظّفها مؤرّخو الفنّ ومدراء المتاحف لسبر أغوار العمل الإبداعي.


وبحسب بعض النقّاد فإن الصورة غير الكاملة تشبه الأشعّة التي تسمح لك برؤية ما وراء سطح اللوحة كالنُسخ المبكّرة والرسوم الأوّلية والمعمار المؤسّس للصورة.
لكن هناك سؤالا يثار أحيانا وهو متى يُعتبر عمل فنّي ما منتهيا فعلا، وهل يحتاج لأن يبدو منتهيا كي يصبح كاملا وذا معنى؟
معلّمو عصر النهضة مثل دوناتيللو وليوناردو وميكيل انجيلو وغيرهم تركوا لنا بعض أهمّ الأعمال الفنّية غير المنتهية. وليس مصادفة أن الأخيرين بالذات، وهما أعظم فنّاني ذلك العصر، تركا اكبر عدد من اللوحات غير المكتملة.
الصور الناقصة لليوناردو ورفاقه شكّلت سابقة للفناّنين في القرن السادس عشر وما بعده. فقد أصبح من قبيل الموضة أن يترك فنّانون أعمالهم غير كاملة، لدرجة أنه ظهر مصطلح جماليّ جديد هو "نون فينيتو" الذي يعني بالايطالية الصورة غير المكتملة.
وقد قيل إن ميكيل انجيلو وجد في وقت ما أن من المستحيل بالنسبة له أن يعبّر بما فيه الكفاية عن مفاهيم الفخامة والرهبة باستخدام يديه وعدّة النحت. لذا فقد تخلّى عن الكثير من أعماله، بل وأتلف بعضها خوفا من أن يبدو في أعين الناس اقلّ براعةً وإتقانا.
أما ليوناردو فمعروف انه كان يلزمه سنوات لإكمال قطعة فنّية واحدة، لأنه كان يعتقد أن الجودة تأخذ وقتا، وهذا هو السبب في أن معظم أعماله تُركت ناقصة.
في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أعلن بعض النقّاد أن بعض لوحات كلود مونيه (مثل اللوحة الثانية فوق) غير كاملة. واتّهم الناقد جون راسكين الرسّام جون ويسلر بأنه لا يرسم شيئا وإنما يكتفي بإلقاء الأصباغ في وجوه الجمهور.
وقد دافع بودلير عن الاثنين بقوله إن الكامل ليس منتهيا بالضرورة وإن المنتهي من حيث التفاصيل قد يفتقد إلى وحدة الشيء الكامل.
وهناك نظرية تقول إن للعمل الفنّي غير المكتمل أو الناقص جمالا فريدا يجعل الناظر يظنّ انه أكثر تلقائية وأكثر أصالة، كما انه يمسك أكثر بالحركة وبالجوهر الداخليّ للشخصية.
ويقول ناقد إن الصورة غير الكاملة تصنع تاريخا بسبب الظروف التي جعلتها تبدو ناقصة، كما أنها تعجب الناس أكثر من غيرها أحيانا لأنها تتيح رؤية الرسوم التمهيدية وأفكار الفنّان الحقيقية.
كان أفلاطون يرى أن الفن مجرّد وهم ويمكن أن يكون خطيرا إذا بدا حقيقيا أكثر ممّا ينبغي.
وفي مراحل مختلفة من تاريخ الفنّ ظهرت أصوات تدعو لإنتاج أعمال فنّية غير مكتملة، وكان ذلك انعكاسا لتغيّر أذواق الناس واختلاف معايير الجمال من عصر لآخر.
وهناك أعمال فنّية تُركت ناقصة عمدا مثل تلك لتي تحدّث عنها الروائي امبرتو ايكو واصفا إيّاها بالأعمال المفتوحة التي تعتمد بنيتها على عدم وجود نهاية. ويدخل ضمن ذلك أعمال بعض الموسيقيين مثل السيمفونية الناقصة لشوبيرت.
ورغم أن كثيرا من الفنّانين لم يكن في نيّتهم أن يرى الناس أعمالهم الناقصة، إلا أن تلك الأعمال تظلّ جديرة بالتقدير لأنها تقول لنا الكثير عن الروح الداخلية لأصحابها.
في عام 1998، بيعت لوحة للرسّام الهولندي بيت موندريان بـ 40 مليون دولار. وكان الرسّام قد ترك هذه اللوحة ناقصة إثر موته المفاجئ في نيويورك عام 1944.

Credits
artsheaven.com