Tuesday, December 01, 2009

بُوسان: مناظر من أركاديا

Nicholas Poussin, Orpheus and Eurydice, 1648

استوحى نيكولا بُوسان لوحاته عن أركاديا من الأدب الكلاسيكي. وأودع فيها صورا لجمال مثالي وخالد يظهر فيه الشخوص بهيئات نبيلة وبملامح تشبه شكل التماثيل القديمة.
وعندما تتأمّل صوره عن الطبيعة الرعوية، سرعان ما تكتشف سحرها وقوّتها التعبيرية الكبيرة والمزاج الشعري والحالم الذي تصوّره.
المقال التالي يلقي بعض الضوء على الرسّام وعلى بعض أعماله.
The Inspiration of a Poet, 1628
يُعزى الفضل لـ نيكولا بُوسان في إضفاء مسحة كلاسيكية على الرسم في فرنسا. ومن اجل تلك الغاية، ذهب إلى روما وأقام فيها سنوات طوالا. هناك، وضع رسم الباروك في قلب العالم القديم. لكنه اظهر الجانب المظلم من أركاديا عندما شكّك في التصوّرات القديمة عن بساطة الحياة الرعوية والريفية في اليونان القديمة. كان يرى العالم القديم عالما متخيّلا وكان ينظر إلى أركاديا كمكان ساذج أكثر من كونه مكانا مثاليا.
وكان منافسه في رسم الطبيعة آنذاك هو مواطنه كلود لورين الذي جعل ضوء الشمس نفسه فكرة كلاسيكية.
الطبيعة كانت وسيلة بُوسان المفضّلة للتعبير عن أفكاره وقناعاته. وقد كان يرسمها كي يؤكّد على إحساسه بالمكان. وتكثر في لوحاته مشاهد الرعاة والبحيرات والجبال والأشجار والأوراق التي تطوّحها الريح. وبعض شخوصه يصوّرهم بعضلات كثيرة، لكنهم يبدون كما لو أنهم يفتقرون إلى هياكل عظمية صلبة.
وفي لوحاته، كلّ عنصر له وظيفته. حتى الظلال لها شخصيّتها المستقلّة داخل البناء العام للوحة. كما أن كلّ شيء يبدو في حالة حركة. فالطبيعة عند الرسّام هي تعبير عن حركة الإنسان وعن عقله الواعي والنشط.
والغابات في بعض لوحاته تخلو من الطيور والحيوانات ما لم يكن لها دور تلعبه في حياة الإنسان.
والكثير من الرسّامين الذين أتوا بعده حاولوا اقتباس بعض رؤاه الشاعرية عن الريف الايطالي وضمّنوها في أعمالهم.
بعض لوحات بُوسان تُظهر جبالا عظيمة يجلس فوقها أو حولها أشخاص يعزفون الناي ويُخيّل لمن يراهم أنهم هناك منذ آلاف السنين.
حتى الأشياء الساكنة والمملّة لها لغتها الخاصّة في لوحاته. الأفاعي لها ذكاء الإنسان. والأشجار تنمو وتمدّ أوراقها وأغصانها في الجوّ مسرورة بالمطر وفخورة بالشمس.
لوحته الطوفان يعتبرها بعض النقّاد أجمل لوحة في العالم تصوّر طبيعة تاريخية. فكلّ شيء في هذه اللوحة مرسوم في مكانه المحدّد بعناية وبطريقة متناغمة مع بقيّة العناصر.
وفي صور بُوسان سمة أخرى لا نراها في لوحات غيره، تتمثّل في هذه المزاوجة المتوتّرة والغريبة بين السماوات الزرقاء والعواصف، وبين الحبّ الحميم والموت العنيف. ومشاهده عن العواصف لا تصوّر فقط غضب الطبيعة بل يمكن اعتبارها تأمّلات فلسفية عن جوانب الحياة التي يصعب التنبّؤ بها.
النحّات الايطالي المشهور جيان لورنزو بيرنيني رأى بعض لوحات بُوسان وشبّه تأثيرها بأثر الخطبة العظيمة التي يستمع إليها المرء باهتمام ثم يبتعد عنها في صمت بينما لا يزال مستمتعا بصدى تأثيرها داخل نفسه.
استلهم بُوسان لوحاته عن الطبيعة الأركادية من أشعار اوفيد وفرجيل ومن رحلاته العديدة في ريف روما.
في ذلك الوقت كان كتاب التحوّلات لـ اوفيد احد أشهر الكتب وأكثرها رواجا في أوربّا. والكتاب يتضمّن قصصا عن حبّ الآلهة وعن تَحوّل عشّاقها من البشر إلى نباتات وحيوانات. وكثيرا ما تُفسّر نصوص اوفيد على أنها استعارات مجازية عن دورات الطبيعة.
وهذا النوع من القصص هو الأساس الشعري الذي أقام عليه بُوسان فنّه.
في بعض مناظره تبدو السماء مظلمة والموت متربّصا في كلّ مكان. الموت الذي يكتشفه الرعاة على شاهد قبر كما لو أنهم لم يسمعوا به من قبل. حتى الأساطير التي كان يقدّسها الرسّام تنتهي بالموت دائما.
لوحته المسمّاة "طبيعة ورجل قتلته أفعى" أصبحت موضوعا لكتاب ألّفه الناقد والمؤرّخ الفنّي تيموثي كلارك بعنوان "مشهد الموت" استعرض فيه جماليات اللوحة والاستعارات المضمّنة فيها.
ويقال إن بُوسان استوحى موضوع هذه اللوحة من مكان موبوء بالأفاعي والحيّات السامّة في منطقة بجنوب شرق روما. واللوحة عبارة عن دراسة عن الخوف الذي يثيره مرأى جثّة إنسان ميّت، كما أنها تصوّر، بمعنى ما، انتصار الطبيعة على الإنسان.
رسومات بُوسان عن الطبيعة تدلّ على قوّة ملاحظته. وقد كان يؤمن بأن البشر والطبيعة شيء واحد، لأن كلّ منظر طبيعي يحمل دلالة إنسانية.
كما عُرف بمقدرته الكبيرة على أن يخلق لكلّ لوحة جوّاً ومزاجا خاصّا. ولا بدّ وانه استفاد كثيرا من براعته في استخدام اللون والظل والشكل.

 Landscape With a Calm, 1651

بعض لوحات بُوسان فاتنة وجميلة ومدهشة بما لا يوصف. ولا يبدو أن هناك من ينافسه في استخدام الضوء الذهبي في لوحته إلهام شاعر التي أرادها أن تكون تخليدا لذكرى شاعر راحل، ولا في رسمه الأخّاذ لإحدى الحوريّات وهي تعصر العنب من يدها لتتساقط قطراته في فم ملاك صغير أسفل منها.
صور الرسّام ومواضيعه مختارة بعناية. وهي تشبه نهرا من الأفكار الجميلة التي تمرّ عبر العقل وتستثير الفكر لمحاولة فهمها وحلّ رموزها.
في لوحته "طبيعة يشوبها هدوء" نرى منظرا آخر من أركاديا: ريف، مياه صافية، وأغنام ترعى. الظلّ يتحرّك من الأشجار باتجاه البحيرة المنعكسة على مائها الساكن صور المباني في الخلفية. حتّى في أركاديا يمرّ الوقت سريعا والنهار يتلوه ليل والليل يعقبه نهار. مزاج هذه اللوحة رائق وناعم مع أن فيها لمسة حزن خفيفة.
إن مناظر بُوسان هي نوع من الاحتفال بالحياة والحبّ والشعر. وهو كان يطلب من جمهوره دائما أن يقرأ اللوحة كما يقرأ القصيدة.
رآه أحد أصدقائه ذات يوم وهو يتجوّل على ضفاف نهر التيبر ويرسم المناظر الطبيعية التي كان يحبّها. ونظر إلى منديله فرآه مملوءا بالحجارة الصغيرة وبالأزهار التي كان يأخذها معه إلى البيت ليتأمّلها ويرسمها.
في لوحة أخرى، يرسم بُوسان زواج اورفيوس ويوريديسي. المكان بقعة أخرى من أركاديا. ملابس الأشخاص جميلة وزاهية. غير أن المبنى الظاهر في خلفية الصورة يبدو حديثا ومألوفا. وهو معلم من معالم روما كان قائما زمن الرسّام. والمبنى في اللوحة ينفث الدخان ويبدو كما لو انه يطير في الهواء. الفكرة هنا هي أن هذه المدينة خالدة. لكن حتّى الأشياء الخالدة نفسها لا تدوم إلى الأبد ومصيرها في النهاية إلى زوال.
في بداياته رسم بُوسان لوحات يظهر فيها الأشخاص في حالة من التوق والتطلّع وأحيانا التأمّل الصامت أو الحزين.
غير انه في أواخر حياته رسم مشاهد مظلمة يصعب فهمها أو تفسيرها. حتّى النقاد لم يستطيعوا فكّ شيفرتها مع أنها جميلة وتروق للعين.
لكنّ بعض المؤرّخين يقولون إنها انعكاس لإحساس الرسّام بكراهية الشرور التي كان يراها على الأرض. ورسائله في تلك المرحلة تمتلئ بالتعليقات المريرة والغاضبة وهو يرى الاضطرابات السياسية تعمّ أوربا ولا توفّر حتّى بلده فرنسا.
يقول في إحدى تلك الرسائل: لقد هجر الناس الفضيلة والضمير والدين. ولا وجود الآن سوى للخداع والرذيلة والمصالح الخاصّة. لقد ضاع كلّ شيء وفقدت الأمل في وجود الربّ. فالشرّ كامن في كلّ مكان وفي كلّ شيء".
كان بُوسان يرسم الأفكار. لذا يقال انه أكثر الرسّامين شاعرية. كما كان يؤمن بأفكار الفلسفة الرواقية التي تدعو إلى كبت الأهواء والانفعالات العاطفية وإخضاع الرغبات لحكم العقل. وقد عُرف عنه حبّه للعمارة خاصّة عندما تكون في حالة خرائب وأنقاض.
ولم يكن مستغربا أن يتأثّر به الرومانسيون وفي مقدّمتهم الشاعر الانجليزي جون كيتس الذي كان يعتبره رسّامه المفضّل.

Sunday, November 29, 2009

سونامي جدّة

Jeddah flood

قبل كارثة الأمطار بيوم أو يومين، داهمني شعور غريب لم أستطع فهمه أو تفسيره. حالة من التشوّش الغامض والمربك للحواسّ. كنت كمن يفتقر إلى هواء نظيف ومنعش يبدّد حالة التشتّت ويجدّد في العقل والنفس النشاط والعزيمة. وبعد سماعي لأخبار السيول في جدّة ربطت لا إراديا بين الخبر المفجع وبين ذلك الإحساس الغريب الذي لازمني.
ثم تذكّرت قصّة الشاعر البدوي القديم الذي زار جدّة فلم تعجبه ولم يطب له المقام فيها فأنشد فيها شعرا يعكس فيه سليقة البدويّ وبساطته وعفويّته عندما قال:
"جِعْل الحيا ما يجي جدة لو ربّعت كل الاوطاني. ديرة مجانين ومصدّة ما هي للاجواد مسكاني"!
لكن ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان عن الحادثة بعد كلّ ما قيل وكُتب عنها في الصحف والمنتديات والمجالس؟ المشكلة أن التدوين في الشأن المحلي أصبح أمرا صعبا هذه الأيّام بل ومحفوفا بالمشاكل كما سمعت. لذا سأكتفي في تعليقي على مأساة جدّة بما سمعته من أفواه الناس ممّا قد لا يعكس رأيي الشخصي بالضرورة.
وبداية انوّه إلى أن الفساد والإهمال في جدّة أمر يعرفه القاصي والداني وهو لم يعد سرّا من الأسرار الخطيرة على كلّ حال.
لكنّ الجديد في الأمر، وهو ما لم نكن نعرفه قبل هذه المأساة، هو أن الفساد لا يعطّل التنمية ولا يصادر أحلام الناس فحسب، بل انه يمكن أيضا أن يتسبّب في قتل البشر وإزهاق الكثير من الأرواح المسالمة والبريئة.
إن من الأمور التي نعرفها جميعا أن الدولة لم تقصّر أبدا في دعم مشاريع البنية التحتية في كلّ مدن المملكة.
وجدّة، خاصّة، تستأثر بنصيب الأسد من المبالغ الهائلة المخصّصة لتنمية مرافقها وتجهيزاتها المختلفة. لكن المواطن لا يرى أثرا لذلك. وحال المدينة يسير من سيّء إلى أسوأ. فالشوارع مهلهلة، والطرق مكسّرة، وبعض الأحياء تظلّ بلا ماء لأسابيع، وشبكة الصرف الصحّي التي صُرف عليها المليارات تلو المليارات ما تزال لغزا يكتنفه الغموض.
إذن أين المشكلة؟ الانطباع السائد عند معظم الناس هو أن المشكلة تكمن في أن المليارات لا تُصرف في الوجوه التي رُصدت لها وإنما تذهب إلى جيوب حفنة من ضعاف النفوس الذين يستمتعون بأكل المال الحرام ويعتاشون على بؤس الناس ومعاناتهم.
في مطار جدّة، كان علينا أن ننتظر وصول الطائرة لأكثر من خمس عشرة ساعة. فجميع الرحلات إمّا تأجّلت أو ألغيت والكمبيوتر أصبح خارج الخدمة بعد أن غمرت السيول مبنى الحجز المركزي. وتكدّس المسافرون في صالة السفر الداخلي وشكّل بعضهم حلقات ودوائر صغيرة. وقد وجد البعض في هذه الحالة من الفوضى والارتباك مناسبة للاستظراف، فانتهزوا غياب موظّفي الخطوط حتى في مثل هذه الحالات الطارئة وفتحوا المايكروفونات الملحقة بطاولاتهم واستبدلوا إعلانات إقلاع وهبوط الرحلات ببثّ أغاني وأهازيج شعبية من خلال أجهزة هواتفهم النقّالة. بعض من كانوا موجودين استحسنوا ذلك التصرّف الغريب، بينما تعامل معه آخرون باستنكار واستهجان واضحَين. وقد أكبرت في إخواننا رجال الأمن ذكاءهم وحسّهم الحضاري وحسن تعاملهم مع ما حدث عندما نجحوا في إعادة النظام والانضباط إلى الصالة دون كثير جهد.
قسم آخر من المسافرين وجدوا في هذا الوضع فرصة للكلام والفضفضة. وطبعا كانت أخبار المطر والسيول والضحايا هي قضيّة الساعة وشغل الناس الشاغل. وقد سمعت احدهم يقول إن أوان إصلاح مشاكل جدّة ربّما يكون قد فات وأن المدينة التي مرّت بتجربة موت بطيء ومؤلم طيلة عقود قد تكون على موعد قريب مع حدث أكثر خطورة ومأساوية؛ مع سونامي من نوع آخر قد يرسم لها مصيرا لا يختلف عن مصير غيرها من المدن التي دمّرها الطوفان وابتلعتها الأرض. وأضاف: غير أن موت جدّة النهائي سيكون على أيدي بعض أبنائها العاقّين من أصحاب الضمائر الفاسدة والنفوس المنحطّة".
في البداية لم آخذ كلام الرجل على محمل الجدّ وظننته يبالغ ثم دعوت الله في سرّي أن لا تتحقّق نبوءته المشئومة وأن يشملنا الربّ بلطفه ورحمته. لكنّي تذكّرت ما سمعته من الكثيرين عن البحيرة الضخمة التي تتحفّز فوق احد الجبال مثل غول مفترس لا يمنعه من الانقضاض على المدينة سوى حاجز يزعم مسئولو البلدية والأمانة انه يكفي لمنع أيّ انهيار أو تسريب محتمل للبحيرة التي يتهدّد خطرها السكّان والبيئة بأفدح العواقب ممّا تحدّث عنه أساتذة الجامعات وخبراء الجيولوجيا في أكثر من مناسبة.
وقال آخر: جدّة مقامة على بحيرة سبخة ولو حفرت أرضها لما وجدت سوى الماء والملح. والكثير من المباني المنشأة حديثا طفح فيها الماء وانجرفت التربة حتى قبل أن ينزل المطر بسبب ضعف الأرض وسوء التخطيط. وأضاف: جدّة تكفيها مشاكلها الكامنة في طبيعة أرضها وليست بحاجة إلى الفساد وإقطاعيي الأراضي وشريطية العقار كي يأتوا على البقيّة الباقية منها".
ترى هل سيُحاكَم المسئولون عن كارثة السيول ممّن حوّلوا عيد أهالي جدّة إلى مأتم؟ هل نتعلّم من الأخطاء؟ هل يكون عندنا قريبا مجلس نيابي منتخب بأنياب ومخالب كي يحاسب ويستجوب ويسائل كلّ من سرق أو نهب أو خان الأمانة؟
هذه هي بعض الأسئلة التي تردّدت على ألسنة الناس في الأيام القليلة الماضية وفي أذهانهم الصور المروّعة للكارثة. وكلّ صورة من تلك الصور تصلح لأن تكون شهادة حيّة على ما يمكن أن يجلبه الفساد والتسيّب والإهمال من مصائب وأهوال.
وأخيرا، دعاء من القلب بأن يحفظ الله وطننا من كلّ مكروه وأن يتقبّل الشهداء في واسع رحمته وأن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.

مقالات عن الكارثة: محمّد الرطيّان، عبد الرحمن اللاحم، تركي الدخيل

Saturday, November 28, 2009

على العشاء مع ليوناردو


Leonardo da Vinci, The Last Supper, 1494

"العشاء الأخير" لوحة مشهورة ومألوفة كثيرا. وقد تناول النقّاد هذا العمل بالشرح والتحليل من أكثر من زاوية ومنظور.
عمر اللوحة أكثر من خمسمائة عام. وبسبب عوامل التقادم وكثرة عمليات الترميم، فقدت اللوحة جزءا كبيرا من تفاصيلها وألوانها.
بعض أصحاب الخيال الواسع حاولوا إعادة بناء اللوحة من خلال البرامج الرسومية وافترضوا أن هذه كانت صورتها الأصلية عندما فرغ ليوناردو من رسمها. والبعض الآخر أضافوا إليها عنصرا طريفا أو خلعوا عليها حلّة عصرية.
في المقال التالي يتحدّث "جون فاريانو" عن اللوحة من منظور مختلف.
detail
"العشاء الأخير" تصوّر أشهر مائدة في التاريخ. ومع ذلك، قد لا يلاحظ الكثيرون طبيعة الطعام وأصناف الغذاء الموضوعة فوق المائدة أمام المسيح وحواريّيه.
كان رسّامو عصر النهضة يهتمّون برسم الأحداث التاريخية التي تتضمّنها النصوص المقدّسة.
وكانوا أحيانا يضمّنون لوحاتهم عناصر من عندهم ولغايات فنية قد لا يكون لها علاقة بما تذكره النصوص الدينية.
وبعض الرسّامين كانوا يضعون القصّة في سياق زماني معاصر، كأن يُلبسوا الشخصيات ثيابا حديثة تعكس عادات وثقافة عصرهم.
ليوناردو في "العشاء الأخير" كان مهتمّا بالطعام بشكل خاص.
يذكر جورجيو فاساري، كاتب سيرة ليوناردو، أن الرسّام كان واقعيا وهو يرسم خطوط وتفاصيل مائدة "العشاء الأخير".
غير أن العديد من تلك التفاصيل كانت قد اختفت من اللوحة عندما شرع فاساري في كتابة سيرة ليوناردو. والسبب هو انهماك الرسّام في استكشاف وتجريب المزيد من تقنيات الطلاء ومزج الألوان.
في عام 1566، كنت مظاهر التلف التي لحقت باللوحة الأصلية في ميلانو أكثر وضوحا.
لكن الإنذار الحقيقي عن الخطر الذي يتهدّد "العشاء الأخير" لم يصدر إلا في عام 1901 عندما تحدّث غابرييل اونونتزيو عمّا اسماه "موت تحفة فنية".
غير أن "العشاء الأخير" لم تمت. فقد خضعت اللوحة للكثير من عمليات الترميم والتجديد. وأحيانا أعيد رسمها فأصبحت، لكثرة الترميمات، تخفي أكثر ممّا تكشف.
وقد استمرّ التدهور في اللوحة إلى أن ظهرت الخطوط والاسكتشات الأوّلية التي وضعها ليوناردو فيها عند رسمها. والغريب أن هذا التطوّر، رغم سلبيّته، هو الذي سمح للفنيين بالتعامل مع كلّ جزء وتفصيل في توليف اللوحة. كما انه سمح وللمرّة الأولى برؤية التفاصيل الصغيرة في اللوحة والتي كانت غائبة عن الأعين.
واتضح أن أدوات المائدة تحتوي على عدد من الصحون والسكاكين وأواني الماء وزجاجات النبيذ وقوارير الملح. كما لوحظ وجود قارورة ملح وُضعت أمام يهوذا المتآمر بوضع مقلوب، ربّما في ذروة اللحظة الدراماتيكية للقصّة.
قماش المائدة أيضا ظهر مكويّا ومرتّبا بعناية وعليه نقوش مستوحاة من الأقمشة الايطالية التي كانت شائعة في ذلك الوقت.
في الماضي، لم يكن احد على علم بطبيعة الأطعمة المصفوفة على المائدة. وتأكّد الآن انه لم يكن هناك خروف على المائدة مثل ما قيل.
هناك أيضا ثلاثة صحون كبيرة وُضع الأوّل منها أمام شخص المسيح بينما وُضع الاثنان الآخران عن يمنيه ويساره. كما يمكن رؤية طبق آخر مليء بالسمك المقلي مع شرائح البرتقال.
على المائدة أيضا تظهر أنواع أخرى من الفاكهة كالرمّان وبعضه ما يزال بأوراقه. وهناك النبيذ، وهو السرّ المقدّس الوحيد في كلّ لوحة تناولت قصّة العشاء الأخير.
صحيح أن ليوناردو لم يرسم نفسه في اللوحة. لكن صدى ملامحه واضح في كتاباته النظرية. و"العشاء الأخير" ربّما تعكس بعض عاداته الغذائية.
يقال انه كان نباتيا. ويمكن الاستدلال على هذه الجزئية من دفاعه عن الحيوانات وحديثه عن قدسيّة الحياة.
كما يمكن الاستشهاد بما كتبه رحّالة ايطالي زار الهند في ذلك الوقت وكتب عن أهلها واصفا إيّاهم بقوله: الهنود شعب مهذّب لا يتغذّى على أيّ طعام فيه دم. كما أنهم لا يسمحون لأحد باصطياد الكائنات الحيّة، تماما مثل ليوناردو دافنشي عندنا".
في كرّاس ملاحظاته المكوّن من أكثر من خمسة آلاف صفحة، يشير ليوناردو إلى شرائه خبزا وسمكا ومشمشا وفاصوليا وفاكهة. كان عنده دائما تلاميذ وخدم في بيته. وهو يشير إليهم بأسمائهم في كتاباته.
تقديم شرائح البرتقال مع السمك كان تقليدا رائجا في ايطاليا آنذاك، كما كان طبقا ثابتا في المطبخ الايطالي.
أسقف ميلانو، مثلا، ذكر البرتقال وأنواعا أخرى من الحمضيات التي كانت تُقدّم كزينة لمجموعة من أطباق السمك.
ويمكن القول إن "العشاء الأخير" تحكي عن التقاليد والثقافة الايطالية بمثل ما أنها عمل فنّي مشهور.
عندما بدأ ليوناردو رسم اللوحة عام 1494 كان من الشائع أن تُرسم تلك القصّة على جدران الأديرة. والذين رسموا الموضوع قبل ليوناردو اختاروا أن لا يهتمّوا بتصوير اللحظة التي يحرّك فيها المسيح الخبز والنبيذ باتجاه يهوذا كإشارة إلى إعلانه المفاجئ عن الخيانة.
اندريا ديل كاستانيو، مثلا، ركّز على تصوير ردود فعل الأتباع والحواريّين على ما حدث وجعل ذلك ذروة المشهد.
ومن الواضح أن ليوناردو رسم اللوحة من نقطة عالية، ما يسمح برؤية المائدة ومن ثمّ الطعام نفسه.
ولو كان مهتمّا بالدّقة التاريخية، لكان وضع على المائدة خروفا وأعشابا مُرّة بدلا من السمك، لأن ذلك يتفق مع الروايات التاريخية عن الحادثة.
لكنه اختار أن يعيد النظر في نوعية الطعام كي يتناسب مع ذوق عصر النهضة أو ذوق ليوناردو نفسه، ولكي يضيف إلى اللوحة مسحة من الواقعية والمعاصَرة. وهو أمر يبدو غريبا إلى حدّ ما.