:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الاثنين، يوليو 22، 2024

أغاني طاغور


ذات ليلة، رأى أحد مُلّاك الأراضي الهنود في المنام ثلاث عشرة نخلة متساوية الطول، وقد نمت كلّها في مكان ظليل، بينما كانت الشمس تشرق على مكان آخر مليء بالأعشاب الخضراء. وبينما كان الرجل يتأمّل المنطقة المغمورة بضوء الشمس، رأى نخلة جديدة تنمو في الأرض وتتطاول ثم تطرح ثمرا مختلفا أنواعه، بينما أناس كثيرون يتحلّقون حول النخلة ويأخذون من ثمارها العجيبة.
ولما استيقظ الرجل من حلمه ذهب إلى أحد الكهنة كي يفسّر له الحلم. فقال له: النخلات الـ 13 هي مجموع بناتك وأبنائك، وأمّا النخلة الـ 14 التي نمت في بقعة مشرقة فمولود ستُرزق به قريبا وسيكون له شأن عظيم. ولكن إيّاك أن تضعه في البقعة البعيدة عن النور، أي في نفس مسار الحياة الذي تضع فيه أبناءك الآخرين. ولا تعلّم ابنك القادم الفلاحة وجني المحاصيل كبقيّة أولادك، بل إهتمّ بتعليمه وتثقيفه لأنه سيكون متميّزا كثيرا وسيستفيد من علمه وأدبه خلق كثير. ولا تحدّث أحدا بحلمك هذا مخافة الحسد، كما تعلم".
وبعد سنوات، أخبر الرجل ابنه رابندرانات طاغور بذلك الحلم بعد أن كبر. وظلّ طاغور يتفاءل بالرقم 14 طوال حياته. وألّف أوّل قصيدة له وهو في سنّ الـ 14. كما كان يحتفظ بقفص فيه 14 طائرا من طيور الزينة. وكان من عادته أن يفتح لها باب القفص كلّ صباح، فتطير وتحلّق في السماء بضع دقائق ثم تعود إليه طائعة.
كان تأثير رابندرانات طاغور (1861-1941) على عقل الهند وأجيالها الصاعدة المتعاقبة هائلاً. ولم تكن اللغة البنغالية فقط، أي اللغة التي كان يكتب بها، بل إن جميع اللغات الحديثة في الهند آنذاك قد تشكّلت جزئياً من خلال كتاباته.
ولم تقتصر مسيرته المهنية التي امتدّت لأكثر من 60 عاماً على توثيق نموّه الشخصي وتنوّعه فحسب، بل عكست أيضاً التقلّبات الفنّية والثقافية والسياسية التي شهدتها الهند في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين.
كانت البيئة الفنّية التي عاش فيها طاغور وجمال الطبيعة والشخصية الوقورة لوالده من بين المؤثّرات الأولى التي شكّلت حساسيّته الشعرية. في كتابه "حياتي" يتذكّر الشاعر بداياته الأولى فيقول: كان أغلب أفراد عائلتي يتمتّعون بموهبة ما، بعضهم كانوا رسّامين وبعضهم شعراء وبعضهم موسيقيين. وكانت الأجواء في منزلنا مشبعة بروح الإبداع".
وفي نفس الكتاب يتحدّث طاغور عن الطبيعة، مَدرسته المفضّلة، فيقول: كان لديّ إحساس عميق منذ الطفولة بجمال الطبيعة وبالرفقة مع الأشجار والسحب وبالتناغم مع اللمسة الموسيقية لهواء الفصول. وكلّ هذه العناصر كانت تتوق إلى التعبير، وبطبيعة الحال كنت أرغب في منحها تعبيري الخاص".
في صغره ذهب طاغور مع عائلته الى دالهوزي، وهو منتجع جميل يقع في سفوح جبال الهيمالايا. كان يتجوّل هناك بحريّة من قمّة جبل إلى أخرى، وقد أذهله جمال وعظمة الجبال. وخلال فترة إقامته في تلك البقعة، تولّى والده تعليمه وقرأ معه مختارات من الأدب السنسكريتي والبنغالي والإنغليزي. ويقال إن ذكرى تلك الرحلة الساحرة ظلّت مرافقة لحياة رابندراناث وحافزاً لإعادة تمثيل تلك التجربة النموذجية.
في ديوانه "أغاني الصباح"، يحتفل طاغور بفرحه باكتشاف العالم من حوله. كان المزاج الجديد نتيجة تجربة صوفية مرّ بها أثناء نظره إلى شروق الشمس ذات يوم. يقول: بينما واصلت النظر، بدا فجأة أن حجابا سقط عن عينيّ ووجدت العالم غارقا في إشراق رائع، مع موجات من الجمال والفرح تتضخّم على كلّ جانب. اخترق هذا الإشراق في لحظة واحدة طيّاتِ الحزن واليأس التي تراكمت على قلبي وغمرته بفيض من النور الكوني".
كان نشر ديوان "جيتانجالي"، أو قرابين الأغاني، الحدث الأكثر أهميّة في مسيرة طاغور في الكتابة، لأنه بعد ظهوره، فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1913، وهو أوّل تقدير من هذا القبيل لكاتب شرقي. وقد كتب الديوان بعد فترة قصيرة من وفاة زوجته وابنتيه وابنه الأصغر ووالده.
يقول ابنه راثيندراناث واصفا ما حدث: ظلّ والدي هادئا ولم يزعج سلامه الداخلي أيّ كارثة مهما كانت مؤلمة. لقد منحه فقدُ أقاربه قوّةً خارقة لمقاومة المصائب الأكثر إيلاما والسموّ فوقها". كانت قصائد ذلك الديوان بمثابة بحث الشاعر عن السلام الداخلي وإعادة تأكيد إيمانه من خلال تنقية الذات وخدمة الإنسانية.


في مقدّمته لديوان جيتانجالي، كتب الشاعر الإنغليزي وليام بتلر ييتس: لقد حملتُ مخطوطة هذه الديوان معي لأيّام، قرأتها في قطارات السكك الحديدية وفي الحافلات وفي المطاعم، وكثيراً ما اضطررت إلى إغلاقها خشية أن يرى شخص غريب كيف أثّرت فيّ". أما الشاعر إيزرا باوند فقد وصف الكتاب بأنه "سلسلة من الأغاني الروحية" وقارنه بجنّة دانتي واعتبره عمل طاغور الأكثر تميّزا.
تقول إحدى قصائد الديوان:
أنت! مَن تعبُد في هذه الزاوية المظلمة المنعزلة من المعبد حيث الأبواب مغلقة؟ اترك هذا الهتاف والغناء وقراءة الودع. وافتح عينيك لترى أن إلهك ليس أمامك. إنه هناك حيث يزرع الفلاح الأرض الخشنة وحيث يكسر صانع الطريق الحجارة. إنه معهم في الشمس والمطر وثوبه مغطّى بالتراب. انزع رداءك المقدّس وانزل مثلهم على التربة المغبرّة. اخرجوا من تأمّلاتكم واتركوا أزهاركم وبخوركم جانبا. ما الضرر إذا أصبحت ملابسكم ممزّقة وملطّخة؟ عندما كان الخلق جديدا وأشرقت جميع النجوم في روعتها الأولى، عقدَ الآلهة اجتماعهم في السماء وغنّوا لصورة الكمال وللفرح الخالص".
ويضيف: مثل سحابة من شهر يوليو معلّقة بثقلها من الأمطار التي لم تهطل بعد، دع عقلي يا إلهي ينحني عند بابك تحيّة لك. دع كلّ أغانيّي تجمع نغماتها المتنوّعة في تيّار واحد وتتدفّق إلى بحر من الصمت تحيّة لك. ومثل قطيع من طيور الحنين التي تحلّق ليلا ونهارا عائدة إلى أعشاشها الجبلية، دع حياتي كلّها تأخذ رحلتها إلى موطنها الأبديّ تحيّة لك."
في أعقاب الجدل العام الذي بدأ بين المهاتما غاندي وطاغور في عام 1921 بسبب معارضة الشاعر لحركة اللاعنف التي قادها غاندي، عانت شعبية طاغور من انحدار حادّ ووجد نفسه معزولاً علناً بشكل متزايد. لكنه فيما بعد استعاد جزءا مهمّا من شعبيته بعد تأليفه لكلمات النشيد الوطني الهندي، والذي يُعدّ إحدى مساهماته العديدة البارزة.
ورغم أن طاغور كان شخصية مهمّة في الحركة القومية الهندية وغالبا ما كان ينتقد الحكم الاستعماري البريطاني، إلا أن أيديولوجيته السياسية كانت معقّدة وذات تفاصيل دقيقة ومتفرّعة. لكنه مثل غاندي، كان يقف ضدّ نظام الطبقات الهندي الذي كرّس مفهوم طبقة المنبوذين.
وفي قصائده وأغانيه ومسرحياته ورواياته وأغانيه، كان دائما يقف في صفّ الفقراء والعاجزين والمضطهدين. كما أراد تحرير العقل البشري من كلّ أنواع الأفكار الشرّيرة والمعتقدات الخاطئة.
أملى طاغور قصيدته الأخيرة قبل ساعات قليلة من وفاته في السابع من أغسطس عام 1941. ونشرت الصحف الرئيسية في العالم بيانات نعي أشادت به ووصفته بأنه "روح البنغال" و"أعظم أديب في الهند" و"سفير الصداقة بين الشرق والغرب".
بالإضافة الى الشعر، كان طاغور رسّاما. لكنّه لم يمارس الرسم الا بعد أن تجاوز الستّين من عمره. وقد أدهش الكثيرين بتحوّله المتأخّر إلى الرسم. في ذلك الوقت بدأ يُرفق بعض أشعاره برسومات، بعضها له هو شخصيّا، والبعض الآخر رسم فيها رجالا ونساءً كان يعرفهم.
وكان هو أوّل رسّام هندي يعرض أعماله في أوروبّا وروسيا وأمريكا. كان أسلوبه في الرسم يتميّز بأشكال حرّة بسيطة ونوعية إيقاعية. وقد رسم الوجه الإنساني بطريقة تذكّر بالقناع أو الشخصية. كانت رسوماته غير مخطّط لها، بل تشكّلت من خلال الصُدف والقرارات الحدسية.
وبعضها كانت عبارة عن صور لحيوانات وطيور وصفها طاغور بأنها "أضاعت فرصة وجودها دون سبب وجيه" أو "لم تتمكّن من التحليق إلا في أحلامنا". وكان كثيرا ما يستمتع بإسقاط إيماءة بشرية على جسد حيوان أو العكس.
وفي لوحاته للطبيعة، غالبا ما كان يصورّها مغمورةً بأنوار المساء مع سماء لامعة وأشكال تتوارى في ظلال مشؤومة، ما يثير هالة من الغموض والصمت المزعج. ومن الملاحظ أن طاغور لم يطلق أسماءً على لوحاته، على الأرجح كي يحرّرها من أيّ ارتباط أدبي ويشجّع المتلقّي على استنباط فهمه الخاص لمعانيها.
من أشهر اقتباسات طاغور وصفُه لتاج محل بأنه "مثل دمعة على وجه الأبدية"، و"عندما أرحل من هنا دعني أقل لك كلمة وداع: إن ما رأيتُه لا يُضاهى"، و"الإيمان هو الطائر الذي يشعر بالضوء عندما يكون الفجر ما يزال مظلماً".
وأفضل ختام للموضوع قصيدة أخرى لطاغور يقول فيها:
أنفقتُ الكثير من المال لأرى العالم
فتجوّلت في العديد من البلدان
وقطعتُ البحار والمحيطات
لكن لم أفطن ابداً
لقطرة الندى المتألّقة
فوق سنبلة القمح
أمام عتبة داري."

Credits
scotstagore.org

السبت، يوليو 20، 2024

خواطر في الأدب والفن


  • الرسّامة الألمانية كاثي كولوفيتز صوّرت في لوحاتها معاناة الناس مع الحروب والظلم والموت. وصورها تمتلئ بالتعاطف مع الفئات الاجتماعية المحرومة، كما يمكن اعتبار تلك الصور محاكمة للأوضاع الاجتماعية والسياسية في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
    بعد كارثة الحرب العالمية الأولى، أنتجت كولوفيتز مجموعة من سبع لوحات بعنوان "الحرب". واستخدمت صورا لأمّهات وأرامل وآباء مكلومين فقدوا أقاربهم في الحرب. وركّزت بشكل خاص على حزن الأمّهات بعد أن فقدت، هي أيضا، ابنها في الأشهر الأولى من الحرب.
    في لوحة الأمّهات، وهي جزء من لوحات الحرب، تظهر مجموعة من النساء الثكالى والمفجوعات وهنّ يحتضنّ بعضهنّ بعضا بعد أن فقدن ابناءهنّ في الحرب. الصورة تنقل إحساسا بالفقد واليأس. تعبيرات النساء مؤرّقة وتجسّد مشاعر الأمّهات اللاتي تحمّلن الألم الذي لا يمكن تخيّله لفقدان أبنائهن بسبب ويلات الحرب.
    الأطفال الذين يبرزون من تنانير أمّهاتهم في الصورة هم إشارة ضمنية إلى أن الأمّهات سيقفن معا لمنع أطفالهنّ من السير على طريق الحروب والدمار.
    لوحة "الأمّهات" تّعتبر شهادة على التزام كولوفيتز بتوظيف فنّها كأداة للفت الانتباه إلى التأثير المدمّر للحروب على حياة الناس العاديين، وخاصّة النساء والأمّهات اللاتي غالبا ما يتحمّلن النصيب الأكبر من عواقب ومآسي الحروب.

    ❉ ❉ ❉

  • وقفة العربي ونظراته، في هذه اللوحة من عام 1842، توحي بثقته واعتداده بنفسه في مواجهة النبيل الأوربّي الذي يحدّق فيه وهو متّكئ على أريكة.
    قد يكون العربي هو صاحب هذه القافلة من الجمال. وقد أتى إلى هذا المعسكر ليعرض على أصحابه بعضا من بضاعته.
    ولأن المعسكر منصوب عند سفح جبل يطلّ على دير سان كاترين في صحراء سيناء، والذي تظهر معالمه عن بعد، فمن المرجّح أن الأوربّي الذي يرتدي لباس الشرقيين جاء إلى هنا حاجّاً برفقة بعض عبيده وخدمه.
    الرسّام الإنغليزي جون فريدريك لويس كان من عادته أن ينقل في صوره شموخ العربي وشعوره بالأنفة والكبرياء. وقد استعار للعربيّ في هذه اللوحة نفس ملامح وجيه عربيّ سبق أن رسمه مع مرافقه في لوحة أخرى؛ نفس النظرات الواثقة والمتفرّسة، ونفس اللباس والعباءة المنحسرة عن الكتف، ونفس الخنجر الطويل الذي يطوّق وسطه.
    لماذا هذه اللوحة جميلة ومختلفة؟
    لأن تفاصيلها وشخوصها وألوانها موزّعة بإحكام. وثانيا: لأن موضوعها يمتّ بصلة للقصّة القديمة الجديدة عن حوار أو صراع الثقافات.

    ❉ ❉ ❉

  • من التعبيرات اللغوية الدارجة قولهم: فلان فاز بنصيب الأسد (The lion's share)، أي الحصّة أو النصيب الأكبر من شيء ما. وأصل هذا التعبير قصّة رمزية ذكرها ايسوب الإغريقي في أساطيره عن أسد وذئب وثعلب خرجوا يوما للصيد.
    وبعد أن اصطادوا فريسة، أمر الأسد الذئب بتقسيمها، فوزّعها إلى ثلاثة أجزاء متساوية، ما أغضب الأسد. فوثب على الذئب وهشّم رأسه بضربة من يده. ثم أمر الأسد الثعلب بأن يوزّع الفريسة، فأعطاها كلّها للأسد خوفا من بطشه.
    ثم سأل الأسد الثعلب من أين تعلّم هذه الحكمة، فقال جملته المشهورة: من رأس الذئب الطائر".
    وفي القصّة عبرة، وهي أن الشراكة مع الأقوياء خطرة وأحيانا قاتلة. فالأقوى عادةً يزعم لنفسه حقّا خاصّا، ويمكن أن يكون طمعه مصدر تهديد لشركائه الأضعف.

    ❉ ❉ ❉

  • ❉ ❉ ❉

  • هذه اللوحة الغامضة إسمها "فابيولا"، أي الأسطورة. وقد رسمها إل غريكو عام 1600، وفيها يظهر صبيّ وهو ينفخ في شمعة لإيقادها، وإلى يمينه قرد وعن يساره رجل على وجهه ابتسامة بلهاء أو ربّما ساخرة.
    الأضواء الساطعة والظلال العميقة تضيف غموضا إلى الصورة. لكن المعنى غير واضح. رسالة أخلاقية؟ معنى خاص في ذهن من كلّف الفنّان برسمها؟ دراسة لتأثير الضوء غير الطبيعي على الألوان؟ لا شيء مؤكّد.
    في ذلك الوقت كان إل غريكو قد كرّس صورته في أذهان الناس كرسّام فيلسوف. وكان قد قرأ للتوّ كتاب "التاريخ الطبيعي"، والذي يحكي فيه مؤلّفه قصّة لوحة ضائعة لرسّام قديم حاول فيها الإمساك ببراعة باللمعان العابر لنار متوهّجة.
    وربّما أراد إل غريكو أن يُثبت مقدرته الفنّية في محاكاة ما فعله ذلك الرسّام. وقيل إن المنظر قد يكون ترجمة لمثل إسباني يقول إن النفخ في النار إما أن يؤدّي إلى إشعال الخصومة أو تأجيج الحبّ.

    ❉ ❉ ❉

  • عصور ما قبل التاريخ (prehistory) مصطلح يُطلق أحيانا على الزمن الطويل الذي أعقب بدايات الكون أو تشكّل الأرض. وأحيانا يشير إلى الفترة التي تلت ظهور الحياة على الأرض. وبعض المؤرّخين يحدّدون المصطلح بالفترة ما بين بداية استخدام الإنسان للأدوات الحجرية قبل اكثر من ثلاثة ملايين عام وحتى ابتكار نظم الكتابة التي ظهر أقدمها قبل اكثر من خمسة آلاف عام واستغرق آلاف السنين حتى يتبلور.
    وفكرة أو مصطلح "ما قبل التاريخ" بدأ استخدامه خلال عصر التنوير الأوربّي للإشارة الى المجتمعات البدائية التي وُجدت قبل ظهور السجلات المكتوبة.
    المؤرّخون يعتقدون أن البشر المعاصرين من الناحية التشريحية كانوا موجودين منذ ما بين 200 ألف إلى 300 ألف عام من عمر كوكب الأرض البالغ أربعة مليارات ونصف المليار عام. وعلى الرغم من أن 200 ألف عام هي أقلّ من جزء من عشرين ألف من تاريخ الكوكب، إلا أنها ما تزال فترة طويلة جدّا.
    وأداة المؤرّخين الرئيسية هي ما كتبه الأقدمون. وهذا هو ما يحدّد التاريخ رسميا ويميّزه أحيانا عن علم الآثار والأنثروبولوجيا. مثلا، أقدم السجلات المكتوبة التي اكتشفها علماء الآثار في مصر تعود إلى ما يزيد عن خمسة آلاف عام.
    ومن ثم فإن تاريخ إنشاء تلك السجلات هو التاريخ المقبول حاليا الذي يبدأ فيه التاريخ الرسمي (على عكس "ما قبل التاريخ") في ذلك الجزء من العالم. وبطبيعة الحال، يمكن أن يتمكّن العلماء يوما ما من العثور على سجلات أقدم.
    والمؤرّخون يقولون إنه حتى مع السجلات المكتوبة ينبغي توخّي الحذر، فقد تكون الكتابة بلغة ميّتة لا نعرف عنها اليوم سوى القليل. ولو افترضنا وجود معلومات مكتوبة عن قبيلة غزت قبيلة أخرى، مثلا، فقد نحصل فقط على قصّة متحيّزة وأحادية الجانب عمّا حدث.
    وأحيانا لا تدوّن الروايات إلا بعد أجيال من تناقلها شفهيّا، أي من خلال الكلام، مع قيام كلّ ناقل للقصّة بتغيير التفاصيل بوعي أو بدونه. بل إنه حتى بالنسبة للأحداث التي وقعت بالأمس القريب، يمكن أن يكون لدى من دوّنوها مباشرة تصوّرات مختلفة تماما عمّا حدث وكيف ولماذا حدث.
    وبطبيعة الحال يمكن أن تصبح الأمور أكثر صعوبة بالنسبة إلى عصور ما قبل التاريخ، أو الأحداث التي وقعت قبل وجود السجلات المكتوبة.
    بالمناسبة، بعض العلماء يقدّرون عمر الحياة على الأرض بـ 3500 مليون عام. ويشيرون إلى انه لا توجد حضارة أقدم من عام 12 ألف قبل الميلاد. وإذا وُجدت قبل ذلك التاريخ فستكون من المفصليات ذات الثلاثة فصوص trilobites، وهي كائنات بحرية عمرها 500 مليون سنة وكلّ آثارها اختفت.

    ❉ ❉ ❉

  • شيخ منهمك في قراءة المصحف الشريف وآخر يمسك بالمسبحة ويلهج بالدعاء وثالث يتوضّأ، دراويش، نوافير، أضرحة، مواكب دينية، ارابيسك، زجاج معشّق، خطوط مذهّبة ومصابيح بإطارات خشبية ومعدنية. مثل هذه التفاصيل الإنسانية والزخرفية الشرقية جذبت العديد من الرسّامين الأوربيّين الذين جاءوا في القرن التاسع عشر إلى بلدان المنطقة لاكتشافها.
    وكان من بين هؤلاء الرسّام غوستاف بورنفيند الذي يعتبره البعض أفضل وأشهر فنّان آلماني رسم الشرق. وقد سافر إلى لبنان وسوريا مرارا بمعيّة زوجته وابنه.
    وعندما حلّ الرسّام في دمشق، رغب في رؤية جامعها الأمويّ الكبير. لكن لم يُسمح له بدخوله، فرشا الحرّاس لكي يسمحوا له بالاقتراب من بوّابته. ورسم الناس والمدخل المغطّى بسجّاد مزخرف في منظر مليء بالتفاصيل والألوان البديعة.
    وقد أقام بورنفيند وعائلته في القدس لسنوات واهتمّ بمتابعة ورسم المناسبات الدينية فيها من أعياد ومواكب وطقوس تعبّدية وخلافها. وعَكَس في صوره صروح المدينة المعمارية وبيوتها ومعابدها وشوارعها. وكان ممّا يميّز رسوماته إيلاؤه اهتماما كبيرا بالتفاصيل وكذلك استخدامه البارع للألوان والاضواء.
    كان بورنفيند حلقة في سلسلة من الاستشراقيين الألمان الذين سافروا الى البلدان العربية بدافع من شغفهم بثقافات الشرق ورغبتهم في الاطلاع عليها وتمثيلها صوريّاً. وقد توفّي في مدينة القدس عام ١٩٠٤ بعد ثمان سنوات من اختياره الإقامة الدائمة فيها.

  • Credits
    elgreco.net
    kollwitz.de

    الأربعاء، يوليو 17، 2024

    فريدريش: العالم كروحٍ بدائية


    في الكثير من صور الرسّام الألماني كاسبار دافيد فريدريش (1774-1840)، لا يزيد عدد الأشخاص عن اثنين في الغالب. وهما دائماً يعطيان ظهريهما للناظر، ويبدوان كما لو أنهما يخطوان خارج المكان الذي يقفان فيه، أو يبحثان عن شيء ناءٍ لا يمكن بلوغه، ويتبادلان حديثاً أشبه ما يكون بحديث الأرواح.
    وبالإضافة إلى هذا، هناك الحضور الدائم للقمر وأشجار السنديان، والأفق المنخفض كطريقة لإبراز قرب السماء وسيطرتها.
    كانت الموضوعات المفضّلة لدى فريدريش، والتي ضمّنها في صوره، الأشجار العارية في مناظر الطبيعة الشتائية، والأطلال المغطّاة بأشجار اللبلاب، والسماء فوق بحر البلطيق العاصف، والأشجار المتيبّسة أو الداكنة، والسماء الليلية، وضباب الصباح، والآثار القوطية أو الصخرية، والارتباط الدائم بين البشر والطبيعة.
    لم يكن الرسّام يصوّر الطبيعة فحسب، وإنما أيضا الحالات المزاجية والعواطف والمشاعر التي تستحضرها. ومصداقا لهذا كان دائما يردّد: لا ينبغي للفنّان أن يرسم ما يراه أمامه فقط، بل ما يراه داخل نفسه أيضا".
    الكاتب المسرحي الإيرلندي سامويل بيكيت قال ذات مرّة إن لوحة فريدريش "رجلان يتأمّلان ضوء القمر" (1819) كانت مصدر إلهامه لكتابة مسرحيته العبثية المشهورة "بانتظار غودو". في لوحة فريدريش هذه، ذات الطبيعة الليلية، يقف شخصان خلف شجرة ذات أغصان متيبّسة وهما يتأمّلان القمر ونجمة المساء. وفي مسرحية بيكيت، ينتهي كلّ فصل بمشهد لبطل العمل وهو يحدّق من بعيد في ضوء القمر.
    كان فريدريش يحبّ تضمين أعماله موتيفاتٍ قروسطية. وقد استلهم هذا من صديقه الشاعر غوته الذي خصّص أوّل كتبه للحديث عن جماليات كاثدرائية ستراسبورغ.
    والكثير من لوحاته مثل "راهب على شاطئ البحر" تتحدّث إلى أجيال متعاقبة. وهناك إحساس عالٍ بالدراما في هذه الصورة يجسّده الشخص الوحيد الذي يظهر فيها متأمّلا البحر ومرهِفا سمعه لحركة وصوت الماء التي يتردّد صداها في الأفق المفتوح والممتدّ أمامه.
    كان فريدريش ينظر الى العالم كروح بدائية. وهو في لوحاته ينقل المتلقّي الى الوراء، أي الى الوقت الذي كانت فيه الأرض شابّة. ومناظره الطبيعية لا تهتمّ كثيرا بالمكان. والطبيعة يصوّرها دائما كظاهرة. والكون بالنسبة له عبارة عن وثيقة مليئة بالصور الآمنة والخطرة معاً.
    لوحته "ضباب في وادي إلبا" (1798) لها حساسية الصور الصينية المرسومة على الحرير في إمساكها الصامت بالضباب المتدحرج فوق الجبال. وأغصان الأشجار العارية من أثر الثلج تشبه سرباً من الظباء المستنفرة.
    من أشهر اعمال فريدريش الأخرى تصاويره لأطلال دير إيلدينا الألماني المبني عام 1199. كان هذا الدير قد دُمّر أثناء حرب الـ 30 عاما واستُخدمت حجارته لبناء جامعات ومدارس. وفي عام 1800، كانت هناك نيّة لإزالة أطلاله نهائيا، غير أن رسومات فريدريش للدير أنقذته عندما وجّهت انتباه الناس إلى وضعه فطالبوا بالمحافظة على بقاياه وتأمينها.


    المعروف أن صور الآثار والأماكن القديمة ترتبط في الوعي الجمعي بمشاعر متباينة كالحزن والحنين والغموض، وأحيانا الخوف. وكثيرا ما تذكّر رؤية الآثار بالمآسي القديمة للإنسانية وبالأفعال البطولية، وما إلى ذلك. وقيمة الآثار البصرية والجمالية تكمن في نقصها، أي عدم تمامها، وفي تفاعلها مع الطبيعة من حولها.
    وفي العصر الرومانسي، أي زمن فريدريش، كانت الأماكن الأثرية ملتقى للأدباء والشعراء والفنّانين. وغالبا ما كانت تُستخدم كخلفية أو كصورة مجازية للأشياء الآيلة للذبول والتلاشي. غير أنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون أماكن للتجدّد والتعلّم والإلهام. لكن في عصر النهضة، أي قبل ذلك بقرنين، كانت الأماكن القديمة تُقدّر لجمالها الفطري وباعتبارها رمزا لفناء العالم وشهادة على عجز الإنسان عن حماية ما أوجده.
    في إحدى لوحات فريدريش من عام 1824، يرسم الفنّان سماءً لامعة ومليئة بالرؤى تحتلّ كامل الصورة تقريبا وتغطّي الارض الصغيرة الى أسفل. أحد النقّاد قال يصفها: هذه سماء نوفاليس الفيلسوف، فهي خالية من النجوم لكنها أكثر سطوعا من النهار، بينما تبدو الارض تحتها بلا نشاط او حياة".
    وفي لوحة أخرى مليئة بالرموز وتعكس نظرته التأمّلية للطبيعة، يرسم فريدريش ثلاثة أشخاص، امرأتان ورجل، يرتدون ملابس من القرون الوسطى ويراقبون في ضوء القمر سفينة عائدة من رحلة في ساعة متأخّرة من الليل. قيل أحيانا إن السفينة في اللوحة ترمز لمرور الزمن ونهاية رحلة الإنسان.
    كان فريدريش يرفض دراسة أو تصنيف الظواهر الطبيعية ويتجاهل ما يقوله العلم الحديث عنها، على أساس أن ذلك من شأنه أن يؤثّر سلبا على القيمة الشاعرية لصوره ويقلّل من دوره كشارح للطبيعة.
    ورغم أن أعماله مشبعة بإحساس واضح بالحزن والكآبة، إلا أن هذا الشعور تأمّلي في الأساس، أي أن القبور والجنائز والأطلال الدارسة وغيرها تشير إلى حياة أكثر سلاما بعد الموت. وهذا العزاء بالخلود أو الحياة الأبدية حاضر حتى في أكثر أعمال الرسّام كآبةً وحزناً.
    لوحة فريدريش الأشهر "متجوّل فوق بحر من الضباب" من عام 1817 (فوق)، تصوّر شخصا غامضا يقف فوق صخرة وعرة مراقباً المنظر الطبيعي الذي أمامه ومُعطياً ظهره للناظر. وقد أصبحت هذه اللوحة مألوفة لدرجة أنه أصبح من الصعب أن ندرك مدى ابتكاريّتها وثوريّتها عندما أُنجزت، حيث كانت تخالف كلّ الأنماط التقليدية في الرسم التجسيدي.
    عندما حلّ عام 1820، كان كاسبار فريدريش يعيش حياة عزلة وانفراد وفقر نسبي. وقد أطلق عليه أصدقاؤه من الفنّانين والكتّاب لقب "الفنّان الأكثر عزلة بين المنعزلين".
    وبعد موته بمائة عام، استخدم هتلر والحزب النازي أعماله للترويج لأيديولوجيتهم المتطرّفة، في محاولة لربطه بشعاراتهم القومية. وكانت النتيجة أن شعبية فريدريش سجّلت تراجعا واضحا خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
    في هذا العام، 2024، تحتفل ألمانيا بذكرى مرور 250 على مولد فريدريش. وما يزال الفنّانون في العصر الحاضر يجدون في أعماله إلهاماً على مستويات متعدّدة. واستكشافاته للإنسان وعلاقته بالطبيعة تشكّل نقطة انطلاق للكثير من الفنّانين الذين يراقبون علاقة البشر المضطربة حالياً بالعالم الطبيعي في عصر التغيّر المناخي.

    Credits
    caspardavidfriedrich.org