:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, June 28, 2017

نُور العالَم

العلم يقول لنا أشياء كثيرة عن الضوء. لكن هذه الأشياء تقود إلى تساؤلات أخرى أكثر غموضا. والعلماء ما يزالون في حيرة من أمر هذه الظاهرة التي ما تزال تخفي الكثير من أسرارها.
لكن يمكننا أن نلمح شيئا من طبيعة الضوء عندما تتخلّل أشعّة الشمس غرفة مملوءة بالغبار، أو عندما يظهر قوس قزح بعد عاصفة رعدية أو بعد هطول المطر.
في إحدى غرف متحف تيت البريطانيّ، توجد لوحة كثيرا ما تجتذب أعدادا كبيرة من الزوّار. عمر اللوحة مائة وثلاثون عاما، وهي مرسومة بالألوان الزيتية، وطولها حوالي سبعة أقدام.
في اللوحة، تظهر فتاتان صغيرتان في بدايات المساء وهما تقفان في حديقة للزهور وتضيئان مصابيح ورقية.
كان طموح الفنّان الذي رسمها، وهو جون سنغر سارجنت، أن يمسك بالوهج السريع للشفق، رغم أن المهمّة كانت على ما يبدو عصيّة ومراوغة.
وقد كتب الرسّام إلى شقيقته يخبرها، بشيء من الإحباط، كيف أن التأثير الذي حاول أن ينقله إلى اللوحة لم يستمرّ سوى عشر دقائق، وهي فترة غير كافية لنقل الانطباع إلى القماش.
لكن لو وقفت أمام اللوحة اليوم لتعجّبت من خاصيّة الضوء الذي يشعّ منها. فوهج الشفق يسقط على بتلات الأزهار وعلى الوجهين الناعمين للطفلتين، بينما ينبعث عن المصابيح الورقية شعاع برتقاليّ قويّ وأخّاذ.
هناك شيء ما غامض في لوحة سارجنت هذه. ويمكن القول أنها تختزل علاقة الإنسان بالضوء. فنحن، ودون أن نشعر أحيانا، نجري خلف الضوء ونعامله بشيء من التقديس ونخلع عليه شعورا بالاحتفاء والدهشة.
انه نفس الإحساس الذي يساورنا ونحن نرقب عرضا للألعاب الناريّة ، أو منظرا للشفق القطبيّ ، أو تجربة من تجارب حقول الضوء ، أو عندما نصغي للحكايات التي نقصّها على أنفسنا عن علامات النجوم وظاهرتي الكسوف والخسوف، أو عندما نتسلّق قمّة جبل كي نتأمّل منظر الشمس وهي تشرق أو تغرب برهبة وجلال.
كلّ تفاصيل حياتنا تتمحور حول الضوء، أساليبنا في العمل والعيش والتنقّل، تعاملنا مع المصابيح ومفاتيح الإنارة في بيوتنا، وحتى تصوّراتنا عن المسافة التي تفصل السماء عن الأرض.
وأينما كان المكان الذي تعيش فيه، سواءً في المدينة أو القرية، فأنت منجذب دوما، ودون أن تحسّ غالبا، إلى رؤية كيف ينبثق الضوء وكيف يتلاشى.
قبل أن يرسم سارجنت لوحته هذه بسنوات، أشار وليم تيرنر، الذي يوصف عادة بأنه رسّام الضوء، إلى أن أجمل الأضواء هي تلك التي تظهر في السماء التي تعلو شاطئ البحر. التحوّل الناعم للضوء بين كلّ ساعة من ساعات النهار والليل شيء لافت وتعجز الكلمات عن وصفه أو عن وصف تأثيره في النفس والمشاعر.
في انجذابنا نحو الضوء، ثمّة حالة من الجمال، من التسامي، من الإحساس بالدفء والتطلّع إلى شيء ما لا يمكن لمسه أو إدراكه. وعلاقتنا الملتبسة بالضوء ستظلّ دائما، وبمعنى ما، غير مكتملة وغير مدركة تماما، سواءً كان مصدره وهج عود ثقاب أو ضوء مصباح أو شهابا عابرا في السماء أو جذوة نار مشتعلة في البرّية.
"هناك أشياء لا يمكن امتلاكها". كتبت ريبيكا سولنيت ذات مرّة تصف اللون الأزرق للضوء. الضوء ظاهرة واضحة جدّا، وفي نفس الوقت غامضة كثيرا. ولأنه احد متع الحياة العظيمة غير المحسوسة وغير المدركة، فإنه سيظلّ سببا ومصدرا للاحتفال والدهشة التي لا تنتهي.

Credits
theguardian.com

Thursday, June 22, 2017

طبيعة فريدريش


أصبح كاسبار ديفيد فريدريش الرسّام المحبوب الأوّل في ألمانيا وبات الألمان ينظرون إليه كأيقونة ثقافية. والسبب هو أننا عندما ننظر إلى لوحاته فإننا نشمّ فيها رائحة البارود.
ونعرف قبل أن يخبرنا المؤرّخون أن هتلر كان يحبّ رسوماته. الخواء والغموض في ساحات فريدريش التي لا يسكنها سوى أشباح أبطال ألمانيا جعلته المعادل البصريّ لفاغنر: بطل مخالف للعرف وذو ملامح كالحة، في قاعة عمالقة الثقافة.
لكن هذا لم يؤثّر كثيرا في شعبيّته. فرسّام المناظر الطبيعية هذا، الذي كاد أن يُنسى بعد وفاته عام 1843، أعيد اكتشافه من جديد في السنوات الثلاثين الأخيرة.
في سبعينات القرن العشرين، عاد الفنّانون والسينمائيون الألمان إلى الحديقة المتفحّمة لإرثهم الثقافيّ كي يتخيّلوا من جديد طبيعةً بعْثَرَتها النازية. وقد ذهبوا باحثين عن ألمانيا، وما وجدوه كان فريدريش .
الرسّام الألمانيّ المعاصر انسيلم كيفر صوّر نفسه في طبيعة فريدريش، معطيا ظهره لنا مثل الأشخاص في لوحات الأخير، ومؤدّيا التحيّة النازيّة.
ومنافسه الرسّام غيرهارد ريختر زار هو الآخر طبيعة فريدريش، لكنّه رسمها مغبّشة، كما لو أنه رآها من نافذة سيّارة في يوم مطير.
وعندما أعاد فيرنر هيرتزوغ إعادة إخراج فيلم نوسفيراتو عام 1979، حوّل قصة الفامباير أو مصّاص الدماء الذي يغزو بلدة في شمال ألمانيا إلى مقالة عن الرومانسية. فشخصيّات الفيلم تسير عبر تلال مغطّاة بالضباب، مثل تلك التي كان يرسمها فريدريش في مناظره.
وفي النهاية يختفي الفامباير في ساحة فسيحة وخالية، تماما مثل الشخص الملتحف بالسواد في أعظم لوحات فريدريش المسمّاة الراهب أمام البحر (فوق). وهيرتزوغ يرى الطبيعة الألمانية في لوحات فريدريش كمكان ملعون، بينما يعتبر أن مصّاص الدماء هو هتلر وفريدريش معا.
ومع ذلك تستمرّ جاذبية فريدريش القاتلة. ولوحاته ما تزال تظهر على غلاف أيّ كتاب كلاسيكيّ له علاقة بالرومانسية الألمانية أو القوطية.
وعندما اشترى الناشيونال غاليري لوحته طبيعة شتائية المرسومة عام 1811، كانت تلك أوّل لوحة لفريدريش يشتريها متحف من خارج ألمانيا.
لقد فتح فريدريش العالم، ولكن بثمن غالٍ وسوء فهم عميق عمّن كان وإلى ماذا كان فنّه يرمز. وأصبح هو الأيقونة الأهمّ للرومانسية الألمانية، وصارت صورته كمتسلّق للجبال وعاشق للتسامي والخواء صورة لتاريخ ألمانيا نفسها. ويبدو أن الناس يحبّونه مثلما يحبّون دراكيولا، لأنه يدهشهم ويرعبهم.
لكن فريدريش لم يكن رجلا مصابا بجنون العظمة، بل كان إنسانا واقعيّا شارك في عصره بعقلانية وبعين داهية سياسيّ. رسائله التي أعيدت طباعة بعضها مؤخّرا ربّما تخيّب أمل خبراء الفنّ الذين يميلون للحديث عن الجنون الألمانيّ.
ففريدريش يبرز في تلك الرسائل كناقد للسلطة وكمتعاطف متمرّد مع الطلاب المسجونين لاحتجاجهم ضدّ الأنظمة الديكتاتورية في الولايات الألمانية الصغيرة والمقسّمة بعد مؤتمر فيينا عام 1815، وأحيانا كداعية متحمّس للتغيير وكليبراليّ من القرن التاسع عشر.
الأب الحقيقيّ لرسم مناظر الطبيعة الرومانسية كان نابليون. فالجيوش الخفيّة للإمبراطور الذي توّج نفسه ملكاً، جعلت طبيعة أوربّا مرئية عندما شقّت تلك الجيوش طريقها عبر القارّة.


وقد رأى فريدريش الولايات الألمانية تنهزم بطريقة مذلّة على يد جيوش نابليون، مثلما شهد فرانشيسكو دي غويا ضمّ اسبانيا، ومثلما رأى وليام تيرنر بريطانيا تُحوّل بحرها إلى سور دفاعيّ.
لكن ما جعل فريدريش يرى خطر الطبيعة كان سقوط نابليون. والذي أطاح بنابليون كان الفراغ والطقس والطبيعة. وزحفه على روسيا انتهى بهزيمته في الأرض اليباب لشتاء الشمال.
لقد هزّت الحروب النابليونية رَسْم الطبيعة الرومانسية بعنف. في لوحة تيرنر عاصفة ثلجية ، يصوّر الرسّام الانجليزيّ هانيبال وجيشه وهم يعبرون جبال الألب. وتيرنر يجسّد نابليون على هيئة جنرال قرطاجيّ ضئيل الحجم يقف هو وجنده بلا حول ولا قوّة أمام الجبروت الطاغي للجبال والطقس.
لكن في لوحات فريدريش يعاني نابليون من مصير أسوأ بكثير. ففي عام 1814، أي في السنة التالية لانسحاب بونابرت من موسكو، رسم فريدريش لوحته بعنوان الجنديّ في الغابة .
وفيها نرى جنديّا فرنسيّا منقطعا عن رفاقه يقف في درب ضيّق مقطوع الشجر داخل غابة يبدو انه لن يهرب منها أبدا. أشجار الشيح البنّية ترتفع كالأشباح فوق الجنديّ وتطبق عليه، وهو يبدو مستسلما، تاركا سيفه يسحب على الأرض ومصدوما من الظلام الرهيب الذي لا يقاوَم ويوشك أن يبتلعه.
هذه اللوحة أيضا تصوّر نابليون في شخص احد جنوده الهالكين. لكن بدلا من السهل الروسيّ، فإن الغابة الألمانية هي التي تهزمه هنا. ولوحة فريدريش هذه كثيرا ما اعتُبرت بمثابة بيان وطنيّ. فألمانيا، كما يوحي فريدريش، هي غابة متشابكة ومميتة وقادرة على ابتلاع أعدائها.
لكن من الخطأ أن تنظر إلى لوحات فريدريش على أنها وطنيّة فقط. وهي ليست احتفالات بالغموض الألمانيّ بقدر ما هي اختبار له. ففريدريش يوظّف خواء وفراغ ساحل بحر البلطيق وغابة ولاية تورنجيا كي يوحي بغطرسة الإمبراطورية.
فريدريش ليس رسول طُموح ألمانيا الجغرافيّ، بل المتأمّل فيه بسخرية. وفكرته هي انه يستحيل الانتصار على الفراغ، وأن البشر متطفلّون صغار في عالم لا يمكن أن يحلموا بأن يحكموه.
كما أن الرسّام يفضح سلطة الولايات الملوكية الألمانية، مثل بروسيا والبقيّة، التي كان الليبراليون الألمان يشعرون بأنهم معزولون عنها كليّاً.
في عام 1810، أرسل فريدريش اثنتين من أشهر لوحاته هما الراهب أمام البحر ودير في غابة السنديان ، لكي تُعرضا في برلين عاصمة بروسيا التي كانت قد أنزلت هزيمة ساحقة بنابليون قبل ذلك بأربع سنوات. وقد تسبّبت اللوحتان في إحداث ضجّة، ثم قرّرت العائلة الحاكمة اقتناءهما.
طبيعة فريدريش هي مكان لا تستطيع أن تجد فيه موطئاً لقدمك. حاول أن تقتحمه وتنتصر عليه، وستسقط صريعا بين الثلوج. لقد هلك نابليون في هذه الطبيعة، وكذلك هتلر.
فنّ فريدريش لا يمكن وصفه باللاعقلانيّ، بل هو عن اللاعقلانية. في لوحة امرأة في نافذة ، نرى امرأة (زوجة الرسّام) تعطي ظهرها للناظر وتحدّق إلى خارج الغرفة المعزولة باتجاه سارية سفينة في قنال. المنزل هو العالَم الآمن الذي كان فريدريش يتطلّع إليه وحقّقه.
السفينة ذات الحضور المشئوم تصل إلى البلدة، وكأنها خارجة من الطبيعة الألمانية. إنها تمثّل كلّ شيء كان فريدريش يخاف منه ويرغب به في نفس الوقت. قد تكون هذه سفينة الهولنديّ الطائر الذي تحكي عنه أوبرا فاغنر، أو قد تكون السفينة التي تُحضِر مصّاص الدماء إلى البلدة بصحبة جيشه من الفئران.

Credits
caspardavidfriedrich.org
theguardian.com

Friday, June 16, 2017

الفنّ الرؤيوي


منذ البدايات المبكّرة للفنّ والرسّامون يحاولون أن يرسموا ما لا تراه العين، لكنْ تدركه الروح والصّوت الداخليّ.
ومحاولة تصوير الروحانيّ والغامض بوصفه جسرا بين العالم الأدنى والأعلى ظلّ هو الهمّ الأساس لما يُسمّى بالفنّ الرؤيوي. وهو فنّ قديم قدم الروحانية وصور الآلهة القديمة والقدّيسين الذين تعلو رؤؤسهم هالات من نور.
ويمكن إيراد بعض الأمثلة عن هذا النوع من الفنّ مثل رسومات الكهوف التي تصوّر بشرا وحيوانات هجينة، ومثل الفن الشامانيّ القديم والأقنعة الطقوسية التي كانت شائعة في الثقافات البدائية.
تلك الصور وأخرى غيرها كان المراد منها إنتاج رؤية أوسع عن الوعي تتضمّن الروحانيّ والخفيّ أو الغامض.
وإحدى أفكار الفنّ الرؤيوي هي أن تلك الصور يمكن أن تكون رسائل أو وسائل هداية أو نبوءات أو كشوفات توهب للمبدعين بقوّة إلهية أو بفضل حالات الوعي المعدّلة.
إذن من أهمّ غايات الرسم الرؤيوي الكشف عمّا يكمن وراء حدود النظر بإظهار الحالات التي تسمو على الإدراك. وهذا يعني بالنسبة للبعض أن يفقد الإنسان نفسه أثناء عملية الخلق ويرتبط بالقوانين الكونية وبقوّة الإلهام الإلهيّ، كي يتواصل مع تلك الحالات ويجسّدها من خلال الصور.
ويقال أن بدايات هذا الفنّ تعود إلى عصور ما قبل التاريخ عندما رسم الإنسان الأوّل على جدران الكهوف صورا تمثّل تجسّدات أحلامه ورؤاه وتقف كرموز سحرية تستذكر رحلات الصّيد والإمساك بالحيوانات المتوحّشة.
وبعد قرون أصبح هذا الفنّ يتمثّل في الرسومات الدينية المتعدّدة التي تصوّر الأشكال المتخيّلة للملائكة والقدّيسين والتي تحاول، ليس فقط ربط عالمنا بالأفكار الروحانية، بل توفّر للناس صورا مختلفة من العبادة.
وإحدى الأفكار التي ترد كثيرا في الفنّ الرؤيوي هي إعادة خلق الجنّة وغيرها من الرؤى اليوتوبية. وهذا ليس بالمستغرب إذا ما تذكّرنا أن الفنّ كلّه كان إلى ما قبل مائتي عام فقط مرتبطا بالله وبالمقدّس.
وبالنسبة للفنّ الحديث، يمكن اعتبار الرمزية والتجريدية والسوريالية امتدادات للفنّ الرؤيوي. فاللوحات التجريدية المبكّرة والصور الحالمة للسوريالية كانت تصوّر عالما بلا قواعد ويسمح بتجانبات غريبة. وهذه الصور تعزّز المقدّس والغامض وتمنحه مساحة أكثر رحابة.
وهناك أسماء عديدة لفنّانين ارتبطوا بالفنّ الرؤيوي، مثل وليام بليك ونيكولاس روريك وريميديوس فارو وفريدون رسولي، بالإضافة إلى غوستاف مورو أبي الرمزية الفرنسية الذي رسم قصصا دينية وأسطورية ما تزال تثير مخيّلة الناس.
ويمكن أيضا أن ندرج ضمن هذا التصنيف لوحات كاندينسكي وبول كلي وخوان ميرو الذين بحثوا عن الروحانية في الفنّ من خلال الخصائص الرمزية والشعورية للخطوط والألوان والأشكال الهندسية.


ولا ننسى أيضا كتابات بيت موندريان الفلسفية والعميقة عن الفنّ وصور سلفادور دالي وماكس ارنست التي تمزج عالم الأحلام والذكريات وتجارب الطفولة. ويمكن كذلك الإشارة إلى رسومات بعض فنّاني القرن العشرين من غوغان إلى بولوك إلى اوكيف وغيرهم.
والذي يجمع بين هؤلاء هو الموهبة والقدرة على تقديم أنواع من الأبعاد الرؤيوية للعقل.
يقال أحيانا أنّ الفنّ يصبح في أفضل حالاته عندما لا يكون له اسم، أي عندما يستمع الفنّان إلى صوته الخاص، لا إلى أصوات غيره ولا يتّبع التقاليد الفنّية. وفي الواقع من المهمّ أن لا يغمر الفنّان نفسه في النظم والقواعد المكبّلة التي يمكن أن تحرمه من محاولة رؤية الأشياء التي لا تُرى عادة.
وغالبا فإن من ينتج هذا الفنّ هم أفراد علّموا أنفسهم بأنفسهم، أي لم يتلقّوا تعليما منهجيّا، وأعمالهم في الغالب هي تعبير عن رؤية فردية وذاتيّة. وهؤلاء بارعون عادة في اكتشاف الامكانيات التي لا يراها ولا يلاحظها الآخرون.
وهناك من يربط الفنّ الرؤيوي بحالات الوعي المتغيّرة وبالتجارب النفسية والهندسة المقدّسة والشامانية والعوالم الخفيّة وبظاهرة تزامن الحواسّ والثيوصوفية والخيمياء والسحر واليوغا وغيرها.
ومن الملاحَظ أن الفنّ الرؤيوي المعاصر مملوء بالأنوثة التي تعكسها ألوان ناعمة وأعماق أثيرية وخطوط متحوّلة، كما انه يتضمّن غالبا شكل "آلهة" بالمعنى المجازيّ للكلمة.
والتركيز على البعد الأنثويّ في هذا الفنّ مبعثه فكرة تقول أن عالمنا الحديث يتّسم بالأطراف الحادّة والخطوط المستقيمة والقواعد الصارمة، وكلّها عناصر ذكورية.
ومع أن في كلّ إنسان طاقة ذكورية وأنثوية معا، إلا أننا أسّسنا مجتمعات ذات ملامح ذكورية خالصة تجسّدها الخرسانة الصلبة والمباني المنتصبة والحروب المشتعلة في كلّ مكان.
وما حدث هو أننا مكنّا الطاقة الذكورية في دواخلنا وسمحنا لها بتحديد الاتجاه الذي شُيّد عليه الواقع الماديّ والاجتماعيّ كلّه. وفي نفس الوقت قمعنا طاقة الأنثى التي بداخلنا وقلّلنا من أهميّة سمات المرأة في واقعنا وفي حياتنا.
وهناك من يرى أن العالم كما نعرفه سيتغيّر دراماتيكيا عندما نبدأ في الاستماع إلى الصوت الداخليّ للمرأة، فنتبنّى الناعم والسهل والمرن في مقابل الحادّ والصارم والخشن.
والفنّ الرؤيوي اليوم هو دليل على التحوّل الذي يقوم به كثيرون باتجاه تعبير أكثر توازنا عن الطاقة الذكورية والأنثوية معا.
ومن خلال محاولتنا فهم المعاني المخبوءة في بعض نتاجات هذا الفنّ، فإننا نمنح أنفسنا الفرصة لاستيعاب السمات الأنثوية التي تقع في قلب العملية الفنّية، ومن ثم إعادة صياغة الكيفية التي نرى بها أنفسنا ومجتمعاتنا والعالم من حولنا.

Credits
arthistoryarchive.com