:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, August 15, 2017

شولوكوف والدون الهادئ


عندما يُذكر اسم ميخائيل شولوكوف فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى روايته "الدون الهادئ" التي عمل عليها طوال خمسة عشر عاما ونال عليها جائزة نوبل للآداب عام 1965.
العنوان الحرفيّ للرواية الأصلية هو "هادئاً يفيض الدون"، وهو كما أظنّ عنوان أجمل من العنوان المعتمد في الترجمة العربية، أي "الدون الهادئ".
لكن، أوّلا، لماذا أصبحت هذه الرواية مهمّة ومشهورة؟
هناك سببان، أوّلهما أن شولوكوف، الذي كان عضوا في مجلس السوفيات الأعلى زمن خروتشوف، كتبها وعمره لا يتجاوز الحادية والعشرين. والسبب الثاني انه رغم انتماء الكاتب للحزب الشيوعيّ، إلا انه نأى بروايته تماما عن الايدولوجيا، وهذا هو سرّ النجاح الكبير للرواية.
كان شولوكوف يشعر بأهميّته ككاتب وكإنسان، كما كان عصيّا على الطاعة والانقياد، لذا لم يكن يتردّد في انتقاد أيّ احد. وشخصيّته إجمالا تلخّص السمات التقليدية التي تميّز سكّان جنوب روسيا الذي ينتمي إليه أيضا غوغول. كان شولوكوف وطنيّا متطرّفا، وهو أمر ليس بالمستغرب أو النادر بين الكتّاب والروائيين الروس.
وهو يصف منطقة نهر الدون بقوله: أحد شاطئي النهر جرف طباشيريّ اللون مرتفع، والشاطئ الآخر منخفض رمليّ تتناثر فيه برك صغيرة ماؤها دافئ أزرق لمّاع يستطيع المرء أن يسبح فيه لساعات".
وفي ثنايا الرواية، يتحدّث عن الربيع المبهج في الدون والطيور في بدايات الصيف والإوزّات الهادئة على أسطح البرك كجواهر مبعثرة، وعن البطّ الوحشيّ الذي يرسل صياحه بين الغدران الطافحة بالماء المتدفّق في الوادي، وعن طيور الماء المزقزقة في سماء الخريف والمرسلة صراخها فوق الأراضي البور الشاسعة.
تتألّف رواية "الدون الهادئ" من أربعة أجزاء كُتب أوّلها عام 1928، وهي تتناول ثلاثة أحداث رئيسية: الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية وثورة أكتوبر عام 1917.
والمؤلّف يعتمد في سرده على حقائق تاريخية وأماكن جغرافية حقيقية وبشر واقعيين.
تبدأ الرواية أثناء الحرب الأولى في قرية تقع على ضفاف نهر الدون. البطل، غريغوري مليكوف، يعيش هنا مع عائلته ذات الأصول التتارية والتي تتألّف من والديه وشقيقته وأخيه المتزوّج.
وغريغوري واقع في هوى امرأة متزوّجة تُدعى اكسينيا ذهب زوجها إلى الجبهة للمشاركة في الحرب. لكن الأهالي غير سعداء بتلك العلاقة، كما أن والده يريد تزويجه من ناتاليا التي تنتمي إلى عائلة موسرة ومعروفة.
وأخيرا يتزوّج غريغوري فعلا من ناتاليا، لكنه لا يشعر معها بالسعادة رغم كونها امرأة طيّبة ووفيّة. وبعد بضع سنوات يعود إلى اكسينيا.
في تلك الأثناء، تبدأ طلائع الشيوعيين بالظهور في القرية معلنين أنهم يحاربون من اجل تحقيق العدالة والمساواة. ويقرّر غريغوري الهرب مع اكسينيا وينتهي بهما المطاف في حقل يملكه ضابط جيش متقاعد يستأجرهما للعمل في حقله.
وبعد فترة تأتيه رسالة من زوجته ناتاليا تبلغه فيها بأنها وضعت مولودة أنثى وتطلب منه أن يهجر اكسينيا ويعود ليهتمّ بها وبطفلتهما. لكنه يرفض، فتحاول ناتاليا أن تقتل نفسها.


تمرّ الأيّام ويتمّ تجنيد غريغوري في الجيش، لكنه يشعر بالقرف من عمليات القتل وسفك الدماء التي يراها، مع انه هو نفسه جُرح مرارا وتمّ تكريمه بسبب ما أبداه من بسالة. ثم تأتيه رسالة من ناتاليا تفيد بوفاة ابنته.
اكسينيا التي تُركت لوحدها في الحقل تشعر الآن بالوحدة واليأس. لذا يقوم ابن صاحب الحقل بمحاولة التقرّب منها. لكن غريغوري يكتشف ذلك، فيقرّر إنهاء علاقته بها والعودة إلى قريته وزوجته.
وبعد فترة تضع ناتاليا توأما، بنتا وولدا. وشيئا فشيئا يبدأ الجند بالشعور بالإنهاك ويعتقد الجميع أن الحرب توشك على أن تضع أوزارها. لكن تلك الآمال سرعان ما تتبدّد مع تفجّر الحرب الأهلية الروسية ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية.
وهنا يختار غريغوري أن ينضمّ إلى البلاشفة، لأنه هو نفسه يحارب مظاهر الظلم الاجتماعيّ وانعدام العدالة.
ورغم إيمان غريغوري القويّ بتلك المبادئ، إلا أن آماله سرعان ما تنهار عندما يُصدم بمقتل ضابطين من المعسكر المعادي. وعندما يعود إلى البيت، يقرّر أن يقاتل في صفوف الطرف الآخر. ومع ذلك لا يشعر بالرضا، لأنه يرى أن كلا طرفي الحرب الأهلية مستمرّان في ارتكاب الجرائم.
وفي تلك الأثناء، يتزوّج ابن الضابط المتقاعد امرأة أخرى ويهجر اكسينيا التي تعود بدورها إلى زوجها الذي عاد الآن من الأسر. ثم تكتشف ناتاليا أنها حامل للمرّة الثالثة، لكنها غير سعيدة بالحمل فتقرّر إجهاض نفسها وتموت أثناء محاولتها تلك.
غريغوري الآن يشعر بالإحباط والحزن الشديد جرّاء وفاة زوجته. ثم يقابل ابن أخيه الذي أصبح قائدا لفرقة البلاشفة في قريته، ويقرّر غريغوري الانضمام إليهم. ثم لا يلبث أن يتركهم ويلتحق بإحدى العصابات، لكنه يترك العصابة أيضا.
في نهاية الرواية، يقرّر البطل العودة إلى اكسينيا. وبسبب امتداد رقعة الحرب، يقرّر الاثنان الهرب إلى مكان آمن، لكن كمينا يُنصب لهما في الطريق فتُقتل اكسينيا. وبينما هو يدفن جثّتها، يدرك كم أن الحياة عبثية وتعيسة وغير منصفة.
غريغوري مليكوف، الإنسان الطيّب والمحبّ للعدالة، كان يبحث عن السعادة طوال عمره، لكنه لم يجدها. زوجته الوفيّة كانت نهايتها مأساوية. وحبّه العظيم لاكسينيا انتهى بمقتلها، وتلك الحادثة أيضا أدّت إلى تدميره هو.
وغاية شولوكوف من الرواية هي إظهار وحشية الحروب التي تحطّم حياة البشر وتشتّت العائلات وتباعد ما بين المحبّين.
ذات مرّة، وصف خروتشوف شولوكوف بأنه فنّان لامع وواصف فذّ. وفي عيد ميلاد الأخير، جاءه خروتشوف بنفسه في حفل عظيم ووشّح صدره بوسام ومنحه جائزة مالية ثم صحبه معه في رحلته إلى أمريكا.
المعروف أن رواية "الدون الهادئ" وجدت طريقها إلى السينما ثلاث مرّات، كانت آخرها في فيلم أخرجه سيرغي غيراسيموف ولقي ترحيبا عالميّا ونال العديد من الجوائز.

Credits
the-tls.co.uk

Thursday, August 10, 2017

تكبيليك: سُلطان القلوب


من الأشياء الجميلة التي اكتشفتها في أوّل عهدي بالانترنت موسيقى الفنّان التركيّ عمر فاروق تكبيليك. عذوبة ألحانه وأناقة توزيعه الموسيقيّ ومزجه الرائع بين الموسيقى العربية والتركية والفارسية واليونانية والاسبانية، بل وحتى موسيقى الجاز الأمريكيّ، هي من أهمّ سمات موسيقاه.
في تلك الفترة، لم يكن تكبيليك قد اصدر سوى ألبوم أو اثنين، وأتذكّر أن عنوان أحدهما "ألِف"، وهو عنوان جميل وذو دلالة خاصّة، فالألِف هو أوّل حروف الأبجدية العربية، كما انه أوّل أحرف لفظ الجلالة "الله".
وفي السنوات التالية وحتى الآن، أصدر العديد من المجموعات الموسيقية التي يربو عددها اليوم على السبع.
في معظم صوره على الانترنت، يظهر تكبيليك وهو يعزف على الناي. وهو يتعامل مع هذه الآلة بطريقة ناعمة وحالمة. وقد تعلّم عزف الناي وهو في سنّ الثامنة، وفي الثانية عشرة أصبح يعزفه بحرفيّة. كما تلقّى دروسا على يد أشهر الموسيقيين الأتراك، مثل عصمت سيرال وأورهان كنج بيه وهو عازف وتريات وأحد ابرز ممثّلي الموسيقى المسمّاة بالأرابيسك.
وما من شكّ في أن تكبيليك هو احد الموسيقيين الروّاد الذين أسهموا في نشر موسيقى الشرق في البلدان الغربية. كما أن استخدامه للعود والزورنا والقانون والباجلاما والناي ببراعة، أسهم في انتشار وشعبية هذه الآلات الشرقية في الغرب.
ولد عمر فاروق تكبيليك عام 1950 في بلدة اضنة التركية القريبة من الحدود مع سوريا لأب تركيّ وأمّ مصرية. والمعروف أن هذه المدينة ظلّت دائما نقطة اتصال على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية وعالم الشرق. لذا كان هناك على الدوام امتزاج ثقافيّ، بالإضافة إلى أن اضنة مشهورة بكثرة الموسيقيّين فيها.
ومنذ صغره اعتاد تكبيليك الاستماع إلى أغاني التراث الصوفيّ. وهو ما يزال يتذكّر كيف كان يستلقي على العشب في مروج الأناضول وهو طفل بينما كان يرعى الغنم ويعزف الناي.
وارتباط عمر فاروق بالتراث الصوفيّ واضح في أعماله. وهو يرى أن الروحانية والموسيقى عنصران متلازمان. "المتصوّفة يؤمنون بالوحدانية، وأينما نظر الصوفيّ فإنه يرى الله. وبالنسبة لي، الموسيقى نوع من العبادة وطريقة للاتصال بالخالق عزّ وجلّ".


في سنوات طفولته، أرسله والده للدراسة في مدرسة دينية. وبعد سبع سنوات تخرّج وعُيّن إمام مسجد. لكن شغفه بالموسيقى أنساه كلّ شيء. "لقد باركني الله في اللحظة المناسبة عندما بدأت الأشياء تتّضح لي، وما كنت اطمح به حقّقه ربّي لي في النهاية".
كانت الموسيقى تصدح في منزل والديه المتديّنين . "كان أبي يستمع إلى إذاعة القاهرة من مذياعه الصغير، وكان على دراية بكافّة أنواع المقامات الموسيقية".
وعندما انتقل عمر إلى اسطنبول، قابل هناك بعض دراويش المولوية، وهي طريقة صوفية قديمة ومشهورة في تركيا. وقد راقته كثيرا طريقة مزجهم للشعر والموسيقى والرقص، وكان لذلك تأثير كبير عليه من الناحية الوجدانية والموسيقية. "إن الله هو أعظم عازف على الإطلاق، وموسيقاه تتردّد في كلّ زاوية من أرجاء هذا الكون، ونحن نسمعها في كلّ حين، وفي النهاية ما نحن سوى نفحة من روح الله".
سجّل تكبيليك وأدّى ألحانه مع موسيقيين آخرين مشهورين، مثل نصرت فاتح علي خان وسيمون شاهين وعابدة برفين. كما تعرّف في الولايات المتحدة، حيث يعيش اليوم، إلى الموسيقيّ والعازف الأمريكيّ برايان كين.
كان كين وقتها يبحث عن موسيقيين كي يشاركوه في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم عن حياة سليمان القانونيّ. وكان تكبيليك في ذلك الوقت يعزف مع فرقة تُدعى "السلاطين". وقد كان عمله في ذلك الفيلم ناجحا جدّا واستمرّ تعاونه مع كين منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
يقول تكبيليك ردّا على سؤال عن هويّة موسيقاه: في الأساس موسيقاي تأتي من بلاد الهلال الخصيب. لكن هذه الأيّام لا توجد حدود، وأنا اعزف موسيقى من تركيا إلى المغرب. الموسيقى عابرة للقوميات، وأنا لا اشعر أنني انتمي إلى بلد معيّن ولا أفتخر بجنسية محدّدة. اشكر بلدي تركيا للأشياء التي منحتني إيّاها، لكني لست موسيقيّا تركيّا".
ويضيف: احمد الله على أن كلّ إنسان يستمع إلى موسيقاي يتماهي معها ويشعر انه ينتمي إليها. إننا جميعا بشر وأبناء آدم، والمشتركات التي تجمعنا كثيرة جدّا. ولا يجب أن ننسى أن البشر مصنوعون من إيقاع ونغم، ونحن نبحث عن التناغم في كلّ شيء".

Credits
omarfaruktekbilek.com

Saturday, August 05, 2017

الرومانسيّة في العالم المعاصر

إذا كنت تعتقد أن الرومانسيّة هي قصائد الحبّ وباقات الورد وشموع الليل المعطّرة، فعليك أن تعيد النظر في فهمك. فالرومانسيّة، في واقع الأمر، اكبر وأشمل من هذه الأشياء والارتباطات البسيطة.
بدأت الرومانسيّة كحركة فنّية وفكرية وأدبية في ألمانيا وفرنسا في منتصف القرن الثامن عشر. وكانت روحها المحرّكة هي الثورة ضدّ المؤسّسة وضدّ القواعد والقوانين والأفكار والصيغ الجاهزة التي طبعت الكلاسيكية.
كان الرومانسيّون يفضّلون الخيال على العقل، والمشاعر على المنطق. وكانوا يرون أن التعويل يجب أن يكون على المشاعر والفطرة كمرشد أساسيّ في الحياة بدلا من العقل والتحليل.
كما كانوا يُعلون من شأن التعبير عن الذات والفردانية ويؤمنون بأن الناس يجب أن يخضعوا لما تمليه عليهم مشاعرهم التلقائية، بدلا من الاحتكام للقواعد والطقوس الباردة التي رسمها المجتمع البورجوازيّ.
وكانوا أيضا ضدّ الآداب والتقاليد الاجتماعية، مفضّلين الصراحة والحديث المباشر. وكانوا يفترضون أن الأطفال أنقياء وطيّبون وأن المجتمع هو الذي يفسدهم.
ومن سمات الرومانسيّة الأخرى أنها تكره المؤسّسات وتمجّد الأفراد الشجعان من خارج المؤسّسة الذين يقاتلون ببسالة ضدّ الوضع الراهن.
كما أنها تحتقر التنظيم ودقّة المواعيد والوضوح والبيروقراطية والصناعة والتجارة والروتين. ورغم أنها تعترف بأن كل هذه الأشياء ضرورية، إلا أنها ترى أنها املاءات تعيسة فرضتها على الناس الظروف غير المواتية للحياة.
والرومانسيّة تفضّل الجديد والخاصّ والنادر والمميّز والاستثنائي على القديم والمتكرّر والرتيب والنمطيّ والاعتياديّ.
تأمّل هذه الحالة: أنت تعيش ضمن ثقافة تمارس عليك ضغطا كي تسايرها، كي تصبح مثل بقيّة الناس، ترغب في ما يرغبون وتفعل مثل ما يفعلون. ثم تبدأ في توجيه السؤال إلى نفسك: هل أصبح شخصا شاذّا أو غريب الأطوار إذا أردت أن أكون مختلفا، فلا ألبس ما يلبس الآخرون ولا أؤمن بما يؤمنون ولا أتصرّف مثل ما يتصرّفون؟
إذا كنت قد فكّرت بمثل هذه الأسئلة، فإن هناك الكثير ممّا يجمعك بالرومانسيّين وبأكثر مما تظنّ. فالرسالة الكبيرة للرومانسيّة هي: كن نفسك ولا تذهب إلى حيث يذهب القطيع.
كان الرومانسيّون أيضا يجنحون نحو الغموض والخرافة، واعتبروا الخيال أداة أو بوّابة إلى التجارب المتسامية والحقائق الروحية.
وقد عادوا إلى القرون الوسطى، إلى الأفكار والأماكن القديمة، وأصبح لديهم اهتمام بالثقافات الشعبية وبأصول الثقافات العرقية والقومية.
وكانوا يؤمنون أيضا بأن الطبيعة امتداد لشخصيّة الإنسان، وأن أنفاس الله تملأ الإنسان والأرض، وأننا لا يمكن أن نصبح سعداء دون أن نرتبط بالطبيعة بمعناها الكبير والشامل.
وأكثر الشعراء والرسّامين الذين نعرفهم اليوم ولدوا من رحم الرومانسيّة، مثل بايرون وشيللي وكيتس وديلاكروا وجيريكو وغويا وفريدريش وبليك وكونستابل وتيرنر وكول وغيرهم. كان حبّ هؤلاء للطبيعة جارفا، وكانت أعمالهم تمتلئ بإشارات كثيرة عن الأشجار والأزهار والجبال والسحب والطيور والأنهار والمحيطات والغابات.. إلى آخره.
كانوا يعتقدون أنهم بالجلوس تحت شجرة وبالنظر إلى ما حولهم واستنشاق الهواء في الطبيعة المفتوحة يتعلّمون الكثير. مرأى وردة يمكن أن يحرّك الدموع في عين شاعر، ومزهرية قديمة يمكن أن تغري رسّاما رومانسيّا بتأمّلها طويلا ورسمها.
وكانوا يُسرّون برؤية المناظر التي لم تمسسها يد الحضارة. وليس بالمستغرب أن أطلال الحضارات القديمة كالإغريق والرومان والمصريين القدماء كانت أفكارا مفضّلة في الشعر الرومانسيّ.
وقد تحدّث الرومانسيّون كثيرا عن الآثار، وعن الأواني والمزهريات والتماثيل والمباني المهدّمة من الثقافات القديمة، ووظّفوا كلّ هذه الأشياء كأداة للتأمّل في مرور الزمن وقِصَر الحياة.
وكانوا أيضا مفتونين بالحياة البريئة لسكّان الأرياف. وحبّ الريف كما يعبّر عنه الأدب الرومانسيّ كان يرافقه غالبا إحساس بالحزن مردّه أن التغيير وشيك وأن طريقة الحياة البسيطة أصبحت مهدّدة بفعل التصنيع وزحف العمران.
الرومانسيّة ما يزال لها وجود في عالم اليوم. ومن الصعب أن تسترسل في الحديث عن أيّ موضوع دون أن تستخدم إشارة أو وصفا رومانسيّا لشرح موقف أو حالة.
لكن هناك من يرى بأن القليل من الرومانسيّة مفيد، والكثير منها ضارّ ويمكن أن يشكّل عقبة في طريق حياتنا.
فبعض رسائل الرومانسيّة قد تدفعنا في اتجاهات خاطئة، فتثير آمالا غير حقيقية وتجعلنا غير صبورين مع أنفسنا. كما أنها تقمع رغبتنا في تفحّص دوافعنا وأفكارنا، ويمكن أن تبعدنا عن حقائق الواقع وتقودنا لأن نندم ونحزن على الظروف الطبيعية للوجود.

Credits
online-literature.com