المشاركات

Featured Post

فاتح العالم

صورة
لم يكن الفيلان اللذان أحضرهما خادما الإمبراطور للتسرية عن سيّدهما مستعدّين للتعاون في ذلك اليوم. ففي مواجهة حشد من رجال الحاشية المطواعين، استدار أحد الفيلين وحاول الفرار، بينما هجم الآخر بعنف على أبناء الملك الأربعة الذين كانوا يستمتعون بالمشهد على صهوات خيولهم العربية الأصيلة. وبالكاد تمكّن ثلاثة من الأمراء من تحفيز جيادهم والهرب. لكن أورانغزيب بقي حيث هو. وبيده الممسكة باللجام، ثبّت حصانه في مكانه، بينما سدّد بالأخرى ضربة قاضية من رمحه الى جبين الفيل. وفي نوبة غضب أخيرة، سَحقَ الفيل حصان الأمير بضربة من نابه، لكن الأمير نجح في تفادي الضربة وأنقذ نفسه بحركة استدارة رشيقة. الحشد الذي كان يحبس أنفاسه بانتظار نتيجة المبارزة انفجر مردّدا هتافات النصر، بينما نزل الإمبراطور وسط اضطراب شديد من درجات الشرفة التي تابع منها المشهد. وركض خادمه المخلص "اعتماد خان" للقاء الأمير الذي كان يقترب من والده القلق بخطوات بطيئة ومحسوبة. وصرخ الخادم مذهولا: تمشي ببطء بينما أبوك الإمبراطور في حال يُرثى لها؟! تجمّد ردّ الأمير في فمه قليلا ثم قال: لو كان الفيل لا يزال يطاردني، لمشيت أسرع...

عن الهويّة وطبيعة الأشياء

صورة
سفينة ثيسيوس، أو مفارقة ثيسيوس، هي تجربة فكرية تطرح تساؤلا حول ما إذا كان الشيء الذي استُبدلت جميع أجزائه يبقى هو نفسه في جوهره. وأصل هذه الفكرة ما ذكره المؤرّخ بلوتارك الذي أشار الى أن السفينة التي عاد بها ثيسيوس وبعض شباب أثينا من جزيرة كريت كانت تحتوي على ثلاثين مجدافا. وقد حافظ الأثينيون على السفينة حتى زمن فاليريوس، إذ كانوا يزيلون الألواح القديمة عندما تتحلّل ويضعون مكانها أخشابا جديدة وقويّة، لدرجة أن هذه السفينة أصبحت مثالا يُحتذى بين الفلاسفة، حيث طرحوا سؤالا فلسفيا اختلفوا في الإجابة عنه يقول: مع كلّ التغييرات التي طرأت على السفينة عبر أجيال وعلى مرّ مئات السنين، هل ظلّت السفينة كما هي بعد أن استُبدلت بالكامل قطعة قطعة، أم أنها لم تعد كما كانت وأصبحت سفينة أخرى؟! الفيلسوف اليوناني هيراكليتس حاول حلّ هذه المفارقة بطرح فكرة نهر يتجدّد ماؤه وتتدفّق منه مياه مختلفة، وقال إن من يخطو في النهر نفسه لا يخطو فيه مرّتين لأن مياها جديدة تتدفّق في مجراه باستمرار. السؤال الفلسفي الذي طرحه بلوتارك طوّره بعد قرون الفيلسوف الانغليزي توماس هوبز الذي تساءل عمّا سيحدث إذا جُمعت الأ...

نصوص مترجمة

صورة
يموت 43 بالمائة من الرجال خلال ثلاث سنوات من تقاعدهم، ليس بسبب التقدّم في السن، بل لاكتشافهم أنه لا وجود لشيء في حياتهم سوى للوظيفة. ما يحدث هو أنك تعمل لـ 25 عاما، وتحصل على ساعة ذهبية، ثم تتلقّى الرسالة الأخيرة من الشركة أو الادارة: الفراغ. أوّل كذبة كبيرة تُعلّم في رياض الأطفال: يجب أن يكون لديك هدف في الحياة، أن تكون شخصا مميّزا، وأن تترك بصمة". الطموح صفقة خاسرة تقايض بها حياتك الحالية بمجد مستقبلي وهمي. وذلك المستقبل لا يأتي أبدا. الوظيفة التي تكرهها تسرق أعواما من عمرك. الرؤساء والزملاء السامّون يسلبونك أعواما أخرى. و"التركيز" يزيد من احتمال موتك المبكّر بنسبة 50 بالمائة. وفي النهاية، تقايض حياتك بسيرة ذاتية لن يقرأها أحد أبدا وشاهدِ قبرٍ مكتوب عليه "مهني محترم". الطموح هو أرخص مخدّر في الرأسمالية، و"الناجحون" هم ببساطة زبائنها المخلصون للصيدليات. الاكتئاب ليس عيبا؛ إنه جهاز مناعة الروح عندما تتفاعل مع بيئة سامّة. لكننا نسمّي هذا "حياة طبيعية": كره يوم الاثنين، والعدّ التنازلي للجمعة، والموت في سنّ الخامسة الستّين. طول ا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
قضى الكاتب شتيفان تسفايغ حياته كلّها تقريبا هارباً: من الحرب العالمية الأولى إلى سويسرا، ومن فرقة الإعدام عبر القنال الإنغليزي، ومن لندن المدمّرة إلى أمان مدينة باث الريفية، ومن تهديد هتلر بغزو إنغلترا إلى الولايات المتحدة، ومن دخول روزيفلت الوشيك في الحرب إلى البرازيل. بل لقد هرب أيضا من ريو إلى منتجع جبلي برازيلي، ومن هناك لم يعد ثمّة مجال آخر للهروب، فترك رسالة انتحار تشبه أسلوب كتابته السلسة والمهذّبة والمنمّقة. كانت الرسالة في الواقع أشبه بخطاب قبول جائزة أوسكار منها الى رسالة انتحار. تسفايغ يوصف أحيانا بأنه أشبه بمشروب شعبي في عالم الكتابة النمساوية. تحوّلت كتبه إلى أفلام، ثمانية عشر فيلما بالتحديد. وهذا منطقي، فهي أعمال افتراضية خالية من المشاعر ومتكلّفة وأشبه بنصب تذكارية، كُتب أُلّفت للطبقة البرجوازية لتثري بها نفسها أو لتثير الرعب. وقد حوّلتها هوليوود إلى واقع، كي تضفي عليها تعابير ووجوها وأجسادا وحوارات لتجرّدها من بعض طابعها المسرحي المبالغ فيه. بحلول نهاية عشرينات القرن الماضي، أصبح تسفايغ من أكثر المؤلّفين ترجمة في العالم، وحظي بشعبية جماهيرية واسعة. يقول ناق...

نصوص مترجمة

صورة
كان من عادة فان غوخ أن يبدأ رسم أعماله بتحديد الخلفية أوّلا. ويتّضح هذا خاصّةً في لوحته الأشهر "ليلة مرصّعة بالنجوم". إذ يرجَّح أنه بدأ بالسماء وعمل على تدرّجات الأزرق والأصفر الدوّامية التي تهيمن على الجزء العلوي من اللوحة. وبعد تحديد الخلفية، انتقل إلى شجرة السرو وعناصر أخرى في المقدّمة. وأتاحت له هذه الطريقة بناء التوليف طبقة تلو أخرى، مُضفياً على الصورة عمقاً وحركة. في البداية، كانت صورة القرية الليلية بهالاتها المحيطة بالنجوم منظرا شديد الغرابة؛ شيئا أشبه ما يكون بعمل سحَرَة يُلقون تعاويذ على أكواخ نائمة. كانت اللوحة مخيفة وجذّابة وصادمة للرسّامين وللمجتمع الذي عمل فيه فان غوخ. ولأن الموضوع الأساسي نفسه كان تقليديا، سرعان ما أدرك دارسو الفن، بعد زوال الصدمة الأوّلية، أن هذا العمل أصيل وذو قيمة عالية. ولم يمضِ وقت طويل بعد وفاة فان غوخ حتى أصبحت أعماله جديرة بالاقتناء وحظيت بالاحتفاء والتقدير العاليين. ذات زمن، كنت محظوظا بالإقامة في جنوب فرنسا صيفاً. كان الجوّ ماطرا وباردا لأسبوعين. وأخيرا أشرقت الشمس. في ليالي الريف عادةً، تكون السماء صافية. ورأيت على الفو...

كوخ الناسك

صورة
في بداية القرن الثالث عشر، ألّف كامو نو تشومي كتابه "هوجوكي" أو "كوخ صغير في الغابة"، الذي تناول فيه أحداثا درامية جرت في عصره، ووصف فيه قراره بترك المجتمع والذهاب الى الجبال. وقد تزامن عيش تشومي في عاصمة اليابان مع فترة مضطربة في تاريخ ذلك البلد. وهو يروي، بشعور يشبه نهاية العالم، تفاصيل حرائق كيوتو والجفاف والمجاعة والطاعون وسلسلة الزلازل المدمّرة التي أعقبت ذلك. وليس من المستغرب أن يقرّر الكاتب أن التركيز على العالم الآخر قد يكون أفضل من القلق بشأن الدنيا. كان تشومي قد عَرف منذ فترة طويلة أن هذا العالم مجرّد إلهاء. لذا رغب بشدّة في إيجاد بديل لحياته آنذاك. يقول: الثروة تجلب القلق، بينما الفقر يجلب الضغينة. الاعتماد على الآخرين يجعلك تحت رحمتهم، بينما الاهتمام بهم سيوقعك في فخّ التعلّقات الدنيوية. اتّبع القواعد الاجتماعية وستقيّدك؛ وإلا ستُعتبر مجنونا. أين يمكن للمرء أن يذهب وماذا يفعل ليجد ملاذا آمنا من هذا العالم وقليلا من راحة البال"؟ وعلى الرغم من قصَر كتاب تشومي، إلا أنه يعدّ نصّا آسرا وقويّا. وما تزال كلماته تتردّد عبر القرون، محذّرةً القار...

نصوص مترجمة

صورة
○ ماذا يحدث عندما يختفي التفكير النقدي، حيث تُستبدل القدرة على التفكير والتأمّل بردود الفعل الفورية والآراء السطحية وغرف الصدى الجماعية؟ يتحدّث بعض الفلاسفة اليوم عن اختفاء التفكير النقدي وعن الارتفاع الخطير فيما يسمّونه غباءً جماعيا، حيث يتبنّى جماهير الناس التفكير السطحي فيقبلون الروايات بشكل أعمى ويتنازلون عن استقلالهم الفكري دون أن يعوا ذلك. في عالم اليوم، هناك حقيقة غير مريحة وهي إن التفكير صعب وغالبا ما يكون محبطا. فالبيئة الحديثة لا تكافئ التأمّل، بل تكافئ سرعة الاستجابة العاطفية والتوافق والتماثل، بدليل الخوارزميات التي تغذّي فقط ما تريد سماعه والأنظمة التعليمية التي تعطي الأولوية للحفظ على الاستكشاف. لقد حذّرنا نعوم تشومسكي من هذا الأمر منذ عقود في تحليله للإعلام والدعاية، فقد أوضح كيف تعتمد هياكل السلطة على ما أسماه "تصنيع الموافقة"، أي أنه عندما يدرَّب الناس على الاستهلاك دون تساؤل والاتفاق دون تفاهم يصبح من السهل التعامل معهم وخداعهم. التفكير النقدي الذي كان يُعتبر ذات يوم مهارة إنسانية أساسية يُنظر إليه الآن على أنه غير مريح. وما نشهده الآن ليس ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
لهذه اللوحة أكثر من اسم. لكن الاسم الذي عُرفت به أكثر هو "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي". وكثيرا ما يُطلق عليها "موناليزا الشمال". وقد رسمها الفنّان الهولندي يوهانس فيرمير عام 1665. لا أحد يعرف هويّة الفتاة في الصورة. لكن إحدى النظريات الرائجة تقول إنها إحدى بنات الرسّام. كان أباً لعشرة من البنات والأولاد. اللون المستخدم في غطاء الرأس مستخلص من حجر الفيروز النادر والباهظ الثمن. كان الفيروز في ذلك الوقت أغلى من الذهب. وكان فيرمير يستخدمه حتى عندما كان غارقا في الديون. يذكر مؤرّخ يُدعى مايكل وايت أنه بعد مرور 200 عام على رسمها، بيعت اللوحة عام 1880 بمبلغ غلدرين هولنديين فقط. وفي عام 1902 أوصى مالكها قبيل وفاته بأن توهب لمتحف مدينة لاهاي. الخلفية السوداء في اللوحة كانت تميل إلى الخضرة اللامعة. لكن بسبب تقادم الزمن أصبح اللون داكنا. ويرجّح بعض الخبراء، اعتمادا على نوعية الضوء المنعكس، أن القرط الذي ترتديه الفتاة ليس لؤلؤة حقيقية، وإنّما نوعا من اللؤلؤ الزجاجي المجلوب من فينيسيا والذي كان رائجا في القرن السابع عشر. أصبحت هذه اللوحة مصدر إلهام لرواية بنفس ال...