:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, March 25, 2017

فيلم مكسيكيّ طويل


عندما التقى الرسّام المكسيكيّ دييغو ريفيرا بزميلته الرسّامة فريدا كالو لأوّل مرّة في معرض فنّي في مكسيكو سيتي كان هو يكبرها بعشرين عاما. وبعد فترة قصيرة من تعارفهما، نشأت بين الاثنين علاقة عاطفية. وأخيرا تزوّجا عام 1929 على الرغم من اعتراض والدة فريدا على الزواج.
صحيح أن الزواج كان ثمرة حبّ متبادل، لكنه تحوّل مع مرور الوقت إلى زواج مضطرب تكثر فيه الخيانات والشكوك.
كانت فريدا ترسم بالفرشاة كلّ ما هو معبّر وجذّاب، لكن دييغو نفسه كان شخصا بديناً ويفتقر إلى أيّ قدر من الجاذبية بحسب من عرفوه.
وربّما كان دافعها الأساسيّ من الاقتران به هو كونه أشهر رسّام في المكسيك، ما سيفسح لها الطريق، وهي الرسّامة المبتدئة وقتها، لتحقيق البروز والشهرة.
ثم وقع لها حادث سيّارة أصيبت على إثره بإعاقة دائمة في إحدى قدميها. وقد وقف زوجها إلى جانبها في تلك المحنة. لكن في تلك الأثناء كانت الصحف تمتلئ بأخبار مغامراته مع نساء أخريات، الأمر الذي كان يسبّب لها المزيد من الألم والمعاناة.
كانت فريدا كالو تصوّر معاناتها الجسدية وألم الحرمان من الإنجاب من خلال عشرات اللوحات المؤثّرة التي رسمتها منذ الحادث وإلى حين وفاتها.
غير أن هناك من يظنّ بأنها كانت تبالغ في تصوير آلامها الجسدية وظروفها الصحّية، مع أنها حوّلت تلك الأحاسيس إلى فنّ متميّز وراقٍ.
لكن أكثر ما كان يؤلمها ويثير غضبها هو علاقة دييغو مع النساء، وآخرهنّ كانت أختها الأجمل والأصغر سنّا كريستينا. وكان قد اشترى بيتا في ضواحي المدينة كي يلتقي فيه بكريستينا وغيرها بعيدا عن أنظار زوجته.
طبيب دييغو الخاصّ كان قد اخبره ذات مرّة أن امرأة واحدة لن تكفيه. ويبدو انه اقتنع بتشخيص ذلك الطبيب لحالته وتقبّله بابتهاج.


كان ليون تروتسكي مشاركا رئيسيّا في تأسيس الجيش الأحمر الذي حارب وهزم القياصرة وأتى بالبلاشفة إلى السلطة في روسيا. ثم أصبح أهمّ شخصيّة في النظام الجديد بعد لينين.
لكن بعد مرض الأخير، نشب صراع عنيف على السلطة بين ستالين وتروتسكي حول أيّ منهما أحقّ بخلافة لينين.
كان تروتسكي أقدم منصبا وأطول خدمةً. لكن لم تكن هناك مقارنة على الإطلاق بينه وبين الجورجيّ العنيف والمتعطّش للسلطة، أي ستالين.
في البداية أمر ستالين بنفي تروتسكي إلى كازاخستان مع زوجته. وهناك بدأ الأخير يكتب انتقادات قاسية ضدّ خصمه. لذا اصدر ستالين قرارا آخر بنفيه من الأراضي السوفياتية إلى تركيا. وقد وافق الأتراك على استضافة الرجل وزوجته بعد أن تسلّموا تعهّدا من ستالين بأن ضيفهم لن يتعرّض للأذى على الأراضي التركية.
وأثناء وجوده في تركيا، عكف تروتسكي على تأليف كتابه "تاريخ الثورة الروسية" الذي صوّر فيه لينين على انه بطل وستالين على انه نذل.
قضى تروتسكي وزوجته تسع سنوات في المنفى متنقّلين من تركيا إلى فرنسا وأخيرا إلى النرويج دون أن تقبلهما أيّ دولة كلاجئين دائمَين.
وفي نهاية عام 1936، قرّرت النرويج ترحيل تروتسكي من أراضيها بعد ضغوط من ستالين وبعد أن صدر ضدّه حكم بالإعدام في موسكو.


في يناير من عام 1937، وصل تروتسكي مع زوجته ناتاليا سيدوفا إلى المكسيك على متن بارجة حربية نرويجية وتحت حراسة مشدّدة.
وكان دييغو ريفيرا، ذو الميول التروتسكية، قد ضغط على الحكومة المكسيكية كي تَعرض على تروتسكي اللجوء السياسيّ في المكسيك.
ولأن ريفيرا كان في ذلك الوقت مريضا في المستشفى ولا يستطيع الذهاب لاستقبال الرفيق والمنظّر الذي لم يسبق له أن رآه، فقد وكّل زوجته فريدا للقيام بالمهمّة.
وعند وصول الضيف وزوجته صعدت فريدا إلى البارجة للترحيب بهما، وكان برفقتها بعض أعضاء الحزب الشيوعيّ المكسيكيّ.
وقد اصطحبتهما إلى "لا كازا ازول" أو البيت الأزرق الذي تقيم فيه مع دييغو في كويوكوان. وهناك عاش تروتسكي وزوجته ضيفين على فريدا وزوجها لمدّة عامين وتحت حراسة أمنية مكثّفة.
في ذلك الوقت، كانت فريدا ما تزال غاضبة ومحبطة بسبب علاقة زوجها مع شقيقتها. لذا لم تضيّع الوقت وبدأت بالتودّد إلى تروتسكي الذي بدا مسرورا بذلك الاهتمام المفاجئ.
كانت تريد أن تردّ الصاع صاعين، كما يقال، لدييغو عقابا له على خياناته المتعدّدة. لكن كان اختيارها للضيف الجديد غريبا. صحيح انه أكثر وسامة من دييغو، لكنه كان يكبرها سنّا بكثير، كما انه كان رجلا متزوّجا وزوجته تعيش معها في نفس البيت.
تروتسكي نفسه كان مشهورا باجتذابه للنساء، ويبدو أن فريدا كانت معجبة بصورته ومكانته العالمية وبتقدير زوجها الكبير له.
وبعض لقاءاتهما السرّيّة كانت تتمّ في نفس المنزل الذي كان دييغو قد اشتراه لشقيقتها وقام بتأثيثه كي يكون عشّ الغرام.
كانت فريدا وتروتسكي يتحدّثان الانجليزية أمام دييغو وناتاليا زوجة تروتسكي اللذين يجهلان تماما تلك اللغة. وكان من عادة تروتسكي أن يدسّ رسائل حبّ إلى فريدا بين صفحات الكتب التي كان يعيرها لها.
كانت هي تناديه بـ "التيس الصغير" بسبب لحيته البيضاء الصغيرة، وأحيانا بـ "العجوز" حيث كان وقتها في التاسعة والخمسين وهي في الثلاثين من عمرها.
دييغو وناتاليا اكتشفا أخيرا القصّة. والغريب أن دييغو سمح لضيفه بأن يستمرّ في العيش معهم في البيت بدلا من أن يطارده ببندقية. كان هناك ما يكفي من الخلافات بين الرجلين، ليس بسبب الخيانة الزوجية وتنكّر الضيف لمقتضيات الضيافة، وإنما بسبب أفكار تروتسكي السياسية التي أصبحت أكثر إثارةً للجدل.


عندما لاحظ تروتسكي علامات الإعراض والجفاء التي أصبح دييغو يعامله بها، فضّل أن ينتقل هو وزوجته إلى منزل مجاور حفظا لماء الوجه وإنقاذا لما يمكن إنقاذه من علاقتهما.
وقد ترك وراءه البورتريه الذي رسمته فريدا لنفسها وأهدته إيّاه. وفيه تبدو بملابس أنيقة وبشعر تزيّنه ورود حمراء بينما تمسك بيدها باقة أزهار ورسالة إهداء إلى تروتسكي مكتوبا عليها: مع خالص محبّتي أهدي هذا البورتريه إلى ليون تروتسكي، 7 نوفمبر 1937". وكان ذلك اليوم هو يوم ميلاده.
لكن لأنه لا يبقى الكثير من العاطفة بين المحبّين غير المتكافئين، فقد طلب تروتسكي من فريدا عند انتهاء علاقتهما أن تعيد إليه جميع رسائله الخاصّة التي كتبها لها كي يحرقها.
استقرّ تروتسكي وزوجته أخيرا في المنزل الجديد الذي استأجره لهما بعض كوادر الحزب الشيوعيّ المكسيكيّ وقاموا بتأثيثه ووفرّوا له فيه عددا من الموظفين والسكرتاريا لكي يقوموا على خدمته.
وقد عاش تروتسكي وزوجته في ذلك المنزل بضعة أشهر. وكان يُمضي أيّامه في قراءة الأخبار ومتابعة تطوّرات الأحداث في بلاده ويكتب مقالات في الصحف ينتقد فيها ستالين ونظام حكمه.
لكن في الساعات الأولى من احد أيّام أغسطس من عام 1940، وبينما كان تروتسكي منكبّا على قراءة بعض أوراقه كعادته كلّ صباح، دخل عليه في مكتبه شخص يخفي بين ملابسه فأساً، ثم عاجله بضربة قويّة على مؤخّرة رأسه هشّمت جمجمته وأسقطته عن كرسيّه وتركته يتخبّط في دمائه.
وهرع موظّفو مكتبه على صوت صراخه المكتوم ونقلوه إلى المستشفى حيث لفظ أنفاسه في اليوم التالي عن عمر ناهز الستّين.
ويوم الاغتيال اتصلت فريدا بزوجها دييغو ريفيرا الذي كان في مهمّة عمل في سان فرانسيسكو لتنقل إليه الخبر الحزين وقالت له: الأغبياء، لقد قتلوا العجوز المسكين تروتسكي، لقد قُتل بسببك، لماذا أحضرته"؟!
ولأن فريدا تعرف القاتل وسبق أن رأته في اسبانيا أثناء إحدى زياراتها، فقد استُدعيت للتحقيق معها واحتُجزت من قبل الشرطة، قبل أن يُخلى سبيلها بعد يومين لانتفاء أيّ شبهة لها بالجريمة.
بعض المؤرّخين وصفوا مقتل تروتسكي بأنه الاغتيال الأكثر مشهديةً منذ مقتل الارشيدوق فرانز فرديناند الذي أطلق شرارة الحرب العالمية الأولى عام 1914م.
أما القاتل فكان ستالينيّا متعصّبا من أصول اسبانية يُدعى رامون ميركادير، وكان هذا الشخص قد تمكّن من الحصول على وظيفة في مكتب تروتسكي قبل أيّام من الاغتيال.
وقد اعترف في ما بعد بأنه ارتكب الجريمة بناءً على أوامر شخصية من ستالين. ثم حُكم عليه بالسجن عشرين عاما. وبعد الإفراج عنه عام 1960، سافر إلى موسكو حيث قُلد هناك وسام الشرف ونوديَ به بطلا للاتّحاد السوفياتّي.
عندما توفّيت فريدا كالو عام 1954، كتب دييغو ريفيرا يرثيها قائلا: لقد أدركت أن الجزء الأهمّ والأروع في حياتي كان حبّي لفريدا".
وبعد ثلاث سنوات، توفّي ريفيرا في محترفه في سان آنخيل عن عمر ناهز السبعين بعد إصابته بأزمة قلبية.

Credits
historytoday.com

Tuesday, March 21, 2017

موسيقى لودوفيكو اينودي


المؤلّف الموسيقيّ الايطاليّ لودوفيكو اينودي يبدو منشغلا بتأمّل قطرات الندى على بتلات زهرة أو بمراقبة النجوم وحركة الغيم فوق جبل، أو هذا على الأقلّ ما توحي به أجواء بعض معزوفاته.
اينودي، كما يقول احد النقّاد، يخلق موسيقى تذكّر بلوحات توماس كينكيد: فانتازيا بعيدة ومنفصلة عن الواقع وليس لها علاقة بالطريقة التي نعيش بها حياتنا".
لكن نقّادا آخرين يرون بأن جمال موسيقى اينودي كامن فيها وأيضا في حقيقة أنها منفصلة عن الواقع ولا تعبّر عن مشاكل الحياة.
في احد الفيديوهات على اليوتيوب، وبعدد مشاهدين يزيدون على الثلاثة ملايين، يظهر اينودي وهو يعزف على البيانو وسط ثلوج القارّة القطبية.
الموسيقى التي يؤدّيها عنوانها "مرثيّة للقارّة القطبية"، وقد كلّفته بتصويرها جماعة السلام الأخضر، والغرض من التصوير في ذلك المكان هو جذب الاهتمام العالميّ إلى مشكلة الانبعاث الحراريّ.
يقول اينودي واصفا تلك التجربة: كان الجوّ باردا جدّا، ورغم أنني كنت أرتدي طبقات متعدّدة من الملابس بالإضافة إلى سترة للنجاة، إلا أنني وأثناء التصوير كنت اضطرّ للتوقّف عن العزف كلّ بضع دقائق لأدفيء يديّ".
ويضيف: استمتعت بالعزف هناك، مع أن الطقس المتجمّد لم يكن مثاليّا. كانت مفاتيح البيانو باردة جدّا. لكن من الرائع أن تكون هناك لوحدك بينما الثلوج تتساقط من حولك والأنهار الجليدية تذوب بالقرب منك. كان الأمر أشبه ما يكون بأن تعزف لحنا للسماء".
وعمّا إذا كان يعتبر موسيقاه جسرا لنوع جديد من الموسيقى الكلاسيكية يقول اينودي: فكرة الجسر أو عبور الحدود مثيرة للاهتمام في الفنون. سترافنسكي تجاوز الحدود، كان يتبنّى الموسيقى الفولكلورية الروسية. وموزارت كان يعمل في مسرح ويكتب أغانيه لشركة تشبه السيرك تقريبا. وفي تلك الشركة كتب الناي السحري".
ويضيف: موسيقاي تأتي من خلفيّتي الموسيقية. عندما أؤلّف ابحث عن نفسي، أستفيد من ذكرياتي ومن تجاربي ومن حياتي وعليّ أن أشعر بذلك. لا أفكّر في كسر الحواجز، لكن بطريقة ما وبعد أن أؤلّف قطعة، استطيع أن احلّلها وأتعرّف على الأشياء وأتحدّث عن شيء ما يأتي من داخلي".
عمر اينودي اثنان وستّون عاما، وهو احد أكثر الموسيقيين شعبيةً في العالم اليوم. متابعوه على موقع سبوتيفاي أكثر من متابعي موزارت وبيتهوفن.
وموسيقاه يمكن وصفها بأنها تقليلية، كما أن فيها حداثة وتسامياً. لكنه لا يحبّ تصنيف موسيقاه. "التصنيفات مقيّدة إلى حدّ ما. أنواع الموسيقى، الألوان التي تثيرها تختلف من شخص لآخر. ونفس الشيء ينطبق على بيتهوفن وموزارت. كانا يعبّران عن اتجاهين مختلفين تماما من الموسيقى. وإذا سألتني اليوم ما إذا كانت موسيقاي تقليلية أو كلاسيكية أو معاصرة، فإنني أجيب بنعم أو لا، لكن هذا في النهاية لا يفسّر عملي".
والد اينودي، واسمه جيوليو، كان صاحب دار نشر مشهورة في ايطاليا وكان جزءا لا يتجزّأ من حلقات اليسار الايطالي، وكان على علاقة مع كتّاب مثل ايتالو كالفينو وبريمو ليفي. أما جدّه لويجي اينودي فقد كان رئيسا لإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
ألبوم اينودي الموسوم "العناصر" احتلّ قائمة الموسيقى الأكثر مبيعا في عدّة بلدان من العالم. وكان محصّلة ساعات طويلة قضاها الموسيقيّ في مكتبات ايطاليا وقرأ خلالها الفلسفة اليونانية وكاندنسكي. كما قرأ عن لوحات بول كلي وغوستاف كليمت وعن هندسة اقليدس ومسألة الصوت واللون.
و"العناصر" هو محاولة المؤلّف للعثور على خطوط متوازنة بين ما يبدو وكأنه مزيج مشوّش من الصور والأفكار والمشاعر، ثم البحث عن خيط مشترك يربط كلّ الأشياء في هذا العالم بحيث تتشارك وتتناغم وتتفاعل مع بعضها البعض. "كنت أحاول تبيّن حدود جديدة بين ما كنت اعرفه وبين عالم اعرفه ولطالما حاولت استكشافه أكثر، كقصص الخلق ونظريات الهندسة ونموّ العشب البريّ فوق مرج وأشكال الطبيعة المختلفة".
ألبوم "العناصر" يأخذ إلهامه من عناصر الطبيعة، حيث تبدأ كلّ معزوفة من حركة أو موتيف بسيط لتستثير رحلة عبر أفكار ومشاعر متباينة. والمؤلّف يجمع بين كلّ عناصر الطبيعة والعلم والهندسة والموسيقى معا ليخرج بمفهوم واحد.
المعزوفات تثير بعض الحزن أحيانا، لكن فيها مسارات تضجّ بالتفاؤل. وقد اختار اينودي لها عناوين شاعرية وموحية، مثل الليل ، قطرة، أربعة أبعاد، دوّامات هوائية، العناصر ، الجبل .
يقول اينودي مفسّرا سرّ انجذاب الشباب لموسيقاه رغم طابعها الكلاسيكيّ: قد يكون السبب أنني ضمّنت أعمالي نفس مشاعر السرور والفقد والرغبة والإحباط التي يمكن أن تجدها في معظم الأغاني الشعبية. هذه هي الموسيقى التي تتواصل مع مشاعر الناس هذه الأيّام أكثر من الموسيقى الكلاسيكية. ثم لا تنسَ القيمة التأمّلية في موسيقاي والتي يمكن أن يتناغم معها الشباب.

Credits
ludovicoeinaudi.com

Friday, March 17, 2017

سينيكا: بين الفيلسوف والسياسيّ


إذا كان حلم الشعراء والفلاسفة أن يسيطروا على رجال السلطة، فلا شكّ أن الفيلسوف الرومانيّ سينيكا كان مهيّأ تماما لفعل ذلك.
كان هذا الرجل، المولود في اسبانيا قبل ألفي عام، من أكثر الشخصيات فتنةً وإثارةً للجدل في الأزمنة القديمة. كان خطيبا مفوّها ومؤلّفا و"واعظا أخلاقيّا" بلغة هذه الأيّام.
وأحد أشهر أقواله التي تُقتبس عنه دائما هو قوله: لم نُعطَ حياة قصيرة بل نحن من يجعلها كذلك، لدينا الكثير من الوقت لكنّنا نضيّعه".
وفي أعماله الفلسفية الأخلاقية، يؤكّد سينيكا على أن مفتاح الحياة الفاضلة هو التحرّر من العواطف، وأن الفضيلة ضرورية للسعادة وكافية لخلقها.
وهناك كلام آخر كثير له يحاول من خلاله أن يقودنا للتغلّب على مشاكل الحياة كالفقر والغضب والفشل وغير ذلك.
كان سينيكا احد منظّري الفلسفة الرواقية التي ترى أن الإنسان يجب أن يتحرّر من انفعالات الفرح أو الحزن وأن يُخضِع كلّ تصرّفاته وأفعاله لأحكام الضرورة.
المفارقة أن هذا الفيلسوف، صاحب الأفكار الإنسانوية والتعاليم الأخلاقية كما عبّر عنها في كتاباته، هو الذي علّم احد أكثر أباطرة روما استبداداً ودمويةً، أي نيرون، بل وعمل عنده مستشارا إلى أن لقي مصرعه أخيرا على يد معلّمه.
في العام 59 م، قرّر نيرون أن يقتل والدته أغريبينا. كان الاثنان في حالة خصام دائم. وقد استدعى أمّه لحضور احتفال أقامه في نابولي وعاملها خلاله بمحبّة عظيمة.
لكن قبل مغادرتها الحفل، أهدى إليها هديّة ثمينة هي عبارة عن قارب، كي يأخذها إلى الشاطئ. وكان ذلك القارب مصيدة للموت.
غير أن الأمور لم تسِر حسب ما كان مخطّطا. فقد حاول المتآمرون أن يقلبوا القارب في عرض البحر. لكن أغريبينا ومرافقتها تمكّنتا من السباحة إلى أن انتشلهما قارب صيد ونقلهما إلى الشاطئ بسلام.
وعندما علم نيرون عن نجاة والدته، أرسل بعض سفّاحيه للإجهاز عليها، وقام هؤلاء بقتلها طعنا بالسكاكين.
كان تعاطف نيرون الذي أظهره لوالدته في الحفل والقارب الهديّة حيلة منه لجعل موتها يبدو وكأنه حادث عرضيّ.
لكن الناس عرفوا في النهاية حقيقة ما حدث. لذا استدعى نيرون الرجل الذي كان يعتمد عليه دائما في تذليل الصعاب واختلاق الأعذار، أي سينيكا، كي يستشيره في الأمر.
كان سينيكا "صوت سيّده" بامتياز. وقد بعث برسالة إلى مجلس الشيوخ يشرح فيها ما حدث لأغريبينا، وقال إنها كانت امرأة متعطّشة للسلطة وتخطّط لانقلاب. وعندما اكتُشفت المؤامرة قامت بقتل نفسها".
أما بالنسبة لغرق القارب، فقد كانت تلك كما قال "علامة على أن الآلهة نفسها حاولت أن تتدخّل بالنيابة عن الإمبراطور".
ردود فعل نخبة روما على الخطاب كان مرحّبا ومبتهجا. أما الشيوخ فقد احتفلوا بنجاة نيرون بإطلاق الألعاب النارية وبتقديم النذور في الأضرحة. واقترحوا أن يكون يوم مولد أغريبينا يوما مشئوما في تاريخ الإمبراطورية.
عندما كان سينيكا في الثلاثينات من عمره، أي قبل أن يصبح نيرون إمبراطورا، كتب عن الامتلاك والوظائف الرفيعة في الدولة. وكان من بين أصدقائه الأغنياء والمتنفّذين جوليا شقيقة الإمبراطور كاليغولا.
لكن في سنة إحدى وأربعين للميلاد، اغتيل كاليغولا واستُبدل بعمّه كلاوديوس. وقد اتهم الإمبراطور الجديد جوليا بارتكاب جريمة الزنا مع سينيكا. هل حدث هذا فعلا؟ لا توجد أدلّة قاطعة تؤكّد أو تنفي هذه الفرضية.
لكن على أيّ حال حُكم على جوليا بالنفي إلى جزيرة قبالة ساحل نابولي حيث ماتت بعد بضع سنوات. أما سينيكا فقد نُفي إلى جزيرة كورسيكا التي كانت في ذلك الوقت مشهورة بجمال طبيعتها وذكاء أهلها.
وخلال سنوات المنفى كتب رسالتين، إحداهما بعنوان "عزاء إلى هيلينا" يخاطب فيها أمّه التي حزنت كثيرا لنفيه ويخبرها أن المنفى ليس بالشيء الكثير بل هو فقط تغيير في العنوان.
وكلا الرسالتين تتضمّنان نصيحة بعدم الاكتراث بما يبدو للعقل وكأنه حظوظ سيّئة. لكن بعض المؤرّخين قرءوا الرسالتين على أنهما محاولة متوسّلة من سينيكا للعودة إلى روما.
وقد قضى في منفاه عشر سنوات تقريبا. وكان يمكن أن يقضي أكثر لولا بعض المشاكل التي حدثت داخل العائلة الإمبراطورية.
ففي عام ثمانية وأربعين للميلاد، قُتلت زوجة كلاوديوس الثالثة، واتخذ من أغريبينا أخت كاليغولا وجوليا زوجة جديدة. وقد أقنعت أغريبينا كلاوديوس بأن يعيد سينيكا من منفاه إلى روما.


الزوجة المدبّرة والماكرة هي ملمح ثابت في تاريخ روما. كانت النساء آسوأ من الرجال وأكثر قسوةً وجنوناً وشبقاً في كثير من الأحيان. والعديد من القصص التي أتت إلينا من تلك الفترة من الصعب تصديقها لغرابتها.
كانت أغريبينا نمطا كلاسيكيّا من النساء، فقد زُوّجت من دوميتيوس، وهو شخص سيّئ السمعة، عندما كانت في سنّ الثالثة عشرة. دوميتيوس الذي كان يكبرها بثلاثين عاما أصبح والد نيرون. وبعد موته وجدت أغريبينا زوجا جديدا في شخص احد الوجهاء الأثرياء. ويشاع أنها قتلت الأخير بالسمّ كي تستولي على عقاراته وتجارته.
عندما تزوّجت أغريبينا كلاوديوس كان عمرها ثلاثة وثلاثين عاما. وقد استدعت سينيكا كي يقوم بتعليم ابنها الصغير، أي نيرون. وربّما كانت تريد من ذلك استنساخ تجربة أرسطو مع تلميذه الاسكندر المقدونيّ. لكنها وظّفت مواهبه الأخرى لاستخدامها عند اللزوم.
وقد رتّبت أغريبينا لزواج نيرون من إحدى بنات كلاوديوس. ويقال انه بعد عام من ذلك الزواج، قامت بقتل كلاوديوس نفسه بفطر مسموم. وبعد ساعات من موته، ألقى نيرون خطابا إلى الأمّة أعلن فيه عن تنصيب نفسه إمبراطورا ووعد الجنود الموالين له بمكافآت كبيرة. وكان سينيكا هو الذي صاغ ذلك الخطاب.
جريمة قتل كلاوديوس أثارت جولة جديدة من الصراع داخل القصر، فكلّ من رأى فيه النظام الجديد تهديدا له تمّ سحقه بقوّة.
وفي تلك الأثناء، ألّف سينيكا كتابا عنوانه "عن الرحمة" قرأه بعض المؤرّخين على انه مديح للحاكم الشابّ العنيف والخطير، أي نيرون، لدرجة التغطية على حقيقة سلوكه.
والأسوأ من ذلك، أن سينيكا، الذي طالما امتدح الفقر في كتاباته وحثّ الناس على أن لا يكونوا عبيدا للثروة، صار مع مرور الوقت شخصا غنيّا جدّا بفضل جرائم نيرون.
وفي نهاية ذلك العقد، أصبح يملك عقارات كثيرة، ليس في روما فحسب وإنما في اسبانيا ومصر أيضا. وقد مكّنته ثروته الهائلة من التمتّع بأسلوب حياة باذخ بمعايير هذه الأيّام.
وعندما كتب كتابه "عن الحياة السعيدة"، اتهمه احد الساسة وقتها علنا بأنه "منافق" وأنه قام بتجفيف أموال الأقاليم وتحويلها إلى جيبه. وبعد ذلك وجد ذلك السياسيّ المنتقِد نفسه منفيّا.
هناك تناقضات كثيرة في حياة سينيكا. رسالته التي تفسّر مقتل أغريبينا كانت طريقة من الطرق التي اتّبعها للدفاع عن نظام فاسد. ويتساءل البعض كيف نفسّر تمسّك الفيلسوف بتلميذه المتوحّش.
احد المؤرّخين الانجليز وصف سينيكا بأنه منافق ليس له مثيل في تاريخ العالم القديم. لكن هناك من دافع عنه بالقول انه اغتنى كي يمنع حدوث الأسوأ لروما، لذا بقي على ولائه لنيرون وبذلك ضحّى باسمه وسمعته.
ورغم جرائم نيرون الكثيرة، إلا أن السنوات الخمس الأولى من حكمه اتسمت بالاستقرار النسبيّ. في تلك الفترة كان نفوذ سينيكا عليه كبيرا جدّا. لكن عندما همّش نيرون معلّمه، حلّت تسع سنوات رهيبة بلغت ذروتها عندما غرقت روما في الفوضى.
كان سينيكا كاتبا مسرحيا أيضا. وبعض مسرحياته يعبّر فيها عن كربه الأخلاقيّ لتعاونه مع نيرون.
نهايته هو نفسه كانت مأساوية، بعدما قيل عن ضلوعه عام خمسة وستين للميلاد في مؤامرة لاغتيال نيرون واستبداله برجل نبيل جميل الملامح يقال له غاليوس.
ووفقا لبعض المصادر، كانت هناك داخل هذه المؤامرة مؤامرة فرعية لقتل غاليوس ثم تنصيب سينيكا نفسه امبرطورا. غير أن المتآمرين لم ينفّذوا الخطّة كما يجب واستطاع نيرون أن يقبض عليهم ويصفّيهم واحدا بعد الآخر.
لكن سينيكا أصرّ على براءته، وربّما كان يقول الحقيقة. لكن نيرون أمره بأن ينحر نفسه. في البداية قطع رسغ يده، وعندما لم يمت حاول قطع وريد في باطن ركبته ونزف حتى مات.
لم يكن سينيكا قادرا على انتزاع نفسه من نظام دفعه للتنكّر لشعاراته الأخلاقية. واختار أن يبقى في وظيفته في السلطة ثم أن يخاطر بحياته قبل أن يهرب بارتكابه الانتحار.
اليوم لم يعد سينيكا مفضّلا عند الكثيرين. الكتّاب الرومانسيون اعتبروه فيلسوفا سيّئا وكاتبا مسرحيّا أسوأ. وحتى أسلوبه في الكتابة كان موضع سخرية من الكثيرين. مؤرّخ بريطاني قال عنه مرّة إن قراءة سينيكا تشبه أن يتغدّى الإنسان على حساء بلا طعم.
ومع ذلك ما تزال تُكتب عنه وعن حياته الكثير من الكتب حتى اليوم.

Credits
newyorker.com