:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, June 13, 2016

الربيع في الموسيقى الكلاسيكية


في الموسيقى الكلاسيكية مؤلّفات كثيرة تحتفل بالفصول الأربعة وبالتغيّرات التي تطرأ على الطبيعة مع مقدم كلّ فصل. وأوّل عمل موسيقيّ يخطر بالبال عند الحديث عن الفصول هو كونشيرتو الفصول الأربعة للمؤلّف الموسيقيّ الايطاليّ انطونيو فيفالدي. أيضا لا يمكن نسيان سيمفونية الرعاة التي ألّفها بيتهوفن وصوّر فيها مشاهد وأصوات الطبيعة في فصل الربيع.
الربيع، بشكل خاصّ، له مكانة خاصّة في الموسيقى الكلاسيكية. وليس هناك من احتفل بالربيع وأجوائه وطقوسه كالمؤلّفين الموسيقيين الروس، وهي ظاهرة نجدها أيضا في الأدب والشعر الروسيّ.
  • تشايكوفسكي، مثلا، كتب كونشيرتو اسماه الفصول . هذا الكونشيرتو يتألّف من اثنتي عشرة حركة، كلّ منها مخصّص لشهر من أشهر السنة. والمؤلّف في كلّ قطعة يصوّر مشاعره وانفعالاته وتجاربه، وكذلك مشاهد الحياة المرتبطة بكلّ فصل.
    الحركة المخصّصة لشهر مارس، مثلا، وعنوانها أغنية القبّرة ، تستثير مزاجا يذكّر ببدايات الربيع. وعندما تبدأ الأرض بالظهور وسط الثلج الذي يكون قد ذاب شيئا فشيئا مع بزوغ أوّل خيوط ضوء الشمس التي تلامس وجه الطبيعة الناعسة، يبدأ غناء القبّرات معلنةً للعالم عن مقدم الربيع.
    الأغاني العذبة لتلك الطيور الصغيرة توقظ العالم من غفوته بعد شتاء طويل. ثم تظهر أولى قطرات الثلج مع بداية الحركة الثانية المخصّصة لأبريل والتي اختار لها تشايكوفسكي عنوان قطرة ثلج .
    والأزهار إذ تنمو تصوّر لنا الجمال الأوّلي للربيع، رغم أن الطبيعة ما تزال مغمورة ببعض الثلج. وقطرة الثلج هي صدى لموسيقى القبّرات، وهي تذكير صُوري بديع بأن الربيع على وشك أن يحلّ.
    هذا الكونشيرتو يتضمّن أيضا حركة بعنوان ليال بيضاء خصّصها المؤلّف لشهر مايو، وهو يأخذنا من خلالها إلى الليالي المثلجة لسانت بطرسبورغ. كان تشايكوفسكي مغرما كثيرا بهذه المدينة الشمالية التي قضى فيها شبابه وكتب فيها أشهر أعماله.
    وفي تصويره هذا للطبيعة، استطاع المؤلّف أن يمزج بين ظاهرة الليل والضوء ليصوّر من خلال هذا المزيج اللحنيّ المركّب طيفا متنوّعا من الانفعالات والمشاعر الإنسانية.
  • ريمسكي كورساكوف كتب، هو الآخر، أوبرا فلسفية موسيقية عنوانها عذراء الثلج ، هي عبارة عن احتفال بالفصول. وقصّة هذه الأوبرا تتجلّى خلال فصل الربيع عندما تمنح الطبيعة الإنسان أجمل وأبهى عطاياها.
    هذا الجمال يتجسّد في شخصية سنيغوروتشكا، عذراء الثلج ابنة الغابة والربيع. عندما تولد سنيغوروتشكا في الغابة، يتعذّر عليها فهم معنى الحبّ. والربيع، أمّ عذراء الثلج، عندما ترى ابنتها في حيرة، توافق أخيرا على أن تعطي سنيغوروتشكا الشعور بالحبّ "حتى وإن كان مؤلما" كما تقول الحكاية.
    وعندما يبدأ قلب سنيغوروتشكا في إدراك مشاعر العاطفة، فإن جمالها البارد كالثلج يبدأ في الذوبان. وكلّ مشاهد هذه الأوبرا، من احتفالات ورقصات دائرية وأغان للرعاة، مزيّنة بالموتيفات الشاعرية للطبيعة عندما تتوشّح بالأزاهير في فصل الربيع.

  • ديمتري شوستاكوفتش ألّف، هو أيضا، مجموعة رقصات "أو فالسات" يتغنّى فيها بالربيع. والموسيقى هنا تأخذ السامع بعيدا إلى عالم حديقة مزهرة في فصل الربيع.
    هذا التوليف كتبه شوستاكوفتش لفيلم بعنوان "ميشورين" يستند إلى قصّة حياة شخص يُدعى ايفان ميشورين، وهو عالم بيولوجيا روسيّ مشهور كرّس حياته كلّها للنباتات.
    وبفضل خبرة ميشورين، اُبتُكرت أنواع عديدة من أشجار الفاكهة. وهو لم يكن يحبّ في حياته شيئا أكثر من رؤية حياة جديدة وهي تنمو من بذرة وحيدة. وفالس الربيع ، وهو ثاني هذه الرقصات، ينقلنا إلى أجواء حديقة ميشورين المزهرة، حيث مئات الأشجار الجديدة تستحمّ في ضوء الشمس الذي انتظرته طويلا.
  • المؤلّف الموسيقيّ الكسندر غلازونوف كتب، هو أيضا، باليه اسماه باليه الفصول . في هذا العمل الفانتازيّ يصوّر لنا المؤلّف الربيع خفيفا ملوّنا. تسمع هذه الموسيقى فتتخيّل الطيور المغرّدة والأزهار اليانعة والنسائم العذبة وهي تحيط بك من كلّ جانب.
    بعد المشهد الأول بعنوان "طبيعة شتوية"، يظهر شخصان قصيرا القامة وبشعر بنّي وهما يغادران الغابة ويشعلان نارا من الحجر لكي يطردا الشتاء وخدمه المخلصين، أي الثلج والبرد والبرَد. وبعدها تكتسي الطبيعة بالأزهار الملوّنة وتبدأ الطيور في الظهور معلنةً عن بشائر الربيع. والفكرة الرئيسية في هذا الباليه هي الصحوة الخالدة للطبيعة وللحياة بعد انقضاء موسم الشتاء.
  • ومن أشهر المؤلّفات الروسية الأخرى التي تصوّر الربيع الكانتاتا التي ألفها سيرغي رحمانينوف بعنوان الربيع. وهذه القطعة تصوّر لنا أحداثا مثيرة ترافق بدايات الربيع، وهي عبارة عن قصص يمتزج فيها الحبّ بالخيانة والجريمة. في هذه القطعة، لا يتمّ توظيف الطبيعة كخلفية للأحداث فحسب، وإنما تُصوّر كمشارك فعليّ في كلّ ما يجري.
    الشخصية القاسية للشتاء تدفع البطل، الذي أمسك بزوجته وهي تخونه، للاقتناع بضرورة قتلها. لكن ومع حلول فصل الربيع الذي ينشر الحبّ والسلام والصبر، تتمكّن الزوجة من أن ترقّق قلب زوجها وتهدّئ من ثائرته فيصفح عنها.
    في هذه الموسيقى، لن تستمع إلى النغمات الرقيقة والدافئة للطبيعة وهي تعلن عن قدوم الربيع، لأن كانتاتا رحمانينوف تصوّر لنا الربيع قويّا ومكثّفا. لكن بإمكانك أن تسمع حفيف أوراق الشجر الذي أراد المؤلّف أن يكون تحيّته الخاصّة إلى جمال فصل الربيع.
  • ايغور سترافنسكي كتب، هو الآخر، باليه اسماه طقوس الربيع . وهذا العمل يأخذنا إلى عالم روسيا الوثنية قبل أكثر من ألفي عام. كان من عادة الروس القدماء أن يوقظوا الأرض من سباتها الشتويّ وذلك بتقديم قربان إلى الربيع، هو عبارة عن صبيّة شابّة. ويتعيّن على الفتاة المختارة أن تؤدّي رقصة طقوسية إلى أن تموت.
    رقصات ومراسم تقديس الأرض، والطقوس الفلكلورية ورقصة الموت التي تؤدّيها الفتاة، تصاحبها موسيقى تصوّر الطبيعة الربيعية في ذروة بهائها وتألّقها. والمؤلّف هنا يقدّم رؤيته للطبيعة من خلال إيقاعات قويّة وتلقائية وذات طاقة تعبيرية هائلة.
    الألحان المركّبة والإيقاعات الوافرة وغير المنتظمة تمثّل عمق مشاعر الروس الأوائل تجاه أصوات ومناظر الربيع وتأثيرها الكبير. والكثيرون يعتبرون هذا الباليه من بين أكثر المؤلّفات تعقيدا في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية.

  • Credits
    classicalarchives.com

    Thursday, June 02, 2016

    عصر تولستوي وتشايكوفسكي


    يزخر الرسم الروسي بالعديد من بورتريهات الكتّاب والموسيقيين والممثّلين ورعاة الفنّ في روسيا. وبعض تلك البورتريهات يعود تاريخها إلى زمن آخر القياصرة، ثمّ الثورة والعهود التي تلتها.
    أحد الكتّاب تأمّلَ في صور هذه الشخصيات الروسية واكتشف انه يندر أن ترى واحدا منها وهو يبتسم. ربّما كان هناك اعتقاد شائع بأن البورتريه مثل الحديث المتوتّر بين الرسّام وجليسه، يمكن أن يقرّبنا من الموضوع أكثر ممّا تفعله الصور الفوتوغرافية الحديثة. وهذا أحيانا صحيح.
    في البورتريه الذي رسمه فاسيلي بيروف لدستويفسكي نقف وجها لوجه مع الروائيّ الكبير. وهو في الصورة يبدو في حالة انحناء ويرتدي جاكيتا بنّيّ اللون، نظراته منسحبة وبعيدة، بينما أصابعه متشابكة. الضوء يلمع على جبينه الفتيّ. وعلى شعره ولحيته ونظراته المتحفّظة ثمّة إحساس بالإنهاك وتركيز داخليّ مثير للاهتمام.
    كان دستويفسكي في ذلك الوقت ما يزال يعيش ذكريات اعتقاله المريرة قبل ثلاثين عاما عندما كان في الثامنة والعشرين من عمره على خلفية انتسابه لجماعة بتراشيفسكي الراديكالية. وقد سيق إلى معسكرات العمل الشاقّ في سيبيريا واُجبر على الخدمة في الجيش، وهو ما أدّى إلى انهيار صحّته وجرح روحه.
    لكنه مع ذلك استمرّ يكتب ولم تنكسر إرادته أبدا. في هذه الصورة لا يمكنك أن ترى شيئا من آثار المعاناة على وجه وعيني دستويفسكي لأن بيروف منحه خصوصية كاملة. لكن بإمكانك أن ترى وتلمس إحساسه بالأسى وبالمرارة الداخلية. في ذلك الوقت، لم يكن دستويفسكي قد كتب "الجريمة والعقاب". لكن البورتريه ينبئ عن ذلك المستقبل.
    ومن أشهر الصور الروسية الأخرى ذلك البورتريه الذي رسمه نيكولاي جي لتولستوي عام 1884، ويبدو فيه الروائيّ المشهور منحنيا على طاولته ومنكبّا على الكتابة وكأنه لا يشعر بالرسّام الذي يجلس بالقرب منه.
    وهناك أيضا لوحة ايليا ريبين التي رسمها لتورغينيف الذي يبدو في الصورة عجوزا بأنف متورّمة وشعر أشيب. كانت علاقة تورغينيف بريبين مفعمة بالثقة. نظراته القاسية تفاجئنا كما لو أننا مذنبون بنفس درجة ذنب الرسّام المتطفّل. وهذا يثبت كيف أننا يمكن أن نحكم على الصور مدفوعين بأفكارنا المسبقة عن أصحابها. كما أن هذا يطرح سؤالا عن مدى كون هذه الصورة حقيقية.
    وهناك أيضا البورتريه الذي رسمه يوسف براس لأنطوان تشيكوف. وقد رسمه الفنّان عام 1898، أي عندما كان تشيكوف في ذروة عطائه ككاتب مسرحيّ. وفي السنة التالية مُثّلت مسرحيّته "العمّ فانيا" على المسرح لأوّل مرّة.
    تشيكوف يرتدي هنا ملابس مرتّبة، مع ياقة بيضاء وبذلة رمادية. وهو يجلس كما لو انه يريد أن يحكم علينا محاولا استنطاق ما بدواخلنا، بينما يصرّ على أن لا يكشف لنا عن شيء من دخيلته.
    تشيكوف هنا لا يبدو كاتبا بقدر ما يبدو طبيبا "وهي مهنته الأصلية" يصغي باهتمام إلى مرضاه ويشخّص عللهم ويصف لهم الدواء المناسب. كان وقتها في الثامنة والثلاثين، وأمامه فقط ستّ سنوات ليعيشها.


    والحقيقة أن معظم هذه الشخصيات توفّيت في سنّ مبكّرة. ومعظمها ملامحها أوربّية أكثر منها آسيوية.
    ومن أشهر البورتريهات الروسية الأخرى لوحة فالنتين سيروف للمؤلّف الموسيقيّ رمسكي كورساكوف. والموسيقيّ يبدو هنا جالسا وسط فوضى من عشرات الكتب.
    وهناك أيضا واحدة من أقوى الصور، وهي لوحة ريبين التي رسمها للموسيقيّ المعروف موديست موسورسكي عام 1881، وقبل وقت قصير من وفاة الأخير. موسورسكي يبدو في الصورة بأنف حمراء وعينين صافيتين.
    الرسّام ايليا ريبين، بمقاربته الحسّاسة والفائقة لكلّ جلسائه الذين رسمهم، هو بطل البورتريه الروسيّ بلا منازع. كان ريبين ابنا لجنديّ من اوكرانيا. وخلفيّته ليست ممّا يثير الاهتمام.
    لكنه صنع لنفسه سمعة طيّبة في سانت بطرسبورغ التي رسم فيها أعمالا مشهورة مثل تلك اللوحة التي يظهر فيها أشخاص يجرّون قاربا. ورغم أن من كلّفه برسم اللوحة كان رجلا من عائلة الإمبراطور، إلا أنها فُسّرت على أنها هجوم على سوء معاملة العمّال وعلى الظلم الاجتماعيّ ككلّ.
    وبعد ابتعاثه إلى فرنسا التي رسم فيها تورغينيف، عاد ريبين إلى روسيا واستمرّ يرسم بنفس الأسلوب الروسيّ المتميّز.
    في لوحات ايليا ريبين مرح وتعاطف وتفهّم. كما أنها تحتوي على الكثير من الدفء، مثل لوحته التي رسم فيها عازفة البيانو الجميلة صوفي مينتر، تلميذة فرانز ليست اللامعة.
    وبراعته أيضا تتجلّى في رسمه للبارونة فارفارا فون هيلدنباندت بخمارها وقبّعتها الغريبة. وقد رسمها باستمتاع يمكن أن تشعر به من طريقته في تصوير السلسلة المتدلّية حول ذراعها وفي طيّات بلوزتها القرمزية.
    كلّ هذه البورتريهات وغيرها من صور العباقرة الروس ليست سوى جزء من المجموعة الفنّية التي راكمها تاجر الأقمشة بافيل تريتيكوف والتي أصبحت من مقتنيات المتحف الذي يحمل اليوم اسمه.
    وهناك عنصر مهمّ يمكن إضافته إلى هذه القصّة، ويتمثّل في الصداقة التي ربطت تريتيكوف والرسّام ريبين الذي لم يكن يرسم له فحسب، وإنما كان ينصحه بالاستعانة بفنّانين آخرين.
    وقد رسمه ريبين أمام مجموعته كي يتذكّره الناس بعد وفاته. وفي تلك الصورة يظهر تريتيكوف كشخص مختلف ومتحفّظ ومعروف بعاطفته العائلية ومحبّته للأدب والموسيقى والمسرح والرسم.
    كان تريتيكوف حريصا على أن تضمّ الصور في متحفه كافّة نجوم روسيا. وقد بدا إصراره واضحا من خلال قصّته مع بورتريه الموسيقيّ موسورسكي.
    كان هذا الأخير قد وصل إلى ذروة شهرته في العام 1874 عندما انتهى من تأليف أوبرا بوريس غودونوف ومتتابعة البيانو بعنوان صور في معرض . لكن بعد فراغه من كتابة هذين العملين، أدمن موسورسكي على الشراب لأيّام.
    وفي عام 1881 اُدخل المشفى لعلاجه من الإدمان. وعندما سمع تريتيكوف بأن حالته خطيرة، أرسل إليه ريبين كي يرسمه. وكان على حقّ، فما أن انتهى الرسّام من آخر جلسة رسم حتى كان موسورسكي قد مات وهو في سنّ الثانية والأربعين.
    كان ريبين يصف موسورسكي بأنه موهوب بالفطرة ومحارب قروسطيّ، مع مظهر بحّار من البحر الأسود . وهو، أي ريبين، لم يتقاضَ أجرا على تلك اللوحة، بل فضّل أن يتبرّع بأجره لإقامة نصب تذكاريّ للمؤلّف الموسيقيّ.
    هناك أيضا بورتريهان آخران مهمّان في مجموعة تريتيكوف، الأوّل للشاعر نيكولاي غوميليف المقتول عام 1921 بسبب أنشطته الثورية، والثاني لزوجته الشاعرة المعروفة آنا أخماتوفا. وقد رسمت البورتريهين الفنّانة اولغا كاردوفسكايا بأسلوب رمزيّ يذكّر بأسلوب إدفارد مونك.
    وبورتريه الشاعرة يبدو أفضل لأننا نعرف من هي. وتبدو جالسة بكبرياء، بينما تظهر خلفها سماء لامعة. وقد رُسمت أخماتوفا عام 1914 بعد حياة حافلة تعرّضت خلالها للمراقبة والمطاردة. لكن هذا لم يقتل شعرها ولم يُخرس معارضتها الشجاعة للفظاعات التي رأتها.

    Credits
    theguardian.com
    ilyarepin.org

    Saturday, May 28, 2016

    لوحات الفانيتا

    "فانيتا" كلمة لاتينية تعني الفراغ أو الخواء، لكنّها أيضا تشير إلى معنى التشاوف أو الخيلاء والتفاخر الأجوف بالمال أو السلطة أو الجمال والزينة.
    ولو بحثنا عن كلمة بالعربية تعطي نفس الدلالة لما وجدنا أفضل من العبارة التي تقول: ما الدنيا إلا متاع الغرور". والفانيتا أيضا هي نوع من لوحات الطبيعة الساكنة يريد رسّاموها أن يذكّرونا من خلالها بقِصَر الحياة وبعبثية المتع الدنيوية وبحتمية الموت.
    وفي هذا النوع من اللوحات، نجد غالبا جماجم ترمز للموت، بالإضافة إلى رموز أخرى مثل الفواكه المتعفّنة والأزهار الذاوية التي ترمز للتحلّل، والشموع المطفأة والدخان والساعات والأدوات الموسيقية والساعات الرملية وغيرها من أدوات قياس الزمن.
    كما يمكن أن تتضمّن هذه اللوحات كتباً، سواءً كانت مكدّسة فوق بعضها البعض أو مفتوحة على صفحة بعينها، وموادّ من الكريستال والفضّة وتماثيل صغيرة وآنيات زهور وعملات معدنية وقلائد وخواتم من اللؤلؤ تنبثق من صناديق مزخرفة. وكلّ هذه الأشياء ترمز لقصَر الحياة وفجائية الموت.
    وقد اعتاد الناس في أوربّا خاصّة، ومنذ زمن طويل، على أن يستحسنوا هذه اللوحات ويقتنوها لسكونيّتها ولرمزيّتها العميقة. وهذه الفكرة لا تقتصر على الرسم فحسب، وإنّما تمتدّ أيضا لتشمل الشعر والموسيقى والأدب.
    وهناك جملة أخرى باللاتينية لها دلالة دينية وتتردّد كثيرا هي "ميمنتو موري"، وتعني حرفيا "تذكّر أنك مخلوق فانٍ"، وهي فكرة ظلّت تحظى بالرواج والشعبية في أوساط الكتّاب والفنّانين المسيحيين على مرّ قرون.
    والفكرة تنطوي على نصيحة للناس بأن عليهم أن يستعدّوا للموت في أيّ وقت لأنه يأتي على حين غرّة وبلا سابق إنذار. والسبب هو أن أوربّا شهدت ابتداءً من القرن الرابع عشر مجاعات متكرّرة وحروبا كثيرة مدمّرة مات على إثرها الكثيرون، بالإضافة إلى تفشّي وباء الطاعون الذي اكتسح القارّة وحصد أرواح مئات الآلاف من البشر.
    كان الموت وقتها يتربّص بالجميع. ومع ذلك كان الناس يجتهدون في البحث عن التسلية والمتعة متى ما كان ذلك ممكنا. لذا انتشرت آنذاك في بعض أرجاء ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا أغاني تحمل حوارات متخيّلة بين الموت والبشر.
    وإحدى أشهر تلك الأغاني كانت كلماتها تقول: إن كنت لا تستطيع أن تعود إلى الوراء لتصبح كالطفل وتغيّر حياتك للأفضل، فلن تستطيع أن تدخل ملكوت الربّ. إن الموت يسرع الخطى، فدعنا نمتنع عن ارتكاب الخطايا".
    المعروف أن رسومات الفانيتا ازدهرت في هولندا على وجه الخصوص، وبالتحديد في ذروة ازدهار ما عُرف بالعصر الذهبيّ للرسم الهولنديّ. وأحد أشهر الرسّامين الهولنديين الذين برعوا في رسم الفانيتا هو إدفارت كولير الذي عاش في القرن السابع عشر.
    في إحدى لوحاته المشهورة "إلى فوق"، يرسم كولير مجموعة من الأشياء مرتّبة فوق طاولة مغطّاة بالدانتيل البنّيّ اللون. من بين هذه الأشياء تاج ذهبيّ مزيّن بالحرير الأحمر ومرصّع باللآليء الحمراء والسوداء والبيضاء. وعلى الطاولة أيضا هناك صندوق اسود مُحلّى بالذهب تبرز منه مجوهرات وعقود ذهبيّة وفضّيّة.
    وبين التاج والصندوق بورتريه لرجل وجيه موضوع داخل إطار مذهّب صغير وبيضاويّ الشكل. وفي خلفية الصورة، هناك مزهرية ذهبيّة ضخمة وإلى يمينها كتاب مفتوح على صفحة تحتوي على نصّ لاتينيّ.
    في لوحات الفانيتا المعاصرة، نجد نفس الفكرة التي تعبّر عن قلق الإنسان وحالة عدم اليقين تجاه المستقبل. والرسّام المعاصر يعزّز هذه الفكرة بتوظيفه لأشياء معيّنة كالمرايا والمزهريات الزجاجية والشموع والعظام والجماجم والكتب، بالإضافة إلى منتجات التجميل الحديثة والعبوات البلاستيكية التي تُظهر ميل الإنسان وافتتانه بالسلع الاستهلاكية.
    وعندما تتأمّل لوحات الفانيتا وتتمعّن في رمزيّتها، لا بدّ أن تتذكّر رسومات الفنّان الألمانيّ كاسبار فريدريش. كانت رؤية هذا الرسّام سابقة لعصره، لكن الناس في زمانه لم يقدّروا فنّه ولم يحتفوا به كما ينبغي.
    مناظر فريدريش المتعدّدة عن الطبيعة الشتوية لم تكن عن الحياة في الشتاء، بل كانت عن الشتاء نفسه؛ عن وحشته وجبروته وعن الإحساس الذي يثيره بالخواء والقفر والعزلة.
    أيضا تمتلئ لوحاته بصور الأشجار والجذوع العارية التي تسكنها الغربان والبوم بجانب المقابر والأديرة والأطلال.
    في تلك اللوحات أيضا، كان فريدريش يعبّر، وبطريقته الخاصّة، عن مضيّ الزمن والطبيعة المؤقتة للحياة وعن حالته الذهنية الخاصّة.

    Credits
    arthistory.net