:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, February 25, 2017

عوالم مثالية


تحدّث الفلاسفة والشعراء منذ القدم عن نقص الحياة أو عدم كفايتها. بمعنى أن الحياة بطبيعتها ناقصة ومؤقّتة ومعيبة بما لا يسمح للإنسان أن يستمتع بها ويعيش فيها بحرّية وسعادة.
هذا الشعور قديم جدّا. وهو كان وما يزال ملازما لوعي الإنسان منذ آلاف السنين ومادّة لتأمّل الكثير من الكتّاب والمفكّرين.
الزعماء الدينيون والروحانيون أدركوا انشغال الإنسان بهذه القضيّة منذ الأزل، لذا تحدّثوا عن شكل من أشكال الحياة بعد الموت؛ عن يوتوبيا أو فردوس من نوع ما، يمكن أن يحقّق للإنسان حياة كاملة ومثالية.
وفي الحقيقة، كلّ الأديان تتمحور حول هذه الفكرة بالذات، وهي أن هذه الحياة ناقصة ومؤقّتة. ووظيفة الدين في هذه الحالة تتمثّل في محاولة تقديم حلّ لهذه الإشكالية، هو عبارة عن وعد بحياة أفضل تتجاوز القبر وتَعِد الإنسان بالسعادة والحرّية والخلود.
البعض يُرجعون بعض أسباب تعاسة الإنسان إلى الصراعات التي يغرق فيها العالم وإلى شيوع الظلم والطمع والصراع والأنانية على امتداد تاريخ البشرية الطويل. ولهذا السبب وغيره، أصبح الكثيرون يلحّون في التساؤل عن معنى الحياة أو الجدوى منها.
هناك من يرى أن نقص الحياة أو عدم كمالها يمكن تجاوزه بامتلاك الثروة. لكن ثبت أن هذا غير صحيح. صحيح أن الثروة يمكن أن تجعل الحياة أكثر يسرا وراحة. لكن مع مرور الوقت فإن الثراء لوحده لا يحقّق السعادة المنشودة بالضرورة، فالأشياء الجديدة التي يمكن أن نشتريها سرعان ما تصبح قديمة عندما نعتادها وتصير جزءا من حياتنا اليومية.
والمتع المادّية التي نكتسبها قد تجعلنا سعداء لفترة قصيرة فقط، ومع مرور الوقت تفقد قيمتها وجاذبيّتها. والكثير من هذه المتع لا تشبع شعور الإنسان بأن للحياة غرضا أو غاية. وحتى العلاقات مع الآخرين كالعائلة والأصدقاء والمعارف على أهميّتها ليست دائمة، بل هي عرضة للتغيّر بحسب الظروف.
ومن هنا تأتي الفكرة القائلة بأنه إذا كان هناك أمل للبشر، فلا بدّ وأن يكون في شيء غيبيّ يقع خارج هذا العالم.
وتوق الإنسان إلى عالم مثاليّ خارج العالم المحسوس، أيّا كان اسمه، سببه - بحسب بعض الكتّاب - أن الطبيعة البشرية فاسدة ومنحطّة من الأساس. وحتى أولئك الأفراد الذين يتّصف مسلكهم بدرجة عالية من الخيريّة والإنسانية، تجد أنهم مع ذلك مسكونون دائما بالشعور بالتوق إلى منفى أو عالم خاصّ أو بعيد.
وبعض الشعراء، على وجه الخصوص، تحدّثوا عن توقهم لمكان ما يصعب تحديده، إما انه يقع في المستقبل أو كان له وجود في الماضي لكنه اختفى.
والذهاب إلى هذا المكان أو العودة إليه يشبع حلم الإنسان بعالم طوباويّ يمكن أن يوفّر للحياة غرضا وللوجود معنى. وهذا الإحساس بالتوق والتطلّع إلى "يوتوبيا" ما كثيرا ما يصاحبه شعور بالحزن.
وهناك حالات يمكن أن تستحضر مثل هذا الشعور، مثل سماع موسيقى معيّنة، خاصّة إن كانت من النوع الملحميّ، أو الاستمتاع بمنظر طبيعيّ جميل.
كما أن هناك بيئات معيّنة يمكن أن تثير مثل هذا الشعور، كانهمار المطر ومنظر الغروب أو تساقط أوراق الخريف تحت سماء غائمة.
والإحساس بالتوق يمكن أيضا أن يتحقّق بالتأمّل في بعض لوحات الرسّامين الانطباعيين وكذلك في بعض قصائد الشعر التي تستثير في الناظر مشاعر شتّى.
وقد تحدّث بعض الكتّاب عن بعض أشكال الموسيقى التي تمنح وعدا بالجمال بإثارتها شعورا سريعا بالنشوة والتوق، مثل بعض المؤلّفات الموسيقية الكلاسيكية التي تعطي انطباعا عن مضيّ الزمن وتتحدّث عن أسرار الحياة والحبّ والموت.
والمفارقة أن هذا الإحساس بالتوق والحنين الممزوج بالحزن يأتي غالبا عندما نكون في ذروة تمتّعنا بالأشياء الجميلة في الحياة، كتغريد الطيور في الصباح أو أصوات تكسّر أمواج البحر أو ضحكة طفل صغير.
وهذه كلّها ليست سوى إلماحات إلى ما تعنيه اليوتوبيا أو العالم المثاليّ في أذهاننا، كما أنها صور سريعة لشيء ما أعظم من الحياة نفسها.
ورغم أن هذه الأشياء قد لا توفّر للإنسان الخلاص النهائيّ الذي يبحث عنه، إلا أنها تمنحه الأمل بشيء ما يتجاوز مفاهيم الزمان والمكان المعروفة.
وربّما لهذا السبب، عندما تجد فنّانا أو شاعرا يعبّر عن رغبته في أن يشمّ عبير زهرة لم توجد بعد، أو أن يسمع نغما لم يسمعه أحد من قبل، أو أن يذهب إلى مكان لم يسبق لأحد أن زاره، فإنه بذلك إنّما يعبّر عن رغباته التي لا يمكن تحقيقها، وبالتالي عن شوقه وتوقه وتطلّعه لتجارب مثالية بديلة عن الطبيعة المعيبة والناقصة للحياة.

Monday, February 20, 2017

عصر النهضة

ما يزال المؤرّخون مختلفين حول ما يعنيه عصر النهضة بالتحديد. لكن ممّا لا شكّ فيه أن شيئا ما غير عاديّ حدث في منتصف الألفية الماضية وغيّر وجه الحضارة الغربية. وممّا لا شكّ فيه أيضا أن عائلة ميدتشي الايطالية كانت راعية ومؤثّرة في إحداث ذلك التغيير الكبير.
بشكل عام، يمكن القول إن عصر النهضة يُقصد به الفترة الممتدّة من عام 1300 إلى عام 1600م والتي تلت القرون الوسطى مباشرةً في أوربّا وشهدت موجة من الابتكارات الفنّية والثقافية التي اكتسحت المجتمع القروسطي وأدخلت الثقافة الأوربّية في العصر الحديث.
في عصر النهضة استُبدل النظام الفلكيّ القديم لبطليموس بنظام كوبرنيكوس وانهار النظام الإقطاعيّ وازدهرت التجارة واختُرع الورق والطباعة والبوصلة والبارود.
وفيه أيضا عاشت أرجاء كثيرة من أوربّا استقرارا سياسيّا ورخاءً اقتصاديّا واكتُشفت قارّات جديدة وازدهرت الفلسفة والآداب والفنون.
وبدأ المبدعون في جميع الميادين، من رسّامين ونحّاتين ومهندسين وكتّاب وشعراء وموسيقيين، يهتمّون بتمجيد الإنسان وبالتصوير الواقعيّ للجسد الإنسانيّ وللطبيعة وبالنظر إلى الفنّان كفرد مستقلّ بذاته.
وفي ذلك العصر أيضا عاش أدباء مشهورون مثل بترارك وبوكاتشيو اللذين نظرا إلى الخلف؛ إلى روما واليونان وسعَيا إلى إنعاش اللغات والقيم والتقاليد الثقافية لتلك الحضارات بعد فترة طويلة من الركود تلت سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس الميلادي.
وفي عصر النهضة لم يعد الناس يتقبّلون تعاليم وإملاءات الكنيسة كيفما اتّفق ولم يعودوا يتسامحون مع فساد وانحلال رجال الدين. وفيه أيضا أصبح الراهب الألمانيّ مارتن لوثر أوّل "زنديق" ينشر نظرياته علنا، فأبطل قرونا طويلة من تقديس الاكليروس ومهّد الطريق لثورة في الإيمان وقسّم العالم المسيحيّ إلى الأبد.
أيضا في عصر النهضة أصبح الناس توّاقين لدراسة عالم الطبيعة واكتشاف أنفسهم من خلال التعرّف إلى أسرار الكون. ثم فاجأ غاليليو المؤسّسة الكاثوليكية بإعلانه أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس.
أما في الرسم، فقد انفصل الفنّانون عن التقاليد الدينية لعالم القرون الوسطى، واكتشفوا لأوّل مرّة كيف يرسمون بأبعاد ثلاثة وابتكروا أساليب ثورية في الرسم مثل الرسم بالزيت وتقنيات المنظور، وتزعّم ليوناردو دافنشي علم دراسة التشريح البشريّ وتوظيفه في الرسم.
وفي السياسة، أعيد بعث ومناقشة النصوص القديمة التي لم تُقرأ طوال ألف عام. ومع اكتشاف الطباعة، اكتسحت الأفكار والنظريات أوربّا بسرعة وأشرك الكتّاب والمفكّرون الناس العاديّين في أفكارهم وتصوّراتهم.
وفي كلّ أرجاء ايطاليا ازدهرت الجمهوريات والدوقيات وحوّل الملوك والأمراء الأوربّيون أنظارهم إلى ايطاليا مأخوذين بوهج الانجازات والاختراقات المبدعة. وفي ذلك العصر كتب ميكيافيللي كتابه "الأمير" الذي ضمّنه تصوّراته عن عالم براغماتيّ فيه الغايات تبرّر الوسائل.

ترى هل كان الفنّانون الذين صنعوا فنّ عصر النهضة يعرفون أنهم كانوا يعيشون في "عصر نهضة" فعلا؟ وبعبارة أخرى، هل كانوا واعين بأنهم ينتمون إلى عصر اسمه "عصر النهضة" ويتماهون مع معاني ودلالات ذلك الوصف؟
هذا السؤال مهمّ ومثير للفضول. وبعض المؤرّخين يقولون: لا ونعم. فكما هو الحال دائما في التاريخ، تبدو العملية معقّدة بعض الشيء.
ولكي تتّضح لنا الصورة أكثر، يجب أن نحاول معرفة متى ظهر ذلك المصطلح بالتحديد ومن الذي استخدمه أوّل مرّة ولماذا.
كلمة "نهضة" فرنسية الأصل، تعني الانبعاث أو الولادة الجديدة. وقد دخلت إلى اللغة الانجليزية حوالي عام 1800 لتشير إلى الفترة المذكورة (1300-1600) كإعادة بعث لثقافة وفنّ الأزمنة القديمة في روما واليونان.
لكنّ أوّل ذكر للمصطلح الذي تشير إليه الفكرة أتى قبل ذلك بحوالي ثلاثمائة عام. ففي عام 1550، وفي كتابه "تاريخ الفنّانين"، استخدم المؤرّخ الايطالي جورجيو فاساري الكلمة الايطالية "النهضة" ليصف الأسلوب الفنّي الجديد الذي اتّبعه الفنّانون آنذاك، مثل ليوناردو دافنشي وميكيل انجيلو ورافائيل.
فاساري، الذي يُوصف عادةً بأنه أوّل من أرّخ للفنّ الأوربّي، قسّم فنّاني تلك الفترة إلى ثلاث مراحل: الأولى تتضمّن جيوتو، احد أوائل الرسّامين الايطاليين الذين تخلّوا عن الأساليب القديمة وتبنّوا نهجا أكثر واقعية في رسم البشر والطبيعة والمعمار.
كانت جهود جيوتو مبتكرة، لدرجة أن من جاءوا بعده في القرن الخامس عشر قضوا سنوات يبنون على ابتكاراته الفنّية. وقد امتدحه فاساري بقوله انه أعلن عن ولادة لحظة جديدة في الرسم.
المرحلة الثانية من رسّامي عصر النهضة تتضمّن ماساتشيو ودوناتيللو وغيرهما من الفنّانين الذين كانوا نشطين في القرن الخامس عشر. وهؤلاء كانوا يدفعون عن وعي باتجاه أعراف فنّية جديدة.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة، بحسب فاساري، فكانت تغطّي معظم العصر الذي عاش فيه هو، أي النصف الأوّل من القرن السادس عشر. فنّانو تلك المرحلة عملوا بالطريقة الحديثة التي بدأها جيوتو وطوّرها الفنّانون الذين أصبحوا مشهورين أكثر من غيرهم بارتباطهم الوثيق بعصر النهضة، أي تيشيان وليوناردو دافنشي ورافائيل وميكيل انجيلو وكوريجيو.
وخلال تلك الفترة، ربّما كانت كلمة النهضة غير معروفة بعد ولم تَرِد على ألسنة الفنّانين آنذاك الذين أصبحوا يمزجون تحفهم الفنّية بالكثير من الدراما والانفعالات. لكنّهم بالتأكيد كانوا يعرفون أن شيئا ما جديدا كان يحدث.
وبينما كانوا متأثّرين بالفنّ الرومانيّ واليونانيّ الكلاسيكيّ ويعتبرونهما مصدرا للإلهام، إلا أنهم أيضا كانوا مدفوعين بالفكر التنافسيّ ليخلقوا شيئا جديدا ومختلفا عن الأجيال السابقة. وفي نفس الوقت كانوا يمهّدون الطريق للفنّانين الذين أتوا بعدهم لكي يناضلوا بوعي من اجل خلق وابتكار أشياء جديدة ومتجاوزة.

Credits
visual-arts-cork.com

Thursday, February 16, 2017

مقاطع من حلم/2


بسبب قصيدة كولريدج وكتابات ماركوبولو، تحوّلت زانادو (أو شانغدو كما تُسمّى بالصينية)، ومعها قصر قبلاي خان العظيم، إلى مكان أسطوريّ واُضفي عليها طابع رومانسيّ. وأصبح اسم المدينة اليوم كناية عن مكان غرائبيّ وساحر ولا يمكن بلوغه يقع في أعماق الشرق الغامض، مثل شانغريلا.
صحيح أن قصيدة كولريدج هي عن شخص ومكان ما، لكنّها أيضا عن كيف تستطيع أن تخلق أشياءً وتبني قصورا بالكلمات وحدها.
في الجزء الأوّل من القصيدة، توقّفنا عند حديث الشاعر عن التلّ الأخضر وغابة الأرز والمرأة عاشقة الشيطان.
وفي هذا الجزء نتناول بقيّة القصيدة. وستلاحظ مع القراءة كيف أن الشاعر يلوّن المزاج في هذه الطبيعة ولا يقدّم شخصيّات جديدة. لذا لا تدع التفاصيل تصرفك بعيدا عن القصّة الأساسية. وتذكّر دائما أننا نسمع وصفا لحلم أو رؤيا.
هل حدث لك ذات مرّة وأنت على وشك النوم أن لمعت صورة ما في عقلك ثم اختفت فجأة؟ شيء مثل هذا الإحساس المكثّف لمع في ذهن الشاعر للحظات عندما رأى صورة هذه المرأة وشيطانها قبل أن يختفيا.

  • ومن هذه الفجوة، وباضطرابٍ عارم دون توقّف،
    وكما لو أن هذه الأرض كانت تتنفّس بلهاثٍ ثقيل متسارع،
    تفجَّرتْ بغتةً نافورة ضخمة
    بين فتراتِ تقطّعها السريع انفجرت
    قِطَع ضخمة قافزة كبَرَدٍ وثّاب
    أو كهشيم القمح المتناثر تحت ضربات الدرّاسة
    وبين هذه الصخور الراقصة انبثق
    النهر المقدّس فوراً وإلى الأبد
    تأمّل هذه الكلمات القويّة والدراماتيكية: فجوة، اضطراب، دون توقّف. هذا النهر ليس هادئا، لا يسير بتثاقل أو كسل كالكثير من الأنهار، بل هو أقرب ما يكون إلى نوع من الأنهار الفانتازية والمستحيلة.
    طبعا من عادة الأنهار ألا تتوقّف عن الجريان، لذا لم يكن كولريدج بحاجة ليخبرنا أن النهر يجري في كلّ حين. لكنه أراد أن يجعلنا نفكّر في النهر كشيء يتمّ خلقه كلّ ثانية. وهو يريد أيضا أن يصوّر اندفاع الماء وتكسّره وهيجانه.
    كان الشاعر وزملاؤه الشعراء الرومانسيّون يحبّون مناظر مثل هذه، حيث القوّة الهائلة للطبيعة تنطلق من عقالها وتشقّ طريقها بعنف، وعلينا بعد ذلك أن نراقبها.
    ويبدو أن هذا المشهد أخذ خيال الشاعر بعيدا فحوّل الأرض إلى ما يشبه حيوانا يتنفّس. وهو يريدنا أن نسمعه ونشعر بالقوّة الساحقة لهذا النهر. كما انه يحافظ على هذه الحدّة والكثافة سطرا بعد سطر جاذبا القارئ نحو النهر مرّة إثر أخرى.
    يمكننا أن نحفر في كلّ واحدة من هذه الصور وألا نتوقّف عن النظر والتأمّل في كلّ سطر من هذه السطور. هل تشعر باندفاع الماء وتتخيّل تكسّر الأمواج فوق الصخور؟ إن كان الجواب نعم، فقد أدّت القصيدة وظيفتها.
    هذه الأسطر أشبه ما تكون بأوركسترا سيمفونية: شعور مندفع، أصوات وحماس. واستحضار الشاعر لكل هذه القوّة الطاغية للطبيعة في القصيدة هو طريقة لجعلك تفكّر في الحبّ والموت والروح والخلود. والشاعر يريد من ورائها أن يشدّ انتباهك وأن يأخذك معه بعيدا.

  • خمسةَ أميالٍ متعرِّجة بحركة محيِّرة
    خلال غابة ووادٍ جرى النهر المقدَّس
    وبعدها وصل الكهوف التي لا يدرك إنسان مداها
    وغارَ في جلبةٍ في بحرٍ لا حياة فيه
    فجأة تهدأ الأشياء قليلا. والنهر يصل إلى سهل مستوٍ من الوادي حيث يقع زانادو، ثم يبدأ "متعرّجا بحركة محيّرة". الآن أصبحنا نعرف قصّة النهر بأكمله من منظور شخص ما في زانادو. النهر يجري والماء يتحرّك بسرعة وبثورة كما لو انه شلال، ثم لا يلبث أن يهدّئ من سيره ويمرّ عبر زانادو لخمسة أميال حتى يصل إلى الكهوف.
    لا أحد يعرف عمق تلك الكهوف، إنها ضخمة بحيث يستحيل قياسها. لكنّنا نعرف أنها تحتوي على محيط تحت الأرض يصبّ فيه النهر. هل تتذكّر عبارة "بحر بلا شمس"؟ إنها تعود مرّة أخرى هنا على صورة "بحر لا حياة فيه". وصفان مختلفان، لكنّهما يوصلان نفس المعنى الكئيب.

  • ووسط هذه الجلبة سمع قبلاي من بعيد أصوات
    أسلافِه متنبّئةً بحرب
    إلى ما قبل هذه الفقرة، يبدو أن كولريدج نسي تماما قبلاي خان. والآن يعود إليه من جديد. الخان يراقب كلّ هذه الضوضاء، ومن خلالها يسمع من بعيد أصوات أسلافه الموتى وهم يتنبّئون بالحرب.
    بعد كلّ شيء، علينا أن نتذكّر أن هذا الرجل هو حفيد جنكيز خان. وهو لم يكن معروفا بحبّه للسلام، بل بحروبه وغزواته الكثيرة. ومن المرجّح انه قضى وقتا طويلا يفكّر بالحرب، حتى وهو يصيخ سمعه إلى صوت المياه المتكسّرة للنهر. هذه الصورة تأخذنا إلى الجزء الأكثر عنفا من القصيدة.


  • في منتصف طريقه طفا ظلّ قُبّة الابتهاج على الأمواج
    حيث سُمع ما اختلط
    من النافورة ومن الكهوف
    ننظر الآن إلى الخارج، إلى القبّة والظلال التي تلقيها فوق المحيط. في أربعة اسطر فقط نحصل على الأمواج والكهوف والنافورة وقبّة الابتهاج.
    كلّ شيء مختلط هنا، بما في ذلك الأصوات المختلفة للنهر. في الواقع هناك أنواع من الموسيقى في هذه القصيدة، لكنّها موسيقى غريبة وغير منتظمة.

  • كان معجزة لاختراعٍ نادر
    قبّةُ ابتهاج مُشمسة بكهوف من ثلج
    هذان السطران السريعان يأخذانا إلى نفس التباينات التي رأيناها في القصر والنهر. في الأبيات الاستهلالية، لم يقل الشاعر شيئا عن برودة الكهوف أو سخونة القبّة. لكنه يوضّح هذه الأشياء هنا. ثمّة عالم من التباينات: العالم الطبيعيّ مقابل العالم الذي صنعه الإنسان، المُشمس والمُثلج، فوق الأرض وتحتها.

  • صبيّةً بسنطور
    رأيت ذات مرةٍ في الرؤيا
    فتاة حبشيّة
    وعلى سُنطورها نقرت
    مغنيّةً جبل أبورا
    الآن تأخذ القصيدة انعطافة كبيرة. ومن دون سابق إنذار، يغيّر الشاعر الموضوع ويبدأ في وصف رؤيا أخرى رآها من قبل. يرى فتاة يخبرنا عنها ثلاثة أشياء في ثلاثة اسطر: هي حبشية، وتعزف على سنطور، وتغنّي أغنية من مكان يُسمّى "جبل ابورا" وهو من اختراع كولريدج.
    لماذا هذه الصور الثلاث معا؟ نحتاج لأن نتمعّن قليلا لنرى إن كان هناك نوع من الشفرة أو الرمز. البعض يعتقد أن الشاعر يشير إلى مكان ما في إثيوبيا، والبعض الآخر يظنّ أنها إشارة مقتبسة من الإنجيل، والبعض الثالث يعتقد انه مكان ذكره جون ميلتون في روايته "البحث عن الفردوس المفقود".
    ربّما كان كولريدج يريد إضفاء بعض الغموض على هذا الجزء بالذات من القصيدة. وكان بإمكانه أن يوضّح أكثر فيما لو أراد. لكن كلّ هذه الأحلام والرؤى خاصّة ولا يمكن تفسيرها. وهذا الإحساس بالغموض هو احد الأسباب التي تجعل من هذه القصيدة قصيدة جميلة.

  • هل أستطيع أن أحيِي في داخلي
    سيمفونيّتها وأغنيتها
    بمثل هذا الابتهاج العميق قد تملكني
    بذاك، بموسيقى هادرة وطويلة
    أريد أن أبني تلك القبّةَ في الهواء
    تلك القبّة المشمسة! تلك الكهوف من الثلج!
    وكلّ من سمع يجب أن يراها هناك
    الآن ينظر الشاعر إلى الوراء متذكّرا الموسيقى التي سمعها في الرؤيا. يستطيع أن يصفها، لكن ليس بمقدوره أن يعود إلى الوراء لتجريب ذلك الشعور المكثّف. ومع ذلك هو يتطلّع لتلك التجربة، إلى الشعور بالدهشة الذي اختفى مع تلك الرؤيا.
    الشاعر يريد أن يبعث الموسيقى من جديد، أن يعيدها إلى الحياة. ولو استطاع إن يتواصل مع تلك الرؤيا، فإنه يتخيّل أنها يمكن أن تلهمه وتسمح له بخلق أشياء مدهشة هو نفسه.
    موسيقى المرأة ستملأ روحه، ومن خلالها يمكنه هو أيضا أن يجعل موسيقاه شجيّة وعالية. وهذه الموسيقى ستمكّنه من استعادة روح زانادو كي "يبني تلك القبّة في الهواء".
    كلّ هذا قد يبدو غريبا للوهلة الأولى عندما تتأمّله، رغم أن هذا وصف عظيم لما يمكن أن يفعله كلّ فنّان. فالمؤلّفون الموسيقيّون والشعراء جميعهم يبنون أشياءهم في الهواء، يستخدمون الكلمات والأحداث لجعل رؤاهم تتحقّق في واقع الحياة.
    والشاعر يقول انه يتمنّى أن يعيش التجربة الموسيقيّة مرّة أخرى، وهذا هو بالفعل ما يفعله في القصيدة. انه يستخدم الكلمات كي ينقلنا معه لنعيش ما رآه "وكلّ من سمع يجب أن يراها هناك".

  • والكلّ يجب أن يصرخ، حذارِ! حذارِ
    عيناه المتوّهّجتان، شعره المسترسِل!
    اِنسجْ دائرة حوله ثلاث مرّات
    واغمض عينيك برهبة مقَدَّسة
    لأنّه تغذّى على المنّ
    وشرب حليب الفردوس
    لكنّ هذه الرؤيا ليست فقط عن قبّة. فالشاعر عندما يناجي زانادو، فإنه أيضا يستحضر روحا غريبة. وهذا المخلوق الآخر أكثر إثارة للخوف من القصر ومن الكهوف والمحيط.
    في بعض أفلام الرعب، يحدث أحيانا أن يتفوّه مجموعة من الأطفال بكلمة سحرية ثلاث مرّات كي يستدعوا مخلوقا شرّيرا. تلك الفكرة تشبه هذه. والشاعر يتخيّل انه لو تحقّقت رؤياه، فإنها ستخيف البشر وتجعلهم يصرخون "حذارِ حذارِ".
    إنه يصف شخصا مخيفا بعينين متوقّدتين وشعر مسترسل. وهذا المخلوق مخيف جدّا، لدرجة أن عليك أن تقوم ببعض الطقوس السحرية لحماية نفسك من شيطانه "إنسج دائرة حوله ثلاث مرّات".
    ما هي هذه الروح الغريبة؟ الشاعر لا يقول عنها شيئا. ربّما كان يتحدّث عن نفسه. وربّما أصبحت أغنيته الخاصّة ورؤياه قويّة جدّا لدرجة أنها تحوّلت إلى نوع من الإله يأكل "المنّ ويشرب حليب الفردوس". وقد تكون هذه الصور إشارة إلى الأفيون الذي تعاطاه كولريدج قبل أن ينام تلك الليلة والذي جعل هذا الحلم ممكنا في المقام الأوّل.
    أو قد تكون هذه هي الرؤيا الأخيرة لقبلاي خان نفسه بتحوّله إلى نوع من المخلوقات الغريبة والجديدة. لكن الذي يبقى معنا هو الصورة المكثّفة التي أصبحت أكثر تشويقا بفضل وصفها الغامض.

  • Credits
    poemanalysis.com
    alchetron.com