:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو اقتباسها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق.


Sunday, August 09, 2020

تشيكوف: نظرة مختلفة

لأكثر من مائة عام، يجلس رجلان ملتحيان وطاعنان في السنّ على أكتاف الروس الذين ينوءون تحت حملهما الثقيل: تولستوي وديستويفسكي. تولستوي يجلس على الكتف الأيمن وديستويفسكي على الكتف الأيسر، أو العكس.
العبء الثقافي الذي يمثّله هذان الرجلان ستشعر به بعد لحظات قليلة من لقائك مع أيّ شخص غريب يكون على دراية بسيطة بالأدب الروسيّ. فعندما يعرف انك روسيّ، سرعان ما يهتف: آه تولستوي وديستويفسكي"!
الميراث الأدبيّ الضخم للرجلين يثقل كواهلنا كـ "رُوس"، بل ويسحقنا بلا رحمة. والمشكلة انه يتوجّب علينا أن نحملهما معنا أينما ذهبنا أو ارتحلنا إلى أن نموت.
ما من شكّ في أن الرجلين عبقريّان. لكن المحزن أن حجم وعمق كتاباتهما حَجَب بريق كتّاب روس آخرين لا يقلّون أهميّة وموهبة. وأعرف على الأقل كاتبا واحدا ينافسهما، بل ويتفوّق عليهما أحيانا. هذا الكاتب اسمه انطون تشيكوف. وهناك عدد من الأسباب التي تجعل من تشيكوف ندّاً قويّا لتولستوي وديستويفسكي.
السبب الأوّل هو أن تشيكوف كان كاتبا موجزا. صحيح أن طول أو حجم كتاب ما ليس معيارا صالحا للحكم على جودته وقيمته. فهناك روايات كثيرة طويلة وضخمة، لكنها مملّة وثقيلة، لدرجة انه يتعذّر عليك قراءة بضع صفحات منها. لكن تشيكوف مختلف من هذه الناحية.
وعندما تقرأ المجلّدات الأربعة لرواية "الحرب والسلام" مثلا، فستقدّر عالياً ميزة الإيجاز والاختصار التي يفتقر إليها تولستوي، وبدرجة اقلّ ديستويفسكي.
تشيكوف هو ملك القصّة القصيرة. وهو عادةً لا يحتاج سوى لبضعة اسطر وتفاصيل صغيرة ليصوّر قصّة الحياة الكاملة لشخصية من شخصياته، وهي مهمّة تتطلّب من ديستويفسكي أو تولستوي عشر صفحات كاملة من الحشو والإطناب الذي لا لزوم له. وتشيكوف هو الذي قال ذات مرّة جملة مهمّة أصبح الروس يردّدونها كما لو أنها حكمة: الإيجاز هو توأم الموهبة".
والسبب الثاني هو أن أبطال تشيكوف هم من النوع الذي يسهل عليك أن تتعاطف معهم. والحقيقة أن الأدب الروسيّ حافل بالقصص التي تستثير الحزن وتكسر القلب. لكن الطريقة التي يتعامل بها تشيكوف مع المسألة مختلفة تماما.
في المقابل، فإن شخصيات تولستوي وديستويفسكي معقدّة جدّا وتعاني كثيرا، وهو أمر مألوف في أدب القرن التاسع عشر. كما أن كتاباتهما تتضمّن أفكارا كثيرة عن الله والحبّ وعن الروح الروسية. وكلّ هذا أصبح نوعا من الكلام المملّ والمزعج.
وعلى النقيض من شخصيات هذين الاثنين الذين يشبهون أبطال الكتب المقدّسة، فإن أبطال قصص تشيكوف أناس عاديّون، وأحيانا مضحكون ومثيرون للشفقة. لكنهم دائما يحلمون بحياة أفضل، على الرغم من أنهم غارقون في مشاكلهم اليومية.
وكلّ الطيف الواسع من المشاعر التي يعبّر عنها تشيكوف في قصصه يمكن اختزالها بقوله الساخر: هذا يوم جميل، ولا اعرف ما إذا كان يتعيّن عليّ أن اشرب كوبا من الشاي أو اشنق نفسي".


السبب الثالث هو أن تشيكوف لا يقدّم في كتبه مواعظ من أيّ نوع، في حين أن لدى تولستوي وديستويفسكي منظومتهما القيمية الصارمة: في حالة ديستويفسكي هناك نسخة متشدّدة من الأرثوذوكسية المُطعّمة بولاء لا يفتر للقيصرية المحافظة. وفي حالة تولستوي هناك الفوضوية السلمية المتطرّفة على طريقة غاندي.
صحيح أن تلك القيم والمفاهيم لا تهيمن على نثرهما دائما، لكنها تطلّ من كتاباتهما بشكل متواتر ومن حين لآخر. وإن كنت من النوع الذي يكره الخطب والمواعظ الفجّة، فستجد أن من الصعب عليك تقبّلها أو هضمها.
قال شخص ذات مرّة: عندما اقرأ تولستوي اشعر انه يعبس في وجهي. ورغم انه يقول كلاما صحيحا أحيانا، إلا أن الأمر يظلّ مزعجا".
لكن هذا لا يحدث مع تشيكوف. فهو لا يقدّم دروسا أو مواعظ أبدا، فقط يحفزّك على أن تظلّ إنسانا نبيلا وصبورا أمام تحدّيات الحياة. وهناك دائما في مسرحياته وقصصه القصيرة بصيص من الأمل، هذا الأمل بشيء ما أفضل يتخلّل جميع أعماله.
السبب الرابع هو أن تشيكوف كان إنسانا عظيما وصاحب مبدأ. كان يمزج بين الأدب وبين الطبّ مهنته الأولى والأساسية. وقد قال مرّة: الطبّ زوجتي الشرعية والأدب عشيقتي". ولم يكن يدخّر جهدا أبدا في مساعدة جميع الناس، وخاصّة الفلاحين والعمّال الفقراء الذين كان يعالجهم مجّانا.
في عام 1890، ذهب إلى جزيرة سخالين التي تبعد عن موسكو أكثر من 6400 كيلومتر. وأثناء تلك الرحلة ألّف كتابا عن المعاملة غير الإنسانية التي يتلقّاها السجناء الذين يُرسلون إلى هناك.
السبب الخامس هو أن تشيكوف معروف عالميّا بسبب إرثه المسرحيّ. وهو يُعتبر احد اكبر الكتّاب الذين تُمثّل أعمالهم بشكل دائم على خشبة المسرح، جنبا إلى جنب مع شكسبير وإبسن وسترندبيرغ. تحفه الأدبية الكبيرة مثل "طائر النورس" و"بستان الكرز" و"الأخوات الثلاث" لا تشيخ أبدا، لأن فيها عمقا ولأنها مفتوحة دوما على مختلف التأويلات.
كان وسيما، ذكيّا وعطوفا. وفي سنواته الأخيرة، افتتح عيادة لمعالجة ضحايا الكوليرا والمجاعة بالمجّان. كما بنى ثلاث مدارس لمساعدة أبناء المزارعين الفقراء ومدّهم بالتعليم بلا مقابل.
في عام 1901، تزوّج تشيكوف من ممثّلة كانت قد شاركت في بعض مسرحياته. وبعد 3 سنوات توفّي في ألمانيا وعمره لا يتعدّى الـ 44 بعد معاناة طويلة مع مرض السلّ. وحتى عندما علم بموته الوشيك ظلّ يتصرّف بكرامة، ولم يغادره حسّ الدعابة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، وضرب مثالا ممتازا للشخص الذي لا يشتكي لأحد ولا يتذمّر من الحياة.
إجمالا كانت كتابات تشيكوف أكثر إمتاعا وتشويقا وواقعية من كتابات كثيرين غيره. وفي النهاية ستجد انك بطل من أبطال تشيكوف ولا يمكن أن تكون بطلا من أبطال تولستوي أو ديستويفسكي ما لم تقتل سيّدة عجوزا بفأس أو تهزم نابليون!

Credits
lithub.com
rbth.com

Saturday, August 01, 2020

غويا: إعلان ضدّ الحرب

كان في ذهن الرسّام الإسباني فرانسيسكو دي غويا وهو يرسم هذه اللوحة الأيقونية أن تكون تخليدا للعمل الأكثر بطولة في نضال الشعب الاسباني ضدّ "طاغية أوربّا"، أي نابليون، الذي كان قد احتلّ اسبانيا في بداية عام 1808 وأجبر الملك تشارلز الرابع على التنحّي.
في الثاني من مايو من ذلك العام، حاولت جماعة موالية للعرش الاسباني أن تستعيد السلطة في مدريد. لكن تلك الانتفاضة انتهت بفشل دمويّ كامل. وفي صباح اليوم التالي، ألقت القوّات الفرنسية القبض على المئات ممّن اشتبه في مشاركتهم في ذلك التمرّد، وجمعتهم في مكان خارج المدينة ثم أطلقت عليهم النار ليلا.
وبعد ستّ سنوات، وكانت إمبراطورية نابليون على وشك السقوط وابن تشارلز يجلس على العرش الاسبانيّ، أنهى غويا رسم لوحته الأكثر شهرةً وإثارةً للانزعاج.
كثيرا ما توصف لوحة "الثالث من مايو 1808" بأنها أعظم لوحة معادية للحرب وأوّل عمل من أعمال الفنّ الحديث، كما أنها تحفة غويا بلا منازع. والغريب أن هذه اللوحة قضت أوّل أربعين عاما من عمرها في المخازن. ثم حُوّلت بعد ذلك إلى متحف برادو في مدريد. ولم يهتمّ المتحف بإدراجها ضمن مقتنياته إلا في عام 1872. في ذلك الوقت، كانت الفظائع التي رسمها غويا في اللوحة قد أصبحت خارج الذاكرة الجمعية للناس.
طوال فترة انشغاله بالرسم، كان غويا بارعا في إقناع رعاته بعمل شيء ثم انجاز شيء آخر. والحقيقة أن "الثالث من مايو" حافظت على ذكرى التمرّد الإسباني حيّة في الأذهان. ومع ذلك فإن من المشكوك فيه ما إذا كان الرسّام أراد إظهار تلك المذبحة كحادث مقترن بالبطولة أو المجد. لكن المؤكّد أن غويا استطاع من خلال هذا العمل توسيع أعراف الرسم الأكاديمي كي يُبرز الوقائع المريرة والدامية للصراعات الحديثة.
في عام 1975، نشر الكاتب الفرنسي اندريه مالرو مقالا قال فيه إن الرسم الحديث بدأ باللوحات السوداء التي تناول فيها غويا فظائع الحرب. لكن غويا رسم في "الثالث من مايو" لوحة حداثية مروّعة كانت بلا وجه ولا مشاعر".
الجنود الفرنسيون الذين يظهرون في الجانب الأيمن من اللوحة لا يمكن مساومتهم أو مجادلتهم بالعقل. ولأننا لا نستطيع رؤية تعابير وجوههم وهم يطلقون النار، فإننا لا يمكن أن نعرف ما الذي كان يعتمل في رؤوسهم في تلك اللحظات.
وبدلا من ذلك فإن خوذاتهم السوداء التي تشبه الأقنعة ووقفتهم الموحّدة هي التي تلفت انتباه الناظر. ومن الواضح أن هؤلاء الجنود أتوا إلى هذا المكان ليلا لإنجاز مهمّة لا مكان فيها للتفكير أو المشاعر. كانوا فقط ينفّذون الأوامر التي أُعطيت لهم.
وإذا كان منفّذو إعدامات الثالث من مايو جنودا متبلّدي المشاعر وعديمي الرحمة، فإن غويا لا يُظهر منهم سوى القليل في اللوحة. لكن ضحاياهم لا يمكن نسيانهم، لأن مشاعرهم وردود فعلهم تُفصح عن نفسها.
مؤرّخو الحرب، من ناحيتهم، أراقوا حبرا كثيرا في تحليل شخصية الرجل الشهيد ذي القميص الأبيض والعينين المفتوحتين على اتساعهما.
في السيرة الرائعة التي كتبها الناقد روبيرت هيوز لغويا، يصف الكاتب هذا الشخص الظاهر في اللوحة بأنه واحد من أكثر الشخصيات حضورا في كل أعمال الفنّ، بينما شبّه آخرون وقفته بوقفة المسيح على الصليب. وإذا نظرت إلى الرجل عن قرب فستلاحظ أثر جرح على إحدى يديه، في إشارة إلى معاناة المسيح.
لكن غويا لا يسمح لتلك الإشارات الأيقونية الموحية بأن تُسقط لوحته في مأزق العاطفية الفجّة. فهذا الرجل ضحيّة، لكنه ليس شهيدا تماما. فهو لم يختر لنفسه أن يموت، ناهيك عن أن يموت في سبيل قضيّة. إن موته يثير الغضب ولا شكّ، لأنه غير مفهوم، كما لا يمكن تبرير قتله بدافع من دين أو وطنية. ولم تكن للقتل أهداف عليا، فقط الطغيان الذي يعلن عن نفسه في الليل.
يمكن أن تُكتب مئات الصفحات عن وقفة هذا الرجل المشهور وعن تعابير وجهه. وقد فعل هذا العديد من مؤرّخي الفنّ. لكن "الثالث من مايو" هي من اللوحات النادرة التي لا يخلو تفصيل فيها من فكرة أو إيحاء.

لاحظ، مثلا، انثناءة السيف اللامع لآخر جنديّ فرنسيّ إلى اليسار. إنه مجرّد تفصيل صغير في هذه اللوحة الضخمة والتي - بحسب هيوز - تتفوّق فعليّا على أيّ شيء في الرسم الأوربّي بعفويّتها وحيويّتها الملهمة. السيف المتقادم الذي يتدلّى من خصر صاحبه بلا فائدة هو رمز للرومانسية الباهتة للحرب.
مالرو لاحظ أيضا منظر المدينة البعيدة المتّصل بالمقدّمة بسلسلة من الأسرى الذين لا يكادون يبينون فوق رؤوس الجنود الفرنسيين، وهم يراقبون من ذلك المكان العالي عمليات القتل. إن غويا في هذا التفصيل يستثير أشباحا من المدن دون أن يضطرّ لرسم أطلال أو خرائب، وهو شيء لم يسبقه إليه احد من قبل، بحسب مالرو.
والحقيقة أن هذا الوصف يمكن أن ينطبق على أيّ من انجازات غويا الأخرى. لكن لا يمكن القول أن رسّامين آخرين لم يحاولوا أن ينجزوا ما فعله. فإدوار مانيه مثلا في لوحته "إعدام ماكسيميليان" لم يحاول إخفاء تأثّره بـ "الثالث من مايو"، في حين اعتُبرت "غورنيكا" بيكاسو عملا مناظرا للوحة غويا، ولكن في القرن العشرين. وهاتان مجرّد علامتين فقط على النجاح المبهر للوحة باعتبارها إعلانا ضدّ الحرب.
المسئولون الإسبان الذين كلّفوا غويا برسم اللوحة أرادوا لها أن تصبح عملا تذكّريا يحتفي بإسبانيا وبوطنية الإسبان. لكنهم في النهاية لم يحتفوا بشيء سوى شجب واستنكار الحرب. ولم يعد مهمّا معرفة من الذي خاضها ولماذا.
وعندما تلاشت حروب نابليون من كتب التاريخ، أصبحت عالمية "الثالث من مايو" أكثر وضوحا في القرن العشرين. إذ لا يبدو الأشخاص في اللوحة على أنهم فرنسيون أو إسبان تحديدا. ومن السهل أن تتخيّل حدوث هذا المنظر الرهيب والغارق في الدماء في ألمانيا عام 1942، أو في تشيلي عام 1973، أو في العراق عام 2006.
على الأرجح، لم يكن غويا شاهد عيان على ما حدث. ولم تكن اللوحة مجرّد تسجيل لحادث بعينه، بل كانت تأمّلا كئيبا عن طبيعة السلطة وشرور الحرب. ورغم انه اشتغل معظم حياته كرسّام للقصر، إلا انه ظلّ يتحلّى بالاستقامة الثورية.
كان غويا يكره كافّة أشكال السلطة: الكهنة، الجنود والمسئولين. وكان يعرف أن كلّ هؤلاء لو توفّرت لهم السلطة لنكّلوا بالضعفاء ولسحقوهم بلا رحمة. وشعوره هذا هو الذي منح قوّة ورمزية للرجل صاحب القميص الأبيض وللضحايا الآخرين المضرّجين بدمائهم.
لم تكن الدماء منظرا يحظى بالشعبية في الرسم التاريخيّ في القرن التاسع عشر. لكن المعركة هنا رهيبة وليس فيها أيّ قدر من النبل أو البطولة. لقد رسم غويا جنودا يقتلون بدم بارد أفرادا عُزلا، وأبقى وجوه القتلة بلا ملامح لكي لا يتماهى معهم الناظر. غير أن الضحايا أو معظمهم لهم وجوه، وهذا من أعظم خصائص اللوحة.
مع "الثالث من مايو" بدأ ظهور الصورة الحديثة للحرب، وللقتلة المجهولي الهويّة، بينما وصلت التقاليد الطويلة عن الحرب كمظهر من مظاهر الشجاعة والفروسية إلى نهايتها.
ليس بالمستغرب أن يلجأ الفنّانون من جميع أنحاء العالم إلى غويا عندما يريدون التعبير عن رؤاهم المضادّة للحرب. وبسبب عالمية وأيقونية "الثالث من مايو" وبوحي منها، ثابر العديد من الفنّانين، وعلى مدى قرنين، على تصوير فظائع الحروب، وبطريقة بليغة أحيانا. لكنهم لم يستطيعوا منع الحروب ولو مرّة.
بطبيعة الحال، ليس مطلوبا من الفنّانين أن يوقفوا الحروب وليست تلك مهمّتهم على أيّ حال. لكن من الصعب ألا تنظر إلى الوراء؛ إلى عشرات الصور المذهلة والمشحونة سياسيّا التي استُلهمت من "الثالث من مايو"، ثم تمنع نفسك من التساؤل: لماذا كانت تلك الحروب أصلا، وما الذي فعلته أو جلبته غير القتل والدمار.
ويمكنك أن تشعر بنفس القدر من الحزن والمرارة وأنت تتأمّل تفاصيل لوحة غويا. لقد كانت فكرته وهو يرسمها هي انه رأى كلّ شيء وخَبِر وعايش احد أكثر الأوقات عنفا وهمجية في التاريخ الأوربّي الحديث.
كانت موهبة غويا الغامضة تتمثّل في انه رأى في ذلك الوقت أكثر ممّا استطاع أيّ شخص آخر رؤيته. لقد رأى كلّ ما كان يحدث لبلده وتوصّل إلى انه لا يستطيع فعل أيّ شيء حياله، غير أن يرسمه.
وهذا بحدّ ذاته انجاز كبير.

Credits
smarthistory.org
khanacademy.org

Sunday, July 26, 2020

الذئب والإنسان

سمعت مؤخّرا قصّة غريبة رواها شخص على لسان شخص آخر. قال: ذهبت في احد الأيّام بمعيّة صديق لتفقّد حظيرة لنا في خلاء قريب. وعندما وصلنا إلى المكان، وجدنا الحارس في حال من الخوف والارتباك. سألته ما الخبر فقال: داهمَنا ذئب وانتزع خروفا واتجه به إلى الجبل ليأكله". فتناولت الرشّاش والمنظار ومضيت أنا وصديقي لاقتفاء اثر الذئب.
وبعد دقائق رأيناه واقفا بجوار صخرة عالية. كان يقضم قطعا من لحم الخروف ويضعها أمام ذئب آخر بدا كبيرا وعاجزا كان واقفا بالقرب منه. فقال صديقي: أرجوك ألا تقتله، هذا الواقف إلى جواره إمّا أن يكون والده أو أمّه، والذئاب معروفة ببرّها بوالديها. قلت: لا بدّ أن اقتله، إذ لا يجوز أن يفتك بحلالنا ثم نتركه". وعندما رآني الذئب اصوّب الرشّاش باتجاهه، لم يهرب بل اخذ ينظر إلينا بصمت. ثم استدار ليحمي بجسمه الذئب الآخر.
وصاح بي صديقي ثانية يرجوني ألا أقتله ويعدني بدفع ثمن الخروف. لكنّي ضغطت على الزناد وأطلقت رصاصة قتلت الذئب على الفور. ثم اقتربنا من الذئب الكبير الذي كان يعوي بألم وحرقة ويدور حول جثّة الذئب القتيل. وعندما تيقّن من مقتله، ألقى بنفسه من ذلك العلوّ الشاهق منتحرا.
وعلى ما يبدو فعل ذلك بدافع من شعوره بالقهر وعجزه عن حماية رفيقه. يقول الرجل: حدثت هذه القصّة منذ خمسة وثلاثين عاما. وطوال هذه الفترة تزوّجت ثلاث مرّات طمعا في ولد، لكن لم اُرزق بذريّة أبدا. وما زلت أرى تلك الحادثة في منامي إلى اليوم. وقد أدركت أن الله عاقبني على فعلتي تلك بحرماني من النسل. ومن وقتها حرّمت على نفسي قتل أيّ حيوان أو مخلوق لأيّ سبب وتحت أيّ ظرف".
العلاقة بين الإنسان والذئب علاقة إشكالية منذ القدم. وعلى الدوام، ظلّ البشر ينظرون إلى الذئاب كأكثر المخلوقات شرّا وخبثا. ومع مرور الزمن، كانت سمعتها تسوء أكثر فأكثر. كانت على الأخص أعداءً للرعاة. ورغم أنها لم تكن تهاجم الإنسان، إلا أنها كانت تصطاد الماشية. وقد وصف الشاعر الروماني فرجيل في "الإنيادا" كيف أن مجرّد عواء ذئب كان يزرع الرعب والهلع في قلوب الأغنام والرعاة.
وتذكر بعض الروايات كيف أن سكّان إحدى القرى دأبوا على نصب شراك في الأرض في محاولة للامساك بذئبة كانت تفتك بقطعانهم. ومع ذلك استمرّوا يفقدون أغنامهم كلّ ليلة.
كانت الذئاب تشكّل هاجسا قويّا في مخيّلة الأقدمين، ولطالما اعتبروها نقيضا للخير والحضارة ورمزا للجوانب السيّئة في طبيعة الإنسان. وكلّ من كان يهدّد نظام المجتمع أو يتجاوز أعرافه كان يوصف بالذئب.
في صالة بأحد المتاحف الأوربية ستفاجأ بذئب. ليس ذئبا حقيقيا، بل صورة من القرن الخامس عشر. هذه اللوحة الصغيرة تصوّر مشهدا من حياة فرانسيس الأسيسي. تقول أسطورة انه عندما كان هذا الكاهن يعيش في بلدة غوبيو في بداية القرن الثالث عشر، كانت البلدة هدفا لهجمات ذئب مسعور. في البداية، كان يُغير على حظائر الماشية. لكن لم يمرّ طويل وقت حتى أصبح يشتهي لحم البشر. ولم يكن احد يجرؤ على فتح بوّابات البلدة، ناهيك عن أن يغامر بوضع قدميه خارجها.
وبمجرّد أن اقترب فرانسيس وبعض أتباعه من المكان الذي يكمن فيه الذئب حتى كشّر عن أنيابه. وهنا أمره الناسك بأن يهدأ "بحقّ الربّ". فهدأ الذئب لبرهة ثم تطلّع إلى فرانسيس قليلا قبل أن يخطو باتجاهه ويريح رأسه في حضنه. وقد عرض عليه الكاهن اتفاقا بأن يتوقّف عن تهديد الأهالي مقابل أن يُقدّم له من الطعام ما يكفيه كلّ يوم. وقد رفع الذئب مخلبه موافقاً. وعندما عاد الناسك إلى الأهالي المذهولين، طلب منهم توثيق ذلك الاتفاق كتابة وإنفاذه.
الفنّان الذي رسم اللوحة، واسمه ستيفانو دي كونسولو، ركّز على عنصر "المعجزة" في الحكاية. لكن هناك ما هو أكثر. فمقابل تعبيرات السكّان المبالغ فيها، يبدو الذئب هادئا أكثر من اللازم. ورغم أن العشب في الخلفية ما يزال مفروشا بعظام وأشلاء ضحاياه، إلا أن الذئب يبدو وكأن لا علاقة له بتلك الأشياء.


في القرون الوسطى، تواتر الحديث عن أسطورة الرجل الذئب "أو المستذئب" التي وجدت طريقها إلى الأدب والفن. وتفترض الأسطورة أن بعض البشر، وبفعل قوى خفيّة وشرّيرة، يتحوّلون في الليل إلى ذئاب تعوي وتتجوّل في الغابات والجبال بحثا عن فرائس. فإذا ما بزغ الفجر تخفّفوا من شخصياتهم الذئبية وعادوا إلى طبيعتهم البشرية.
عنف الذئب وطبيعته المتوحّشة كانت حاضرة بقوّة في عقول القدماء. كان يُصوّر كمخلوق أناني ولا عقلاني ومفتقر لأيّ إحساس بالرحمة. وغالبا ما كانت الذئاب تقارن بقدرة بعض البشر على ارتكاب أعمال عنف لا يقرّها العقل. ثم أصبحت هذه الحيوانات رمزا للطغيان والاستبداد.
في كتاب "الجمهورية"، يتحدّث أفلاطون عن رجل أصبح طاغية وأشبه ما يكون بالذئب المتعطّش لطعم الدم. وفي إحدى أساطيره، يتحدّث ايسوب عن ذئب يرفض الاستماع إلى دفاع حمل عن نفسه. ويسوق الراوي تلك الحكاية كنموذج للاستبداد. وفي ملحمة غلغامش، يرفض البطل تودّد عشتار له بحجّة أنها حوّلت عددا من عشّاقها إلى ذئاب. وفي اوديسا هوميروس، يكتشف اوديسيوس أن الساحرة سيرشي فعلت نفس الشيء.
غير أن الذئاب ليست شرّا مطلقا دائما. الرومان كانوا يعتبرونها مخلوقات مقدّسة ويقيمون مهرجانا سنويا على شرفها. وكان محظورا على الناس صيدها.
وقد وضعت العديد من الثقافات الذئاب في صدارة أساطيرها المؤسّسة. وطبقا لأسطورة قديمة، عمد احد الشياطين إلى وضع زارادشت في عرين ذئبة على أمل أن تفترسه، لكنها عاملته برحمة وأحضرت له غذاءً لتطعمه. والشعوب التركية القديمة تزعم أنها تنحدر من ذئبة تُدعى "ارسينا" كانت قد أنقذت طفلا هو جدّهم القديم من قرية دمّرتها غارات الصينيين.
وفي كتاب العهد القديم، استمرّت الذئاب كرمز لكلّ ما هو شرّير في الطبيعة الإنسانية، وأيضا كرمز لأعداء المسيح نفسه. والرسل المزيّفون يصوّرون في نفس الكتاب كذئاب شرّيرة في ثياب حملان. والذين يضطهدون المؤمنين يُنبذون باعتبارهم ذئابا متوحّشة.
وكان لتلك الأفكار مفعول مدمّر. فبسببها انتشر صيد الذئاب في بلدان الشرق والمتوسّط. وفي أرجاء الإمبراطورية الرومانية المسيحية أصبح قتل الذئاب واجبا دينيا. ورغم أن فرانسيس الأسيسي أوصى بالرحمة بالحيوانات، إلا أن هذا لم يغيّر من واقع الحال شيئا.
صيد الذئاب كان منتشرا في الجزر البريطانية. وكان لذلك سبب وجيه هو كثرة الغابات الكثيفة التي كانت تغطّي معظم الجزر والتي أدّت إلى ازدياد أعداد الذئاب. وبسبب وفرة حظائر الماشية، كان هناك دائما ما يكفي من الطعام لتتغذّى عليه. لكن الوحشية التي كانت تُقتل بها الذئاب كانت غير عاديّة.
وفي زمن تالً، أمر إدوارد الأوّل بإبادة الذئاب في مملكته. وبحلول عام 1500، كانت قد انقرضت تقريبا من أراضي بريطانيا. وفي روسيا كانت هناك وفرة من الذئاب. وقد صوّر تولستوي جوانب من طقوس صيدها في رواية "الحرب والسلام". وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لعبت الذئاب دورا مهمّا في قصص مطاردة الساحرات. وفي القرن التاسع عشر، أصبحت تقترن بحكايات مصّاصي الدماء في الرعب القوطي.
ورغم كثرة القصص التي تشيطن الذئب وتصوّر عنفه، إلا أن هناك بالمقابل قصصا أخرى تدلّل على أنه يمكن أن يكون صديقا للإنسان. في الفيديو فوق، تظهر امرأة تعود بعد غياب لترى مجموعة من الذئاب سبق أن ارتبطت بها على مدى عامين. وردّ فعل الذئاب على رؤية المرأة بعد أن غابت عنها شهرين كان غريبا.
فبمجرّد أن جلست على الثلج ورأتها الذئاب، حتى اندفعت باتجاهها من على جانب إحدى التلال ثم أخذت تتنافس على احتضانها وتقبيلها. كانت هذه الذئاب قد ألِفت المرأة بعد أن تعهّدتها بالرعاية منذ أن رأتها في متنزّه في أقاصي شمال النرويج. وقد تصرّفت الذئاب معها وكأنها كلاب وليست جوارح مفترسة. واشتياقها لرفيقتها الإنسانة واعترافها بجميلها كان واضحا وأبلغ من أيّ كلام.
الذئاب عنصر مهم في توازن البيئة. وهي ليست بالضرورة أو دائما مخلوقات شرّيرة تبحث عن الدم. وليس هناك من سبب يمنع البشر من أن يسمحوا لها بأن تعيش معهم بتناغم وسلام.

Credits
wolfworlds.com
historytoday.com