:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الاثنين، مايو 27، 2024

الفانتازيا وسيكولوجيا الهروب


في عالم مليء بالضغوط اليومية والمسؤوليات والشكوك، يلجأ الكثير من الناس إلى عالم الخيال كوسيلة للهروب من انشغالات الحياة. وسواءً كان ذلك من خلال الأدب أو الأفلام أو ألعاب الفيديو أو غيرها من أشكال الترفيه، فإن جاذبية الدخول إلى عالم مختلف، حتى لو كان ذلك مؤقّتا، لا يمكن إنكارها أو التقليل منها.
هذه الظاهرة المعروفة باسم الهروبية escapism، هي جزء متأصّل من علم النفس البشري. ولكن ماذا يحدث عندما نغوص في هذه العوالم الخيالية؟ كيف يؤثّر التعامل مع الخيال على إدراكنا للواقع وقدرتنا على مواجهة تحدّيات العالم الحقيقي؟
يوفّر الهروب ملاذاً آمناً من تجارب ومحن العالم الحقيقي. فهو يسمح للأفراد بالانفصال مؤقّتا عن مشاكلهم وهمومهم، ما يوفّر لهم فترة راحة هم في أمسّ الحاجة إليها. هذا الهروب المؤقت إلى عالم الخيال يمكن أن يكون بمثابة شكل من أشكال الرعاية الذاتية أو الإجازة الذهنية.
وعندما نغمر أنفسنا في هذه الحقائق البديلة، فإننا غالبا ما نكتسب شعورا بالدهشة والإثارة والفضول الذي يمكن أن يساعدنا على إعادة ضبط أنفسنا وتجديد حياتنا. وبهذا المعنى، فإن التعامل مع عوالم الخيال يمكن أن يكون له تأثير علاجيّ مفيد لصحّتنا النفسية والعقلية.
وأحد الجوانب الرائعة للهروب هو قدرته على إثارة استجابات عاطفية عميقة. فعندما نتابع رحلات الشخصيات المعقّدة في أماكن خيالية، نصبح منغمسين عاطفيّا في صراعاتهم وانتصاراتهم وعلاقاتهم. ويمكن أن يؤدّي هذا الارتباط العاطفي إلى التنفيس والتطهّر، ما يسمح لنا بمعالجة وتحرير المشاعر المكبوتة من حياتنا.
وعلاوة على ذلك، يمكن للهروب من الواقع أن يعزّز التعاطف من خلال غمرنا في حياة وتجارب شخصيات من خلفيات وظروف متنوّعة. ويمكن لهذا التعاطف أن يمتدّ إلى ما هو أبعد من عالم الخيال، ما يؤثّر على تفاعلاتنا ومواقفنا في العالم الحقيقي.
ومع ذلك، هناك خيط رفيع بين الهروب الصحّي والانفصال المفرط عن الواقع. فالإفراط في الانغماس في الخيال يمكن أن يؤدّي إلى سلوك التجنّب، حيث يهمل الأفراد مسؤولياتهم وعلاقاتهم في العالم الحقيقي. ومن الضروري تحقيق التوازن بين الهروب إلى الخيال ومواجهة تحدّيات الحياة بشكل مباشر.
علاوة على ذلك، لا يمكن الاستهانة بتأثير الخيال على تصوّراتنا للواقع. ويمكنه تشكيل معتقداتنا وقيمنا وتطلّعاتنا وإلهامنا الدروس المستفادة من هذه العوالم الخيالية على حياتنا. وهكذا فإن فهم سيكولوجية الهروب ليس أمرا محبّذا فحسب، بل إنه أمر بالغ الأهميّة أيضا للحفاظ على وجود متوازن ومُرضٍ.
إن سيكولوجية الهروب هي شهادة على قدرة الإنسان على الإبداع والتعاطف والمرونة. ومن خلال الخوض في عوالم الخيال، فإننا نتنقّل في العلاقة المعقّدة بين أنفسنا الداخلية والعالم الخارجي. وعندما يتمّ التعامل مع الهروب من الواقع بشكل مدروس وباعتدال، فإنه يمكن أن يوفّر العزاء الذي نحتاج إليه والتحرّر العاطفي والنموّ الشخصي.
إنه يذكّرنا أنه على الرغم من أن الواقع قد يكون مليئا بالتحدّيات، إلا أن الخيال يمكن أن يوفّر ملاذا قيّما يرشدنا إلى الخروج من مغامراتنا الخيالية بحكمة مكتشفة حديثا ومنظور متجدّد للعالم من حولنا.
إن الناس يحبّون روايات وأفلام الفانتازيا لعدّة أسباب. فهي أوّلا تقدّم عوالم غنيّة ومفصّلة وشخصيات مقنعة وقصصا ملحمية عن الخير والشرّ. كما ان لها صورها المذهلة وموسيقاها ومؤثّراتها الخاصّة والرائعة. وبالإضافة إلى ذلك، يقدّر العديد من المعجبين بها موضوعات الصداقة والشجاعة والتضحية التي تتضمّنها. كما أن الأفلام تبثّ الحياة في كتب الكتّاب المفضّلين بجلبها إلى الشاشة الكبيرة.


القصّة الفانتازية ليست مجرّد بحث او كشف، فلها بعد روحيّ أيضا. قصّة غلادريل في "سيّد الخواتم"، مثلا، هي إشارة إلى القصّة الدينية عن الابن الضّال. والابنة الضالّة ستعود أخيرا إلى المنزل وتلتقي بأبيها فينارفين بعد سبعة آلاف عام من المنفى. وماذا يكون سورون غير الشيطان مجسّدا؟
قصّة "سيّد الخواتم" تقدّم للجمهور هروبا من كلّ ما قد يحدث لهم في حياتهم. وهذا هو السبب الأوّل لشعبية القصّة. والسبب الثاني هو الاحتمالات التي يقترحها. وسواءً كان أراغورن الذي يصبح ملكا ويتزوّج من حبيبته أروين، أو سام الذي يجد الثقة والسعادة أخيرا، فإن هذه القصّة تشير إلى أن هناك طريقة أفضل ليعيش المرء حياته.
والأمر لا يتعلّق فقط بخوض مغامرات خيالية، على الرغم من أنها محبّبة، بل بمن تذهب معه في تلك المغامرات وما الذي يمكن أن تتعلّمه منهم.
هناك فكرة مؤدّاها أن البشر لا يشعرون أبدا بالرضا عمّا يمكنهم الحصول عليه. فنحن نريد المزيد. وعالم الخيال، كونه بلا حدود، يمنحنا ما هو أبعد من الواقع وأحيانا يتجاوز خيالنا. إننا ننبهر وتثير فضولنا الأشياء الجديدة ونعيش للحظة في الوهم الذي يجعلنا سعداء.
إننا كبشر نستطيع أن نفعل الكثير، لكننا لا ندرك ذلك، لأنه في العالم الحقيقي لدينا حدودنا الجسدية والعقلية. لكن عالم الفانتازيا يحرضنا على دفع تلك الحدود وتوسيعها.
لكن هناك من ينفر من الروايات الخيالية باعتبارها هروبا غير أخلاقيّ أو تراجعا كسولا أو إلهاءً ضارّا، بدلا من مواجهة تحدّيات العالم الحقيقي. لكن الحقيقة هي عكس هذا، فالناس يحتاجون إلى الهروب إلى أحلام اليقظة بين الحين والآخر. ومن الصحّي أن نأخذ استراحة قصيرة من الواقع لاستكشاف شيء آخر.
إن الروايات الخيالية هي رحلة قصيرة بعيدا عن سجن النماذج الضريبية والتسوّق من البقالة وإصلاح السيّارة وآلاف الأمور التافهة المملّة الأخرى. إنها تنعش القارئ لبضع ساعات وتعزّزه حتى يتمكّن بعد ذلك من الاستمرار في العالم المملّ.
ويمكن لأدب وأفلام الفانتازيا أن تقدّم إحساسا بالدهشة وأن تُلهم الإبداع وتثير الخيال، وأيضا أن تستكشف موضوعات عالمية، مثل الخير مقابل الشرّ ورحلة البطل وقوّة الخيال، والتي يمكن أن يتردّد صداها لدى الجمهور على مستوى عاطفي عميق. كما يمكن أن تكون مشاهدة أفلام الفانتازيا وسيلة للناس لتجربة الرهبة والإثارة والشعور بإمكانية تجاوز قيود الحياة اليومية.
ومن المآخذ الأخرى لمنتقدي هذا النوع من الأدب والأفلام أن الانغماس في قصصه يمكن أن يحوّل تركيز الشخص إلى أمور أقلّ إنتاجية. كما أنه يُغري المتلقّين بتجنّب حقائق الحياة من خلال تأجيل مسؤوليات العالم الحقيقي والتهرّب من القضايا الشخصية المهمّة. وبالنسبة لهؤلاء المنتقدين، فإن الخيال يعادل أحلام اليقظة والحنين عديمة الفائدة.
وبينما يقرّ آخرون بأن الخيال قد يشجّع على التهرّب من مشاكل الحياة الحقيقية، فإنهم يرون أن الهروب أو الانفصال عن متطلّبات الواقع يمكن أن يسهم في بناء مهارات لحلّ المشكلات، ويشجّع القراء على تخيّل أنفسهم في أدوار وسيناريوهات مختلفة ومتابعة قرارات وإجراءات بديلة. كما يرى هؤلاء أن القدرة على التخيّل هي آلية للبقاء، وأن التخيّل نفسه هو نشاط إنساني ضروري لخلق التوازن في حياة الفرد.
ويقول بعض العلماء إن التناقض والقطبية متأصّلان في بنية الدماغ الإنساني، فأحد نصفي الدماغ عقلاني معرفي تحليلي، بينما الآخر غير عقلاني وغير لفظي وحدسي. ونحن بحاجة إلى كلا الجزأين للحفاظ على التوازن داخل رؤوسنا. وقراءة ومشاهدة قصص الفانتازيا يمكن أن تُنتج هذا التوازن العقليّ المطلوب.
إن الحلم، واستطرادا الخيال، هو آلية أخرى لبقاء الإنسان على قيد الحياة. وقد أثبتت الدراسات العلمية أهميّته للصحّة العقلية. والدخول في حالة الحلم بشكل منتظم ينعش العقل ليتمكّن من التكيّف مع متطلّبات يوم جديد.
وفي تجارب الحرمان من الأحلام، حيث يتمّ حرمان الأشخاص من نوم مرحلة الأحلام، يحدث التدهور العقليّ بسرعة. ولذلك فإن الخيال مهمّ للصحّة العقلية، وخاصّة بالنسبة للقارئ الشاب. إنه يوفّر له هروبا مؤقتا وإطلاق سراح. كما يساعد على زيادة القدرة على حلّ مشاكل الحياة والصراعات العاطفية.
ونختم بكلام منسوب الى الكاتب جون توكين. يقول: الخيال مزيج مثالي من الإلهام المستمدّ من الواقع الممزوج بالخيال. إن فكرة تشغيل عقلي في كلّ اتجاه تعجبني، فهي تتيح لي معرفة حدودي ورغباتي. وحتى لو تحقّقت تلك الرغبات في الخيال، فإن ذلك يجعلني أشعر بالسعادة والرضا."

Credits
tolkiensociety.org
sparknotes.com

الجمعة، مايو 24، 2024

فكرة التوأم الشرّير


مفردة doppelgänger "وتُنطق دَبلغِينغَر" تعني القرين أو الشبيه أو الثنائي، وأصلها ألماني من نهاية القرن الثامن عشر. وفيما بعد انتقلت الى اللغة الإنغليزية لتعني "الزائر أو المشّاء المزدوج". واليوم يُستخدم هذا المصطلح غالبا لوصف شخصين غريبين يبدوان متشابهين إلى حدّ كبير ومن عدّة وجوه، خاصّة في المظهر، مع أنهما قد يختلفان كثيرا في القيم التي يحملانها.
وعادة ما يكون الشبيه أو القرين ليس فقط شخصا يشبهك في ملامحك، وإنّما قد يمشي ويتصرّف ويتحدّث ويلبس مثلك تماما. ولو رأى صديق لك شبيهك فسوف يقسم أنه أنت رغم تأكيدك له أنك لم تكن في الموقع الذي شاهد فيه الشبيه.
ولقرون راجت الكثير من القصص عن القرناء وظهرت حولهم العديد من الخرافات. وجرت العادة أن يُنظر إليهم على أنهم مخلوقات شرّيرة أو منذرة بالشؤم أو سوء الحظ.
وفي العديد من الثقافات يوصف القرناء أو الشبيهون بأنهم أشباح أو أرواح تبدو كأنها أناس حقيقيون. ويزعم كثيرون أن القرناء يجلبون الحظّ السيّئ، فعندما ترى شخصا يشبهك فقد تكون تلك علامة على أن شيئا سيّئا قد يحدث لك قريبا. وليس من المستغرب أن يكون الأشخاص الشبيهون شائعين في القصص المخيفة.
لكن هناك احتمال بأن تكون العديد من القصص عن القرناء او الشبيهين ناتجة عن خطأ في تحديد الهويّة. وقد ظهرت قصص توحي بأنهم ليسوا أشرارا أو نذر سوء، وإنما أفراد يمارسون أعمالهم كما لو كانوا بشرا عاديين. ولكن في بعض الحالات كان قبول مثل هذا التفسير صعبا بعد أن رآهم أصدقاء يعرفون الشخص الحقيقي عن كثب.
ويقال إن الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن رأى شبيهه في عام 1860. وبعد خمس سنوات فقط، اغتيل. وهناك قصص أخرى مماثلة ارتبطت بمشاهير آخرين ادّعو أنهم رأوا قرناءهم، مثل كاثرين العظيمة والملكة إليزابيث الأولى. وسواءً كانت هذه القصص صحيحة أم لا، فقد تناقلتها الألسن لسنوات عديدة.
وفي كثير من أعمال الأدب، يقوم القرين بدور التوأم الشرّير للشخصية الرئيسية ويُقدّم على أنه "أنا متغيّرة Alter Ego"، أي أن القرين يصبح جزءا من الشخصية نفسها، ولا يحتاج الأمر لشخص يلعب دور الشبيه.
ويمكن القول إن رواية "الشبيه" التي كتبها دوستويفسكي عام 1846 هي المثال الأشهر لهذا النوع. وتقدّم الرواية الشبيه كشخصية نقيضة تستغلّ إخفاقات بطل الرواية للسيطرة على حياته.


وهناك مثال آخر هو رواية "الدكتور جيكل والسيّد هايد" لروبرت ستيفنسون. في هذه القصّة، تشترك كلا الشخصيّتين في نفس الجسد. ومع ذلك، فهما متضادّان، حيث يمثّل الدكتور جيكل عنصر الخير والسيّد هايد يمثّل الشرّ.
وفي رواية "الآخر" لبورخيس يجد المؤلّف نفسه جالسا على مقعد جنبا الى جنب مع شبيهه الأكبر سنّاً، ويُجري الاثنان حديثا بينهما.
وفي رواية تشارلز ديكنز "قصّة مدينتين" من عام 1859، يشبه شخصان في الرواية بعضهما البعض إلى درجة أنه لا يمكن للمراقب العادي تمييزهما عن بعضهما. وفي الرواية يُبرّأ أحدهما من شبهة ارتكاب جريمة لأن شاهد عيان لم يتمكّن من التفريق بين الاثنين أثناء المحاكمة.
وكثيرا ما يتمّ استخدام القرين كعنصر مؤامرة في الأدب والسينما. وغالبا ما يكون شخصا شرّيرا بطبيعته، وأحيانا يوظّف للتأثير الكوميدي أيضا. وأحد أشهر الأمثلة على الشبيه هو قصّة قصيرة كتبها إدغار آلان بو، حيث يلتقي البطل الرئيسي بشخصيّته عندما كان طفلاً. ثم يقوم الشبيه بافتعال مشاكل تتسبّب في تدمير حياة الشخصية الحقيقية. وعندما يحاول البطل القيام بأشياء شرّيرة أو غير أخلاقية يحاول الشبيه إيقافه. وتحت تأثير الغضب، يقتل بطل الرواية شبيهه، لكنه يدرك فيما بعد أنه كان انعكاسا لذاته.
وفي رواية "المزدوج" لخوسيه ساراماغو، يستأجر معلّم مضطهَد فيلما، وعندما يشاهد الفيلم في بيته يكتشف أن أحد الممثّلين فيه يشبهه تماما. ومن سير الاحداث يتّضح أن القصّة مظلمة كثيرا وفريدة من نوعها بين قصص الشبيه. إذ يلتقي البطل بشبيهه وجها لوجه، فيكتشف أنه نسخة طبق الأصل منه في كلّ شيء، بدءا من لون العينين وحتى الشامات وتاريخ الميلاد. وتنتهي الرواية نهاية مفجعة ودامية.
ومثل هذه الروايات التي تستكشف ازدواجية الطبيعة البشرية تنشغل عادة بقضايا مثل الكبت والشعور بالذنب والخصوصية والهويّة، وكلّ هذا جزء من الحالة الإنسانية العامّة.
تدور أحداث رواية "سجين زندا" لأنطوني هوب في عام 1894 في بلد خيالي يُدعى روريتانيا، حيث يُخدّر وريث العرش قبل تتويجه مباشرة، ما يترتّب عليه أن تُترك المملكة في يد أخيه المخادع. وفي اللحظة الأخيرة لإحباط المؤامرة، نرى البطل يتظاهر بأنه الملك، نظرا للتشابه الغريب بينهما.
وفي رواية "اليأس"، لفلاديمير نابوكوف، يختار الكاتب أن يلتقي بطل روايته هيرمان كارلوفيتش، وهو صاحب مصنع شوكولاتة، بقرينه أو شبيهه بالقرب من كومة قمامة في مدينة براغ، موطن كافكا. لكن، وكما هو الحال مع روايات نابوكوف، لا يبدو الراوي شخصا جديرا بالثقة، ما يضفي طبقات من التعقيد الإضافي على لغز الثنائي.

Credits
fwls.org

الثلاثاء، مايو 21، 2024

خواطر في الأدب والفن


  • قرأت رواية "الشيخ والبحر" لإرنست همنغوي منذ سنوات عديدة، وللأسف لم أستطع إكمالها. بدت لي طويلة جدّا ومملّة الى حدّ ما. وقلت ربّما أعود إليها في وقت مؤاتٍ أكثر. ثم شاهدت فيلمين مقتبسين عن روايتين من روايات الكاتب هما "وداعا للسلاح" و"لمن تُقرع الأجراس". وقد أعجبني الفيلمان كثيرا لجمال القصّتين وبراعة الإخراج والتمثيل.
    طوال حياة همنغوي، تعرّض للإيذاء والصدمات وشاهد الناس من حوله وهم يقتلون أنفسهم ويعذّبون بعضهم بعضا. ولم يكن مستغربا أن ينقل الكثير مما رآه في الحروب والصراعات التي غطّاها كصحفي الى رواياته.
    ومع مرور الوقت أصبح الكاتب مهجوسا بالموت والانتحار، وجرّب أيضا الألم المزمن وإدمان الكحول الذي لم يتمكّن من السيطرة عليه أبدا. كما عانى من اضطراب ما بعد الصدمة بعد تحطّم الطائرة التي كان على متنها في أفريقيا وإصابته بكسر في الجمجمة مع إصابات أخرى.
    كان همنغوي كاتبا عظيما، لكن لم تُتح له الفرصة ليكون سعيدا أو ليعيش حياة طبيعية. نوع الألم الذي عاشه كان يحتاج لأجيال حتى يُشفى منه أو تخفّ آثاره. وكان سلوك همنغوي خلال سنواته الأخيرة مشابها لسلوك والده قبل أن يقتل هو الآخر نفسه.
    قيل إن والده كان يعاني من داء الصبغات الدموية الوراثي، حيث يؤدّي تراكم الحديد بشكل مفرط في الأنسجة إلى التدهور العقلي والجسدي. وقد أكّدت السجلات الطبّية أن همنغوي الابن قد شُخّصت إصابته بنفس المرض في أوائل عام 1961.
    ويقال أيضا أن شقيقه وشقيقته انتحرا لنفس السبب. وقد ازدادت صحّة همنغوي سوءا بسبب شكواه الدائمة من مضايقات المباحث الفيدرالية ومراقبتهم له باستمرار.
    كان همنغوي يلعب لعبة الحياة طوال فترة وجوده. لكنه لم يحصل على حياة سعيدة ومستقرّة. لم يفز وأسقط معه الكثير من الناس. وليس من الانصاف أن يلام على كل ما حدث له في حياته. ولنتذكّر دائما أن هذه الحياة ليست عادلة.
  • عندما نتحدّث عن الانفجار الكبير أو عن نسيج الفضاء، فإن ما نقوم به ليس استمرارا للقصص الرائعة التي كان البشر يروونها لبعضهم البعض ليلاً حول نيران المخيّم لمئات آلاف السنين. إنه استمرار لشيء آخر، نظرة هؤلاء الرجال أنفسهم في أوّل ضوء النهار وهم يتأمّلون في المسارات والآثار التي خلّفتها الظباء في غبار السافانا.
    هذا التدقيق في تفاصيل الواقع من أجل متابعة شيء لا يمكننا رؤيته مباشرة، لكن بالإمكان متابعة آثاره. وفي نفس الوقت إدراك أننا يمكن أن نكون مخطئين دائما، وبالتالي مستعدّين في أيّ لحظة لتغيير الاتجاه إذا ظهر مسار جديد. ولكن مع علمنا أيضا أنه إذا كنّا جيدين بما يكفي، فسنقوم بذلك بشكل صحيح وسنجد ما نسعى إليه. وهذه هي طبيعة العلم.
    -كارلو روڤيللي
  • كان ألفارو مونيرو أحد أشهر مصارعي الثيران في اسبانيا. وفي عام 2012، وفي خضمّ إحدى معاركه مع ثور، تاب هذا المصارع فجأة عن ممارسة هذه الرياضة العنيفة وجلس على حافّة الحلبة. وقال في إحدى المقابلات فيما بعد واصفا ما حدث له: جلست قليلا أحدّق في الثور. وفجأة لم أرَ قرونا، بل عيون حيوان. وقف الثور أمامي وبدأ ينظر إليّ. ثم وقفت لكنه لم يقم بأيّ محاولة للهجوم عليّ.
    ويضيف: البراءة التي في أعين جميع الحيوانات كانت تتطلّع إليّ في تلك اللحظة طالبةً العون. كان سلوك ذلك الثور بمثابة صرخة احتجاج واستغاثة من أجل العدالة. وفي مكان ما في أعماقي، أدركت فجأة أنه كان يخاطبني بنفس الطريقة التي نخاطب بها الله في الصلاة.
    كأنّه كان يقول: لا أريد أن أقاتلك، من فضلك اتركني، لأنني لم أفعل شيئا. اقتلني إذا أردت، لكنّي لا أريد أن أقاتلك. كنت أقرأ ذلك في عينيه، وشعرت بأنّني أسوأ وأتعس مخلوق على وجه الأرض".
    ومن تلك اللحظة قرّر مونيرو اعتزال عمله كمصارع للثيران الى الأبد. ثم توقّف عن أكل كافّة أنواع اللحوم وأصبح شخصا نباتيّا.


  • كانت نفرتيتي إحدى أكثر النساء غموضا وقوّة في مصر القديمة. وقد حكمت الى جانب زوجها الفرعون أخناتون من 1353 إلى 1336 قبل الميلاد. واتسم عهدها بالاضطرابات الثقافية الهائلة، حيث أعاد أخناتون توجيه مصر نحو عبادة إله الشمس آتون.
    نسبُ نفرتيتي غير معروف تماما. لكن اسمها مصري ويعني: لقد أتت امرأة جميلة". وبعض علماء المصريات يعتقدون أنها كانت أميرة من سوريا. لكن هناك أيضا أدلّة تشير إلى أنها كانت الابنة المصرية المولد لمسؤول في بلاط أخناتون.
    وتشتهر نفرتيتي بتمثالها النصفي الملوّن والمصنوع من الحجر الرملي، الذي يعود الى عام 1345 قبل الميلاد. وقد اكتُشف التمثال عام 1913 في بلدة تلّ العمارنة على يد فريق آثاري بقيادة عالم الآثار الألماني لودفيك بوركهارت.
    وأصبح التمثال منذ اكتشافه أحد أكثر الأعمال الفنّية استنساخا من مصر القديمة. وإلى اليوم ما يزال واحدا من أجمل الصور الأنثوية من العالم القديم. النحّاتون المصريون نادرا ما كانوا يعبّرون عن أيّ انفعال في وجوه أعمالهم الفنّية. لكن هذا الوجه يُعدّ تجسيدا للصفاء ورباطة الجأش. والمُشاهد لا ينظر إلى نموذج مثالي، بل إلى صورة منمّقة لشخص ذي مظهر ملفت وشخصية قويّة.
    وبحسب بوركهارت، تتميّز الشخصية المنحوتة برقبة نحيلة ووجه متناسق وغطاء رأس أسطواني أزرق. وقد صُمّمت عضلات القفا وجوانب الرقبة بشكل دقيق للغاية، لدرجة أن المرء يتخيّل رؤيتها وهي تنثني تحت الجلد الرقيق والألوان الطبيعية."
    كان الفريق الألماني قد اتفق مع الحكومة المصرية على تقاسم القطع الأثرية، لذلك شُحن التمثال النصفيّ كجزء من حصّة ألمانيا.
    وفي عام 1922، اكتشف عالم المصريات البريطاني هوارد كارتر مقبرة الملك توت. وتبع ذلك موجة من الاهتمام الدولي، وسرعان ما أصبحت صورة القناع الجنائزي المصنوع من الذهب الخالص لتوت رمزا عالميا للجمال والثروة والقوّة. وبعد مرور عام، عُرض تمثال نفرتيتي النصفي في برلين، في مواجهة توت عنخ آمون "الإنغليزي" لكي تستعيد ألمانيا لتمثالها بعضا من بريقه القديم.
    على جدران المقابر والمعابد التي شُيّدت في عهد أخناتون، كثيرا ما تُصوَّر نفرتيتي إلى جانب زوجها اخناتون. وفي كثير من الحالات تظهر في مواقع القوّة والسلطة وهي تترّأس طقوس عبادة آتون أو تقود عربة أو تهاجم عدوّا.
    قبل عام 2012، كان يُعتقد أن نفرتيتي اختفت من السجل التاريخي في العام الثاني عشر من حكم أخناتون الذي دام 17 عاما. وقيل إنها ربّما تكون قد ماتت بسبب إصابتها بالطاعون أو لسبب آخر. لكن في عام 2012، اكتُشف نقش من العام السادس عشر من حكم أخناتون يحمل اسم نفرتيتي ويثبت أنها كانت ما تزال على قيد الحياة. غير أن ظروف وفاتها لا تزال مجهولة وكذلك مكان قبرها.
    طوال الاضطرابات التي شهدها القرن العشرين، ظلّ تمثال نفرتيتي النصفي في أيدي الألمان. وكان هتلر يحبّ التمثال كثيرا، ونُقل عنه قوله: لن أتخلّى أبدا عن رأس الملكة". وفيما بعد أخفى الألمان التمثال في منجم للملح لإبعاده عن قنابل الحلفاء.


  • Credits
    hemingwayhome.com
    smb.museum/en