:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, March 24, 2019

الموسيقى كَشِعر


الموسيقى الانطباعية هي حقبة في تاريخ الموسيقى تمتدّ من حوالي عام 1880 إلى عام 1920. ورغم أنها في الأساس ظاهرة فرنسية، إلا أنها اتّسعت بعد ذلك لتشمل كلا من انجلترا وإيطاليا والولايات المتّحدة.
بالتأكيد سمع معظمنا بأسماء رسّامين مثل مونيه ورينوار وسيسلي وكميل كورو وميري كاسات. وهؤلاء كانوا يعرضون لوحاتهم في باريس في بدايات القرن الماضي، وكانت تحظى بإعجاب قطاع لا بأس به من الجمهور.
في تلك الفترة، كان يعيش في باريس شعراء كانوا يسمَّون بالشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير وبول فيرلين وستيفان مالارميه. وأشعار هؤلاء، بالإضافة إلى رسومات مونيه ورفاقه، تحوّلت إلى مادّة استلهم منها الموسيقيون الانطباعيون أفكارا لموسيقاهم.
وأشهر هؤلاء الموسيقيين كان كلود ديبوسي الذي يُعزى إليه الفضل في تأسيس الموسيقى الانطباعية. لكن كان هناك موسيقيون آخرون ساروا على نهجه، مثل موريس رافيل مؤلّف موسيقى بوليرو المشهورة، وغابرييل فوريه الذي ألّف قطعا جميلة مثل النشيد الجنائزي ، بالإضافة إلى الموسيقيّ الايطاليّ ارتورو ريسبيغي.
لكن بطبيعة الحال فإن أشهر هؤلاء كان ديبوسي. والناس يتذكّرونه بمؤلّفاته المشهورة، مثل ضوء القمر ونوكتيرن واستهلالات للبيانو .
وهذه القطعة الأخيرة استوحاها ديبوسي من قصيدة للشاعر مالارميه الذي كان معلّما لديبوسي وكان الاثنان صديقين مقرّبين. والمعزوفة مشحونة عاطفيّا علاوةً على أنها نوع مختلف من الموسيقى. ومن الصعب وأنت تسمعها لأوّل مرّة أن تقدّرها مع أن عشّاق الجاز يحبّونها كثيرا.
ومن الواضح أن ديبوسي كتبها ليوظّفها كنوع من الإلهام. وقد قال ذات مرّة إن الأمزجة التي تعكسها هذه الموسيقى مستوحاة من سلسلة من الرسومات التي تثير في النفس مجموعة من الرغبات والمشاعر في وقت الظهيرة.
كان ديبوسي موسيقيّا وعازف بيانو موهوبا ومهتمّا باكتشاف الأصوات الموسيقية الجديدة. ومؤلّفاته المبكّرة وُصفت بالغريبة وغير المألوفة. وكانت الطبيعة الغامضة مصدرا للعديد من مؤلّفاته، مثل ضوء القمر والبحر وغيرهما.
وقد نُقل عنه ذات مرّة قوله: عندما أحدّق في السماء ساعة الغروب متأمّلا جمال الشمس الرائع، يغمرني شعور غير عاديّ. الطبيعة على اتّساعها منعكسة في روحي، والأشجار من حولي تمدّ فروعها نحو السماء، والأزهار المعطّرة تغطّي المروج، والعشب الناعم يداعب وجه الأرض. انه أمر أشبه ما يكون بالصلاة".


لكن ما هي الموسيقى الانطباعية وكيف نميّزها عن غيرها من أنواع الموسيقى؟
لو نظرت من مسافة إلى إحدى لوحات الرسّام كلود مونيه، فسيساورك شعور بأن ما تراه هو عبارة عن صورة. لكن إذا أردت أن تدرس هذه اللوحة عن قرب فستبدو لك أشبه ما تكون بكتل من الألوان أكثر من كونها أشكالا متماسكة.
هذا الأسلوب هو ما يُعرف بالرسم الانطباعيّ. وهو نفس الفكرة الموظّفة في الموسيقى الانطباعية. أي أن الموسيقى تركّز على اللون والجوّ والسيولة.
واللون هو نوعية الصوت الذي يميّز آلة موسيقية أو صوتا موسيقيّا عن آخر. وهو جزء مهمّ من الموسيقى الانطباعية. وقبل ظهور هذا الأسلوب كان المؤلّفون الموسيقيون يكتبون موسيقاهم بحيث تُصدر مجموعة من الآلات أصواتا متماثلة أو متناغمة. لكن الانطباعيين كانوا يركّزون على صوت كلّ آلة على حدة، وكتبوا موسيقاهم بطريقة تؤكّد على هذه الألوان الخاصّة والمتمايزة.
والفكرة الأساسية هي أن الموسيقيين الانطباعيين كانوا ميّالين إلى توصيل المزاج في موسيقاهم بدلا من الخطوط النغمية التقليدية. كما ركّزوا على أن تستثير موسيقاهم شعورا ما في نفس السامع. وغالبا تبدو هذه الموسيقى غامضة ومشوّشة إلى حدّ ما، لكنها مع ذلك محكمة الصنع.
وبعض الآلات الموسيقية، كالفلوت والكلارينيت خاصّة، أصبحت تُعزف بطرق مختلفة وصارت أصواتها اخفّ وأكثر قتامةً.
الموسيقى الانطباعية ة أرادت دائما أن تخرج من الصندوق وتبتعد عن المفتاح العالي والمفتاح المنخفض الذي خبره الناس لزمن طويل. لذا ليس فيها مفاتيح على الإطلاق، بل أنغام وصيغ مختلفة.
وهذا أعاد ديبوسي وزملاءه إلى أساليب موسيقية أكثر قدما، مثل موسيقى القرون الوسطى التي كانت تعتمد على ربع وخمس التون بدلا من ثلث التون.
ثم هناك الإيقاع. فمعظم الموسيقى الانطباعية ينقصها الإيقاع المطّرد، كما أنها سائلة وعرضة للتغيير، وليست من النوع الذي يألفه الناس بسهولة. وهي أيضا لا تستثير انفعالات عميقة كما هو الحال مع موسيقى العصر الرومانسيّ مثلا. كما أنها تنحو غالبا باتجاه الإيماءات البعيدة والإيحاءات، لكن من دون وصف.
وبالإضافة إلى الأسماء التي سبق ذكرها، هناك موسيقيون آخرون تأثّروا بالانطباعية، مثل جان سيبيليوس وايريك ساتي، ومثل الموسيقيين الاسبانيين مانويل دي فايا واسحق ألبينيث.
كان ديبوسي يمتدح دائما موسيقى ألبينيث الذي تعود أصوله إلى عرب الأندلس. وكان معجبا على نحو خاصّ بمعزوفته آيبيريا التي كان يصفها بأنها إحدى أعظم القطع الموسيقية المكتوبة للبيانو.
موسيقى ألبينيث هذه صعبة جدّا وطويلة، إذ تتألّف من اثنتي عشرة قطعة. وقد كتبها في ثلاث سنوات. وهي تمثّل الأسلوب الانطباعيّ في الموسيقى، لكن من منظور موسيقيّ اسبانيّ. وأشهر القطع التي تتضمّنها هي تلك المسمّاة ايل بويرتو (الفيديو فوق) وهي عبارة عن رقصة اسبانية قديمة.

Wednesday, March 20, 2019

الوعي باللحظة الراهنة

ثمّة حكمة بوذية عمرها أكثر من مائتي عام تشرح بوضوح أهمّية النظر إلى السماء بانتظام. فطبقا للحكاية الشعبية، كان المعلّم والشاعر اليابانيّ ريوكان تايغو الذي عاش ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ناسكا سعيدا.
وقد تلقّى هذا الناسك دروسا في دير لعشر سنوات، ثم رفض الدين التقليديّ وقرّر أن يعيش حياة بسيطة قضاها في التأمّل وكتابة الشعر.
ومن وقت لآخر، كان يحتسي شرابا شعبيّا مع الفلاحين في الريف ويتقاسم طعامه المتقشّف مع الطيور والحيوانات في البرّية.
وفي الحقيقة لم يكن لدى ذلك الناسك ما يغري الآخرين بالسرقة. لكن في إحدى الليالي أتى إلى كوخه الجبليّ المنعزل لصّ كان يمنّي نفسه بالعثور على كنز.
لكن اللصّ لم يجد شيئا ذا قيمة، فشعر بالإحباط، الأمر الذي أحزنَ الناسك أيضا. ويقال أن الناسك تناول ملابسه وفراشه ودفع بها إلى اللصّ قائلا: لقد أتيتَ من مسافة بعيدة وتجشّمت عناء الطريق لكي تراني. وأرجوك أن تقبل منّي هذه الهديّة".
وأخذ اللصّ المذهول ملابس الناسك ومضى في سبيله. ثم تذكر القصّة أن الناسك أمضى بقيّة تلك الليلة عاريا، يحدّق في السماء ويتأمّل القمر الذي كان يلمع مثل جوهرة لا يمكن لأحد أن يسرقها على الرغم من أن الجميع يستمتعون بمرآها.
وكان المعلّم ريوكان ما يزال حزينا لأنه لم يستطع أن يعطي اللصّ أكثر الكنوز قيمةً. وكتب في مفكّرته قصيدة هايكو أصبحت الآن مشهورة ويشرح فيها تلك التجربة بقوله: اللصّ تركه خلفه، القمر عند حافّة النافذة".
هذه القصّة يرويها معلّمو البوذية ليذكّروا تلاميذهم أن معظم الناس مرتبطون بأشياء غير مهمّة في واقع الأمر. وكان ريوكان سيشارك اللصّ كنزه الأعظم لو أن الزائر الغريب رأى ذلك الكنز.
القمر في البوذية يرمز للتنوير. وكلّ منّا يمكن أن يصبح إنسانا منيرا وساطعا كقمر مكتمل في ليلة صافية. لكن أفضل ما في طبيعتنا تحجبه الغيوم، على حدّ تعبير الأستاذ الأكاديميّ كينيث كلارك.
فالارتباط والتعلّق بالأشياء وتشتيت الانتباه تمنعنا من إدراك أن لدينا ما نحتاجه بالفعل. وبحسب فلاسفة الزِّن فإن الوجود بحدّ ذاته كافٍ وليس هناك حاجة لأن نتطلّع إلى السلطة أو المال أو التجارب المثيرة التي لا تسبّب للإنسان سوى المعاناة. لكن بمقدورنا دائما أن نُمسك بالكنز الحقيقيّ؛ بالقمر المنير المخبّأ خلف غيوم ذواتنا، على حدّ تعبير كرافت.
ويشرح ذلك بقوله: هناك صورة صغيرة ودائرية للهلال رسمها بالحبر البسيط المعلّم والرسّام اليابانيّ من القرن التاسع عشر ناتنبو، ليبرهن على الإمكانيات اللامحدودة التي توفّرها الأشكال المألوفة وأشياء الحياة اليومية، سواءً كانت قمرا في السماء أو آنية في مطبخك.
كان ناتنبو رسّاما غزير الإنتاج. وقد تعلّم استخدام الرسم كوسيلة للتعبير عن المعاني التي تعجز عنها الكلمات. ورسم معظم لوحاته بعد أن تجاوز السبعين من عمره ووظّف فيها احد أعمق الرموز في البوذية، أي الدائرة. فهي فارغة لكنّها مكتملة تماما، ولانهائية لأنها تبدو بلا بداية ولا نهاية، مثل الكون.
إننا عندما نتواصل مع الكون الكلّيّ ومع الأشياء البسيطة من حولنا فإننا نصبح أغنياء. وامتلاك هذه الثروة متاح للجميع، حتى للناسك الفقير الذي يعيش في الجبال. وهذا هو السبب في آن ناتنبو تقش على لوحته بيتا من الشعر يقول فيه: إذا أردت القمر فهو هنا، تعال وأمسك به".
هناك كلمة تتردّد دائما على ألسنة المعلّمين الروحانيين وخبراء تطوير الذات وهي (Mindfulness)، وتعني الوعي باللحظة الراهنة. أي البحث عن المتع البسيطة في الحاضر.
فبدلا من أن نشغل أنفسنا بتأمين راتب اكبر أو منزل أوسع أو سيارة أفضل لكي نطمئنّ على المستقبل، يتعيّن علينا أن نتوقّف عن ذلك اللهاث قليلا كي نشمّ عبير زهرة أو نمارس رياضة مفيدة أو نزور صديقا لم نرَه منذ زمن أو نأخذ إجازة قصيرة أو نراقب نزول قطرات المطر على ارض جافّة أو نستمع إلى زقزقة العصافير في الصباح الباكر.
ومثل هذه الأشياء على بساطتها ومألوفيّتها يمكن أن تجلب للإنسان سعادة عظيمة. والكثيرون منا يضيّعون هذه المتع الصغيرة أثناء بحثهم عن سعادة اكبر قد تكون متوهّمة ويتعذّر بلوغها، كما تقول الكاتبة الأمريكية بيرل بك مؤلّفة رواية "الأرض الطيّبة".
إن الحياة عبارة عن سلسلة من اللحظات، والسعادة هي احتفال بالحياة وبكوننا أحياءً. وعندما تشعر بالامتنان لكلّ شيء منحك الله إيّاه فستبتعد عنك الأفكار السلبية كالغضب والإحباط والكراهية والقلق والخوف وما إلى ذلك.
ذات مرّة سُئل شيخ صوفيّ: ما الذي يجعل قلبك راضيا قنوعا؟ فقال: في كلّ صباح ارفع يديّ إلى الله لأقول له شكرا لك يا ربّي على كلّ شيء، فأنا لا اشتكي من شيء ولا انتظر شيئا".
إننا لن نجد الحياة إلا في اللحظة الراهنة. فأمس أصبح تاريخا والغد في علم الغيب واليوم منحة أو هديّة، وهذا هو السبب في أن اليوم يُسمّى الحاضر أو (The Present) في الانجليزية. وما لم نعش في الحاضر فإن الحياة ستفوتنا.

Credits
qz.com

Monday, March 11, 2019

لينين: الوجه الآخر

كان فلاديمير لينين وما يزال شخصية مثيرة للجدل في روسيا وخارجها. بعض المؤرّخين وصفوا حكمه بالشموليّ وبالدولة البوليسية. والبعض الأخر وصفوه بديكتاتورية الحزب الواحد. وهناك من يمتدحه لأنه عدّل النظرية الماركسية بحيث جعلها تناسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية في روسيا.
وبعض كبار مثقّفي اليسار في العالم اليوم مثل فريدريك جيمسون وسلافوي جيجيك يدعون إلى استلهام روح لينين الثورية وغير المهادنة في حلّ مشاكل العالم المعاصر.
السلطات السوفياتية لم يكن من مصلحتها أن يعرف الناس شيئا عن الجانب المظلم في شخصية لينين. كان هو مهندس الثورة البلشفية وأوّل رئيس للبلاد. وشخصيّته مرتبطة جدّا بالثورة لدرجة أن اهتماماته الثقافية الواسعة كان يتمّ تجاهلها غالبا.
يقال أن لينين كان حريصا على أن يكون منسجما مع مبادئه. وهذا الشعور تحوّل إلى صلابة لا تلين أثناء الحرب الأهلية، فحارب المؤسّسات والأشخاص الذين كانوا يمثّلونها حتى لو استدعى الأمر تصفيتهم. وكان يعتبر أن هذا ضرورة مؤسفة ويجب تجنّبها قدر الإمكان في ظروف معيّنة.
كما كان يكره المثقّفين ويحبّ صحبة البسطاء. وأثناء الحرب الأهلية (1918 - 1921) شدّد قبضته على السلطة وقضى على أحزاب المعارضة، كما أمّم البنوك والمصانع ووزّع الأراضي على الفلاحين.
منتقدو لينين يقولون إن ثورة عام 1917 كانت جزءا من انتقام شخصيّ وانه أراد من خلالها أن يثأر لموت شقيقه الذي اُعدم في سنّ العشرين بسبب ما قيل عن تورّطه في مؤامرة لاغتيال القيصر، أي أن دافع لينين للثورة كان شخصيّا وليس سياسيّا أو أيديولوجيّا.
وجزء من أسطورته يتمثّل في انه كان شخصا باردا ومنطقيّا. وقد أراد أن يدمّر كلّ شيء ويبدأ من جديد.
والجانب الآخر من شخصيّته يشير إلى انه كان شخصا يضجّ بالحياة ويتمتّع بروح دعابة عالية. كان يستمتع بالرماية وصيد السمك ولعب الشطرنج ويقرأ لبوشكين وتولستوي.
ولد فلاديمير لينين في بلدة سيمبريسك على ضفاف نهر الفولغا عام 1870. كان الابن الثاني لزوجين مثقّفين كانا يحبّان الفنون والأدب.
والده كان مفتّش مدرسة، وقد تمّت ترقيته إلى سلك النبلاء مكافأة له على خدمته للدولة. وكان يمتلك مكتبة كبيرة تضمّ العديد من الكتب لتي تشهد على حبّه للأدب الكلاسيكيّ الفرنسيّ، خاصّة أعمال هوغو وموليير وبلزاك.
أمّا والدة لينين فتنحدر من عائلة ألمانية مرموقة. وكانت الأمّ تهتمّ بالأدب الألمانيّ، خاصّة أشعار هايني وشيللر. لكنّها أيضا كانت تملك نسخة من الأعمال الكاملة لشكسبير وكتاب "تاريخ الثورة الفرنسية" بلغته الأصلية.
كما كانت الأمّ تحبّ الموسيقى. وقد زرعت هذا الحبّ في أطفالها بتعليمهم العزف على البيانو. وأظهر لينين نفسه حبّا للموسيقى في عمر مبكّر. وكان يعزف البيانو مع شقيقته. ولطالما حضرا معا حفلات للأوبرا في قازان وسانت بطرسبيرغ أثناء دراستهما الجامعية.
كما كان أيضا قارئا مواظبا للأدب وأعمال الإغريق والرومان مثل شيشرون واوفيد وهوميروس وغيرهم، بالإضافة إلى كتب الأدب الكلاسيكيّ مثل شعر بوشكين وروايات غونتشاروف وتورغينيف.
الكاتب مكسيم غوركي يتذكّر أمسية في موسكو كان لينين خلالها يستمع إلى سوناتا بيتهوفن للبيانو رقم 23 والمعروفة بـ باشيناتا بعزف البيانيست الروسيّ ايساي دوبروفين.


وقد عبّر لينين عن إعجابه الشديد بتلك الموسيقى بقوله: لا اعرف شيئا أفضل من باشيناتا. يا لها من موسيقى مذهلة صاغها إنسان خارق. إنني استمع إليها كلّ يوم وهي تشعرني دائما بالكبرياء. وقد يكون من السذاجة الطفولية أن تعتقد أن البشر يمكن أن يصنعوا مثل هذه المعجزات".
وأضاف: لا استطيع سماع الموسيقى دائما لأنها تؤثّر على أعصابي. ومع ذلك استغرب كيف أن البشر الذين يعيشون في هذا الجحيم القذر، أي الأرض، يمكن أن يخلقوا مثل هذا الجمال. هذه الأيّام لو ربّتَ على رأس إنسان فقد يردّ عليك بقضم يدك".
وختم لينين ملاحظته تلك بقوله: ولهذا السبب يجب أن تُضرب الرؤوس الصغيرة بلا رحمة، رغم أنني من حيث المبدأ ضدّ ممارسة أيّ عنف على البشر، ويا لها من مهمّة صعبة وشيطانية في آن".
هل كان لينين يقصد أن الموسيقى رغم جمالها تصرفه عمّا يعتبره نضالا من اجل العدالة في تلك المرحلة؟ اغلب الظنّ انه لم يكن يقصد أن السياسة أهمّ من الموسيقى والفنون. فقد كان يؤكّد دائما على أهمية الثقافة من اجل حياة كاملة وذات معنى، بل وأوصى رفاقه بأن يتفهّموا الفنون البورجوازية وألا يرفضوها. وكان يرى انه من دون عدالة اقتصادية فإن الاستمتاع بالفنون يصبح مجرّد ترف لا تنعم به سوى النخبة أو الطبقة المرفّهة فقط.
في الذكرى المئوية الأولى لانهيار الإمبراطورية الروسية وقيام الثورة البلشفية، امتنعت جميع محطّات التلفزة الروسية عن إحياء المناسبة بناءً على قرار من الكرملين.
وبالتالي لم يُذكر اسم لينين ولا أيّ من رفاقه في التغطية الإعلامية. وقد وجّه الرئيس فلاديمير بوتين مستشاريه بأن من غير الضروريّ الاحتفال بذكرى الثورة، فروسيا ليست بحاجة إلى ثورات بقدر ما تحتاج إلى الأمن والاستقرار.
وبوتين يرى أن انهيار الإمبراطورية لا يعدو كونه مجرّد حدث تاريخيّ ضئيل الأهمّية. والإمبراطورية التي في ذهنه ليست نسخة مصغّرة من إمبراطورية نيكولا الثاني، بل إمبراطورية افتراضية تتضمّن بعض سمات الاتحاد السوفياتي والكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، بالإضافة إلى أفكار السيادة والشعبوية وجوزيف ستالين والانتصار في الحرب العالمية الثانية ورحلة يوري غاغارين إلى الفضاء وقصور كاثرين العظيمة.
أما أساس إمبراطورية بوتين فمبنيّ على عظمة روسيا الكامنة والمستندة إلى فكرة أن هذا بلد يجب أن يخشاه الآخرون ويحترموه. وليس في أيديولوجيا الإمبراطورية اليوم شيء من الثقافة العظيمة (تولستوي ودستويفسكي والآخرون) أو المجتمع المدنيّ الحقيقيّ. المهم هو إمبراطورية روسية منتصرة، وأيّ شيء لا يتساوق مع هذه الصورة يمكن استبعاده.
ومن منظور بوتين فإن ثورة 1917 هي أسوأ حدث بالنسبة للدعاية الرسمية الروسية. كما أن قصّة سقوط الإمبراطورية لا تتضمّن أيّة شخصية يمكن لبوتين أن يتماهى معها. فهو ليس ستالين الذي قاد البلاد إلى النصر في الحرب وإن بثمن باهظ، كما انه ليس نيكولا الثاني الذي تنازل عن عرشه وسلّم إمبراطورية، وليس لينين الثوريّ الذي دمّر إمبراطورية.
وبوتين لا يخفي كراهيته للينين مشيرا إلى انه الرجل الذي وضع قنبلة موقوتة تحت سرير روسيا.
الإعلام الروسيّ بدوره مملوء بنظريات المؤامرة. فثورة فبراير التي أسقطت القيصر نيكولاي الثاني كانت برعاية وتخطيط من الانجليز. وثورة أكتوبر التي جلبت البلاشفة إلى السلطة موّلها الألمان الذين سهّلوا للينين مهمّة العودة إلى روسيا للمساعدة في إنهاء الحرب العالمية الأولى.

Credits
history.com