عند وقوع حدث مهم، يجد الإنسان نفسه مرغما على البقاء إلى جوار شاشة التلفزيون كي يتمكّن من التعرّف على المزيد من جوانب الصورة والى أين ستتجه أو تتطوّر الأمور. وأمس وأوّل من أمس تابعت مثل غيري تغطية تفاصيل وتطوّرات الانقلاب الذي قام به حزب الله في بيروت.
والحقيقة أنني لم أفاجأ كثيرا بما حدث. إذ كنت وما أزال مقتنعا بأن المنظمات والأحزاب الأيديولوجية لا يمكن أبدا دمجها في بنية الدولة الحديثة كما لا يمكن إقناعها بمزايا ومنافع الديمقراطية والتعدّدية والعمل المدني والسلمي.
ويصبح خطر مثل هذه الجماعات مضاعفا إذا كانت تملك السلاح والعتاد، ويتعاظم شرّها وخطرها إذا كان سلاحها أقوى من سلاح الدولة التي يفترض أنها فوق الجميع. أما الطامّة الكبرى فهي إن كانت اجندة هذه الجماعة أو تلك تتوجّه لخدمة جهات خارجية تتناقض مصالحها مع مصالح البلد الذي ينتمي إليه هذا الحزب أو تلك الجماعة.
إن المشاركة في الحياة السياسية تتطلب انتهاج أساليب الحوار والإقناع والاستعداد للتوصّل إلى تسويات وحلول وسط مع الفرقاء الآخرين. وهذا كله غير موجود في قاموس الجماعات الأصولية المتطرّفة. فهي لا تعترف بالحوار ولا تعوّل كثيرا على الديبلوماسية بل تميل، بحكم تكوينها البنيوي والفكري والعقائدي، إلى توظيف العنف وإرهاب الخصوم من اجل تحقيق أهدافها السياسية.
وقد رأينا قبل يومين كيف أن حزب الله واجه الضغوط السياسية، لا بأدوات السياسة ومنطق الحوار والحلول التوافقية، وإنما باللجوء إلى العنف المسلح، فأطلق عناصره في شوارع بيروت حاملين الرشّاشات والأحزمة الناسفة ردّا على مطالبته بأن يخضع، مثله مثل غيره، لسلطة الدولة وقرارها.
ورسالة السيّد نصر الله وحزبه كانت واضحة: نحن أقوى جماعة في البلد وكل من يتحدّانا أو يفكر في مقاومتنا سيواجه بالإذلال والقمع".
لقد اسقط حزب الله بالأمس مزاعمه بأنه حركة مقاومة وسقط عن وجه قيادته القناع بعد أن ظهر زيف مزاعمها بأن سلاح الحزب لن يوجّه إلى صدور اللبنانيين.
إن طبيعة لبنان المتعدّد الأعراق والأديان والمذاهب لا تحتمل أصلا وجود أحزاب طائفية فما بالك إن كانت مدجّجة بالسلاح. وقد ثبت أن السلاح بيد المتطرّف خطر عليه وخطر على من حوله. فالتطرّف، الأيديولوجي أو الديني أو الشوفيني أو المذهبي أو القومي، هو في النهاية ضرب من الجنون وتنكّب لسبيل العقل. والمجنون يجب الحجر عليه والحيلولة بكل الوسائل دون يؤذي نفسه والآخرين.
المهم، بعد أن أصابني القرف والاشمئزاز وأنا أرى مشاهد التدمير والتخريب وحرق المؤسسات الصحفية والإعلامية وغيرها من التصرّفات الهمجية والمستهجنة التي قام بها أشاوس حزب الله، قرّرت أن اهرب من القنوات العربية لأبحث عن شيء مختلف يعيد إلى النفس شيئا من الهدوء والطمأنينة.
واستقرّ المؤشّر أخيرا على برنامج الدكتور فيل الذي تبّثه قناة الام بي سي الرابعة.
والواقع أن عدد مرّات مشاهدتي لبرنامج الدكتور فيل (أو فيليب ماكغرو) لا يتجاوز الستّ أو السبع مرّات. ومع ذلك فقد لاحظت حرص الكثير من الناس عندنا على متابعة برنامجه، على الرغم من أن كثيرا من الحالات والمواقف التي يعرضها ذلك البرنامج هي نتاج واقع مختلف وثقافة وقيم مغايرة لثقافتنا وقيمنا.
غير أن مشاكل العصر ومتاعب وتحدّيات الحياة الحديثة تكاد تفرض نفسها على جميع الناس مهما تباينت أفكارهم وثقافاتهم. ومع مرور الوقت أصبح الناس ميّالين لمتابعة الحوارات الكلامية وبرامج الفضفضة لأنهم، من خلال بعض ما يعرض ويقال فيها، إنمّا ينفّسون عن مشاكلهم وهمومهم الخاصّة.
وأكثر ما شدّ انتباهي في برنامج الدكتور فيل أمران: الأول جرأة الأشخاص الذين يظهرون في البرنامج وهم يتحدّثون بالتفصيل عن أدقّ أمورهم وأسرارهم الشخصية والعائلية دون أدنى تحفظ أو شعور بالخجل أو الحرج.
وعندما أبديت هذه الملاحظة لزميل لم يزد على أن قال: وماذا كنت تتوقّع؟ هذه هي أمريكا، وعلى كلّ فإن إغراء المال وسطوة الإعلان يمكن أن يفعلا مثل هذا وأكثر".
الأمر الثاني هو شخصية الرجل، أي الدكتور فيل، حيث يبدو واثقا من نفسه ومعتدّا بها كثيرا، لدرجة أن البعض قد يظنه مصابا بعقدة الغرور أو الخيلاء. وقد قرأت انه يتقاضى عن برنامجه راتبا سنويا قدره 75 مليون دولار، وان رئيسته ليست سوى اوبرا وينفري التي عيّنته، وبيدها وحدها أن تعزله أو تسمح له بالاستمرار في منصبه.
ويقال إن العلاقة بينهما ليست على ما يرام هذه الأيّام على خلفية ما يشاع عن تورّطه في انتهاك خصوصية المغنّية بريتني سبيرز. وتعود بدايات القصّة إلى الوقت الذي كانت فيه سبيرز نزيلة احد المصحّات النفسية بعد طلاقها من زوجها وفقدانها الحق في رعاية أطفالها.
وقد سرّبت وينفري كلاما قيل على لسانها وأشارت فيه إلى أن فيل ربّما أراد من وراء إثارة قصة سبيرز إنقاذ برنامجه المترنّح وانتشاله من دائرة التكرار والملل.
في احد الأوقات كانت سبيرز طفلة هوليوود المدللة. لكن نتيجة لتزايد مشاكلها العائلية، أصبحت تعاني من بعض السلوكيات الغريبة. فقد حلقت شعر رأسها وأدمنت تعاطي الكحول بل وعرضت مؤخّرتها مرارا أمام "الباباراتسي" أو المصوّرين المتطفّلين، الأمر الذي اضطر والديها لطلب النجدة من الدكتور فيل.
ويقال إن الدكتور ذهب فعلا إلى المغنّية في مشفاها دون علمها، فما كان منها إلا أن أعطته ظهرها وخرجت من غرفتها احتجاجا على ما اعتبرته تدخّلا في حياتها الشخصية وتشكيكا في قدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها دون إملاء أو وصاية من احد حتى لو جاءت تلك الوصاية من والديها.
الخطأ المهني الآخر الذي وقع فيه فيل هو انه تحدّث في برنامجه علنا عن مرض سبيرز دون إذن منها، كما أكّد نيّته في إحضارها هي ووالديها إلى البرنامج للحديث عن مرضها النفسي ومعاناتها العائلية.
هذه الحادثة أتاحت لخصوم فيل الكثر الفرصة لمهاجمته والانتقاص منه. حتى أن بعضهم شكّك في مؤهّلاته وزعم انه يزاول المهنة دون ترخيص. مع أن من الثابت انه يحمل درجة الدكتوراه في علم النفس.
والبعض الآخر سرّبوا شائعات تقول إن فيل وزوجته "روبين" التي تصرّ على الحضور بانتظام في برنامجه لسبب غير واضح، على وشك أن يتطلقا بعد زواج دام أكثر من ثلاثين عاما. وبالتالي فهو بحاجة لمن يقدّم له بعض النصائح والإرشادات الرومانسية عوضا عن أن ينصح الناس. وقال آخرون بنبرة بدت متشفّية وساخرة انه لو صحّت شائعات الطلاق فإن فيل وزوجته يستحقان جائزة الأوسكار تقديرا لموهبتهما الاستثنائية في التمثيل، إذ برغم التوتّر الذي يشوب علاقتهما فإنهما يبدوان أمام الناس في غاية السعادة والانسجام وكأنهما عصفوران تزوّجا للتوّ.
الدكتور فيل يروّج في برنامجه لنوع من الحبّ يقوم على الصرامة والمصارحة. ومن عادته أن يطلب من ضيوف برنامجه أن يوقّعوا على إقرار يقول إنهم يعرفون سلفا انه لا يوفر لهم علاجا طبيا وان برنامجه ليس عيادة ولا مركز تأهيل.
ومن عباراته الجميلة التي أصبحت رائجة ومأثورة قوله: من الصعب أحيانا أن ترى وجهك دون مرآة". و "الأشخاص الذين ليس عندهم شيء يخفونه لا يخفون شيئا"..
وأنا أشاهد تلك الحلقة من برنامج "الدكتور فيل"، كان ما يزال في ذهني بعض صور العنف والفوضى التي نقلتها محطات التلفزة العربية من بيروت. وقد خيّل إليّ في تلك اللحظة أننا كعرب، زعامات وشعوبا، بحاجة إلى علاج نفسي شامل يعالج عاهاتنا المزمنة ويصحّح اختلالاتنا وبلاوينا الكثيرة ويعيد تأهيلنا كي نصبح بشرا أسوياء يرحم بعضنا بعضا ونتّجه للحب لا للكراهية وللخير لا للشرّ وللبناء لا للهدم..
