Friday, March 26, 2010

خمسة ألحان شائعة

وصلتني منذ أيّام رسالة من صديق عزيز يتابع المدوّنة وله اهتمامات موسيقية وفنّية واضحة. وقد اقترح في ختام رسالته أن أفرد موضوعا عن أكثر المعزوفات الموسيقية الكلاسيكية شعبية وانتشارا. والحقيقة أن هناك قطعا موسيقية كلاسيكية كثيرة يمكن أن ينطبق عليها هذا الوصف بجدارة. لكن سأكتفي هنا بالإشارة إلى خمس مقطوعات أتصوّر أنها تتصف، إلى جانب رواجها وانتشارها الكبير، باعتبارها من أفضل وأجمل وأشهر المعزوفات الموسيقية الكلاسيكية في جميع الأوقات.
عند التطرّق إلى الأعمال الموسيقية الكلاسيكية المشهورة تأتي تلقائيا إلى الذهن السيمفونية الخامسة لـ لودفيغ فان بيتهوفن والتي ظهرت لأوّل مرّة في العام 1804م. وقد وصف هذه السيمفونية العديد من الروائيين والشعراء والموسيقيين بطريقة جميلة وبليغة. قال احدهم واصفا تأثيرها الشعوري: عندما تستمع إلى هذه السيمفونية تتخيّل أنوارا مشعّة تضيء في أعماق الليل. الأنغام فيها تشبه ظلالا عملاقة تتحرّك إلى الأمام والخلف مثيرة في النفس ألما مضنيا وتساؤلات حادّة عن القضاء والقدر". الضربات الأربع الأولى في بداية السيمفونية مثيرة للاهتمام. وقد وصفها بيتهوفن في إحدى المرّات بأنها ضربات القدر التي تدقّ على الأبواب بعنف. الضربات الدراماتيكية المؤرّقة تستدعي بعض المعاني والصور الرمزية. يصحّ القول مثلا أنها تنذر بالشؤم وأحيانا تثير في النفس إحساسا بالانتصار. وهي العنصر المسيطر الذي يتخلل أجزاء السيمفونية ويوحّد جميع حركاتها الأربع. ومن ابلغ ما قيل في وصفها أن من يسمعها، بمعزل عن سياقها الدرامي وتأثيرها الانفعالي، قد يتصوّر أن بوسع أيّ طفل أن يعزفها على البيانو. النسيج اللحني الذي يبطّن تلك الحركات هو من أروع وأعظم ما أنجزه بيتهوفن في حياته.
هناك أيضا السيمفونية الأربعون لـ وولفغانغ اماديوس موزارت والتي ظهرت عام 1788م. وهي مكوّنة من أربع حركات رئيسية، أشهرها الحركة الأولى المسمّاة مولتو الليغرو. وهي تبدأ بداية مظلمة. وما يعمّق هذا الإحساس صوت آلة الفيولا التي تُسمع فيها بشكل متواتر. الحركة الأولى ذات تأثير كبير وواسع جدّا. غير أن من الصعب إدراك المزاج الذي تثيره في نفس السامع. لكن يمكن أن يقال إنها تعطي إحساسا بالحزن والعزلة واليأس وأحيانا الرفض والندم. بعض النقّاد يشيرون إلى إنها تعكس إحباط موزارت وإحساسه بالحزن وخيبة الأمل بسبب تناقص شعبيّته وتدهور أوضاعه المالية. الحركة الأولى بالذات تعطي إحساسا بالهزيمة ويخيّل للسامع أن موزارت يطرح من خلالها أسئلة متكرّرة وذات نهايات مفتوحة يعقبها إجابات غير شافية أو مقنعة. أي أنها يمكن أن تكون صورة كئيبة عن حالة الإنسان في قمّة عجزه وحيرته ويأسه. وأهميّة هذه السيمفونية ليست في تفاصيلها الفنّية وإنما في تأثيرها الانفعالي الكبير. في الجزء الأخير من السيمفونية، ثمّة إحساس متجدّد بأن الحياة وإن بدت قاسية وكئيبة أحيانا، فإنها يمكن أن تجلب للإنسان لحظات تبشّر بالأمل والخلاص.
من الأشياء غير المؤكّدة التي كُتبت عن هذه السيمفونية أنها لم تُعزف في حياة موزارت بل بعد موته. ورغم كثرة وتباين التفسيرات التي تناولتها، تظلّ السيمفونية الأربعون احد أعظم أعمال موزارت وأكثر المؤلّفات الموسيقية الكلاسيكية شهرة وإثارة للإعجاب على مرّ العصور.

عند الحديث عن المعزوفات الشائعة والمشهورة لا بدّ وأن نتذكّر موسيقى الماء لـ جورج فريدريك هاندل، وبالتحديد الحركة الأخيرة منها والمسمّاة "أللا هورن بايب".
الاستماع إلى هذه المعزوفة يوفّر إطلالة على فنّ عصر الباروك. وبعض مقاطعها تذكّرنا بأسلوب فيفالدي وباخ اللذين عاشا في ذلك العصر. وقد قيل إن هاندل ألّف الموسيقى في محاولة لكسب رضا الملك الانجليزي جورج الأول. هاندل ألماني في الأساس لكنه هاجر إلى بريطانيا وأصبح في ما بعد الموسيقى المفضّل لدى البلاط. هذه القطعة مشهورة جدّا. فقد كانت تذاع من محطّة البي بي سي في بداية بثّ برامجها اليومية. كما عُزفت في العديد من محطّات الإذاعة والتلفزة داخل بريطانيا وخارجها. وقد قُدّمت الموسيقى لأوّل مرّة عام 1717م. وبناءً على طلب جورج الأول، عُزفت على نهر التيمز وشارك في عزفها خمسون موسيقيا. ويقال إن الملك أحبّ الموسيقى كثيرا. وكان من عادته أن يطلب عزفها في رحلاته البحرية وفي المناسبات الرسمية.
موسيقى الماء جميلة وفخمة. صوت البوق فيها يثير شعورا بالأمجاد والانتصارات الغابرة. لا عجب، إذن، أن تتحوّل الموسيقى مع مرور الأيام إلى رمز لأمجاد الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.
من القطع الموسيقية الشائعة والجميلة أيضا مقدّمة أوبرا كارمن التي ألّفها الموسيقيّ الفرنسي جورج بيزيه عام 1875م. لأوّل وهلة قد تظنّها لحنا لـ موزارت. وربّما يذهب ذهنك تلقائيا إلى زواج فيغارو بالتحديد. الشبه كبير ولافت بين القطعتين. السبب هو أن موزارت كان نموذج بيزيه المفضّل في التأليف الاوركسترالي. ويبدو انه نسج مقدّمة كارمن على طريقة موزارت الملوّنة والمرحة. اللحن هنا يشبه مارشا عسكريا. لكنه خفيف، مرح ولا يخلو من عفوية. الأوبرا نفسها تعتمد على قصيدة للشاعر الروسي الكسندر بوشكين. والأحداث تجري في اشبيلية بإسبانيا وتتمحور حول امرأة غجرية لعوب اسمها كارمن. الحركة الأولى تصوّر مشهدا لجنود يحرسون مصنعا للسجائر. موضوع الأوبرا ذو طابع كوميدي، لكنها تنتهي بمأساة. المفارقة أن جورج بيزيه، مثل موزارت، مات وعمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. وقد قدّمت الأوبرا بعد أشهر من وفاته. وربّما لم يكن يخطر بباله أن كارمن سيكون لها هذه الشعبية الجارفة التي تتمتّع بها في عالم الموسيقى اليوم.
القطعة الخامسة المختارة هي السيمفونية التاسعة أو سيمفونية العالم الجديد كما تسمّى أحيانا للمؤلف الموسيقي التشيكي انتونين فورجاك. والحقيقة أن اسم هذا الموسيقيّ في حدّ ذاته يمثّل مشكلة. فهو يُكتب دفوراك، لكنه ينطق فورجاك وأحيانا فورتشاك. ومع ذلك هناك اتفاق على أن الفضل يعود لهذا الموسيقي في تعريف العالم بالموسيقى التشيكية. كما أن هذه السيمفونية أصبحت اليوم تعبّر عن الروح الأمريكية، وهي التي مهدّت الطريق أمام تصدير الثقافة الأمريكية إلى العالم.
ألف فورجاك سيمفونية العالم الجديد عام 1893 أثناء زيارته للولايات المتحدة وعُزفت في نفس السنة في قاعة كارنيغي وكان نجاحها فوريا ومدويّا. وهي إحدى أشهر وأكثر السيمفونيات شعبية في الموسيقى الحديثة. ويقال انه تأثّر فيها بالأنغام الموسيقية للهنود الحمر والأمريكيين الأفارقة.
الحركة الثانية من السيمفونية هي أشهر أجزائها وتتسم ببدايتها القويّة والمزعجة من خلال توظيف الآلات النفخية التي تثير إحساسا بالانتصار. كان فورجاك مشهورا بدمجه الألحان التشيكية الأصلية وإعطائها أشكالا موسيقية كلاسيكية. وقد مكث في أمريكا ثلاث سنوات غمر نفسه خلالها بالموسيقى الإفريقية والهندية. وفضّل أن يقيم في مستعمرة للمهاجرين التشيك الذين ساعدوه على التغلّب على إحساسه بالحنين إلى موطنه الأصلي في بوهيميا ببلاد التشيك. "العالم الجديد" موسيقى رائجة ومشهورة جدّا وتعطي انطباعا بالحداثة والمعاصرة. ومن الصعب وأنت تسمعها اليوم أن تصدّق أنها ألّفت قبل أكثر من مائة عام.