المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف هاندل

موسيقى الماء

صورة
عندما سمعت هذه الموسيقى لأوّل مرّة، لم أكن اعرف شيئا عن خلفيّتها ولا عن مناسبتها. لكني تخيّلت منظرا لبحر وسفن حربية وتمرينات وربّما ألعاب نارية. هذه هي بعض عناصر الصورة المشهدية كما تعكسها أجواء موسيقى الماء لجورج فريدريك هاندل. موسيقى فخمة واحتفالية بامتياز. وما يؤكّد هذه الصفة، بشكل خاصّ، هو غلبة الآلات النفخية على نسيجها الأوركستراليّ. حتى إن كنت مثلي لا تستسيغ سماع أصوات هذه الآلات الحادّة في كلّ حين، إلا انك ستقدّر عاليا براعة المؤلّف في اختيار كيف ومتى تدخل كلّ آلة ومتى تتوقّف. موسيقى الماء يمكن أن توحي بانتصار عسكريّ، كما أنها تصلح لأن تكون نشيدا وطنيّا لبلد ما. لذا لم استغرب عندما لاحظت أن محطّة البي بي سي اختارت هذه الموسيقى بالذّات كإعلان عن بدء بثّ برامجها كلّ يوم. لكن، أوّلا، ما هي قصّة ظهور هذه الموسيقى؟ في عام 1717، طلب الملك الانجليزيّ جورج الأوّل من الموسيقيّ جورج فريدريك هاندل أن يؤلّف قطعة موسيقية كي تُعزف على متن يخت الملك الذي سينقله هو وضيوفه من قصر الوايتهول في رحلة عبر نهر التيمز تنتهي عند تشيلسي. كان عمر هاندل وقتها لا يتجاوز الثانية والثلاثي...

خواطر موسيقية

صورة
هذه القطعة اسمها "آريا دا كابو"، وهي المعزوفة الأولى من تنويعات غولدبيرغ ليوهان سيباستيان باخ. "آريا" تعني نغم، و"دا كابو" تعني من الرأس أو من البداية. ويُعتقد أن باخ لم يؤلّف النغم نفسه، ولكنّه قام بتكييفه من رقصة فرنسية انقرضت ولم يعد لها أثر اليوم. علماء الموسيقى يذهبون إلى أن باخ كُلّف بتأليف التنويعات من قبل الكونت كايزرلينغ السفير الروسي في بلاط دريسدن لكي يعزفها يوهان غولدبيرغ رئيس موسيقى الغرفة في بلاط الكونت. ويقال إن كايزرلينغ كان يعاني من الأرق المزمن. وقد أراد بعض الموسيقى التي من شأنها أن تكون ناعمة ومهدّئة كي تساعده على النوم. ويبدو أن موسيقى باخ المسكّنة هذه فعلت فعلها للكونت وأدّت إلى تحسّن حالته. وقد كافأ باخ على عمله بأن أهدى إليه إناءً مذهّبا يحتوي على مائة قطعة من الذهب. النسخة الأكثر شهرة من تنويعات غولدبيرغ هي تلك التي وضعها عازف البيانو الكندي غلين غولد في عام 1955. وكان هذا أوّل تسجيل مهمّ لها. وقد أبدت شركة التسجيل الراعية قلقها في ذلك الوقت من احتمال أن لا يكون هذا العمل ملائما لذوق الجمهور. ومع ذلك، عندما ط...

القوّة الخفيّة للأحلام

صورة
ذات ليلة، حلم الاسكندر المقدوني أنه يراقص إله الغابات "ساتاير" الذي يأخذ شكل فرس جامح. وقد استدعى مفسّرا ليشرح له معنى الحلم. فقال له: هذه بشارة لك بأنك ستفتح مدينة صُوْر". وقد بنى المفسّر نبوءته على أساس أن المقطع الأخير من اسم إله الغابات يطابق اسم صُوْر باللاتينية. وفي نفس تلك السنة، فتح الاسكندر صُوْر بالفعل وضمّها إلى امبراطوريّته الواسعة. الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن داهمه في إحدى الليالي حلم غريب. رأى نفسه جالسا ليلا داخل قاعة فسيحة ومضاءة. وفجأة تناهت إليه أصوات رصاص، وشعر بأنه يسقط على الأرض فاقدا الوعي. وهُرع باتجاهه أشخاص كان بعضهم يصيح والبعض الآخر يبكي. وبعد ذلك بأيّام، أي في الخامس عشر من ابريل عام 1865م، اغتيل لينكولن برصاصة في الرأس أطلقها عليه احد الأشخاص بينما كان يحضر عرضا في احد مسارح ولاية إلينوي. الزعيم النازيّ ادولف هتلر رأى ذات مرّة حلما مزعجا جعله يقفز من سريره مرعوباً. وبعد لحظات، اخترقت قذيفة مدفع جناح المبنى الذي كان يستخدمه كمكتب وقتلت كلّ من كان فيه. كارل يونغ، المفكّر وعالم النفس السويسريّ المشهور، حلم في إحدى الليالي أ...

جماليّات الحزن

صورة
أحد الملامح القديمة في الفنّ الغربي هو تحويل الحزن والكآبة إلى فرح وطاقة للانطلاق والإبداع. والهيئة الأكثر شيوعا في الحالات التي تتناول موضوع الكآبة والحزن هي صورة إنسان، رجل أو امرأة، يضع يده على خدّه وهو مستغرق في التفكير والتأمّل الحزين. الفلاسفة والأدباء منذ القدم ينظرون إلى الحزن على انه دعوة خلاقة للإنسان كي يرتفع فوق ذاته ويستغلّ إمكانياته. وهناك من يعتقد أن الحزن يجعل الشخص أكثر إنسانية وشفافية وأكثر إحساسا بإيقاعات الحياة المختلفة من فرح وترح ورجاء ويأس وحياة وموت.. إلى آخره. وهناك أيضا من يرى أن الإنسان لا يصبح مكتمل الإنسانية إلا من خلال المعاناة والحزن. الحزن يمكن أن يلهم الإنسان ويقوّي مخيّلته ويجعله أكثر ارتباطا بالعالم من حوله. الشاعر البريطاني جون كيتس تحدّث كثيرا عن فائدة الألم. قال ذات مرّة: الحزن لا يمكن تجنّبه، وهو ليس ضعف إرادة ولا مرضا نفسيا بحاجة إلى علاج". كيتس اكتشف أيضا أن الحزن يلهم الأفكار العظيمة. "ما يجعلنا نحزن هو معرفتنا بأن كلّ شيء مصيره إلى زوال. لكن عندما نحسّ بدنوّ الموت فإننا ندرك كم هو جميل هذا العالم". الموسيقي الألماني فريدريك...

خمسة ألحان شائعة

صورة
طلب مني صديق عزيز يتابع المدوّنة وله اهتمامات موسيقية وفنّية أن أفرد موضوعا عن أكثر المعزوفات الموسيقية الكلاسيكية شعبية وانتشارا. والحقيقة أن هناك قطعا موسيقية كلاسيكية كثيرة يمكن أن ينطبق عليها هذا الوصف بجدارة. لكن سأكتفي هنا بالإشارة إلى خمس مقطوعات أتصوّر أنها تتصف، إلى جانب رواجها وانتشارها الكبير، باعتبارها من أفضل وأجمل وأشهر المعزوفات الموسيقية الكلاسيكية في جميع الأوقات. عند التطرّق إلى الأعمال الموسيقية الكلاسيكية المشهورة تأتي تلقائيا إلى الذهن السيمفونية الخامسة لـ لودفيغ فان بيتهوفن والتي ظهرت لأوّل مرّة في العام 1804م. وقد وصف هذه السيمفونية العديد من الروائيين والشعراء والموسيقيين بطريقة جميلة وبليغة. قال احدهم واصفا تأثيرها الشعوري: عندما تستمع إلى هذه السيمفونية تتخيّل أنوارا مشعّة تضيء في أعماق الليل. الأنغام فيها تشبه ظلالا عملاقة تتحرّك إلى الأمام والخلف مثيرة في النفس ألما مضنيا وتساؤلات حادّة عن القضاء والقدر". الضربات الأربع الأولى في بداية السيمفونية مثيرة للاهتمام. وقد وصفها بيتهوفن في إحدى المرّات بأنها ضربات القدر التي تدقّ على الأبواب بعنف. الضر...

الفصول الأربعة

صورة
لو كان انتونيو فيفالدي ما يزال حيّا لكان عمره اليوم 330 عاما. ورغم أن هذا مجرّد افتراض بعيد الوقوع، فإن الأمر المؤكد هو أن فيفالدي ما يزال حيّا بالفعل من خلال موسيقى كونشيرتو الفصول الأربعة الذي ما يزال يعزف إلى اليوم ويستمتع به الناس ويتحدّثون عنه بعد كلّ هذه السنوات الطويلة. وهناك شبه إجماع في أوساط المهتمّين بالموسيقى بأن هذا الكونشيرتو الذي كتبه فيفالدي وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين هو أشهر عمل موسيقي كلاسيكي، بل وأكثر الأعمال الموسيقية رواجا وشعبية على مرّ العصور. انه حتى أكثر شعبية وانتشارا من السيمفونية الخامسة لـ بيتهوفن أو السيمفونية الأربعين لـ موزارت أو موسيقى الماء لـ هاندل ومن وترية بــاخ ومن كارمن لـ جورج بيزيه ومن كونشيرتو البيانو لـ تشايكوفسكي ومن مارش كلارك ومن تأمّل شومان الصامت ومن شهرزاد كورساكوف .. لكن كيف تحقق ذلك؟ كيف أمكن لبضع نوتات موسيقية كتبت على ورقة صغيرة قبل ثلاثة قرون أن تعيش طوال هذه السنوات بل وأن تصبح برأي بعض النقاد احد أشهر معالم الألفية الماضية دون أن يخفت بريقها أو يخبو سحرها أو يتوقف الناس عن سماعها. قد يكون احد الأسباب – بالإضافة طب...

مائدة، كرسي، طبق فاكهة وآلة كمَان

صورة
لماذا إذا تهيّأت للنوم يأتي الكمان؟! فأصغي آتياً من مكان بعيد فتصمت همهمة الريح خلف الشبابيك نبض الوسادة في أذني تتراجع دقّات قلبي وأرحل في مدن لم أزرها شوارعها فضّة وبناياتها من خيوط الأشعّة ألقى التي واعدتني على ضفّة النهر واقفة وعلى كتفيها يحطّ اليمام الغريب أمـل دنقـل عندما يتعلّق الأمر بالموسيقى، لا صوت يطرب ويثير المخيّلة كامتزاج أنغام آلتي الكمان والبيانو. لكنْ لو كان لي أن اختار آلة مفردة لما تردّدت في اختيار الكمان، لأنني مع من يقول إن الكمان هو الرمز الأسمى لأناقة الموسيقى وجمال الطبيعة معا. الكمان قريب جدّا من المشاعر. وهو اقرب الآلات الموسيقية شبها بصوت الإنسان. وقد قرأت ذات مرّة أن بدايات ظهور هذه الآلة تعود إلى القرن التاسع الميلادي. ويقال إنه أتى من آسيا وأن الأتراك والمغول قد يكونون أوّل من عرف الكمان في التاريخ، وكانوا يصنعون أوتاره من شعر ذيل الحصان. ثم ما لبث الكمان أن انتشر إلى الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط. وطبعا كان شكل الآلة آنذاك بدائيا وبسيطا. وقد استغرق الأمر خمسة قرون كاملة قبل أن تصل هذه الآلة إلى شكلها الحالي والمتعارف عليه. ال...