لماذا إذا تهيّأت للنوم يأتي الكمان؟!
فأصغي آتياً من مكان بعيد
فتصمت همهمة الريح خلف الشبابيك
نبض الوسادة في أذني
تتراجع دقّات قلبي
وأرحل في مدن لم أزرها
شوارعها فضّة
وبناياتها من خيوط الأشعّة
ألقى التي واعدتني على ضفّة النهر واقفة
وعلى كتفيها يحطّ اليمام الغريب
- أمـل دنقـل
******
عندما يتعلق الأمر بالموسيقى، لا صوت يطربني ويثير مخيّلتي مثل امتزاج آلتي الكمان والبيانو. لكنْ لو كان لي أن اختار آلة مفردة لما تردّدت في اختيار الكمان، لأنني مع من يقول إن الكمان هو الرمز الأسمى لأناقة الموسيقى وجمال الطبيعة معا. الكمان قريب جدّا من المشاعر وهو اقرب الآلات الموسيقية شبها بصوت الإنسان.
وقد قرأت ذات مرّة أن بدايات ظهور هذه الآلة تعود إلى القرن التاسع الميلادي. ويقال انه أتى من آسيا وان الأتراك والمغول قد يكونون أوّل من عرف الكمان في التاريخ، وكانوا يصنعون أوتاره من شعر ذيل الحصان.
وما لبث الكمان أن انتشر إلى الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط. وطبعا كان شكل الآلة آنذاك بدائيا وبسيطا. وقد استغرق الأمر خمسة قرون كاملة قبل أن تصل هذه الآلة إلى شكلها الحالي والمتعارف عليه.
التغيير الجذري الذي طرأ على شكل الكمان وعلى تطوّر إمكانياته تحقّق في مدينة ميلان الايطالية (ويقال في البندقية) حوالي بدايات القرن السادس عشر.
ويشار إلى أن أول عازف كمان مشهور كان الايطالي اندريا اماتي Andrea Amati الذي يرجع إليه الفضل أيضا في صنع أول آلة كمان بشكلها الحديث والمعروف.
وأشهر ماركات الكمان في العالم هي ستراديفاريوس Stradivarius وأماتي Amati وغارنييري Guarnieri، وهي أسماء لصنّاع ايطاليين برعوا منذ قرون في صناعة الكمان واستخدامه. وأشهر العازفين اليوم يفضّلون اقتناء هذه الأنواع من الكمان المعروفة بغلاء أسعارها وبأدائها العالي وجودة النغمات التي تصدرها.
وفي مناسبات مختلفة بيع بعض هذه الآلات، لشهرتها ولقدم صنعها، بأكثر من مليون جنيه استرليني، في حين لا يكلف أغلى وأجود نوع حديث أكثر من عشرة آلاف دولار.
ولأن بدايات الكمان الحقيقية ارتبطت بايطاليا، لم يكن غريبا أن يصبح نيكولو باغانيني Nicolò Paganini الايطالي أشهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى كله.
ويقال انه كان لمهارته يستخدم كلتا يديه في العزف كما كان بارعا في العزف على وتر واحد في حال انقطعت الأوتار الثلاثة الأخرى. وقد أصبح تقليدا شائعا منذ ذلك الوقت أن يحتفظ العازف في جيبه بوتر اضافي تفاديا لانقطاع احد الأوتار.
وفي زمن باغانيني، وأيضا فيفالدي Vivaldi، كان الكمان مرتبطا بالطبقة الراقية وبفئة النبلاء والارستقراطيين.
اليوم ثمّة ملاحظة جديرة بالاهتمام تتعلق بهذه الطفرة الكبيرة التي نراها الآن في عدد النساء اللاتي يعزفن الكمان بعد أن كان في الماضي عملا يختصّ به الرجال وحدهم. والكثير من هؤلاء العازفات لا تنقصهن البراعة ولا الجاذبية، وهذه الصفة الأخيرة تعتبر عاملا مهمّا جدّا لا تغفل عنه شركات التسجيل ولا منظمو الحفلات الموسيقية.
وهناك من يقول إن معظم الأسماء الكبيرة اليوم في مجال العزف على الكمان هي لنساء. ويتساءلون هل أن الأمر مجرّد مصادفة، وهل الإناث أكثر قدرة من الرجال على تحمّل الدروس الطويلة والشاقّة التي يتطلبها العزف على الآلة، أم لانّ الكمان يتميّز بصغر حجمه وبسهولة حمله من مكان لآخر دون حاجة إلى تجهيزات ثقيلة وتحضيرات معقدة؟
وهل يمكن فعلا اعتبار الكمان والبيانو والفلوت آلات أنثوية بحكم أن الأسماء البارزة والأكثر شهرة في العزف على هذه الآلات في العالم اليوم تعود لنساء؟ (بالمناسبة هناك من خبراء الموسيقى من يعتبر الأرجنتينية مارثا ارغيريتش Martha Argerich أفضل من يعزف البيانو في العالم اليوم).
وفي المقابل، هل يمكن اعتبار الغيتار والساكسوفون والآلات النحاسية آلات ذكورية على اعتبار أن الرجال هم من يتسيّدون ساحة العزف على هذه الآلات حاليا؟
لقد قرأت مؤخّرا بعض الأفكار التي لا يخلو بعضها من طرافة عن تأثير موضوع الجندر في الموسيقى.
لكن ممّا لا شكّ فيه أن إتقان العزف على الكمان بخاصّة يتطلّب مستوى عاليا من الموهبة والذكاء وسعة الخيال.
وقائمة مشاهير النساء البارعات في العزف على الكمان اليوم طويلة ولا تكاد تنتهي. وبعضهن عملن مع أشهر الفرق السيمفونية في العالم وتتلمذن على أيدي أشهر العازفين وقادة الاوركسترا من أمثال ياشا هايفيتز Jascha Heifetz وايزاك شتيرن Isaac Stern ويوجين اورماندي Eugene Ormandy ودانيال بارانبويم Daniel Barenboim وفلاديمير اشكنازي Vladimir Ashkenazy وهربرت فون كارايان Herbert von Karajan ..
والأسماء النسائية المهيمنة الآن على صناعة العزف على آلة الكمان هي امتداد للرعيل الأول من النساء الرائدات في هذا المجال مثل البولندية واندا ولكوميرسكا Wanda Wilkomirska والنمساوية ايريكا موريني Erica Morini، والأمريكية مود باول Maud Powell، والمجرية يوهانا مارتزي Johanna Martzy، والبولندية ايدا هاندل Ida Haendel، واليابانية تاكاكو نيشيزاكي Takako Nishizaki وغيرهن.
ويأتي على رأس عازفات الكمان من الجيل الجديد الألمانية آن صوفي ماتر Anne-Sophie Mutter التي تخصّصت في عزف بيتهوفن وفيفالدي وباخ وموزارت وسترافنسكي.
وعلى ذكر موزارت، لا اعتقد أنني سمعت من قبل أجمل ولا أروع من عزف آن صوفي ماتر لكونشيرتو الكمان رقم 3 الذي يعتبر ليس فقط احد أفضل أعمال موزارت وإنما احد أعظم القطع الكلاسيكية التي تم تأليفها على مرّ العصور.
ولـ صوفي ماتر طريقتها الخاصّة والمتميّزة في العزف، وهي لا تنظر إلى الجمهور إلا نادرا ولا تعيد العزف إلا في ما ندر. كما أنها تعامل في بلدها كأميرة ووريثة للعازف والمايسترو العظيم فون كارايان الذي اختارها وهي بعد في الثالثة عشرة وأجلسها معه في فرقته. وصوفي ماتر هي اليوم في الخامسة والأربعين وتجني أكثر من ثلاثة ملايين دولار سنويا مقابل الحفلات الموسيقية التي تعزف فيها، أي ضعف ما يتقاضاه أفراد اوركسترا كاملة في فرنسا أو بريطانيا.
وماتر مغرمة كثيرا بموزارت الذي تقول عنه إن تأثير موسيقاه في الروح مثل تأثير أشعّة اكس التي تشفّ الجسم وتكشف كل ما فيه.
ويظهر أن الأمريكيين بدءوا هذه الأيام يغارون من اتساع شعبية صوفي ماتر التي يرون في صعود نجمها وازدياد شعبيتها عندهم تهديدا لمكانة من يعتبرونه عازف الكمان الأول في العالم اليوم وهو الأمريكي اسحاق بيرلمان Itzhak Perlman ..
والحقيقة أن ريادة الأمريكيين في مجال العزف على الكمان وكثرة العازفين المبدعين عندهم أمر لا يمكن إنكاره. هناك مثلا العازفان الأسطوريان اسحق شتيرن ويوشا هايفيتز بالإضافة إلى كبار العازفين الأحياء أمثال جون كوريليانو John Corigliano وريجينا كارتر Regina Carter وأخيرا وليس آخرا جوشوا بيل Joshua Bell الذي يستخدم آلة كمان من نوع ستراديفاريوس يعود تاريخ صنعها إلى ما قبل ثلاثة قرون. وكان آخر أعمال جوشوا بيل اشتراكه مع زميله كوريليانو في وضع الموسيقى التصويرية للفيلم السينمائي المشهور الكمان الأحمر.
كلّ هؤلاء أمريكيون. كما أن أعظم عازف للتشيللو في العالم الآن هو الأمريكي من أصل صيني يو يو ما Yo-Yo Ma الذي اشتهر بعزفه المنفرد والمتميّز لسوناتات باخ وموسيقى دفورجاك وشوبيرت وموزارت.
بعد صوفي ماتر يأتي اسم عازفة الكمان الأمريكية من أصل كوري سارة تشانغ Sarah Chang التي تتلمذت على يد يهودي مينوهين Yehudi Menuhin الذي وصفها في إحدى المرّات بأنها أكثر عازفات الكمان روعة ومثالية وإحكاما.
ثم هناك الهولندية جانين جانسن Janine Jansen التي برعت في عزف تشايكوفسكي ومندلسون وبرامز. وبوسع زائر موقعها الاليكتروني JanineJansen.com الاستماع إلى عزفها الجميل لبعض سوناتات فيفالدي.
وهناك أيضا الأمريكية الصاعدة بقوّة هيلاري هان Hilary Hahn التي احتلّ أول ألبوماتها الذي ضمّ بعض سوناتات باخ المرتبة الأولى في قائمة التسجيلات المفضّلة طوال أسابيع. يذكر أن هيلاري هان برعت على وجه الخصوص في عزف كونشيرتو جان سيبيليوس Jean Sibelius الذي يقال انه احد أصعب القطع الموسيقية التي كتبت لآلة الكمان، وإجادته تتطلب مستوى غير عادي من التركيز الذهني والسيكولوجي.
وهناك كذلك الاسكتلندية نيكولا بينيديتي Nicola Benedetti التي تظهر في بعض صورها محتضنة آلة كمانها المصنوع في فينيسيا عام 1751 على يد بييترو غارنييري.
والقائمة تطول، لكن يمكن الإشارة في عجالة إلى بعض الأسماء النسائية الأخرى والمهمّة مثل الكندية لارا سانت جون Lara St. John، واليابانية ايكوكو كاواي Ikuko Kawai، والروسية فيكتوريا مولوفا Viktoria Mullova، والكورية كيونغ واتشونغ Kyung Wha Chung، والصينية جيو ياو Jue Yao، والبريطانية تاسمين ليتل Tasmin Little، والفنلندية ليندا لامبينيوس Linda Lampenius، والمولدوفية باتريشيا كوباتشينيسكايا Patricia Kopatchinskaja، والبريطانية السنغافورية الأصل فانيسا ماي Vanessa-Mae، والأمريكية الكورية الأصل جينيفر كو Jennifer Koh، والكندية ليلى جوزيفويتس Leila Josefowicz، واليابانية ميدوري Midori، والجورجية ليزا باتياشفيلي Lisa Batiashvili، والألمانية جوليا فيشر Julia Fischer، والنرويجية سوزان لندينغ Susanne Lundeng وسواهن.
الملاحظة الأخرى التي تلفت الانتباه هي أن معظم عازفات الكمان، وأكاد أقول جميعهن، يتميّزن بقدر عال من الجمال والجاذبية والحضور. بل لا أبالغ إن قلت إن ملامح بعضهن وطريقة لباسهن وحتى أسلوب حياتهن لا يختلف في شيء عن عارضات الأزياء والممثلات ومغنّيات البوب. وقد اكتشفت مع الأيام انه حتى الجيل الجديد من مغنّيات الأوبرا (على خلاف ما يتصوّره الكثيرون عن جدّيتهن ورصانتهن) يشتركن في هذه السمة التي تلخّص إلى حدّ ما طبيعة الأنثى وميلها الغريزي إلى إبراز جمالها وحتى التفنّن في أظهار مفاتنها للفت أنظار الجنس الآخر.
ومع ذلك لا يمكن لوم النساء وحدهن، فالموسيقيون من الرجال أيضا يبالغون في إظهار أناقتهم واهتمامهم بالشكل الخارجي. وقد قرأت مؤخّرا في هذه الجزئية بالذات رأيا لم اتأكّد من صحّته وملخّصه أن نشأة الموسيقى الكلاسيكية نفسها ومن ثم تطوّرها خلال القرنين الأخيرين كان قائما على فكرة التقاطع ما بين الفن والجنس (أي الذكورة في مقابل الأنوثة)، وأن عددا كبيرا من المؤلفين الموسيقيين من الرجال كانوا حريصين دائما على تقمّص نموذج شخصية اللورد بايرون في محاولة لخطب ودّ النساء والتقرّب منهن.
وبعض قادة الاوركسترا الكبار كانوا يعمدون إلى ترتيب ديكور حفلاتهم بحيث يكون الضوء مركّزا على شعورهم الطويلة اللامعة للفت أنظار النساء ونيل إعجابهن.
ومن العبارات المنسوبة إلى باغانيني قوله: لست بالرجل الوسيم، لكن عندما تسمعني النساء وأنا اعزف، سرعان ما يأتين إليّ زحفا ويجثين عند قدمي".
وضمن هذه الإطار يقال إن الموسيقي فرانز ليست Franz Liszt كان مضرب المثل في جماله ووسامته، كما كان أشهر عاشق في أوربّا في زمانه وأعظم عازف بيانو في تاريخ الموسيقى كله. وكانت النساء تتقاتلن من اجل الحصول على أعقاب السجائر التي كان يتركها على البيانو بعد الحفلات الموسيقية التي كان يحييها.
إن تزايد أعداد النساء اللاتي برزن بقوّة في مجال العزف على الكمان في السنوات الأخيرة يرقى إلى اعتباره ظاهرة يمكن أن تكون تعبيرا عن عمق التغيير الاجتماعي والأدوار المتغيّرة في المجتمعات الغربية على صعيد الجندر.
وهناك ثمّة من يقول إن عازفات الكمان هذه الأيام، مع الاعتراف ببراعتهن وإتقانهن، تعوزهنّ العضلات خاصّة عندما يتعاملن مع بعض أعمال مندلسون وبيتهوفن وتشايكوفسكي التي تتّسم بإيقاعاتها وضرباتها القويّة والفجائية والسريعة. وفي الغالب يأتي عزفهن رقيقا ورفيعا وبطيئا، وأحيانا تتحوّل الموسيقى المجلجلة والصاخبة في أصابع بعض العازفات إلى قطع تأمّلية وشاعرية يخيّل لمن يسمعها أنها آتية من عوالم وفضاءات أخرى.
Wednesday, May 07, 2008
مائدة، كرسي، طبق فاكهة وآلة كمَان
Subscribe to:
Post Comments (Atom)



7 comments:
معجب كثيرا بأناقة كل شئ هنا،
أرجو مساعدتي في كيفية أضافة مثل تلك الخلفيه الموسيقيه.
كل الشكر
A.M
ترغب جريدة النيو يورك تايمز في معرفة ارائكم حول سلسلة مقالاتها حول
الشباب المسلم في انحاء الشرق الاوسط ، كل من هذه المقالات قد تم ترجمتها
الى العربية وارسلت الى هذا الموقع لغرض النشر والمناقشة. ان المقالة
الاولى والتي تم نشرها في فبراير قد ركزت على مصر والتحديات التي يواجهها
الشباب المصري عند رغبتهم بالزواج. ولقد تم نشرها هنا لغرض البدء بهذه
السلسلة الجديدة من المقالات ، وفي الايام المقبلة سوف نقوم بنشر مقالتين
جديدتين عن الحياة اليومية للشباب السعودي من الرجال والنساء. ان سلسلة
المقالات هذه قد رتب لها ان تنشر بصورة دورية لتستمر طوال العام ونحن
نتطلع لسماع ارائكم.
http://blogs.albawaba.com/nytmiddleeast
عزيزي نديم:
شكرا جزيلا لك على اشارتك الى مقالات الجريدة. وسأحاول الوصول الى تلك المقالات رغم انني حاولت تتبع الرابط الذي وضعته ووجدت انه لا يقود الى شيء وكل ما هو موجود هناك هو هذه العبارة:
Profile Not Available.
عموما شكرا لك وممتن كثيرا لمبادرتك.
Anonymous
اهلا بك يا عزيزي وشكرا لك على ثنائك. بالنسبة للموسيقى لا اعرف ان كنت تستخدم بلوغسبوت او ووردبرس. لكن ان كنت تستخدم بلوغسبوت مثلي فبإمكانك إضافة الكود الخاص بذلك في اسفل قالب المدونة.
تحياتي.
ملاحظة: كتبت الكود مرارا وفي كل مرة يحذف. ربما السبب عائد الى خاصية التعليق التي لا تقبل كتابة اكواد او رموز.
لكن يمكن الحصول عليه من محرك غوغل.
شكرا لاهتمامك prometheus
أنا أعلم حقيقة كيفية أضافة الموسيقى الى قالب المدونه،
ولكن المشكله هي أني لا أملك أكواد خاصة بالموسيقى الخالصه، أغلب الأكواد المتوفره من خلال الانترنت هي أكواد خاصة بالأغاني.
Itzhak Perlman is an israeli, not an amirican
Well, Perlman was born in Palestine during the British mandate. And he is now an American citizen
Post a Comment