:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


السبت، مارس 23، 2024

لوحات ضائعة


هناك العديد من اللوحات الفنّية التي فُقدت واختفت تماما لسبب أو لآخر، ما أدّى الى إثارة التكهّنات حول غيابها الغامض. وفقدان تلك اللوحات يمثّل فراغا كبيرا في السجّل التاريخي الفنّي وخسارة للتراث الثقافيّ للإنسانية.
وما تزال تُبذل جهود حثيثة من قبل مؤرّخي الفنّ وجامعيه والمؤسّسات الفنّية العالمية لتحديد أماكن هذه الروائع المفقودة واستعادتها بسبب أهميّتها، ولأن إعادة اكتشافها لن يؤدّي فقط إلى إثراء فهمنا لتاريخ الفنّ بل سيعيد أيضا هذه الأعمال التي لا تُقدّر بثمن إلى دائرة الاهتمام والتقدير العام.
  • ومن بين اهمّ تلك اللوحات الضائعة معركة أنغياري The Battle of Anghiari لليوناردو دا فينشي. وقد رسم الفنّان هذه الجدارية لتزيّن قصر فيكيو في فلورنسا بإيطاليا. وانتظر الناس انجاز اللوحة بفارغ الصبر ليحظوا برؤية تقنيات ليوناردو المبتكرة فيها، مثل استخدامه للضوء وتركيزه على التقاط الحركة الديناميكية وغير ذلك.
    لكن لسوء الحظّ لم تكتمل الجدارية أبدا وما يزال المكان الذي كان مقرّرا ان توضع فيه في القصر الإيطالي فارغا. وبعض مؤرّخي الفنّ يعتقدون بأنها قد تكون مخبّأة تحت أكداس من اللوحات الأخرى في احدى قاعات القصر الواسعة.
  • وهناك أيضا لوحة الحفلة الموسيقية The Concert لفيرمير. وقد رسم الفنّان الهولنديّ هذه التحفة في حوالي منتصف القرن السابع عشر، وتُصوّر مجموعة من الموسيقيين في غرفة أو صالة في بيت.
    وقد سُرقت اللوحة عام 1990 من متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في بوسطن بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى عديد من الأعمال الفنّية الأخرى القيّمة من بينها لوحة رمبراندت المشهورة عاصفة على بحر الجليل The Storm on the Sea of Galilee. وعلى الرغم من التحقيقات التي جرت والمكافآت التي بُذلت لاستعادتها، إلا أن هذه اللوحات ما تزال مفقودة ومكان وجودها ما يزال لغزا الى اليوم.
  • وهناك أيضا لوحة أزهار الخشخاش Poppy Flowers لفنسنت فان جوخ التي سُرقت من متحف محمّد محمود خليل في القاهرة بمصر عام 2010. ولم تُستردّ هذه اللوحة أبدا. وتُقدّر قيمتها بملايين الدولارات ويُعتقد أن سرقتها كانت جزءا من عملية أوسع استهدفت عددا أكبر من الأعمال الفنّية.
  • وهناك أيضا بورتريه أديل بلوك باور Portrait of Adele Bloch-Bauer لغوستاف كليمت. رسم الفنّان النمساوي هذه اللوحة الأيقونية عام 1907 واكتسبت شهرة عالمية بسبب أنماط أوراق الذهب المعقّدة والألوان الغامضة فيها. وخلال الحرب العالمية الثانية صادر النازيّون اللوحة وأصبحت موضوعا لمعركة استرداد طويلة. وفي النهاية أعيدت إلى ورثة المرأة ثم بيعت إلى أحد هواة جمع التحف الفنّية عام 2006.
  • أيضا هناك لوحة حمامة مع بازلاء خضراء Le Pigeon aux Petits Pois لبابلو بيكاسو. وقد رسم بيكاسو هذه التحفة الفنّية التكعيبية عام 1911. لكن في عام 2010 سُرقت اللوحة ليلا مع لوحات أخرى من متحف الفنّ الحديث في باريس على يد لصّ ملثّم تسلّل الى المتحف بعد أن أزال الزجاج من النافذة، بينما كان جهاز استشعار الحركة والإنذار معطّلين. ولم تُكتشف السرقة إلا في صباح اليوم التالي. وقد تتبّعت الشرطة الجاني وتبيّن انه صاحب سجلّ إجرامي حافل.
    وزعم انه ألقى باللوحة وبأعمال أخرى لماتيس وليجيه ومودلياني في الزبالة. وحُكم عليه بالسجن ثمان سنوات، وأُمر هو وشركاؤه بدفع غرامة مالية قدرها 104 ملايين يورو. وعلى الرغم من التحقيقات المكثّفة، لم تستردّ لوحة بيكاسو حتى اليوم.
  • وأخيرا بورتريه لشابّ Portrait of a Young Man لرافائيل. ويُعتقد أن هذا البورتريه هو صورة للفنّان الإيطالي نفسه. وقد اختفى منذ الحرب العالمية الثانية. وكان جزءا من مجموعة متحف تشارتوريسكي في كراكوف ببولندا. لكن نهبه النازيون أثناء الاحتلال ولا يزال مكان وجوده مجهولاً الى اليوم.
    في فيلم "رجال الآثار" من بطولة الممثّل جورج كلوني من عام 2014، تظهر اللوحة بشكل بارز في مخبأ كبير للأعمال الفنّية المسروقة والمخزّنة في كهف أو منجم مجهول وقد أشعلت فيها القوّات الألمانية النار.


  • Credits
    suite101.com

    الأربعاء، مارس 20، 2024

    أعشاب الأوديسّا


    أوديسّا هوميروس هي أحد أقدم أعمال الأدب الغربيّ، وتروي مغامرات البطل الاغريقي أوديسيوس خلال رحلته التي استغرقت عشر سنوات عائدا الى أرض الوطن من حرب طروادة.
    وعلى الرغم من أن بعض أجزاء الملحمة قد تكون مبنية على أحداث حقيقية، الا ان المواجهات مع الوحوش الغريبة والعمالقة المرعبين والسحرة الأقوياء تُعتبر من قبيل الخيال الجامح.
    ولكن هل يمكن أن يكون في هذه الأساطير أكثر ممّا يبدو للعين للوهلة الأولى؟
    دعونا نلقِ نظرة على قصّة مشهورة من هذه القصيدة الملحمية.
    أثناء رحلتهم الطويلة، يجد أوديسيوس وطاقمه من البحّارة أنفسهم في جزيرة "إيا" الغامضة. وبينما هم يتضوّرون من الجوع والارهاق، يعثر بعض الرجال على منزل فخم، حيث ترحّب بهم امرأة مذهلة وتدعوهم لتناول وليمة فاخرة في بيتها.
    وبطبيعة الحال، تبيّن أن كلّ هذا جيّد لدرجة أنه من الصعب تصديقه. فالمرأة، في الواقع، ليست سوى الساحرة الشرّيرة سيرسي. وبمجرّد أن يأكل الجنود حتى الشبع على مائدتها، تقوم بتحويلهم جميعا إلى حيوانات بهزّة واحدة من عصاها.
    ومن حسن الحظّ أن أحد الرجال تمكّن من الهرب، ليجد أوديسيوس ويخبره بمحنة بحّارته. لكن بينما يندفع أوديسيوس لإنقاذ رجاله، يلتقي بالإله الرسول هرمِس، الذي ينصحه أوّلاً بتناول عشبة سحرية، فينفّذ أوديسيوس هذه النصيحة. وعندما يواجه سيرسي أخيرا، لا يعود لتعاويذها أيّ تأثير عليه، وتسمح له بأن يهزمها وينقذ بحّارته.
    بطبيعة الحال، قصّة السحر هذه والتحوّلات الحيوانية المرافقة لها نُفيت لعدّة قرون واعتُبرت محض خيال. لكن في السنوات الأخيرة، تواترت الاخبار عن أعشاب وأدوية أثارت اهتمام العلماء، ما دفع البعض إلى الظنّ بأنه ربّما كانت الأساطير عبارة عن تعبيرات خيالية عن تجارب حقيقية.
    النسخ الأقدم من نصّ هوميروس تفترض أن سيرسي خلطت أدوية ضارّة في الطعام بحيث أن البحّارة بعد أن تناولوها قد يكونون نسوا تماما موطنهم الأصلي.
    وتَصادفَ أن أحد النباتات التي تنمو في منطقة البحر المتوسّط هي عشبة بريئة تُعرف باسم عشبة جيمسون، والتي تشمل آثارها فقدان الذاكرة الواضح. والعشبة مليئة بالمركّبات التي تعطّل الناقل العصبيّ الحيوي المسمّى أسيتيلكولين.
    ومثل هذا الاضطراب يمكن أن يسبّب هلوسة وسلوكيات غريبة وصعوبة عامّة في التمييز بين الخيال والواقع، أي الأعراض التي قد تدفع متعاطييها إلى الاعتقاد أنهم تحوّلوا إلى حيوانات، وهو أيضا ما يوحي بأن سيرسي لم تكن ساحرة، بل كيميائية تعرف كيفية استخدام النباتات المحليّة لتحقيق تأثير كبير.
    لكن عشبة جيمسون ليست سوى نصف القصّة. وعلى عكس الكثير من التفاصيل الواردة في الأوديسّا، فإن النصّ الخاص بالعشبة التي قدّمها هيرمس لأوديسيوس مفصّل ومحدّد بشكل غير عاديّ. إذ يورد ذلك النصّ أنه يمكن العثور عليها في وادٍ في غابة، وأن جذرها اسود وزهرتها بيضاء مثل الحليب. لكن ولقرون عديدة تمّ نفي وجود مثل هذه النبتة.
    غير أنه في عام 1951، اكتشف عالم صيدلة روسي يُدعى ميخائيل ماشكوفسكي أن القرويين في جبال الأورال استخدموا نباتا ذا زهرة بيضاء حليبية وجذر أسود لمعالجة الأطفال المصابين بالشلل.
    وتبيّن ان النبات، المسمّى قطرة الثلج، يحتوي على مركب يسمى الغالانتامين، وهو يمنع تعطيل الناقل العصبي أسيتيلكولين، ما يجعله فعّالا في علاج، ليس فقط شلل الأطفال، ولكن أمراض أخرى مثل مرض الزهايمر.
    في المؤتمر العالمي الثاني عشر لطبّ الأعصاب، أشار طبيبان لأوّل مرّة أن زهرة قطرة الثلج كانت في الواقع النبات الذي أعطاه هيرمس لأوديسيوس. وعلى الرغم من عدم وجود أدلّة مباشرة على أن الناس في زمن هوميروس يمكن ان يكونوا قد عرفوا عن آثاره المضادّة للهلوسة، الا ان هناك مقطعا لكاتب القرن الرابع اليوناني ثيوفراستوس يذكر فيه أن هذه النبتة كانت تُستخدم كترياق مضادّ للسموم.
    فهل هذا يعني أن أوديسيوس وسيرسي وشخصيّات أخرى في الأوديسّا كانوا حقيقيين؟ الجواب: ليس بالضرورة. لكن هذا يشير إلى أن القصص القديمة قد تحتوي على المزيد من الحقائق وبأكثر ممّا كنّا نعتقد سابقا. وكلّما تعلّمنا المزيد عن العالم من حولنا، قد نكتشف بعضا من هذه المعارف مخبّأة داخل أساطير وخرافات العصور الخوالي.

    Credits
    cambridge.org

    الأحد، مارس 17، 2024

    كولومبوس في الأرض الغريبة


    في 11 أكتوبر 1492، كان كولومبوس وبحّارته مع سفنهم الثلاث يقتربون من جزر البهاما عندما رأوا عن بعد أرضا غريبة. ويقال إن اوّل من رآها كان بحّارا يُدعى رودريغو دي تريانا.
    وقيل أيضا أن كولومبوس رأى في تلك الليلة شيئا يشبه ضوء شمعة تضيء وتخبو. ويبدو أن ذلك كان مؤشّرا على وجود أرض قريبة. وكان على كولومبوس أن يتأكّد من ذلك، فطلب من رجاله أن يتهيّئوا للمفاجأة عارضاً مكافأة لأوّل بحّار يكتشف الأرض. وأمر السفن بالتوقّف والانتظار ريثما يظهر ضوء النهار.
    وفي اليوم التالي تأكّدوا أنهم هبطوا في مكان ما من جزر البهاما. وبعد أن وصلوا رأوا أشجارا شديدة الخضرة وفواكه مختلفة الأشكال والأنواع.
    أما كولومبوس فقد جثا على ركبتيه شكراً لله على أن وصلوا الى تلك الأرض بأمان. ثم غرس فيها علَماً إسبانيّا، بينما كان افراد من شعب التاينو، أي السكّان الأصليين لمنطقة الكاريبي الذين عاشوا هناك لأكثر من ألف عام، يراقبون ما يحدث من وراء الأشجار الكثيفة.
    وفي اليوم التالي تجمّع السكّان الأصليون على الشاطئ وقدّموا للإسبان الطعام والشراب والقطن وسلعا أخرى كهدايا، بينما قدّم لهم الإسبان هدايا من القبّعات الحمراء والخرز الملوّن.
    وحتى ذلك الوقت لم يسبق لشعب التاينو أن رأوا رجالا ذوي بشرة بيضاء، فظنّوا أنهم آلهة! وأمضى كولومبوس الشهرين التاليين باحثا هو ورجاله عن الذهب. وقد كتب كولومبوس الى ملك اسبانيا يقول واصفاً الطريقة التي عاملهم بها شعب التاينو:
    لقد تاجروا معنا وأعطونا كلّ ما لديهم بحسن نيّة. كانوا مهتمّين كثيرا بإرضائنا. إنهم لطفاء للغاية ولا يعرفون الشرّ. كما أنهم لا يقتلون أو يسرقون. وربّما يعتقد صاحب الجلالة أنه لا يمكن أن يوجد شعب أفضل منهم في العالم كلّه. وهم يحبّون جيرانهم كما يحبّون أنفسهم."
    وقد أطلق كولومبوس على التاينو إسم "الهنود"، وهي إشارة توسّعت لتشمل جميع الشعوب الأصلية في نصف الكرة الغربي.
    في ديسمبر من عام 1492، وبينما كان كولومبوس ورجاله يبحرون شرقي كوبا، اقتربت سفنهم من ثاني أكبر جزيرة في البحر الكاريبي، وقد أسموها "لاسبانيولا" تيمّنا بإسبانيا.
    وعندما كان كولومبوس على وشك العودة إلى إسبانيا بعد انتهاء رحلته الاولى، جنحت سفينته "سانتا ماريّا" عن مسارها ثم غرقت. وطلب زعيم التاينو من شعبه مساعدة الإسبان واسترداد كلّ شيء قابل للإنقاذ.
    ثم نشأت مشكلة عندما تبيّن ان السفينتين الأخريين لن تتّسعا لجميع البحّارة الاسبان الذين رافقوا كولومبوس. لذا بُني حصن باستخدام الخشب الذي استُنقذ من السفينة الجانحة. وترك كولومبوس 39 من رجاله في ذلك الحصن الذي اسماه "نافيداد" وطلب منهم أن يبقوا هناك الى أن يعود وباقي البحّارة من اسبانيا.
    وقد أخذ كولومبوس معه إلى اسبانيا بعض السكّان الأصليين وأطعمة ونباتات وطيوراً كي يراها الملك والملكة. ومن اجل أن يبدأ رحلته الثانية، أُعطي أسطولا من سبع عشرة سفينة وبعض الجند. وعند وصولهم إلى حصن "نافيداد"، وجدوا الحصن محترقا وجميع الرجال الـ 39 الذين تركوهم هناك مقتولين.
    ويبدو أن البحّارة الذين تُركوا في الحصن أساؤوا التصرّف فاغتصبوا بعض نساء التاينو وسرقوا كلّ ما وقعت عليه عيونهم من متعلّقاتهم وأشيائهم. وكان أحد زعماء القبيلة قد تدارس الموقف مع زعماء آخرين، ثم اتفقوا على أن الآلهة ما كانت لترضى أبدا عن الطريقة التي تصرّف بها الإسبان. وقرّروا أن على الإسبان أن يدفعوا ثمن فعلتهم، فقضوا عليهم جميعا لقطع شرّهم وعلى اعتبار أنهم صاروا يمثّلون تهديدا لشعبهم.


    وعندما رأى كولومبوس ما حدث لرجاله، تعهّد بالبحث عن زعيم القبيلة والانتقام منه جزاء ما فعل. ثم اقام أماكن أكثر تحصينا. وفي يناير عام 1493، أسّس مدينة أسماها "ليزابيلا" تيمّنا باسم ملكة اسبانيا.
    وبعد ذلك قُبض على عدد من افراد شعب التاينو وأخذوا كعبيد، بينما اُجبر بعضهم على العمل في مناجم الذهب. وكلّ من رفض قُتل. أما الافراد الأصغر سنّا فقد طُلب منهم دفع جزية من الذهب كلّ ثلاثة أشهر. وكلّ من يفشل في الوفاء بذلك الشرط تُقطع ذراعه ويُترك لينزف حتى الموت.
    أما نساء القبيلة فقد وُهبوا للإسبان ليفعلوا بهنّ ما شاءوا. ونتيجة لذلك أصبحت الحقول لا تجد من يهتمّ بها ولم تعد تنتج ما يكفي من الغذاء للتاينو وللاسبان. وصار الجميع يعانون من الجوع ونفاد الامدادات. ثم لم يلبث كولومبوس أن قبض، عن طريق الخدعة، على أحد زعماء القبيلة الهاربين فوُضع على متن سفينة وأُرسل إلى إسبانيا ولم يُسمع عنه شيء بعد ذلك.
    العديد من أفراد شعب التاينو كانوا يتضوّرون جوعا حتى الموت، بينما مات آخرون من الأشغال الشاقّة، وأقدم الكثيرون منهم على الانتحار. وبعد عام 1496، انخفض عددهم بنحو 70%، ثم اجتاحت الأوبئة الجزيرة وتعرّض بقيّة التاينو للضرب والتعذيب والاغتصاب والاستعباد والقتل. وقد ألهمت هذه الممارسات القاسية العديد من الثورات التي قاموا بها ضدّ الإسبان، وكان بعضها ناجحا والبعض الآخر لم يُكتب لها النجاح.
    وبعد عام 1496، أقدم بعض الإسبان على التمرّد، هذه المرّة ضدّ كولومبوس وإخوته. ولم يلبث ملك وملكة اسبانيا أن أرسلا محقّقا ملكيّا لتهدئة الأمر. وقد أُدين كولومبوس وإخوته بارتكاب العديد من الجرائم ضدّ السكّان الأصليين وبعض الإسبان. وقُبض عليه وعلى إخوته ووُضعوا على متن سفينة أخذتهم إلى إسبانيا.
    وفيما بعد سمحت له السلطات الاسبانية برحلة أخرى عبر المحيط. لكنه مُنع من زيارة لاسبانيولا. واستمرّ في استكشاف منطقة الكاريبي لمدّة عامين قبل أن يعود إلى إسبانيا للمرّة الأخيرة حيث توفّي.
    أما بالنسبة لأفراد شعب التاينو الذين رفضوا العمل لدى الإسبان فقد فرّوا إلى التلال وحكموا في منطقة جبلية وأمّروا عليهم امرأة تُدعى "أناكاونا" أو الزهرة الذهبية.
    كانت "أناكاونا" زوجة الزعيم الذي قاد الهجوم على الحصن الاسباني قبل ذلك بسنوات. وقد طلب الحاكم الإسباني نيكولاس دي أوفاندو لقاءً معها من أجل كسر شوكة المقاومة، فوافقت بحسن نيّة. وخلال الاجتماع الذي حضره ثمانون من زعماء التاينو القبليين، دبّر الاسبان مكيدة إذ أحرقوا المكان كلّه وأُحرق كلّ من حضره من التاينو وهم أحياء.
    ثم اعتقل الاسبان زعيمتهم واتُّهموها بالتآمر على اسبانيا ومقاومة الاحتلال وحُكم عليها بالإعدام. لكن الإسبان عرضوا عليها العفو إن هي وافقت على أن تمنح نفسها لإسباني. وقد اختارت المرأة الإعدام وفضّلته على خيانة وطنها، فأُعدمت شنقاً عن عمر يناهز التاسعة والعشرين، ولم تلبث ان تحوّلت إلى اسطورة.
    وكان زعيم آخر من زعماء التاينو حاكما على منطقة أخرى، وقد قاوم الإسبان فترة من الزمن الى أن عانى من نفس مصير "أناكاونا". وأسّس عدد آخر من التاينو مجتمعا في الجبال وبدءوا وأتباعهم من هناك حرب عصابات ضدّ الاسبان استمرّت حتى عام 1533. ولمّا لم يتمكّن الإسبان من السيطرة على التمرّد، وقّع ملك إسبانيا شارل الخامس على معاهدة تمنح من بقوا على قيد الحياة من التاينو حقوق الحرّية والتملّك.
    لكن بحلول ذلك الوقت، كان عددهم يتناقص بسرعة بسبب الأمراض والاوبئة الأوروبّية. وفي نهاية ذلك القرن أُعلن رسميّا عن انقراض شعب التاينو. لكن بقيت قصص بطولاته ومقاومته للاحتلال الاسباني يتردّد صداها عبر أجيال عديدة من شعوب الكاريبي.

    Credits
    history.com