:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, February 21, 2013

رجل الغيم

للحظات، شعرتُ بالغيرة من الغيوم. لماذا كان يحدّق فيها باحثا عن ملاذ عندما كنت بجانبه؟!
  • كاميلا شمسي، روائية وكاتبة باكستانية

    لزمن طويل، ظلّت الغيوم مصدرا لاهتمام وافتتان البشر، رغم أن تصنيفها من قبل خبراء الأرصاد تمّ فقط في وقت مبكّر من القرن التاسع عشر. ترى، هل الغيوم كائنات؟ هل هي ظواهر؟ شكل من أشكال الإدراك؟
    صحيح أننا أصبحنا اليوم نعرف الكثير من أسرار الغيوم، مثل أنها تتشكّل عندما يرتفع الهواء الرطب إلى طبقات الجوّ العليا ومن ثمّ يبرد ويتكثّف متحوّلا إلى مطر. لكن ازدياد شعبية هواية اكتشاف الغيوم وتعقّبها يوحي بأنها ما تزال تخفي أكثر ممّا يمكن للعين أن تراه.
    الغيوم تجذب العين إلى أعلى، إلى حيث ديناميات الفضاء والسماء الواسعة، مثل الحركة والارتفاع والمسافة. وبالنسبة إلى معظمنا، فإن الغيوم تثير الأفكار والحالات الداخلية المرتبطة بالتسامي والتأمّل والعزلة.
    الغيوم محيّرة، ليس لأنها تتكوّن من مزيج من العناصر، أو لأنها تغيّر شكلها باستمرار، ولكن لأنها تتحدّى الظواهر المرئية.
    نقطة التحوّل في فهم الإنسان لظاهرة الغيوم حدثت في أوائل القرن التاسع عشر، عندما نشر العالم الانجليزي لوك هاوارد تصنيفه المشهور للغيوم كجزء من علم الأرصاد الجوّية الذي كان آنذاك ما يزال في مراحله الجنينيّة.
    هاوارد صنّف الغيوم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الغيوم الرقيقة، والغيوم الركامية، والغيوم الطبقية. وكلّ غيمة هي تنويع على احد هذه الأنواع الثلاثة أو حالة انتقالية بين نوعين منها.
    الغيوم تؤدّي وظائف كثيرة، فهي وسيط للكشوفات والنبوءات، إذ من خلالها تُظهر الآلهة نفسها. كما أنها ملعب لخيالات البشر، حيت يمكن أن نرى فيها الكثير من الأشكال والمخلوقات. الغيوم يمكن أن تكون موسيقى مزاجية أو خلفية لمشهد من فيلم. الغيوم ظاهرة طبيعية معقّدة تتحدّى قدرة الإنسان على الملاحظة الدقيقة.
    فنّانو وشعراء الحقبة الرومانسية استخدموا الغيوم كرمز للحركة والتحوّل والتلاشي، وأحيانا للحرّية والارتباط بقوى ما فوق الطبيعة. كانت السماء بالنسبة لهم عبارة عن ورشة عمل كبيرة. وأفكار هاوارد، الذي قال بإمكانية التنبّؤ بالطقس من خلال مراقبة حركة الغيوم، كانت مصدر إلهام كبير للشعراء الرومانسيين الانجليز مثل بيرسي شيللي ووليام ووردزوورث.
    شيللي وجد في الغيوم صورة عن الثبات في حالة التغيّر، كما تعبّر عن ذلك قصيدته بعنوان الغيمة والتي يقول فيها:
    أنا ابنة الأرض والمياه وشتلة السماء، أمرّ عبر مسامّ المحيطات والشواطئ، أتغيّر ولكن لا أموت. بعد المطر، يصبح رواق السماء عارياً. أخرج من كهوف المطر مثل طفل خارج من الرحم، مثل شبح من القبر".
    ووردزوورث كتب، هو الآخر، قصيدة بعنوان أزهار النرجس تتضمّن ما يصفه بعض النقّاد بأنه أجمل استهلال لقصيدة في الشعر الإنجليزي. يقول في تلك القصيدة:
    كنت أتجوّل وحيدا مثل غيمة تطفو عاليا فوق الوديان والتلال، عندما رأيت مجموعة من أزهار النرجس البرّي بجانب البحيرة وتحت الأشجار، وهي تصفق وترقص في النسيم".
    الغيوم هي أيضا مصدر مهمّ للعديد من الاستعارات اللغوية المختلفة التي تصف الحالات المزاجية للإنسان. ولسوء الحظ، فإن معظم هذه الاستعارات سلبية، من قبيل عبارة "غيمة صيف"، أو "غيمة مخيّمة في الأفق" كناية عن الأخبار السيّئة، أو النصيحة التي عادة ما نسديها لصديق بأن "يطرد الغيوم بعيدا". وهناك التعبير الآخر الأكثر حداثة الذي ينصحك بأن تتبنّى "تفكير السماء الزرقاء"، أي أن تحكم على الأمور دون أفكار مسبقة أو جاهزة.
    قرأت ذات مرّة عن جماعة أخذت على عاتقها مهمّة تغيير أفكار الناس السلبية عن الغيوم باعتبارها نذيرا للمشاكل والأزمات. وأعجبني وصف الجماعة للغيوم بأنها "شعر الطبيعة" وأنها مألوفة جدّا لدرجة أن جمالها كثيرا ما يتجاهله الناس، وأن الحياة ستصبح رتيبة ومملّة لو أننا نرى كلّ يوم سماءً صافية تخلو من الغيوم.
    كارل يونغ، عالم النفس النمساويّ الشهير، كتب مرّة قصّة بعنوان "صانع المطر" لها علاقة بالموضوع. تقول القصّة انه حدث ذات زمن في الصين أن انقطع المطر لأشهر طويلة، وأدّى الجفاف الشديد إلى موت النباتات ونفوق الكثير من الحيوانات.
    ومع مرور الأيّام أصبح الوضع كارثيّا. وخرج الكاثوليك في مواكب تعبدّية، كما أقام البروتستانت صلوات استسقاء، وأطلق الصينيّون رصاص بنادقهم لطرد وإخافة الشياطين. لكنّ ذلك كلّه لم يحقّق أيّ نتيجة.
    وفجأة خرج من بين الجموع رجل عجوز، وقال: أنا سأجلب المطر". ثم حبس الرجل نفسه في منزل صغير لثلاثة أيّام. وفي اليوم الرابع تجمّعت الغيوم الثقيلة في السماء وهبّت عواصف قويّة، وما لبث المطر أن انهمر بغزارة.
    الإمبراطور الذي كان يراقب ما يحدث بذهول أمر بإحضار الرجل صانع المطر ليسأله كيف فعل ذلك. فقال العجوز: في هذا المكان، لم تكن الأمور على ما يُرام، ولم يكن كلّ شيء مرتّبا بحيث يوافق أوامر السماء. لذا كان عليّ أن انتظر ثلاثة أيّام حتى تعود الأمور إلى نظامها الصحيح، ومن ثمّ نزل المطر بشكل طبيعيّ ودون تدخّل منّي".
    الفكرة التي ساقها العجوز لها أصل في الفلسفة الطاويّة، وهي تنسجم مع الاعتقاد القديم بأن هناك دائما تلازماً وتزامناً ما بين حالة الطقس والحالة الذهنية للإمبراطور أو حاكم البلاد.
    الغيوم لها أيضا حضور قويّ في الرسم. ومن أشهر من رسمها كلّ من كلود مونيه وأوجين بودان وجوزيف تيرنر ويوهانس فيرمير وألبيرت بيرستات وألفريد سيسلي وبيير اوغست رينوار وإل غريكو وإيساك ليفيتان وفان غوخ.
    لكنّ أشهر وأكثر من رسم الغيوم وفُُتن بمناظرها كان الرسّام الانجليزي جون كونستابل، أحد أعظم رسّامي المناظر الطبيعية في تاريخ الفنّ. كان هذا الرسّام مراقبا دقيقا للطبيعة، وكان دائما يرسم ما يراه. وفي رسوماته، لن تعثر على آلهة من زمن الإغريق أو الرومان ولا على أيّ مخلوقات أسطورية.
    ولد جون كونستابل في الريف الذي كان يحبّ طبيعته. ورسوماته عن ريف انجلترا تصوّر مشاهد من حياة الأرياف، مع فلاحين وخيول وماشية وعربات ومنازل وكاثدرائيات وأشجار ومياه وسماء، وقبل هذه وتلك.. غيوم.
    ولم يكن من قبيل الصدفة أن الدراسة الأكثر تفصيلا عن الغيوم التي رسمها كونستابل كانت مستوحاة من خبير أرصاد جوّية. إذ كان الرسّام على معرفة بتصنيفات هاوارد المشهورة للغيوم. وخلال تلك الفترة، وضع كونستابل على الأقل 100 دراسة عن الغيوم وحدها. والعديد من تلك الرسومات كانت مصحوبة بملاحظات حول الوقت من اليوم وجوانب أخرى من الطقس، كاتجاهات الرياح وخصائص الضوء والظلّ وما إلى ذلك. وقد أصبحت تلك الدراسات موضوعا للعديد من الكتب التي ظهرت في ما بعد.
    الغيوم والسماء هما السمتان المهيمنتان على فنّ جون كونستابل، وهما اللتان تحدّدان المزاج الخاصّ لكلّ لوحة من لوحاته. كان الرسم عنده علماً ووسيلة لفحص قوانين الطبيعة. وكان يعتقد بأن الطبيعة هي التمظهر الأسمى والنهائيّ لإرادة الله. ويمكن النظر إلى مشاهده باعتبارها فرعا من الفلسفة الطبيعية التي تتحوّل فيها الصور إلى تجارب وتأمّلات.
    كان كونستابل يرى في الغيوم مشاعر الطبيعة، وكان يصف نفسه بـ "رجل الغيم". الغيوم بالنسبة له هي تعبيرات عن أمزجة الغلاف الجويّ، ويمكن قراءتها مثل قراءة أفكار الإنسان. إنها رمز للجمال الذي يزول سريعا، وتأمّلها يفيد الروح ويرقّق المشاعر.
    اسكتشات كونستابل العديدة عن الغيوم هي تمارين في تمثيل الفراغ والمنظور والكتلة والحالات الذهنية المختلفة التي تعجز اللغة أحيانا عن وصفها. الطقس والمزاج عنده يتمازجان مع دراما السماء. السماء الزرقاء تثير الهدوء، والغيوم الداكنة والمطر والضباب توحي بالأحداث والمشاعر العاصفة. وفي نفس الوقت، فإن غيومه مشبعة بمفردات عصر الثورة الصناعيّة، كالجسور الحديدية وتقنيات الحفر والهندسة الفيكتورية.
  • Monday, February 18, 2013

    افاكيان: نوافذ الروح

    ألكسندرا أفاكيان مصوّرة أمريكية من أصل ارمني عملت في العديد من المجلات الرائدة وجالت في أنحاء العالم الإسلامي طوال عشرين عاما كصحافية ومصوّرة فوتوغرافية.
    وكتابها نوافذ الروح: رحلاتي في العالم الإسلامي هو عبارة عن رحلة من خلال عيون ومشاعر امرأة قامت بتغطية بعض أكثر الصراعات في هذا القرن خطورة وإرباكا.
    الكتاب يتضمّن مزيجا من القصص الإخبارية والاكتشافات والحكايات الواقعية عن الحياة في البلدان الإسلامية. وهو يتألّف من عدّة فصول تتناول الفلسطينيين وإيران وآسيا الوسطى و القوقاز والصومال والسودان وأمريكا وحزب الله.
    في غزّة، أمضت الصحافية عامين ارتدت خلالهما الملابس الإسلامية، في محاولة لكسب ثقة السكّان المحليين. لكن ثمن ذلك كان تعرّضها للضرب من أفراد من حركة حماس وإطلاق النار عليها من قبل القوّات الإسرائيلية.
    الصور التي التقطتها للمسلمين الأمريكيين تبدو أكثر حيوية وتباينا، لأنها وثّقت من خلالها المهرجانات العربية في ميشيغان وحفلا للمعمودية في ولاية تكساس والاحتفال برأس السنة الفارسية الجديدة على شاطئ كاليفورنيا.
    أفاكيان تمكّنت من اختراق حزب الله وصوّرت جوانب غريبة من حياة مقاتليه. وفي إيران، صوّرت نساء منقّبات يحتسين المشروبات الغازية في احد الأسواق العامّة. وفي غزّة، التقطت صورة أيقونية نُشرت في مجلّة ناشيونال جيوغرافيك للفتاة الفلسطينية فاطمة العبد التي تظهر في الصورة وهي تمسك بحمامة على سطح منزل أهلها في القطاع.
    في بعض الأحيان فكّرت الكاتبة في أن تقطع مهمّتها وتعود إلى وطنها بالنظر إلى المخاطر التي واجهتها. لكنّ رغبتها في العثور على الصور التي يمكن أن تعبّر عن قصص اكبر هي التي انتصرت في النهاية.
    العديد من صور أفاكيان تُظهر مرتكبي وضحايا أعمال العنف على حدّ سواء. وبعض المقالات والتعليقات في الكتاب تكرّس، ربّما عن غير قصد من الكاتبة، الفكرة المتحاملة القائلة بأن البلدان الإسلامية لديها استعداد فطريّ لإنتاج العنف.
    ورغم ذلك، فجهد الكاتبة يستحقّ الثناء، لأن كتابها يسهم في إماطة ستار الجهل عن الحقائق السياسية والاجتماعية التي تواجه المسلمين والتي غالبا ما تحاول الميديا الغربية صرف الأنظار عنها والاهتمام بقضايا اقلّ أهمية.
    الروح في عنوان الكتاب هي روح الكاتبة نفسها. فهي لا تنسى أن جذورها في أرمينيا، وهي تدرك الأهوال وحجم المعاناة التي تعرّض لها أجدادها. ومن هنا شعورها بالحاجة لأن تكتب وتصوّر اللاجئين والانتفاضات والحروب التي تخوضها الشعوب من اجل الحرّية. ومثل صورها، فإن سرد أفاكيان في هذا الكتاب واضح ومحدّد المعالم ومصاغ في الكثير من الأحيان بلغة شعرية.
    ولدت ألكسندرا أفاكيان في مدينة نيويورك. وفي عام 1983 تخرّجت من كلية سارة لورانس وحصلت على درجة بكالوريوس في الآداب. كما درست وعملت أيضا في المركز الدولي للتصوير، ونُشرت صورها في عدد من أشهر المطبوعات مثل مجلّة واشنطن بوست وشتيرن الألمانية وباري ماتش الفرنسية، بالإضافة إلى معظم المجلات الرئيسية الأخرى في الولايات المتحدة وأوروبّا. وقد عملت أفاكيان، وما تزال، كمصوّرة في ناشيونال جيوغرافيك منذ عام 1995.