:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, July 21, 2010

نساء الاوديسّا

في ملحمة الاوديسّا، يقدّم هوميروس نماذج متعدّدة ومختلفة للنساء وللكيفية التي كان ينظر بها المجتمع الأبويّ الإغريقي إلى المرأة.
في ذلك الوقت لم تكن النساء يتمتّعن بالكثير من الحرّية. كما كان الهامش المتاح للمرأة في اختيار طريقة حياتها ومستقبلها ضئيلا. كانت المرأة المثالية عند الإغريق عموما هي تلك الوفيّة لبيتها والمطيعة لأوامر زوجها.
لكن الاوديسّا تتضمّن أفكارا أخرى كثيرة. والملحمة نفسها تتمحور حول رحلة اوديسيوس التي يرصد هوميروس من خلالها مراحل التطوّر الفكري والروحي التي يمرّ بها البطل في رحلته. كما تتناول بعض القيم التي كانت سائدة زمن هوميروس مثل الوفاء والعزيمة وكرم الضيافة وما إلى ذلك.
المقال التالي يتحدّث عن أربع نساء ورد ذكرهنّ في الاوديسّا ولعبن أدوارا مهمّة في رحلة اوديسيوس الأسطورية. كما يرصد تأثير هذه الشخصيّات في الأدب الحديث.

حدث ذات مرّة أن قذف الموج برجل في منتصف العمر على شاطئ جزيرة منعزلة. قبل 19 عاما، كان اوديسيوس قد بدأ رحلته من موطنه ليحارب في طروادة. لكن طروادة كانت قد سقطت قبل ذلك بـ 10 سنوات. والآن مضت تسع سنوات أخرى ولم يصل اوديسيوس بعد إلى موطنه إيثيكا، حيث تنتظره زوجته بينيلوب وابنه تيليماكوس.
الرحلة من طروادة تستغرق عادة ثلاثة أسابيع عبر بحر ايجه وصولا إلى ساحل البحر الأيوني ومن ثم إلى إيثيكا. لكن اوديسيوس أغضب بوسيدون، فقام هذا الأخير بإغراق رجاله ثم حكم عليه بالنفي الأبدي ليعيش كلاجئ مبعد عن موطنه.
من نواح كثيرة، يمكن اعتبار اوديسيوس شخصية حديثة. فهو يروق كثيرا لحالمي القرن الحادي والعشرين، تماما مثلما كان قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام عندما كان الرواة يقصّون أحداث الاوديسّا من الذاكرة.
اوديسيوس هو رمز لسكّان الأرض الذين كانوا متناثرين عبر بحارها في يمكن وصفه بأنه نسخة أرضية من نظرية الانفجار الكبير. نحن الآن في العصر الذي أطيح فيه بكبار الآلهة في العصور القديمة. غير أن الاوديسّا حديثة بمعنى آخر تماما. أليس من حقّ القارئ الحديث أن يسأل ما إذا كان اوديسيوس قد أطال رحلته لأسبابه الخاصّة؟
النساء اللاتي قابلهن على طول الطريق، مثلا؟

كاليبسو..
كانت الآلهة القديمة تخشى كاليبسو وما يمكن أن تفعله بالبشر إذا هم تاهوا في البحر وحلّوا على شطآن جزيرتها. معظم الرجال الذين قابلوها لم يعودوا إلى زوجاتهم أبدا. وآخرون هجروا زوجاتهم وذهبوا باحثين عن نساء مثاليات دون أن يعرف احد إلامَ انتهى مصيرهم.
يذكر هوميروس أن كاليبسو كانت حورية خالدة وبارعة الجمال. وكانت تشتهي أن يكون اوديسيوس من نصيبها. ولا بدّ وأن مرآها كان يروق لرجل في أواسط العمر. هي لم تتلاعب بأعصابه مثلما فعلت الساحرة سيرسي قبل ذلك بعام. كما أنها لم تكبر ثم تتغيّر ثم تنضج كما حدث للأميرة الشابّة نوسيكا. ولم تحاول أن تسيطر عليه كما كانت تفعل زوجته بينيلوب. هل كان اوديسيوس يبحث عن الرفقة الكاملة؟ هل يبحث رجل حكيم عن امرأة مثالية؟ وإذا فعل، هل يكون ذلك "أمرا حكيما"؟ وهل الأغبياء فقط هم من يؤمنون بفكرة الرفيق المثالي؟
مضت سبع سنوات على وجود اوديسيوس في جزيرة كاليبسو. وفي احد الأيّام، توسّلت الإلهة أثينا، حامية اوديسيوس، إلى زيوس وغيره من الآلهة أن يبادروا إلى إنقاذ اوديسيوس من براثن كاليبسو. في عالم الإغريق القديم، مثل هذه القرارات كان يلزمها الإجماع. وافق زيوس والآلهة على أن شيئا ما ينبغي أن يُفعل. واُرسل هيرمِس فعلا لإعلام كاليبسو أن عليها أن تطلق سراح اوديسيوس على الفور. ترى، هل توسّل اوديسيوس فعلا إلى الآلهة كي تسمح له بالهرب من كاليبسو، أم أن تلك كانت رواية أثينا عن القصّة؟ الأجزاء اللاحقة من الاوديسّا يرويها اوديسيوس نفسه. لذا فإنها تخلو من إجابة واضحة على هذا السؤال.
عندما يذهب هيرمس إلى كاليبسو ليطلب منها إطلاق اوديسيوس تحتجّ على طلبه قائلة: انتم الآلهة لا يمكن تحمّلكم. شعوركم بالغيرة يجعلكم تقفون مذعورين من إلهة تنام علنا مع الرجال". قوّة كاليبسو واستقلاليّتها كانا يهزّان أركان العالم القديم ويحرجان الأوصياء على شئونه. إلهة فقط يمكنها أن تقول مثل هذه الأشياء. غير أن قرار كبار الآلهة يُعتبر نهائيا وملزما.
كاليبسو تجلس في حديقتها على طرف الكهف الذي تعتبره بيتها. الهواء العليل في المكان يضوع بروائح أزهار الربيع الشذيّة. الطيور تغنّي، وهناك نار تشتعل. كاليبسو تتحرّك وتلوّح بيديها وتغنّي على أمل أن يقرّر اوديسيوس أن يبقى معها باختياره. إنها تنسج خيوط أحلامها بالحياة العائلية والرضا والاستقرار ورفض الصراعات والتوقّف عن ملاحقة الرجال. بل إنها تعده بالشباب الأبدي والخلود، مثلها تماما، إن هو قرّر البقاء. غير انه يجد كلّ هذه الوعود خانقة ولا تناسب الرجال. يتجوّل بعيدا بين الأشجار إلى أن يصل إلى المقعد الحجري في أعلى الجرف مستطلعا الأفق العاري للبحر.
عندما أزفت النهاية، كانا على وشك أن يتعاركا. منذ زمن طويل لم يعد بمقدور الحوريات أن يمتّعن الرجال. كان اوديسيوس قد بدأ يتجنّب كاليبسو مفضّلا الجلوس أمام البحر والتحديق في الأمواج. هذا ما كان يفعله دائما عندما يستبدّ به الحنين إلى ارض الوطن. وهذا ما يفعله العشّاق غالبا عندما يتفرّقون: يحدّقون في البحر، ولا يعود الجنس الكامل والطعام الشهيّ يكفيان في النهاية.
لذلك، ومثل العشيقة التي تراقب حبيبها وهو يعود إلى بلاده وزوجته، كانت كاليبسو تتابعه وهو ذاهب مع حركة المدّ في الصباح. إنها حتّى لا تساعده في بناء الطوف الذي سيبحر به. هو لا يقول وداعا، وهي لا تسعى لحمله على قولها. سبع سنوات معا تُعتبر فترة طويلة. وبعض الأشياء من الأفضل أن لا تقال.
أدرك اوديسيوس انه يجب أن يرحل. هذه مجرّد مرحلة في عملية التطوّر الطبيعي من الميلاد إلى الموت، حيث نصبح جميعا لوحدنا ويتعيّن عندها أن يختار كلّ مصيره بنفسه. يختار هو أن يغادر أخيرا. هذا هو السبب في أن الآلهة تساعده وفي أن كاليبسو أذعنت لمشيئته في النهاية. ورغم أنها إلهة، إلا أنها فعلت ذلك وهي تحسّ بغضب عميق. لكنها تفهّمت رغبته في أن يكبر وأن يجرّب الصراع وألم الفراق مرّة أخرى وأن يخرج من حياة الركود إلى أمواج المحيط المظلم التي ستأخذه مجدّدا إلى وطنه.
دورة الحياة لا يجب أن تتعطّل لفترة أطول مما ينبغي. والقصيدة نفسها يجب أن تأخذ مداها بلا توقّف. لو أن اوديسيوس مكث مع كاليبسو هناك، لما كان ثمّة شعر. ربّما لهذا السبب لم تكسب كاليبسو أبدا قلوب من ترجموا الاوديسّا من الرجال. كانت لديهم أفكار محدّدة حول عودة اوديسيوس إلى بينيلوب. بعضهم تحدّثوا عن القصّة من منظور التحليل النفسي. هل كانت جزيرة كاليبسو تذكّره بالرحم الذي كان يهرب منه طوال حياته؟ اوديسيوس كان يشتكي من آلام الولادة الجديدة التي تأجّلت عندما كان يعيش معها. والكثيرون زعموا أن اسم كاليبسو محمّل بالاستعارات الجنسية الرائجة في التحليل النفسي.
هل كانت أسطورة العلاقة الكاملة والمرأة المثالية تعني انه سيفقد كلّ شيء آخر جعل منه رجلا؟
هناك حزن أساسي يرتبط بشخصية كاليبسو. فهي لم تُدع مرّة ثانية كي تعود إلى الأساطير. يمكن للمرء أن يقول إنها ستظهر ثانية في المستقبل البعيد على هيئة امرأة فاتنة وغامضة ووحيدة في "سيّدة البحيرة" وأساطير الملك آرثر. كما ستظهر من جديد في شخصية "سيّدة جزيرة شالوت" الأكثر هشاشة.
الإلهات اللاتي يتحدّين الزمان والمكان نادرات في الثقافة الغربية. وهن لا يتزوّجن ولا ينجبن أطفالا. لكنهنّ على الأرجح يتُقنَ لذلك. سيّدة البحيرة، مثلا، تخطف لانسيلوت وهو طفل. وهنّ يظهرن في القصص من حين لآخر ثم يختفين فجأة. وهذا أمر غير منصف تماما.
اوديسيوس كان لديه طفل وقد أوفى بدينه للمجتمع، فلماذا لم يستطع أن يبقى مع كاليبسو وينجب طفلا آخر أو اثنين؟ النقّاد يريدوننا أن نصدّق أن جاذبيّتها الخطيرة تكمن في خلودها وفي نكرانها لذاتها، وهو أمر يلقى صدى طيّبا في القرن الحادي والعشرين، مع وجود رجال غربيين كثر لم يعودوا يعرفون ما يريدون. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يجادل في أن الزواج الثاني يمكن أن يكون شيئا حسنا وفي أن اوديسويس ربّما سيكون اسعد حالا معها لو أن الراوي منحه حرّية الاختيار في المسألة.

سيرسي..
قبل أن يذهب اوديسيوس إلى جزيرة كاليبسو مكث سنة مع إلهة جميلة أخرى هي سيرسي التي كانت تختلف كثيرا عن كاليبسو.
عندما وصلت سفينته إلى جزيرتها، لم يكن يعرف أين هو. لكن طاقم سفينته كانوا معه عندما وصل. أرسل اوديسيوس عددا من رجاله لاستطلاع الجزيرة. فوجدوا سيرسي، ساحرة البحر، التي قامت بتسلية أولئك البحّارة الأجلاف واستضافتهم. وقد أطعمتهم وغنّت لهم وغازلتهم، بل وشجّعتهم على نسيان أوطانهم وزوجاتهم. وهذه هي إحدى مفارقات السفر. إنه يذكّرك دائما بالوطن الذي تركته وراءك. لكن يمكن تخفيف ذلك الشعور بالكحول والجنس والعقاقير المخدّرة. وكانت سيرسي تعرف "عقاقيرها" جيّدا. عندما كانت تلوّح بعصاها السحرية الطويلة، كانت تحوّل الرجال جميعهم إلى خنازير تغطّ في نوم عميق.
في النهاية، أتى اوديسيوس باحثا عن بحّارته. وبدا أنه كان يعرف كيف يسيطر على المرأة جنسيا. وقد تحقّق له هذا بفضل هيرمس الذي أعطاه ترياقا يقاوم عقاقير المرأة وبعض التعليمات عن أساليب الإغواء التي ستجذبها إليه. كانت سيرسي تحبّ الرجل الطبيعي، الرجل الترابي الذي يناسب إلهة للخصوبة. كانت تعيش في بيت مفتوح مبنيّ من الحجارة جيّدة الصقل وله أبواب لامعة وتحيط به غابة. كانت سيرسي تستطيع سحر الحيوانات البرّية كالأسود والذئاب التي تعيش على جزيرتها. لذا استطاعت أيضا أن تسحر اوديسيوس. وانتهى الأمر بهذا الصيّاد الوسيم والفظّ في أحضانها.
وفي سريرها الرائع عرف أسماء النساء الخطيرات اللاتي سيقابلهن في المستقبل. كما علّمته أن يفهم أنهنّ جميعا إسقاطات لخوف الرجل من الأنثى واحتقار الجنس مع النساء.
استمرّ اوديسيوس معها عاما كاملا. وقد وافق في النهاية على المغادرة مضطرّا بعد ما رآه من ضيق بحّارته ونفاد صبرهم.
كان هناك الكثير من التوتّر الجنسي في جزيرة سيرسي. وقد راق هذا كثيرا لكتّاب الأدب الحديث مثل جيمس جويس وإيزرا باوند. في رواية الأوّل بعنوان اوليسيس "أو عوليس"، تظهر سيرسي في سلسلة من المشاهد التي تنقلب فيها الأدوار وتمتلئ بالممارسات السادية والماسوشية وبالهلوسة والكوابيس. وفي ديوان باوند "الأغاني"، تلعب سيرسي دورا وسيطا بين الحورية والإلهة التي لا يمكن بلوغها مثل أثينا وأفرودايت. أي أن سيرسي أصبحت رمزا للعالم الحسّّي ومثالا للغواية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن باوند عندما كتب تلك القصائد كان يعيش مع زوجته، لكنه كان يتردّد على عشيقته. لذا ومرّة أخرى، يأخذ اوديسيوس مكان الصدارة. فهو يستمتع بوقته مع سيرسي، لكن من الواضح أن عليه أن يسمو فوق الأمور الحسّية ويعود إلى زوجته.
الكاتبة كاثرين بورتر تمنح سيرسي قوّة جنسية وتلوم اوديسيوس على بروده ولامبالاته في السرير عندما كانت هي في ذروة عطائها ومحبّتها.
كما تأخذ بورتر على البحّارة ضجرهم وتبرّمهم في الجزيرة، في حين أنهم مدينون لـ سيرسي برعايتها لهم وإكرامها إيّاهم. وإذا كانت سيرسي تتمتّع بالتفوّق على الرجال، فإنها لم تُظهِر ذلك بطريقة متغطرسة أو أنانية، بل كان السبب ببساطة أنها كانت أكثر ذكاءً منهم.


نوسيكا..
كانت نوسيكا مع وصيفاتها يلهين بالكرة على الشاطئ. بعضهنّ كنّ يغسلن الثياب بالجوار عندما ظهره اوديسيوس من بين الأشجار بلا ملابس. كلّ ما كان يرتديه كان غصن زيتون يستر به عريه. من الصعب الاستماع إلى رجل عار ثم أخذه على محمل الجدّ. لكن نوسيكا كانت امرأة حديثة. "هل يخيفكنّ منظر رجل"؟ قالت لوصيفاتها. لكنهنّ هربن في اللحظة التي انزلق فيها غصن الزيتون قليلا عن مكانه. كلّ أصدقائها وعائلتها يشهدون بجمالها وبطبيعتها الودودة. ومع ذلك لم تظفر برجل. هل يكون اوديسيوس هو الزوج المنتظر؟
رتّبت نوسيكا لـ اوديسيوس أمر ذهابه إلى المدينة ليقابل والديها، الملك والملكة، حيث يستطيع سرد قصّته للأجيال القادمة. قالت إنها ستمشي في إثره إلى هناك. إذ لا حاجة لتغذية الشائعات والقيل والقال بذهابهما معا.
عندما جرفت الأمواج سفينته وحطّ أخيرا على شاطئ جزيرتها، كانت تلك فرصتها. ترى، هل أضاعتها؟ هل كان يجب أن تدعوه ليظلّ معها؟ هذا هو الظهور الأوّل والأخير لـ نوسيكا في الاوديسّا. ومع ذلك، ففي عام 1897 قرّر الشاعر سامويل بتلر أن هذه المرأة لا بدّ وأن تكون هي من كتب قصائد هوميروس بأكملها. وقد بنى قضيّته على حقيقة أن معظم الاوديسّا رواها اوديسيوس في قصر والدها. ومن الواضح أنها كانت هناك لسماعها.
بعض الأدباء من الرجال اعترفوا بحبّهم لها بطريقة باذخة. وهناك مسلسل ياباني مشهور أطلق اسم نوسيكا على إحدى بطلاته. ترى، أيّ نوع من النساء كانت تلك المرأة؟ هل كانت تفضّل أن تُمنح فضل إغواء اوديسيوس أم كتابة الاوديسّا؟ وهل تكون الاوديسّا فعلا تلخيصا لوجهة نظر امرأة؟
إننا لا نعرف الكثير عن هوميروس. ولا نعرف ما إذا كان شخصا واحدا أو عدّة أشخاص. لكن البعض يزعم انه كان أعمى. وقد يكون هو الراوي الأعمى الذي يظهر في الاوديسّا. لكن الخيط المنسوج هنا ليس هو ذات الخيط. ونوسيكا لا تنسج أبدا قصّة عن نفسها.
إنها ما تزال شابّة وغير متزوّجة. كما أنها قد لا تناسب رجلا كبيرا ومتزوّجا مثل اوديسيوس.
بإمكان المرء أن يتخيّل أنها لو كانت هي من كتب الاوديسّا، لكانت خصّصت لنفسها جزءا اكبر وأفضل في الملحمة. وربّما كانت قد صوّرت قصّتها كلقاء ايروتيكي بين رجل كان يحنّ إلى ماضيه البعيد وامرأة شابّة تبحث عن رجل حقيقي. وهناك احتمال أنها لو كانت هي من كتب الملحمة، لكانت استبدلت صور الجنس المبتذل فيها بمشاهد رومانسية بين عاشقين يحترم كلّ منهما الآخر بعمق.
في الأدب الحديث، هناك معجبون كثر بـ نوسيكا. جويس يتحدّث عنها بأوصاف أكثر واقعية. يمكن القول إنها التجسيد النهائي للذكاء والغواية. ولا بدّ وأنها كانت تروق لرجل في منتصف العمر يسعى لتجديد شبابه مع امرأة اصغر منه سنّا. أليس هذا ما يريده كلّ الرجال في مثل هذه السنّ على كل حال؟ لكن لماذا لم يحدث ذلك؟ لأن اوديسيوس كان يريد أكثر ممّا كان بوسع امرأة شابّة وجميلة أن تحقّقه.

بينيلوب..
كان لورانس العرب احد مترجمي الاوديسّا العديدين. ترى، ما الذي دفع ذلك الرجل الكاره للنساء لترجمة هذا الكتاب؟
هل تكون فكرة المثلية الجنسية هي ما اجتذب لورانس إلى اوديسيوس "ذلك الأناني البارد الدم" كما كان يصفه؟
هل لأنه، هو أيضا، كان يحبّ فكرة الترحال وكان قلقا على مصير حرّية الرجل في عالم من الملهيات الأنثوية؟
لم يحبّ لورانس النهاية العائلية السعيدة التي آلت إليها الاوديسّا. لكنه لم يفكّر بإعادة صياغة القصّة كي تبلغ نهاية مختلفة.
هل كان مقدّرا لـ اوديسيوس أن يعود إلى زوجته بينيلوب التي عانت من غيابه طويلا؟
هل كانت هؤلاء النساء، كاليبسو وسيرسي ونوسيكا وحتى بينيلوب، مجرّد نساء ذوات جمال فتّاك اختُرِعن لإغراء البطل وإبعاده عن العالم لبعض الوقت ومن ثم إعادته إلى الحياة المنزلية كي يصبح مجرّد زوج صالح؟
هل كنّ شبقات ومغريات ومتحكّمات ويسعين إلى الإيقاع بالبطل؟
في أرض الموتى، يطلّ شبح اغاممنون الذي قتلته زوجته عند عودته من طروادة ويقول لاوديسيوس: لا تتساهل كثيرا حتى مع زوجتك. ولا تسِرّ لها بكلّ ما تعرف". هذه النصيحة متوقّعة من اغاممنون، فهو لم يفهم النساء أبدا.
الاوديسّا تتناول ما هو اكبر من العودة إلى البيت والعائلة. إنها عن اختيار الإنسان لشريكه المثالي وعن توافق الجنس والزواج وعن الطريقة التي يمارس بها الرجل حياته قبل أن يعود في النهاية إلى المكان الذي بدأ منه. الاوديسّا هي عن الانبعاث وعن البحث عن هويّة جديدة. لكنّها أيضا عن الوفاء.
ماذا كان اوديسيوس يريد؟ وما الذي يريده الرجال عموما؟ من الواضح أن اوديسيوس اختار بينيلوب كزوجة. عندما سقطت طروادة، كانت بينيلوب تتوقّع عودته. لم يكن قد مضى على زواجهما وقت طويل عندما غادر. كان ابنهما تيليماكوس ما يزال وقتها طفلا رضيعا. ومع مرور السنوات، توقّفت أخبار اوديسيوس. بكت بينيلوب كثيرا. وعندما عاد اوديسيوس إلى إيثيكا، كان قد مضى على غيابه تسعة عشر عاما ظلّت خلالها بينيلوب دون شريك جنسي كلّ ذلك الوقت.
كانت تفقد ملامحها وتتقدّم بها السنّ شيئا فشيئا. لقد كانت تفتقد الزوج الذي يحميها ويدافع عنها. كان بإمكانها أن تتّهمه بهجرها. هل بوسع أيّ امرأة أن تنتظر طويلا مثلما فعلت؟ في الحقيقة كانت هناك مزايا واضحة لكونها وحيدة أو أرملة. كانت بينيلوب ما تزال بخير نسبيا، وهو ما جعلها هدفا لأصحاب عروض الزواج. وعلى الأقلّ كان بمقدورها أن تختار. كان العديد من الشبّان الوسيمين يتقرّبون منها محاولين خطب ودّها. قيل إنها كانت تستمتع باهتمامهم بها. وكان هذا صحيحا في البداية.
غير أنها لم تختر أحدا منهم كزوج، لأن ذلك كان سيضع نهاية مفاجئة لحالتها. وهناك احتمال أن تجد اوديسيوس عند عتبة بابها في اليوم التالي. كما كانت تعرف أن الخُطّاب الآخرين وأهل المدينة سينتقدونها في اللحظة التي تختار فيها زوجا.
كانت بينيلوب تنسج غزلها في النهار وتنقضه في الليل. النسج كان عمل النساء منذ العصور القديمة. وهو اليوم رمز أنثوي لإبداع المرأة وللقصص التي لم تكن تُسمع أبدا عندما كان الاهتمام كلّه منصبّا على الرجل أو الزوج.
الاضطهاد معادل للصمت كما يقال. وبحْث بينيلوب لم يكن مختلفا عن بحْث اوديسيوس. لكن لم يكن عندها سفينة ولا إله يدلّها ويقودها خارج المجهول. بحثها يرمز لرفض العنف الذي يسكن الرجال. ستتوقّف النساء عن النسج عندما يتوقّف العنف. وقد اختارت بينيلوب أن تقاوم ونسجت قصّة واحدة هي قصّة رفضها للخاطبين. إنها القصّة الناقصة عن امرأة في بحر من قصص الرجال. وبينيلوب هي، بمعنى ما، مثال للأمّ العزباء هذه الأيّام.
لذا داومت على المماطلة حتى بعد أن عاد اوديسيوس، لأنها كانت تريد أن تستكشف حقيقة شعورها نحوه بعد عودته. هل كانت تريده أن يعود فعلا؟ عندما عاد، كان متنكّرا في ثياب شحّاذ. لكنّها تعرّفت عليه في الحال. ومع ذلك أرادت أن تتأكّد انه هو نفس الرجل وأنها هي أيضا، ربّما، نفس المرأة. لذا تفحّصت ذكرياته وأصرّت عليه أن يحلق وأن يتحمّم. ثم قامت بقياس أدائه في السرير. ولم توافق على الاعتراف به إلا بعد أن رأت تلك الندبة في منطقته الخاصّة.
عالجت بينيلوب الوضع بحكمة. وشخصيات الاوديسّا تعتبرها امرأة حكيمة.
في النهاية، كانت لدى الآلهة خططها. والآن حان وقت التنفيذ. وقد اقتضت الخطط أن يُقتل جميع الخاطبين. وكانت النتيجة مذبحة دموية. لم تشعر بينيلوب بأيّ ندم على هذا الحكم، لأن الخاطبين كانوا يستحقّون ذلك. لقد استغلّوها وأكلوا سمعتها سواءً في بيتها أو خارجه. لذا تضمّن الحكم ذبح جميع أقاربهم أيضا. لكنّ الآلهة أوضحت أن هذه هي نهاية الدائرة. بعد ذلك عاش اوديسيوس وبينيلوب معا إلى أن أدركتهما الشيخوخة.

الزواج في الاوديسّا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره مؤسّسة متدهورة ورمزا للموت. وإلا كيف يمكنك أن تفسّر خيانة هيلين لزوجها أو قتل كليتامنسترا لزوجها اغاممنون أو سفر اوديسيوس الطويل؟
الاوديسّا لا تحكي عن انتصار الزواج بعد انفصال دام تسعة عشر عاما، بل عن حقيقة انه لزم اوديسيوس تسعة عشر عاما كي يعود. نساء الاوديسّا لا ينصبن شراكا للرجال. الرجال هم الذين يوقعون أنفسهم في شراك أوهامهم وحِيَلهم.
الكتّاب الإغريق الذين أتوا بعد هوميروس كانوا يعرفون هذا. وقد سخروا كثيرا من دوافع اوديسيوس. أما دانتي فقد وضع اوديسيوس في الجحيم باعتباره إنسانا منافقا وخائنا لنفسه ولأولئك الذين أحبّهم.
ونظرا لتدخّل الآلهة، استطاعت بينيلوب أن تمسك المستقبل بيديها لبضع ساعات، وكان بإمكانها أن تدمّره كما فعلت كليتامنسترا. وقد نجا الزواج، فقط لأن بينيلوب اختارت أن تعترف بزوجها.
تخيّل لو أنها رفضته. هذه هي النهاية التي اختارها جويس لروايته، حيث تستلقي "موللي بلوم" في سريرها متذكّرة حياتها وعشّاقها بينما يشخر "ليوبولد بلوم" في الظلام إلى جوارها. لم تكن وفيّة ولا مخلصة له، لكنها كانت تريد أن تتمسّك به.
هل سيذهب اوديسيوس ثانية في سفر آخر بينما تجلس بينيلوب هناك بانتظار عودته مرّة أخرى؟ هذه هي النقطة التي تبدأ منها رواية نيكوس كازانتزاكيس "الاوديسّا: تتمّة حديثة". في هذه الرواية يبدأ كازانتزاكيس من حيث انتهى هوميروس، حيث يغادر اوديسيوس البيت مرّة أخرى ليبدأ رحيلا آخر.
يمكن النظر أيضا إلى الاوديسّا باعتبارها تأكيدا لقيمة الزواج وفضيلة الوفاء الذي ينشأ بين الأزواج أيّا تكن الظروف. كما يمكن أن تكون تصويرا لإخلاص الأنثى من وجهة نظر هوميروس. في الملحمة، تبدو بينيلوب امرأة قويّة برغم حزنها. كما أنها تتمتّع بالذكاء العملي والقدرة على التخطيط البعيد. ولا يؤكّد هذا أفضل من قولها لـ اوديسيوس: فكّر في المصاعب التي سبّبتها لنا الآلهة. لقد حرمتنا من الحياة معا في ذروة شبابنا وسنوات عمرنا المزهرة. ومنعتنا من العبور معا بين مراحل العمر". هذه هي بعض أقوى العبارات التي كُتبت في الأدب الغربي، وهي تتحدّث إلى أيّ إنسان في منتصف العمر وما بعده. ورسالتها واضحة لا لبس فيها: اللوم يقع على الآلهة، لا على أنفسنا". "مترجم بتصرّف"