:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, October 29, 2010

دردشة مع فرناندو بوتيرو

الرسّام الكولومبي فرناندو بوتيرو شخص مثير للجدل. النقّاد لا يستسيغونه كثيرا. بينما يتنافس جامعو الأعمال الفنية على شراء واقتناء لوحاته. شهرته في بلده كولومبيا لا تختلف عن شهرة مواطنه الروائي غارسيا ماركيز. ورغم ارتباطه الكبير بوطنه، إلا انه لا يقضي فيه أكثر من شهر واحد في السنة لأسباب أمنية. وفي كلّ الأحوال، لا ينام بوتيرو في بيته إلا بصحبة شخصين أو ثلاثة، كما يستخدم في تنقّلاته اليومية سيّارة مضادّة للرصاص.
بوتيرو حلّ مؤخّرا في لندن، وكانت تلك مناسبة للحديث معه وسماع بعض الحكايات منه عن الاختطاف والفساد وسرّ حبّه للنساء البدينات.

بوتيرو رجل غاضب غالبا. وقد أتى إلى لندن لحضور أوّل معرض يقام للوحاته في المملكة المتّحدة منذ 26 عاما. "لا أحد دعاني إلى هنا. وإحساسي أن هذا الأمر قد يكون مجرّد مصادفة". غير أن بوتيرو يعتقد انه محظور. "لقد ظلّ النقّاد يكتبون عنّي طوال حياتي بغضب وحنق".
لوحات بوتيرو، التي يصوّر فيها جنرالات كولومبيا وصالات الرقص ومحلات الدعارة والرهبان والأساقفة وأفراد الطغمة العسكرية الحاكمة، معروفة في جميع أنحاء العالم.
بعض نقّاد الفنّ المعاصر يصفون لوحاته بأنها مبتذلة ومثيرة للشفقة وأحيانا ساذجة.
غير أن السفر مع الرسّام في موطنه كولومبيا يعطي فكرة مختلفة عن الطريقة التي ينظر إليه بها الناس هناك.
الكثيرون هناك يعتبرونه بطلا قوميا ورمزا ثقافيا أكثر منه فنّانا أو مبدعا. في بلدته ميديين، يحاط بحشود من الناس الذين يريدون رؤيته أو الطلب منه أن يترك لهم توقيعه على أيّ شيء يحملونه.
بوتيرو يُعتبر ولا شكّ واحدا من انجح الرسّامين بالمعنى التجاري والشعبي. ولوحاته تتعامل مع عدد كبير من القضايا التي كانت وما تزال تقع في قلب العملية الإبداعية والفنية في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين.
وصوره على اتساع نطاقها وتنوّع موضوعاتها تمنح جمهوره نظرة بانورامية عن كلّ ما هو نبيل وسيّئ في المجتمع الحديث على طرفي الأطلنطي وفوق وتحت خط الاستواء.
كلمة بوتيرو أصبح لها معنى عام. في الإدراك الجمعي، يمكن أن يشير الاسم إلى رجل أو امرأة أو شيء متحرّك أو ساكن، ضخم ومستدير. وبالنسبة للكثيرين فإن بوتيرو يمثّل احتفاءً بالإثارة الحسّية أو العربدة والشهوانية. لكن من خلال المعارض الفنّية وعبر شوارع وميادين المدن الأكثر شهرة في العالم حيث تتواجد لوحاته وتماثيله، أصبحت أعماله معروفة ومميّزة جدّا مع أن معانيها ظلّت غامضة.
في الأسبوع الماضي ذهبت لتناول الشاي مع فرناندو الجميل وذكّرته بتلك المقولات المُرّة عن فنّه. واكتشفت أن تأثيرها عليه يشبه تأثير الصدمة الكهربائية. ينظر بوتيرو بعصبية ثم يومئ بعنف إلى بعض لوحاته المعلّقة على جدران الغاليري ويقول: هذا فنّ حديث ومعاصر بمعاييري أنا. الرسم لم يمت، حتى إن كان هؤلاء النقّاد يعتقدون ذلك. إنهم يقتلونك ويسخرون منك. لقد ظلّوا يحاولون قتلي طوال حياتي. إنهم يغضبون ويصرخون في وجهي دائما".
يهدأ بوتيرو قليلا ويبدو كما لو انه يبحث عن مساحة للتنفّس. ثمّ يقول: لو كان فنّي فظيعا، فلماذا تبادر المتاحف إلى شراء لوحاتي. ولماذا تتزايد الكتب التي تتحدّث عنّي وعن لوحاتي. لقد عرضت أعمالي في أكثر من ستّين معرضا. ومديرو المتاحف يحترمون لوحاتي أكثر من الأولاد الذين يأتون من معاهد الفنّ وينصّبون أنفسهم نقّادا ويستخدمونني ككيس للملاكمة".
ويقتبس بوتيرو عن نيكولا بوسان مفهومه لمعنى الفنّ بالقول انه عبارة عن مجموعة من الأشكال والألوان التعبيرية التي تمنح المتعة. المتعة كانت هدف الرسّامين منذ 500 عام. والقليل جدّا من الرسّامين كانوا يبحثون عن الجمال، مثل غويا".
قلت لـ بوتيرو: لو قلت هذا الكلام في حفل عشاء لعدد من الفنّانين المعاصرين فسيبتسمون من كلامك ويعتبرونه موضة قديمة. قال بصوت منخفض: نعم، هم الآن يقولون إن الجمال ضرب من الدعارة. ولكنّي أقول لك إنني إن اهتممت بما يقوله الآخرون فلن افعل شيئا على الإطلاق. لديّ قناعاتي الخاصّة وأنا لا اهتمّ بما يقوله أو يفعله غيري".

هل هذه مجرّد نوبة غضب أم حركة تمرّد يقودها رجل فرد لمناهضة اتجاهات الفنّ في عصرنا؟ بحسب بوتيرو، فإن التعبيرات الرديئة للفنّ اليوم هي ممّا يستحقّ الرثاء، وهناك الكثير مما يمكن أن يقال عن الموضوع".
ويضيف: في نهاية القرن التاسع عشر كان الفنّ مدهشا. كان هناك رينوار ومونيه وسيزان. وفي نهاية القرن العشرين أصبح الفنّ مثيرا للسخرية وسيّئا للغاية. حال الفنّ اليوم يشبه حال الإمبراطور الذي يظهر متجرّدا من ملابسه. الناس خائفون جدّا من أن يُصنّفوا بأنهم غير طليعيين ويخشون من أن يُطردوا من عربة الطليعية. الأمر مضحك جدّا".
إحدى أكثر اللحظات أهمّية في تاريخ تطوّر فرناندو بوتيرو حدثت عندما اشترى متحف الفنّ الحديث في نيويورك لوحته المسمّاة "الموناليزا في سنّ الثانية عشرة". في هذه اللوحة وفي غيرها من أعمال بوتيرو نرى بوضوح وعن قرب خصائص أعضاء شخصيّاته التي يمكن التعرّف عليها بسهولة. في الموناليزا، حوّل بوتيرو الطبيعة الايطالية في الخلفية إلى منظر من أمريكا الجنوبية مع لقطة لبركان ثائر.
بوتيرو يمزج رسم الأشخاص بإحساس جميل بالمرح والتعاطف الإنساني الذي لا نراه في أعمال غيره. وهو يتناول المرح والدعابة بعد أن كانا حكرا على رسّامي الكاريكاتير. هذه الحساسية تجاه تقلّبات الوجود الإنساني والاعتراف بجاذبية المتع الدنيوية هي خصائص تميّز فنّ بوتيرو وتضفي على أعماله سمات إنسانية عميقة.
والأفكار الرئيسية التي شغلت خيال بوتيرو مثل الدين والسياسة والجنس والإثارة والحياة اليومية في كولومبيا والحياة الساكنة ومصارعة الثيران، كلّ هذه الأفكار والمواضيع تعامل معها بطريقة خاصّة وكنموذج لنظرة الرسّام وفهمه الخاصّ للعالم.

لم يتأثّر بوتيرو بأعمال الرسّامين الايطاليين وحدهم، بل اخترق العوالم الأكثر خفّة للنهضة الشمالية. فقدّم لوحة فان ايك بعنوان زواج ارنولفيني في هيئة جديدة ومنحها حضورا معلميا في سياق بيئة القرن الحادي والعشرين. ووجد في روبنز نظيرا مثاليا له بسبب طموحاته الكبيرة. روبنز عُرف بلوحاته التاريخية الضخمة ومشاهده الميثية التي تشبه مناظر هوليوود وبحفلات الصيد واللوحات الدينية التي كان يملؤها بصور الرهبان والقدّيسين والعذروات الفاتنات والمثيرات.
لكن من بين جميع رسّامي عصري النهضة والباروك، لم يشعل احد اهتمام بوتيرو ولم يجذب انتباهه أكثر من الرسّام الاسباني العظيم دييغو فيلاسكيز. كان فيلاسكيز دائما مصدر الهام وتحدّ للرسّامين من اسبانيا وأمريكا اللاتينية. وكان بوتيرو قد رأى لوحات فيلاسكيز عيانا في مدريد عندما كان يدرس في أكاديمية سان فرناندو عام 1952م. كان متحف برادو المكان الذي اجتذبه. وسرعان ما أصبح فيلاسكيز وغويا معلّميه الأكثر أهمّية في تلك الفترة.
في بعض لوحات بوتيرو إحساس بالوعي والنقد الاجتماعي. في إحداها يتناول أهمّية الذات ودور الفساد السياسي. رئيس الجيش يرتدي لباسا عسكريا جميلا بينما تتدلّى الأوسمة من صدره وعنقه. زوجته أو خليلته تلبس فستانا مصنوعا من فرو الثعالب النفيس. رأس الحيوان المسكين يتدلّى إلى وسط الفستان. غرور السيّدة تؤكّده ملابسها الزاهية والباهظة الثمن. وفي لوحة السيّدة الأولى، تظهر زوجة الرئيس ممتطية صهوة جواد بينما تظهر خلفها غابة من أشجار الموز.
أسأل بوتيرو عن رأيه في داميان هيرست. فيقول: هيرست؟ انه رجل ذكي، ذكيّ جدّا. لكن لا أعتقد أن ما يقدّمه فنّ عظيم. لديه إبداع يذكّرني بما تفعله وكالات الدعاية والإعلان. الفنّ شيء مختلف تماما. فنّ داميان هيرست فيه أفكار وإثارة. وإذا فرزنا الفنّ عمّا سواه فلن يبقى عنده فنّ كثير".

ولد فرناندو بوتيرو قبل 70 عاما في مدينة ميديين التي كانت قرية صغيرة ضائعة في جبال الأنديز قبل أن تتحوّل اليوم إلى مدينة كبيرة تشتهر بالكوكايين وبالبنوك.
في بوغوتا، وفي سنّ التاسعة عشرة بدأ يخالط الطليعيين الكولومبيين، ثم اخذ يرسم لوحات تذكّر بمرحلة بيكاسو الزرقاء.
وشيئا فشيئا، بدأ بوتيرو في السير على خطى فان ايك وديورر وروبنز وفيلاسكيز وغويا وريفيرا. ثم توجّه إلى أوربا ليدرس أعمال الرسّامين الكبار في متحفي برادو واللوفر. كان اللوفر قلعة ملكية بناها فيليب الثاني في أواخر القرن التاسع عشر. لكن كولومبيا هي التي كانت دائما في عقل بوتيرو. شوارعها، ناسها، جبالها، مناظرها البحرية؛ كلّ هذه الأشياء هي التي أعطته فنّه.
وفي سنّ الخامسة والعشرين أصبحت لوحات بوتيرو متميّزة وبات من السهل التعرّف عليها.
حياة فرناندو بوتيرو غنيّة بالزوجات وبالأطفال. فقد تزوّج من غلوريا زيا وزيرة الثقافية الكولومبية السابقة ورُزق منها بطفلين. ثم تزوّج من سيسيليا زامبرانو وأنجب منها طفلا. وتزوّج من الفنّانة اليونانية صوفيا فاري التي يعيش معها اليوم متنقّلا بين باريس وتوسكاني.
في التسعينيات أصبحت حياة بوتيرو وفنّه قاتمين، تماما مثل كولومبيا التي كانت تترنّح تحت عجلة العنف السياسي والحرب على المخدّرات. وفي عام 1994 اختطفه مجهولون اقتحموا منزله عنوة. وفي العام التالي انفجرت قنبلة تحت إحدى منحوتاته في شارع بـ بوغوتا، ما أدّى إلى مقتل 27 شخصا.
ابن بوتيرو الأكبر، وهو وزير دفاع سابق، قضى في السجن حوالي ثلاثين شهرا لتقاضيه رشوة بـ 6 ملايين دولار من كارتيل كالي للمخدّرات.
ولم يتحدّث بوتيرو مع ولده لمدّة ثلاث سنوات بعد الإفراج عنه. وقبل تسع سنوات حُكم على الابن بستّة وثلاثين شهرا أخرى في السجن بتهمة السرقة.
إن من الصعب الإمساك بحياة بوتيرو. لكن فهم فنّه يبدو أكثر صعوبة. وعلى العكس من زوجاته، تبدو نساؤه المرسومات على درجة من الضخامة والبدانة.
يقول بوتيرو محاولا شرح الأمر: أمريكا وبريطانيا تعبدان كيت موس وفيكتوريا بيكهام وبوش سبايس والجسد الاسطواني النحيل، خاصّة عندما يكون تجسيدا للضعف. البروتستانتية نفسها هي ثقافة نحافة وإنكار. ويضيف: حياة أمريكا اللاتينية والشعوب الناطقة بالبرتغالية والإسبانية والفرنسية "باستثناء كندا" هي حياة فائضة. إننا نعيش حياتنا كاملة. نشرب كثيرا. نمارس الحبّ كثيرا. نشرب الشمبانيا كثيرا. بينما انتم البروتستانت تشربون الماء". إذن فالحياة الكاملة هي السبب في أن راهبات بوتيرو وممرّضاته يبدين حسّيات على نحو مخجل، بينما يظهر جنرالاته منتفخين بلحم أردافهم التي تبرز من داخل زيّهم العسكري.

من الواضح أن بوتيرو ابتكر أسلوبه الخاصّ في الرسم والذي تمسّك به طوال حياته منذ كان مراهقا. كان متعاطفا مع شخصيّات روبنز وقد درس أسلوب المعلّم الهولندي بعمق. لكن فنّ بوتيرو هو عن الحياة في كولومبيا. لماذا، إذن، لم يعش في كولومبيا؟ لماذا يقضي معظم السنة في باريس؟ ولماذا عاش 14 عاما في نيويورك، وطن البروتستانت الذين ينكرون الحياة؟! الجواب هو أن بوتيرو لا يشعر بالأمان في كولومبيا. منظّمات الجريمة والمخدّرات تحكم قبضتها على الريف وعلى المدن الصغيرة مثل ميديين وغيرها.
وقد كان بوتيرو نفسه هدفا للاختطاف وربّما ما هو أسوأ. وفي عام 2000 بدأ يرسم مناظر من العنف الكولومبي. وفي عام 2007 رسم سلسلة من اللوحات التي تصوّر بعضا من مشاهد التعذيب التي جرت في سجن أبو غريب العراقي.
ويوافق بوتيرو على أن كولومبيا هي اليوم أكثر أمنا ممّا كانت عليه قبل عهد الرئيس الجديد. لكنّه ما يزال يكتفي بالإقامة فيها مدّة شهر واحد فقط في السنة.
"في كلّ الأحوال، لا استطيع النوم في البيت إلا برفقة شخصين أو ثلاثة ينامون معي. هذا مع أنني محميّ جيّدا وأتنقّل في سيّارة مصفّحة".
فرناندو بوتيرو يحتاج لأن يبقى في أوربّا. ففيها تسعة وتسعون بالمائة من المتعاملين معه وطالبي لوحاته.
أقول له: أنت رجل من هذا العالم وتعيش بسعادة في المنفى. يردّ بصوت أجشّ: لا، أنا رجل من كولومبيا، أنا كولومبي مائة بالمائة. موضوعاتي كولومبية، ولم اشعر بكوني أمريكيا بعد أن عشت في أمريكا لأربعة عشر عاما. كما لا أحسّ بانتمائي لـ فرنسا مع أنني أعيش في باريس منذ سنوات. لو كُتب لحياتي سيناريو مختلف لكنت عشت بسعادة في كولومبيا. كولومبيا مكان صعب. إنها ارض أمراء الحروب وتجّار المخدّرات ورجال العصابات. ولكي أنمو وينمو فنّي معي، كان عليّ أن أغادر. كان من الضروريّ بالنسبة لي أن اخرج من ذلك المكان كي أنمو وتنمو معي نسائي البدينات". "مترجم بتصرّف".

Sunday, October 24, 2010

الانطباعية الزُخْرفية

في بدايات القرن الماضي، تحوّلت قرية جيفرني الفرنسية إلى قبلة للرسّامين الذين قصدوا القرية بحثا عن فرص الرسم في الهواء الطلق والحياة الاجتماعية.
وكان هناك عامل إضافي اجتذبهم إلى ذلك المكان وتمثّل في وجود كلود مونيه رائد الانطباعية الذي استقرّ في جيفرني منذ مطلع العام 1883م. ورغم أن مونيه لم يشجّع الآخرين على أن يقتفوا أثره إلى القرية التي أقام فيها ابتداءً من عام 1883، إلا أن جيفرني أصبحت بسرعة حاضنة للرسّامين من جميع أرجاء العالم.
وكان من بين من قصدوها مجموعة من الرسّامين الأمريكيين الذين عبّروا عن رؤيتهم الفريدة عن الطبيعة الفرنسية من خلال أسلوب جديد في الرسم سُمّي في ما بعد بالانطباعية الزخرفية.
ويرجع الفضل في صياغة مصطلح "الانطباعية الزخرفية" للكاتب كريستيان برينتون الذي استخدمه لأوّل مرّة عام 1911. وقد اختاره برينتون عنوانا لمقال كتبه عن مواطنه الرسّام الأمريكي فريدريك كارل فريسيكا احد أعضاء مستعمرة جيفرني المشهورة للانطباعيين الأمريكيين.
ومع ذلك، فقد تمّ إحياء استخدام هذا المصطلح في العقود الأخيرة من قبل مؤّرخ الفنّ وليام غيرتس ليصف به اللوحات التي تصوّر أشخاصا والتي رسمها فريسيكا وعدد من زملائه الآخرين مثل ريتشارد ميلر ولويس ريتمان وروبرت ريد.
ونفس هذا المصطلح جرى تطبيقه على رسّامين آخرين من مدرسة جيفرني الذين كانوا يرسمون الأشخاص، مثل كارل اندرسون وغاي روز وألبيرت بور.

والانطباعية الزخرفية تصف أسلوبا في رسم الشخصيات الإنسانية يحاول الفنّان من خلاله التوفيق بين الأساليب الأكاديمية والتأثيرات الانطباعية وما بعد الانطباعية.
وأعمال هؤلاء الرسّامين تصوّر النساء غالبا، إمّا في الهواء الطلق أو داخل المنازل، حيث يظهر الأشخاص مغمورين بالضوء الطبيعي الذي يتسرّب من خلال نوافذ البيوت.
والعديد من هذه اللوحات تطغى عليها الزخرفة بشكل واضح. وهي تحاكي أسلوب الرسم الياباني الذي يركّز على الاستخدام المكثّف للأنماط في الخلفيات.
وأعمال المؤسّسين الأوائل للانطباعية الزخرفية كانت مشهورة كثيرا في بدايات القرن الماضي. لكن هذا الأسلوب استمرّ حتى منتصف القرن نفسه من خلال بعض تلاميذ رسّامي مدرسة جيفرني. وفي السنوات الأخيرة انتعش الأسلوب من جديد على يد بعض رسّامي الأشخاص المعاصرين.
وبينما كان الفنّانون الانطباعيون الأمريكيون يرسمون لوحاتهم في قرية جيفرني الفرنسية الصغيرة منذ نهايات القرن التاسع عشر، فإن الرسّامين الذين ابتكروا أسلوب الانطباعية الزخرفية استقرّوا في النورماندي في مطلع القرن العشرين.
كان هؤلاء على علم بتطوّر الانطباعية وما بعد الانطباعية في فرنسا. وكانوا يطمحون إلى توظيف بعض العناصر من هذه الحركات في أعمالهم. وكانت لكلّ واحد منهم طريقته الخاصّة في العمل وأسلوبه في استخدام الفرشاة. لكنهم كانوا جميعا معروفين بجمال مواضيعهم وبهاء أسلوبهم الزخرفي.
كان فريدريك كارل فريسيكا احد مواطني ميشيغان وقد تلقى تدريبا في الرسم على يد فنّان درس الرسم في باريس. وقد استقرّ فريسيكا في جيفرني عام 1906 حيث رسم نساءً في بيئات خارج البيوت باستخدام ألوان الباستيل. ومن الواضح انه كان متأثرا بـ رينوار، كما كان يولي عناية فائقة لطريقة تصميم مناظره.

ريتشارد ادوارد ميللر نشأ ودرس في سينت لويس بـ ميزوري، ثم درس في فرنسا. وفي ما بعد عرض بعض لوحاته في صالون باريس. أعمال ميللر المبكّرة تُظهر أشخاصا مرسومين بعناية مع خلفيات ممثّلة بطريقة فضفاضة. لكن بعد أن استقرّ به المقام في جيفرني أصبحت لوحاته أكثر سطوعا واستنبط لنفسه أسلوبا خاصّا في تمثيل شخوصه.
غاي روز درس الرسم في سان فرانسيسكو ثم في باريس، حيث تأثر بالمدرسة الطبيعية ثم بالانطباعية الفرنسية. روز يوصف غالبا بأنه الأكثر "فرنسية" من بين جميع الانطباعيين الأمريكيين. وقد زار جيفرني قبل أن يستقرّ فيها نهائيا بمعيّة زوجته ايتيل في العام 1904. كان روز يركز على رسم الطبيعة والأشخاص. وفي جيفرني أصبح يرسم النساء خارج بيئة المنازل وباستخدام أسلوب تغلب عليه السمات الانطباعية.
لوتون باركر كان فنّانا ومعلّما سافر كثيرا بين الولايات المتحدة وأوربّا إلى أن قرّر الإقامة في جيفرني عام 1903. وعلى الرغم من أن باركر كان متأثّرا بـ فريسيكا، إلا انه لم يكن ميّالا إلى رسم أشخاص في بيئة الحدائق قبل عام 1909. لكنه في ما بعد رسم نفس المواضيع التي كان يرسمها رفاقه الأمريكيون في جيفرني.
ادوارد غريسين المولود في نيويورك وصل إلى جيفرني عام 1907 حيث رسم سلسلة من اللوحات التي تصوّر حدائق وبيئات منزلية بتأثيرات فرنسية واضحة.
كارل اندرسون حلّ هو الآخر في جيفرني ولوقت قصير. ثم ما لبث أن غيّر مسيرته بعد ذلك. لكن أعماله ظلّت مرتبطة بأجواء القرى الفرنسية حيث تبنّى نفس المواضيع والأسلوب الفنّي الذي دشّنه زملاؤه.
في ديسمبر من عام 1910، نظّم ستّة من رسّامي جيفرني، هم فريسيكا وميلر وباركر وروز وغريسين وأندرسون، معرضا لأعمالهم في غاليري ماديسون في نيويورك، حيث أطلق عليهم "مجموعة جيفرني" ووصفهم احد الكتّاب بأنهم "انطباعيون من نوع خاصّ".

الرسّام الأمريكي لويس ريتمان المولود في روسيا جاء هو أيضا إلى جيفرني في العام 1911 وأمضى فيها الأعوام الثمانية عشر التالية. وقد بقي هناك حتى بعد أن اندلعت شرارات الحرب العالمية الأولى التي دفعت معظم زملائه الأمريكيين للعودة إلى وطنهم . كان ريتمان متأثّرا كثيرا بـ فريسيكا وقد رسم هو الآخر نساءً في بيئات داخل وخارج البيوت. وكان يقارب شخوصه بطريقة حسّاسة ويتعامل مع الخلفيات بأسلوب يذكّر بالانطباعية الفرنسية.
وهناك رسّام أمريكي آخر تقع رسوماته ضمن تصنيف الانطباعية الزخرفية هو روبرت ريد. ورغم أن ريد لم يكن جزءا من مستعمرة جيفرني، إلا انه تلقّى تدريبا في باريس وكان يحاول التوفيق بين تدريبه الأكاديمي والجانب الزخرفي. وكان يستخدم تراكيب ديكورية جريئة مملوءة بالألوان الباردة التي تذكّر ببعض مدارس الرسم الحديث.
ولأن العديد من أعضاء مستعمرة جيفرني كانوا معلّمين وموجّهين لعدد من الرسّامين الأمريكيين، فإن أسلوبهم في الرسم عاش وبقي من خلال أعمال تلاميذهم.
اثنان من هؤلاء هما ثيودور لوكيتس وكريستيان فون شنيداو اللذان انتهى بهما المطاف في كاليفورنيا التي احتضنت وشجّعت الانطباعية الأمريكية أكثر من أيّ مكان آخر. "مترجم بتصرّف".