:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, December 11, 2005

مذكرات عزيز نسين - 2 من 2

3- يـد أولّ أنـثـى!
كانت العمّة سارة وزوجها محمد أفندي يعيشان في إحدى الغرف الثلاث التي شغلنا إحداها بعد عودتنا من المقبرة.
وكان للعمّة سارة ابن في نفس عمري، كما كان لها ابنة من زوجها الأول اسمها سيرفت.
كان محمد أفندي معتادا على ضرب سيرفت كل ليلة. وكانت الفتاة تبكي من شدة الضرب.
أمّ الفتاة، أي العمّة سارة، نشأت من دون أب ولا أم وبدأت تحسّ بالضيق والألم جرّاء ما يحدث لابنتها. وكحلّ للمشكلة بدأت تحضر البنت إلى غرفتنا في بعض الليالي.
وبما انه لم يكن عندنا سرير آخر فقد كنت وسيرفت ننام معا على نفس السرير.
وقد لاحظت أن سيرفت كانت تتعمّد رفع الغطاء لتخرج يدها وتتحسّس بعض أجزاء جسمي، ثم تمسك بيدي وتمرّرها على صدرها.
كنت أحسّ بطريقة ما أن ما تفعله أمر غير لائق، ولكن نتيجة لشعوري بالخجل لم اكن اجرؤ على إخبار أحد. وقد اعتدت النوم وأذني مصغية إلى إيقاع صوت ماكينة الخياطة فيما كانت يدي الصغيرة مستقرّة على الموضع الذي ترغبه سيرفت!
وفي أحد الأيام القوا بسيرفت خارج البيت.
بعد سنة تقريبا عادت الفتاة إلى المنزل.
لقد أصبحت راقصة.
كانت تنتعل كعبا عاليا. وقبل أن تنصرف أعطت أمها بعض النقود.
لم نرَ سيرفت بعد تلك الزيارة أبدا.
وإذا كانت ما تزال حيّة فلا بد أنها تجاوزت الستين عاما الآن.
بعد سنوات تخرّج أخوها من أمها من إحدى المدارس الأجنبية وغادر إلى أوربا.

4- أولّ وآخـر صفعـة مـن أمـي!
مالك الأرض التي كان يقوم عليها المنزل كان رجلا كرديا طيب القلب. وكانت زوجته السمراء امرأة متواضعة إذ لم تكن تتردّد في الحديث إلى أيّ من المستأجرين.
وكان ابنه الوسيم محمد يحبّني كثيرا، وفي كلّ صباح كان يناديني في طريقه إلى العمل: نصرت.. نصرت!
وكنت أجيبه: هاه!
لكن أمي كانت توبّخني على طريقة ردّي قائلة: هذا عيب. يجب أن تقول له: نعم يا سيّدي.
طيّب يا أمي. قلت لها.
لكن في اليوم التالي عندما ناداني محمد نسيت ما كانت قالته لي أمي وصحت: هاه!
في تلك المرّة وبعد أن انصرف محمد أخذتني أمي إلى الغرفة وصفعتني. كانت تلك أولّ وآخر صفعة تلقيتها من أمي.
في صباح اليوم التالي ناداني محمد: نصرت!
أجبته بلا تردّد: نعم يا سيدي.
ولم اقل هاه بعدها أبدا!

5- لله مـا أعطـى ولله مـا أخـذ!
أصبحت أختي ذات الثلاث سنوات مريضة، ساقاها لم يعودا يحملانها.
بعد سنوات عرفت أنها كانت تعاني من مرض هشاشة العظام بسبب نقص التغذية وغياب الرعاية اللازمة.
لكن ماذا عن الطبيب والدواء؟ كنا فقط نسمع باسم الطبيب، فبالنسبة لنا كان يبدو مخلوقا مترفا ولا يمكن الوصول إليه، وعلى الأرجح ما كنا نحلم حتى بسماع صوته على الإطلاق.
وعندما كان يموت طفل كان أهله يقولون: لله ما أعطى ولله ما أخذ.
ولو كانت أختي قد تلقّت غذاءً كافيا ودواءً مناسبا لكانت قد شفيتْ منذ وقت طويل.
جرّبوا كل الأدوية الشعبية التي كان يمكن تحضيرها دون الحاجة إلى المال.
وعندما فشلت كل تلك الأدوية قيل لامي أن تجرّب وسيلة أخرى إذا أرادت أن تشفى ابنتها.
"في المساء عندما ينادى للصلاة خذي الطفلة إلى المقبرة واتركيها هناك بجوار شاهد أحد القبور، ثم عودي إلى البيت دون أن تلتفتي وراءك ودون أن تذرفي دمعة. إذ أن شخصا ما سيتبعك ويحضر البنت إلى البيت".
هكذا قيل لامي.
شرحت أمي للصغيرة أنها لكي تشفى من مرضها وتعاود المشي كما اعتادت في السابق، يجب أن تتحمّل التجربة. وقالت لها إنها يجب ألا تبكي عندما تترك لوحدها في المقبرة.
كانت أختي فتاة ذكية وجميلة.
وفي كل ليلة كانت أمي تمسك بذراع أختي وبذراعي أنا أيضا ونتّجه ثلاثتنا إلى المقبرة. كان جوّ المقبرة كئيبا مقبضا وكانت الظلال المخيّمة على المكان تزيد من شعورنا بالرهبة والخوف.
وعندما يرتفع صوت الآذان كانت أمي تترك الصغيرة بجانب أحد القبور وتأخذني من يدي وتهرول مسرعة.
استمرّ الحال هكذا طوال اشهر، إلى أن حلّ فصل الشتاء. ولا مرّة التفتت أمي خلفها، ولم تتزحزح الصغيرة عن مكانها بجوار القبر أبدا كما لم تصدر عنها أية إشارة تبرّم أو خوف.
لم اكن أرى وجه أمي من وراء الحجاب، لكن .. من يعرف قدر معاناتها والمها وهي تجاهد طوال الطريق كي لا تبكي!
وعند وصولنا إلى البيت كانت أمي تلقي بنفسها على الفراش وتجلس باكيةً منتحبة إلى أن تعود الصغيرة إلى المنزل.
لطالما فكرتُ في عواقب ترك طفلة مريضة في مقبرة كملجأ أخير لشفائها من مرضها.
الفقراء الذين لا يملكون المال أو الدواء ولا حتى القدرة على إطعام أطفالهم كانوا يدعون الله قائلين: يا الهي! لقد تركت طفلي في رعايتك. فادفن مرضه في الأرض وأرجعه إلينا سالما معافى!

6- بــئـر الأمانـي!
لم نتلقّ أي أخبار من أبي. ولم نكن نعرف مكانه ولا ماذا كان يفعل.
ربّما يكون قد مات في الحرب.
كانت النساء يناقشن الوضع فيما بينهن. وكانت هناك بئر ماء يسمونها بئر الأماني. عندما تنظر إلى اسفل البئر يمكنك أن ترى وجه الشخص المفقود هناك إن كان لا يزال حيا!
أما إن كان قد مات فربّما لا يظهر شئ أو ربّما ُيرى كفنه.
ذهبت اثنتان من جاراتنا بمعيّة أمّي وأنا إلى البئر الواقعة في طرف أحد التلال.
وعندما وصلنا إلى البئر قالت لي أمي: لا تقترب اكثر، انتظر هنا.
هناك أحنين رؤوسهن داخل البئر بعد أن اسندن أيديهن إلى السور الدائري الصغير الذي يسيّج فوهتها. وانسللتُ أنا ببطء باتجاههن ثم أخذت طريقي بينهن متشبثا بأرديتهن وأنا أحدّق في قاع البئر.
هناك رأيت وجه أبي بوضوح!
كان يمرّ بالقرب منا في قارب عند قاع البئر.
بالتأكيد كان ما رأيته ضربا من الوهم الذي كان يسكن رأس طفل صغير مثلي.
لكنني مع ذلك كنت واثقا من أنني رأيت وجه أبي.
لم تستطع أمي ولا جاراتها رؤية أبي، لكنني، ربما لأنني ذهبت إلى هناك دون إذن منهن، كنت أحسّ بالثقة فصرخت: لقد رأيت وجه أبي!

7- الخـوخ البـرّي وإبـر الصنـوبـر!
في أحد الأيام سمعتُ قرعا على باب بيتنا وأسرعتُ كالعادة لفتح الباب.
وقف قبالتي رجل ذو قوام هزيل ولاحظت أن حواجبه ورموش عينيه وجزءا من شعر رأسه كانت محترقة.
شعرتُ بالخوف والاضطراب وصحت: ماما، ماما!
لكن الرجل اندفع نحوي وحملني بين ذراعيه وضمّني بشدّة وهو يقول: ولدي! ألا تعرفني؟!
كان والدي قد نجا من الموت بأعجوبة عندما نجح في الهرب من مسجد كان جيش العدو المنسحب قد اقتحمه وسكب على أرضيته الكيروسين قبل أن يضرم فيه النار.
وفي اليوم الذي عاد فيه أبي إلى البيت سقط مريضا واستلقى في السرير ومكث هناك اشهرا.
أمّي التي أصبحت تخيط كميات اكبر من ملابس الجنود خصّصت معظم وقتها للعناية بأبي.
مع مرور الأيام اصبح أبي ضعيفا جدا. لم يكن يستطيع النهوض من السرير أبدا.
وقد صنع لنفسه دواءً مزجه من بعض الأعشاب والنباتات. ومن وقت لاخر كانت الحمّى تداهمه وكان يرتعش وينادي على أمي قائلا: غطيني، غطيني يا مدام!
حتى عندما يكون في قمة غضبه كان أبي ينادي أمّي: يا مدام!
لا أتذكّر بالضبط ماذا كانت أمي تقول لأبي أو كيف كانت تخاطبه. ببساطة، لم تكن تقول شيئا. لم اكن اسمعها تقول شيئا أبدا.
إلا أنها عندما كانت تتحدّث مع النساء الأخريات كانت تشير إلى أبي بقولها "سيّدنا" أو "الافندي"!
وعندما تتحدّث مع إنسان قريب جدا كانت تشير إلى بابا بقولها "أبونا".
"غطيني يا مدام. أرجوك غطيني"! كانت أمي تغطيّه بالبطانيات والشراشف والجاكيتات وبأي شئ يصلح كلحاف.
وتحوّل رأس السرير إلى ما يشبه التلّ الصغير. وكما لو كانت أمي هي السبب في البرودة التي كان يشعر بها أبي بسبب الحمّى، كان لا يكفّ عن الصراخ فيها: قلت غطيني يا مدام!
في أحد الأيام كان أبي يرتعش بشدّة لدرجة انه ُخيّل إليّ أن الأرضية تتشقّق.
"أسرعي واحضري لي بعض ثمار الخوخ البرّي الأخضر"! صاح في أمي.
كان أبي رجلا عصبيا للغاية. وأياً ما كانت رغبته، فإنه كان يحبّ أن تنفّذ دون إبطاء.
كان على الأرجح يريد تناول بعض ثمار الخوخ البرّي لكي تبرّد جوفه الذي كان يشتعل من شدة الحرارة.
ذهبت أمي إلى البستان القريب وجلبت معها بعض ثمار الخوخ. وأكل أبي الفاكهة الصغيرة بينما كان وجهه يتغضّن من فرط حموضتها.
في اليوم التالي وقف أبي على قدميه وبدأ يشعر بأن صحّته تتحسّن.
كان يدرك بأن الفضل في ذلك يعود إلى ثمار الخوخ البرّي!
ولسنوات عديدة فيما بعد كان يقول لمن حوله: لقد أنقذني الخوخ البرّي من المرض ولولاه لكنت الآن في عداد الأموات! في ذلك اليوم أكلتُ مكيالين من الخوخ"!
كان أبي يحب المبالغة دائما، فأنا اعرف انه لم يأكل سوى بضع حبّات.
في ذلك الوقت عانى أبي من نوبات الصداع الشديد. وكان عندما يفاجئه الصداع يغرس إبر الصنوبر في انفه. وعندما تبدأ انفه بالنزف يتوقف الصّداع ويحسّ بالراحة.

8- أولّ حادثـة وفـاة!
في أحد الأيام احضر أبي معه إلى البيت بعض التفاح. قال لي: استدر نحو الجدار!
وعندما استدرت سقطت تفاحة أمامي ثم واحدة أخرى.
ثم قال أبي: انظر. لقد بعث الله إلينا بهذه التفاحات، فاشكره.
لكن الله الذي أرسل التفاحات لم يشفِ أختي الصغيرة من مرضها. فقد ماتت.
عندما حمل أبي الكفن الصغير إلى القبر اعتقدت انه لعبة، فضحكت!
قلت في نفسي: سيضعون أختي في هذا الصندوق الخشبي الصغير ويودعونه في المقبرة. وهناك ستتحسّن حالها وتعود مسرعة إلى بيتنا.
"خذوا الولد إلى الداخل". قالت النساء. ووضعوني في الغرفة.
جاءت أمّي إلي وهي تبكي وقبلتني. "أختك ماتت"، قالت لي. "ولا يجب أن تضحك"!
أدركتُ ساعتها أنني ارتكبت غلطة سخيفة، وأحسستُ بالخجل.
دائما ما يسألني الناس لماذا وكيف أصبحتُ كاتبا ساخرا.
لا اعرف السبب بالتحديد.
لكني اعتقد أن السبب يعود إلى طبيعة الحياة التي عشتها.
لقد كانت حياتي عبارة عن مشوار طويل من المعاناة والحزن والدموع!

9- الأزهــــار ..!
لم تكن أمّي تقرأ أو تكتب.
لكنها كانت امرأة ذات حسّ إنساني رفيع.
كل الأمّهات هن افضل نساء العالم!
وأمّي - لأنها أمّي - كانت افضل امرأة في هذه الدنيا!
في أحد الأيام قطفتُ بعض الأزهار من الحديقة وأخذتها إليها.
أحسّت أمّي بالسرور لتلك البادرة. ثم قالت: تعال معي لنقطف المزيد من الأزهار.
ذهبنا إلى الحديقة. وأشارت أمّي إلى بعض الأزهار.
ثم قالت: "انظر! ما اجمل هذه الأزهار! هذه الأزهار حيّة تماما مثلنا. وإذا قطفناها تموت. إنها تظلّ اجمل على فروعها. لكنها لا تحافظ على هذا الجمال إذا وضعناها في كأس من الماء".
وكلما مررنا من أمام زهرة كانت أمي تقول: اقتلها! اقطفها إن أحببت!
إن كلّ ما تعلمته في هذه الحياة من خصال طيبة وصفات نبيلة أدين به .. إلى أمي!

10- "وإلـى ربـّك فارغـب" ..
تم تسجيلي في مدرسة الحي، وكانت بعيدة قليلا عن بيتنا.
المدرسة عبارة عن منزل. أما المعلمة أو الحجيّة فكانت امرأة تتارية وكان لها ثلاث بنات جميلات.
كانت تلك الفترة هي فترة نزوح الروس البيض إلى مدينة اسطنبول.
عرفت هذا بعد أن احضر أبي معه إلى البيت أوراقا نقدية كبيرة وكان عليها أرقام لاتينية والى جوار تلك الأرقام أصفار ثلاثة وأحيانا خمسة أو ستة.
وبعد الثورة البلشفية وبينما كان الروس البيض يفرّون كانوا يهرّبون معهم الكثير من تلك الأوراق النقدية بينما كان البعض الآخر يشترون المزيد منها.
كانوا يتوقعون عودة القيصر إلى الحكم ذات يوم وانهم سيصبحون بعد ذلك مليونيرات.
ورغم أن الثوّار الغوا تلك الأوراق النقدية، فإن الكثيرين الذين لم يفقدوا الأمل في أن يصبحوا أثرياء عمدوا إلى جمع اكبر كمية من تلك النقود القيصرية.
وقد علمتُ بمجيء الروس البيض إلى اسطنبول من امرأة روسية جميلة كانت تقيم بالمدرسة. كانت موهوبة وبارعة في عمل أنوار الظلّ المزخرفة التي كانت تبدو لنا في الليل كما لو كانت سفنا فضائية!
كنا نجلس على أرضية الفصل وأمامنا طاولات صغيرة وكان كلّ واحد من التلاميذ يعتمر طربوشا.
تعلمنا طريقة الربط بين الحروف بالإضافة إلى ترتيل وحفظ آيات الصلاة من جزء عمّ. وكنا نبدأ حصة الكتابة بدعاء يقول: ربّ يسّر ولا تعسّر .. ربّ تمّم لنا بالخير.
كنا نردّد هذا الدعاء الذي حفظناه عن ظهر قلب باللغة العربية في بداية كل حصّة دون أن نعرف معناه.
واتى اليوم الذي جاء فيه الدور عليّ، وتلوت: ألم نشرح لك صدرك.
لماذا وكيف كنا نحن الأولاد الصغار مطالبين بحفظ تلك الكلمات العربية دون أن نعرف معناها أو نفهم الرسالة التي تنطوي عليها؟!
ولماذا كانوا يحشون رؤوسنا بها؟!
لم يكونوا يعلموننا النسخة التركية من تلك السور التي كان مطلوبا منا أن نحفظها، ربّما لان التركية اصعب من اللغة العربية!
في أحد الأيام كنت أرتّل تلك السورة وعندما نطقت السطر الأخير: "والى ربّك فارغب"، طار الطربوش من على رأسي فجأة!
تلفتّ حولي بذهول غير مدرك لما حصل وإذا بي أفاجأ بأن الطربوش استقر على رأس عصا معلمتنا الحجية. لم يكن لدي فكرة عن طبيعة ما حدث ولم أتمكن بداعي الخوف والإحراج من أن اطلب من الحجيّة إعادة طربوشي إلي.
قلت في نفسي: عندما أعود إلى البيت من دون طربوش فإن أمي ستقيم الدنيا ولا تقعدها. وإذا قلت لها بأن الحجيّة استولت عليه فهل ستصدّقني؟
في تلك الأيام كان شراء طربوش يعادل شراء طقم استريو في هذه الأيام.
عدت إلى البيت وأنا ابكي. ولم اكن راغبا في أن يروني باكيا، فغسلت وجهي وعينيّ وقلت لامي معترفا: الحجيّة أخذت الطربوش!
فصاحت: ما شاء الله ما شاء الله. وأسرعت نحوي تحتضنني وتقبّلني بفرح.
ذلك كان التقليد الشائع في تلك الأيام. إذ عندما تتقن تلاوة وتجويد سورة الانشراح فإن المعلم أو المعلمة يخطف طربوشك دليلا على نجابتك وتفوّقك. وتلك هي الطريقة التي يتمّ بها إخبار والدي الطفل انه نجح.
بعد ذلك يتعيّن على أهل التلميذ أن يعدّوا شيئا من كعك العسل أو معجّنات الجبنة ويقدّموه هديّة إلى المعلم قبل أن يستعيدوا طربوش ابنهم منه!

11- جئت إلى هذا العالم لأضحك! لكني الآن أبكي.. ولا أدري لماذا!
كان اجمل منزل في المنطقة هو المنزل الذي يملكه حافظ رجب أفندي.
البيت مطلي من الخارج باللون الأصفر الخفيف.
وحافظ رجب يتمتّع كذلك بصوت جميل جدا.
انه شخص مشهور في تلك الناحية كما انه يغنّي!
إلى جوار بيت حافظ كانت تسكن امرأة عجوز كانت تبدو غنيّة وميسورة الحال. كانت المرأة تحبّني كثيرا.
محمد أفندي ابن مالك البيت الذي نسكن فيه سيتزوّج قريبا. والعروس الموعودة عذراء شركسية.
يا للجمال ويا للفتنة! سبحان من خلق فأبدع! تعرفون تلك البقع الوردية التي تظهر على حبّات العنب الأحمر! حسنا. كان هناك على وجه العروس حبّات كلف صغيرة تحاكي في دوائرها المتوّردة لون حبّات العنب الأحمر!
وقد تقرّر أن يقام حفل الزفاف في حديقة المنزل.
كنت وقتها قد تجاوزت السنّ المقررة للختان. وكانت أمي تفكّر بالأمر كثيرا. إذ كيف ستدبّر أمر حفلة ختاني؟ المسألة بحاجة للكثير من المال.
وفجأة تقرّرت حفلة ختاني لتتزامن مع حفل زواج الشاب الكردي الوسيم محمد والحسناء الشركسية.
لم يكن لدينا سرير في المنزل. كنا ننام على أرضيّة الغرفة. وقد استعرنا من بعض جيراننا بعض السرر والملابس من اجل حفل الختان.
ولو كان الأمر عائدا لأبي لما كان هناك حفل بالمرّة. ليس لانه كان غير مهتمّ بختاني وانما لانه كان يحرص على ألا يعرف الآخرون حالة الفقر والعوز التي كنا نحياها.
وضعت أمّي طاقية الختان على رأسي. كان مكتوبا عليها "ما شاء الله". ولا بدّ أنها استعارتها من إحدى جاراتها.
ثم ارتديتُ بنطلونا من القطيفة وقميصا من الساتان ووشاحا احمر. وأخذتني أمّي بعد ذلك إلى منزل العجوز الغنية كي اقبّل يدها.
في المساء بدأ الحفل. كان حفلا باذخا فقد كان هناك سحرة يغنون ويرقصون كما في المسرح. واصبح محمد أفندي بمثابة أبي الروحي.
في المقاطعات الشرقية يتمتّع الأب الروحي بمنزلة رفيعة وهو أحيانا اقرب إلى الشخص من بعض الأرحام.
الشخص الذي يأخذ قطرات من دم الختان على يديه يصبح تلقائيا الأب الروحي للمختون. وهذا يعني أن عليه أن يوفّر الحماية لهذا الأخير طيلة حياته.
الشخص الوحيد الذي منحني هدية الختان هي تلك العجوز الثرية.
كانت الهدية عبارة عن دمية لجمل صغير مغطى بالنقوش الشمعية الجميلة.
عندما رأيت الجمل نسيت آلام الختان. وكنت آخذه لينام معي بالليل.
أما أبي فقد أعطاني عملة عثمانية من الفضة.
واذكر انه كانت هناك امرأة تغني. كانت يهودية على الأرجح. وما زال صوتها يرنّ في أذني.
كانت المرأة تغني بصوت خشن متكسّر ومكتوم: "جئتُ إلى العالم لأضحك. وأنا الآن أبكي .. ولا ادري لماذا"!