مذكرات عزيز نسين/2


عزيز نسين كاتب تركي ساخر غزير الإنتاج، ألّف أكثر من مائة كتاب ما بين رواية ومسرحية وقصّة قصيرة، كما تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات وبيعت كتبه في معظم بلدان العالم. ومؤخّرا صدرت الترجمة الإنغليزية للسيرة الذاتية للكاتب واختير لها عنوان "الاسطنبولي". فيما يلي ترجمة لمقاطع من تلك المذكّرات التي يحكي فيها نسين بعضا من ذكرياته وتجاربه التي تشكّل بدورها جزءا من تاريخ تركيا الحديث.

❉ ❉ ❉

  • في أحد الأيّام سمعتُ قرعاً على باب بيتنا وأسرعتُ كالعادة لفتح الباب. وقف أمامي رجل ذو قوام هزيل ولاحظت أن حواجبه ورموش عينيه وجزءا من شعر رأسه كانت محترقة. شعرتُ بالخوف والاضطراب وصحت: ماما، ماما"! لكن الرجل اندفع نحوي وحملني بين ذراعيه وضمّني بشدّة وهو يقول: ولدي! ألا تعرفني"؟!
    كان والدي قد نجا من الموت بأعجوبة عندما نجح في الهرب من مسجد كان جيش العدو المنسحب قد اقتحمه وسكب على أرضيته الكيروسين قبل أن يضرم فيه النار. وفي اليوم الذي عاد فيه إلى البيت وقع مريضا واستلقى في السرير ومكث هناك أشهرا.
    أمّي التي أصبحت تخيط كميّات اكبر من ملابس الجنود خصّصت معظم وقتها للعناية بأبي. ومع مرور الأيّام اصبح ضعيفا جدّا. لم يكن يستطيع النهوض من السرير أبدا. وقد صنع لنفسه دواءً مزجه من بعض الأعشاب والنباتات. ومن وقت لآخر كانت الحمّى تداهمه وكان يرتعش وينادي على أمّي قائلا: غطّيني، غطّيني يا مدام"!
    حتى عندما يكون في قمّة غضبه كان أبي ينادي أمّي: يا مدام! لا أتذكّر بالضبط ماذا كانت أمّي تقول لأبي أو كيف كانت تخاطبه. ببساطة، لم تكن تقول شيئا. لم اكن اسمعها تقول شيئا أبدا. إلا أنها عندما كانت تتحدّث مع النساء الأخريات كانت تشير إلى أبي بقولها "سيّدنا" أو "الأفندي"! وعندما تتحدّث مع إنسان قريب جدّا كانت تشير إلى بابا بقولها "أبونا".
    "غطّيني يا مدام. أرجوك غطّيني"! كانت أمّي تغطيّه بالبطانيات والشراشف والجاكيتات وبأيّ شئ يصلح كلحاف. وتحوّل رأس السرير إلى ما يشبه التلّ الصغير. وكما لو كانت أمّي هي السبب في البرودة التي كان يشعر بها أبي بسبب الحمّى، كان لا يكفّ عن الصراخ فيها: قلت غطّيني يا مدام"!
    في أحد الأيّام كان أبي يرتعش بشدّة لدرجة انه خُيّل إليّ أن الأرضية تتشقّق. "أسرعي واحضري لي بعض ثمار الخوخ البرّي الأخضر"! صاح في أمّي. كان أبي رجلا عصبيا للغاية. وأيّاً ما كانت رغبته، فإنه كان يحبّ أن تنفّذ دون إبطاء. كان على الأرجح يريد تناول بعض ثمار الخوخ البرّي لكي تبرّد جوفه الذي كان يشتعل من شدّة الحرارة.
    ذهبت أمّي إلى البستان القريب وجلبت معها بعض ثمار الخوخ. وأكل أبي الفاكهة الصغيرة بينما كان وجهه يتغضّن من فرط حموضتها. في اليوم التالي وقف على قدميه وبدأ يشعر بأن صحّته تتحسّن. كان يدرك بأن الفضل في ذلك يعود إلى ثمار الخوخ البرّي! ولسنوات عديدة فيما بعد كان يقول لمن حوله: لقد أنقذني الخوخ البرّي من المرض ولولاه لكنت الآن في عداد الأموات! في ذلك اليوم أكلتُ مكيالين من الخوخ"!
    كان أبي يحبّ المبالغة دائما، فأنا اعرف انه لم يأكل سوى بضع حبّات. في ذلك الوقت عانى أبي من نوبات الصداع الشديد. وكان عندما يفاجئه الصداع يغرس إبر الصنوبر في أنفه. وعندما تبدأ انفه بالنزف يتوقف الصّداع ويحسّ بالراحة.
  • ❉ ❉ ❉

  • ذات يوم، احضر أبي معه إلى البيت بعض التفّاح. وقال لي: استدر نحو الجدار"! وعندما استدرت سقطت تفّاحة أمامي فأخرى. ثم قال أبي: انظر. لقد بعث الله إلينا بهذه التفّاحات، فاشكره". لكن الله الذي أرسل التفّاحات لم يشفِ أختي الصغيرة من مرضها. فقد ماتت. وعندما حمل أبي الكفن الصغير إلى القبر اعتقدت انه لعبة، فضحكت!
    قلت في نفسي: سيضعون أختي في هذا الصندوق الخشبي الصغير ويودعونه في المقبرة. وهناك ستتحسّن حالها وتعود مسرعة إلى بيتنا. "خذوا الولد إلى الداخل"، قالت النساء. ووضعوني في غرفة. جاءت أمّي إليّ وهي تبكي وقبّلتني. "أختك ماتت"، قالت أمّي. "ولا يجب أن تضحك"! أدركتُ ساعتها أنني ارتكبت غلطة سخيفة، وأحسستُ بالخجل.
    دائما ما يسألني الناس لماذا وكيف أصبحتُ كاتبا ساخرا. لا اعرف السبب بالتحديد. لكني اعتقد أنه يعود إلى طبيعة الحياة التي عشتها. كانت حياتي عبارة عن مشوار طويل من المعاناة والحزن والدموع!
  • ❉ ❉ ❉

  • لم تكن أمّي تقرأ أو تكتب. لكنها كانت امرأة ذات حسّ إنساني رفيع. كلّ الأمّهات هنّ أفضل نساء العالم. وأمّي، لأنها أمّي، كانت أفضل امرأة في هذه الدنيا! في أحد الأيّام قطفتُ بعض الأزهار من الحديقة وأخذتها إليها. أحسّت أمّي بالسرور لتلك البادرة. ثم قالت: تعال معي لنقطف المزيد من الأزهار".
    ذهبنا إلى الحديقة. وأشارت أمّي إلى بعض الأزهار. وقالت: انظر! ما أجمل هذه الأزهار! هذه الأزهار حيّة تماما مثلنا. وإذا قطفناها تموت. إنها تظلّ أجمل على فروعها. لكنها لا تحافظ على هذا الجمال إذا وضعناها في كأس من الماء". وكلّما مررنا من أمام زهرة كانت أمّي تقول: اقتلها! اقطفها إن أحببت". إن كلّ ما تعلّمته في هذه الحياة من خصال طيّبة وصفات نبيلة أدين به إلى أمّي!
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • تمّ تسجيلي في مدرسة الحيّ، وكانت بعيدة قليلا عن بيتنا. المدرسة عبارة عن منزل. أما المعلّمة أو الحجيّة فكانت امرأة تتارية وكان لها ثلاث بنات جميلات. كانت تلك الفترة هي فترة نزوح الروس البيض إلى مدينة اسطنبول. عرفت هذا بعد أن احضر أبي معه إلى البيت أوراقا نقدية كبيرة عليها أرقام لاتينية. والى جوار تلك الأرقام أصفار ثلاثة وأحيانا خمسة أو ستّة.
    بعد الثورة البلشفية، وبينما كان الروس البيض يفرّون، كانوا يهرّبون معهم الكثير من تلك الأوراق النقدية، بينما كان البعض الآخر يشترون المزيد منها. كانوا يتوقّعون عودة القيصر إلى الحكم ذات يوم وانهم سيصبحون بعد ذلك مليونيرات. ورغم أن الثوّار الغوا تلك الأوراق النقدية، فإن الكثيرين الذين لم يفقدوا الأمل في أن يصبحوا أثرياء عمدوا إلى جمع اكبر كمية من النقود القيصرية.
    وقد علمتُ بمجيء الروس البيض إلى اسطنبول من امرأة روسية جميلة كانت تقيم بالمدرسة. كانت موهوبة وبارعة في عمل أنوار الظلّ المزخرفة التي كانت تبدو لنا في الليل كما لو كانت سفنا فضائية! كنا نجلس على أرضية الفصل وأمامنا طاولات صغيرة وكان كلّ تلميذ يعتمر طربوشا.
    تعلّمنا طريقة الربط بين الحروف بالإضافة إلى ترتيل وحفظ آيات الصلاة من "جزء عمّ". وكنّا نبدأ حصّة الكتابة بدعاء يقول: ربّ يسّر ولا تعسّر، ربّ تمّم لنا بالخير. كنّا نردّد هذا الدعاء الذي حفظناه عن ظهر قلب باللغة العربية في بداية كلّ حصّة دون أن نعرف معناه. وأتى اليوم الذي جاء فيه الدور عليّ، وتلوت: ألم نشرح لك صدرك.
    لماذا وكيف كنّا نحن الأولاد الصغار مطالبين بحفظ تلك الكلمات العربية دون أن نعرف معناها أو نفهم الرسالة التي تنطوي عليها؟! لم يكونوا يعلموننا النسخة التركية من تلك السور التي كان مطلوبا منّا أن نحفظها، ربّما لان التركية اصعب من اللغة العربية!
    في أحد الأيّام كنت أرتّل تلك السورة وعندما نطقت السطر الأخير: "وإلى ربّك فارغب"، طار الطربوش من على رأسي فجأة! تلفتّ حولي بذهول غير مدرك لما حصل وإذا بي أفاجأ بأن الطربوش استقر على رأس عصا معلّمتنا. قلت في نفسي: عندما أعود إلى البيت من دون طربوش فإن أمّي ستقيم الدنيا ولا تقعدها. وإذا قلت لها بأن الحجيّة استولت عليه فهل ستصدّقني؟
    في تلك الأيّام، كان شراء طربوش يعادل شراء طقم استريو في هذه الأيّام. عدت إلى البيت وأنا ابكي. ولم أكن راغبا في أن يروني على تلك الحال، فغسلت وجهي وعينيّ وقلت لامّي معترفا: الحجيّة أخذت الطربوش"! فصاحت: ما شاء الله ما شاء الله. وأسرعت نحوي تحتضنني وتقبّلني بفرح.
    ذلك كان التقليد الشائع في تلك الأيّام. عندما تتقن تلاوة وتجويد سورة الانشراح، فإن المعلّم أو المعلّمة يخطف طربوشك دليلا على نجابتك وتفوّقك. وتلك هي الطريقة التي يتمّ بها إخبار والديّ الطفل انه نجح. بعد ذلك يتعيّن على أهل التلميذ أن يعدّوا شيئا من كعك العسل أو معجّنات الجبنة ويقدّموه هديّة إلى المعلّم قبل أن يستعيدوا طربوش ابنهم منه!
  • ❉ ❉ ❉

  • كان أجمل منزل في المنطقة هو المنزل الذي يملكه حافظ رجب أفندي. البيت مطليّ من الخارج باللون الأصفر الخفيف. وحافظ رجب يتمتّع كذلك بصوت جميل جدّا. انه شخص مشهور في تلك الناحية، كما انه يغنّي! وإلى جوار بيت حافظ، كانت تسكن امرأة عجوز تبدو غنيّة وميسورة الحال. كانت المرأة تحبّني كثيرا.
    محمّد أفندي، ابن مالك البيت الذي نسكن فيه، سيتزوّج قريبا. والعروس الموعودة عذراء شركسية. يا للجمال والفتنة! سبحان من خلق فأبدع! تعرفون تلك البقع الوردية التي تظهر على حبّات العنب الأحمر. حسنا، كان هناك على وجه العروس حبّات كلَف صغيرة تحاكي في دوائرها المتوّردة لون حبّات العنب الأحمر.
    وقد تقرّر أن يقام حفل الزفاف في حديقة المنزل. كنت وقتها قد تجاوزت السنّ المقررة للختان. وكانت أمّي تفكّر بالأمر كثيرا. إذ كيف ستدبّر أمر حفلة ختاني؟ المسألة بحاجة للكثير من المال. وفجأة تقرّرت حفلة ختاني لتتزامن مع حفل زواج الشاب الكرديّ الوسيم محمّد والحسناء الشركسية.
    لم يكن لدينا سرير في المنزل. كنّا ننام على أرضيّة الغرفة. وقد استعرنا من بعض جيراننا بعض السرر والملابس من اجل حفل الختان. ولو كان الأمر عائدا لأبي لما كان هناك حفل بالمرّة. ليس لأنه كان غير مهتمّ بختاني، وإنما لأنه كان يحرص على ألا يعرف الآخرون حالة الفقر والعوز التي كنا نحياها.
    وضعت أمّي طاقية الختان على رأسي. كان مكتوبا عليها "ما شاء الله". ولا بدّ أنها استعارتها من إحدى جاراتها. ثم ارتديتُ بنطلونا من القطيفة وقميصا من الساتان ووشاحا احمر. وأخذتني أمّي بعد ذلك إلى منزل العجوز الغنية كي اقبّل يدها. في المساء بدأ الحفل. كان حفلا باذخا فقد كان هناك سحرة يغنّون ويرقصون كما في المسرح. وأصبح محمّد أفندي بمثابة أبي الروحي.
    في المقاطعات الشرقية، يتمتّع الأب الروحي بمنزلة رفيعة وهو أحيانا أقرب إلى الشخص من بعض الأرحام. الشخص الذي يأخذ قطرات من دم الختان على يديه يصبح تلقائيا الأب الروحي للمختون. وهذا يعني أن عليه أن يوفّر الحماية لهذا الأخير طيلة حياته. والشخص الوحيد الذي منحني هدية الختان هي تلك العجوز الثريّة.
    كانت الهدية عبارة عن دمية لجمل صغير مغطّى بالنقوش الشمعية الجميلة. عندما رأيت الجمل نسيت آلام الختان. وكنت آخذه لينام معي بالليل. أما أبي فقد أعطاني عملة عثمانية من الفضّة. وأذكر انه كانت هناك امرأة تغنّي. كانت يهودية على الأرجح. وما زال صوتها يرنّ في أذني. كانت تغنّي بصوت خشن متكسّر ومكتوم قائلة: جئتُ إلى هذا العالم لأضحك. وأنا الآن أبكي، ولا أدري لماذا"!

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء