مذكرات عزيز نسين/1
عزيز نسين كاتب تركي ساخر غزير الإنتاج، ألّف أكثر من مائة كتاب ما بين رواية ومسرحية وقصّة قصيرة، كما تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات وبيعت كتبه في معظم بلدان العالم. ومؤخّرا صدرت الترجمة الإنغليزية للسيرة الذاتية للكاتب واختير لها عنوان "الاسطنبولي". فيما يلي ترجمة لمقاطع من تلك المذكّرات التي يحكي فيها نسين بعضا من ذكرياته وتجاربه التي تشكّل بدورها جزءا من تاريخ تركيا الحديث.
❉ ❉ ❉
أما أنا فليس عندي ملاك، لكن عندي شياطين وسحرة! عُشر الواحد منهم إنسان والباقي وحش! إنها تحطّ على كتفي وتتسلّق فوق ظهري. وأنا أئنّ تحتها من فرط التعب والإنهاك! ليس عندي شيطان واحد ولا ساحر واحد. عندي الكثير من السحرة والشياطين! إذا نزل اثنان منهم عن ظهري صعد فوقه ثلاثة!
جمال الملائكة لا يجارى، وقبح السحرة والشياطين ليس له نظير. الملائكة تداعب، والشياطين تضرب وتقرص وتعضّ! الجنّي يتنفّس داخل أذن الفنّان الذي يحطّ على كتفه ويزرع داخل نفسه الإلهام. والسحرة والشياطين والوحوش الخرافية التي تقذف بنفسها فوقي تأمرني دون توقف، تدفعني وتعنّفني! أكتب! لا تكتب! إستيقظ! ليس من حقّك أن تنام! لا تجلس! انهض! ليس من حقّك أن تمرض! هيّا انهض!
شياطيني وساحراتي ووحوشي الخرافية هم من يطلب مني سداد الإيجار. هم الذين يأتونني في طلب المال، وهم بمعنى ما دائنيّ. إذا لم اكتب فماذا عساي أن افعل؟ في كلّ هذا العالم لا شئ يلهم الفنّان ويدفعه للعمل اكثر من ثقب في بطانة نعله!
ولو كان الأمر بيدي لطلبت من الهيئة العالمية لحقوق الإنسان أن تدرج هذا البند في إعلانها: إن حقّ الإنسان في أن يمرض هو من أهمّ وأقدس الحقوق وهو حقّ غير قابل للنقض أو التصرّف أو النقاش"!
لطالما حسدتُ أولئك الناس الذين يستطيعون أن يستلقوا على ظهورهم عندما يمرضون. فطوال حياتي التي امتدّت أكثر من نصف قرن لم استخدم حقّي في أن أمرض ولو ليوم واحد! شياطين وسحرة الإلهام لا تدعني وشأني! إنها معي في أحلام الليل وتهيّؤات النهار! اكتب. فأكتب. اكتب أكثر. فأكتب أكثر.
وكلّما نظرت إلى المروج الخضراء في الصباح، راودتني الرغبة في أن ألقي بنفسي فوق العشب. ولو استطعت أن أتجوّل هناك فوق تلك المروج الزمرّدية حافي القدمين فإن خمسين عاما من السأم ستتسرّب من قدميَّ وتنسلّ سريعا تحت الأرض.
لكنني يوما ما سأحظى بالراحة الأبدية، ومن المؤسف أنني عندها لن اعرف أنني ذاهب لأرتاح. ولو قدّر لي أن أولد مرّة أخرى، وهو أمر لا أؤمن به على الإطلاق، فإنني لن اختار طريقا آخر. أريد أن أنهك نفسي وان أتعب بنفس الطريقة.
لقد عملتُ بائعا متجوّلا وراعي أغنام وجنديا ورسّاما ومحاسبا وبائع صحف ومصوّرا وكاتبا وبقالا ومدانا بتهمة وعاطلا عن العمل وحلاقا. إن ذكرياتي لا تنطوي على شيء من العظمة. وادرك أنها لا تمثل أي أهميّة في ذاتها. لكن لأنها انعكاس لحياة وصخب المجتمع الذي عشت فيه، فإنني سأروي لكم جانبا من ذكرياتي دون تزييف أو خداع.
❉ ❉ ❉
من النافذة كنت أرى السماء وقد غطّتها النيران الحمراء. ألسنة كثيفة من اللهب وشرر متطاير هنا وهناك على السقف وفوق الأرضيّة والجدران. كانت ألسنة اللهب الحمراء تتّسع وتنكمش. ووراء باب بيتنا سمعت رجالا يتمتمون. وفي الخارج كان هناك صراخ وزعيق. وبين الفينة والأخرى كان يقطع الزئير والصخب صراخ طفل هنا أو امرأة هناك.
رأيت شرر النار يصفق زجاج النوافذ فيكسرها بعنف. وفجأة كُسر باب البيت عنوة وهرع عصبة من الرجال إلى الداخل وانتزعوا كل شيء طالته أيديهم ثم فرّوا مسرعين. اعتقدتْ أمّي انهم جماعة من الأخيار جاءوا لمساعدتنا وإنقاذ أغراضنا من الحريق! بعد ذلك وضعتني أمّي تحت أحد ذراعيها ووضعت أختي تحت ذراعها الآخر ثم أخذتنا إلى أسفل الدرج وتركتنا هناك وعادت مسرعة إلى داخل البيت.
وبعد لحظات ازدحم البيت بأناس أتوا من الشارع وكلما خرجت مجموعة حاملة غنائمها دخلت أخرى. وفي خضمّ المعمعة كان هؤلاء يدوسون بعضهم بعضا. وأسرعت أمّي بالخروج وهي تحمل ماكينة الخياطة وأرجوحة أختي في يديها. وكل ما استطاعت أمّي ذات الثمانية عشر عاما إنقاذه من الحريق كان طفليها والمصحف الشريف والأرجوحة.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
كانت الماكينة مهر أمّي الذي كسبت ثمنه بعد عمل مضنٍ وشاق. لكن الحادث لم يخِفني على الإطلاق. وبالنسبة لي كانت تلك الليلة أشبه ما تكون بأمسية احتفالية أو ضربا من ضروب التسلية والترفيه!
بعد مشهد الباب الأمامي توقّف الفيلم فجأة. ولا اذكر بالتحديد ما الذي حدث فيما بين تلك اللحظة ولحظة وصولنا إلى المدافن. وعندما استيقظتُ صبيحة اليوم التالي وجدت نفسي في المقبرة! كان واضحا أننا قضينا الليل في العراء هناك. كانت المقبرة تغصّ بالفقراء مع أمتعتهم التي استنقذوها قبل أن يأتي عليها الحريق.
كان الناس مذهولين والأطفال يبكون. ورأيت أختي مستلقية في أرجوحتها بسلام. فيما بعد علمت أن بيتنا الذي احترق كان يقع فوق ميدان قاسم باشا في منطقة يقال لها النافورة الجديدة.
حدث هذا في العام 1919 م. لم يكن والدي موجودا معنا آنذاك. إذ كان قد تركنا منذ وقت طويل وذهب إلى الأناضول للمشاركة في حرب التحرير.
بعد مشهد الباب الأمامي توقّف الفيلم فجأة. ولا اذكر بالتحديد ما الذي حدث فيما بين تلك اللحظة ولحظة وصولنا إلى المدافن. وعندما استيقظتُ صبيحة اليوم التالي وجدت نفسي في المقبرة! كان واضحا أننا قضينا الليل في العراء هناك. كانت المقبرة تغصّ بالفقراء مع أمتعتهم التي استنقذوها قبل أن يأتي عليها الحريق.
كان الناس مذهولين والأطفال يبكون. ورأيت أختي مستلقية في أرجوحتها بسلام. فيما بعد علمت أن بيتنا الذي احترق كان يقع فوق ميدان قاسم باشا في منطقة يقال لها النافورة الجديدة.
حدث هذا في العام 1919 م. لم يكن والدي موجودا معنا آنذاك. إذ كان قد تركنا منذ وقت طويل وذهب إلى الأناضول للمشاركة في حرب التحرير.
❉ ❉ ❉
وعندما كان يموت طفل كان أهله يقولون: لله ما أعطى ولله ما أخذ. ولو كانت أختي قد تلقّت غذاءً كافيا ودواءً مناسبا لكانت قد شفيتْ منذ وقت طويل. جرّبوا كلّ الأدوية الشعبية التي كان يمكن تحضيرها دون الحاجة إلى المال. وعندما فشلت كلّ تلك الأدوية قيل لأمّي أن تجرّب وسيلة أخرى إذا أرادت أن تشفى ابنتها.
"في المساء عندما ينادى للصلاة، خذي الطفلة إلى المقبرة واتركيها هناك بجوار شاهد أحد القبور، ثم عودي إلى البيت دون أن تلتفتي وراءك ودون أن تذرفي دمعة. إذ أن شخصا ما سيتبعك ويحضر البنت إلى البيت". هكذا قيل لأمّي.
شرحت أمّي للصغيرة أنها لكي تُشفى من مرضها وتعاود المشي كما اعتادت في السابق، يجب أن تتحمّل التجربة. وقالت لها إنها يجب ألا تبكي عندما تُترك لوحدها في المقبرة. كانت أختي فتاة ذكية وجميلة. وفي كل ليلة كانت أمّي تمسك بذراع أختي وبذراعي أنا أيضا ونتّجه ثلاثتنا إلى المقبرة. كان الجوّ هناك كئيبا مقبضا وكانت الظلال التي تخيّم على المكان تزيد من شعورنا بالرهبة والخوف.
وعندما يرتفع صوت الآذان كانت أمّي تترك الصغيرة بجانب أحد القبور وتأخذني من يدي وتهرول مسرعة. استمرّ الحال هكذا طوال أشهر، إلى أن حلّ فصل الشتاء. ولا مرّة التفتت أمّي خلفها، ولم تتزحزح الصغيرة عن مكانها بجوار القبر أبدا كما لم تصدر عنها أيّ إشارة تبرّم أو خوف.
لم أكن أرى وجه أمّي من وراء الحجاب، لكن من يعرف قدر معاناتها والمها وهي تجاهد طوال الطريق كي لا تبكي. وعند وصولنا إلى البيت كانت تلقي بنفسها على الفراش وتجلس باكيةً منتحبة إلى أن تعود الصغيرة إلى المنزل.
لطالما فكّرتُ في عواقب ترك طفلة مريضة في مقبرة كملجأ أخير لشفائها من مرضها. الفقراء الذين لا يملكون المال أو الدواء ولا حتى القدرة على إطعام أطفالهم كانوا يدعون الله قائلين: يا الهي! لقد تركت طفلي في رعايتك. فادفن مرضه في الأرض وأرجعه إلينا سالما معافى!
❉ ❉ ❉
ذهبت اثنتان من جاراتنا بمعيّة أمّي وأنا إلى البئر الواقعة في طرف أحد التلال. وعندما وصلنا إلى البئر قالت لي أمّي: لا تقترب أكثر، انتظر هنا". هناك أحنين رؤوسهن داخل البئر بعد أن اسندن أيديهن إلى السور الدائري الصغير الذي يسيّج فوهتها. وانسللتُ أنا ببطء باتجاههن ثم أخذت طريقي بينهن متشبّثا بأرديتهن وأنا أحدّق في قاع البئر.
هناك رأيت وجه أبي بوضوح! كان يمرّ بالقرب منّا في قارب عند قاع البئر. بالتأكيد كان ما رأيته ضربا من الوهم الذي يسكن رأس طفل صغير مثلي. لكنني مع ذلك كنت واثقا من أنني رأيت وجه أبي. لم تستطع أمّي ولا جاراتها رؤيته، لكني كنت أصرخ بثقة: لقد رأيت وجه أبي"!
