:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, September 15, 2014

جبل النور: تاريخ

هناك قول مشهور مفاده أن الألماس يدوم إلى الأبد. ولهذا السبب أصبح هذا الحجر الثمين رمزا للحبّ الأبدي وللنقاء والقوّة. ويقال إن بعض الألماس الموجود على الأرض تشكّل قبل أكثر من 900 مليون عام.
وفي أنحاء متفرّقة من العالم توجد عدد من الماسات غير العاديّة والتي اكتسبت شهرة، إمّا بسبب نماذجها الممتازة التي تحاكي جمال الطبيعة، وإمّا بسبب المشاهير الذين ارتدوها أو اشتروها أو باعوها.
غير أن "جبل النور"، أو كوهي نور بالفارسية، تظلّ هي اكبر وأشهر ماسة معروفة في العالم. ويُعتقد أن موطنها الأصلي هو ولاية اندربراديش الهندية. لكنها موجودة الآن في برج لندن.
بالنسبة لحكّام المغول، كانت هذه الماسة تستحقّ أن تُخاض من اجلها المعارك والحروب. وتقول إحدى الأساطير أن الإله الهندوسي كريشنا استنقذها من إله الشمس. ولهذا اكتسبت الماسة قوّة روحية هائلة.
في هذا الكتاب بعنوان مطاردة جبل النور: رحلة على درب ماسة كوهي نور ، يتتبّع المؤلّف كيفين رشبي الطريق الدامي الذي سلكته هذه الماسة إلى أن استقرّت في مكانها الحالي. كما يضيء الكاتب بعض الزوايا المظلمة لعالم صناعة وتجارة المجوهرات في العالم.
في البداية يعطي الكاتب نبذة مفصّلة عن تاريخ هذه الماسة ويتناول رحلتها إلى قلب الثقافة الهندية وعالم المهرّبين والمحتالين. ويشير إلى أنها تزن حوالي 186 قيراطا وعمرها يمتدّ لأكثر من خمسة آلاف عام.
وقد تنقّلت الماسة بين قصور أباطرة المغول وضاعت أكثر من مرّة. ثم أصبحت ملعونة، فنشبت من اجلها حروب ونزاعات عدّة، ثم وصلت إلى السيخ في البنجاب، وانتهت إلى أيدي عملاء انجليز كانوا توّاقين لإدخال السعادة إلى قلب ملكة بريطانيا، الشابّة آنذاك، فيكتوريا.
اهتمام رشبي بتجارة الماس القديمة نشأ بعد لقاء بالصدفة جمعه مع احد مهرّبي الماس. والبحث عن الماسة قاده إلى عالم غريب من المدن الخفيّة والمناجم المفقودة والأماكن الغامضة والمجهولة. والمؤلّف يورد قصصا على ألسنة عمّال مناجم وفلاحين وكهنة ودبلوماسيين ومعلّمين روحانيين.
ماضي "جبل النور" غامض، كما يقول رشبي، وضوؤها يلمع في متاهة من المرايا المتخفّية في أساطير وأكاذيب وأسرار. وهو يتحدّث عن تجّار مجوهرات ذوي ثراء مجنون وعن مزارعين فقراء يكتشفون ثروات مخبوءة في حقولهم تنتهي في أيدي الجشعين وفي أسواق الماس السرّية حول العالم.

كتاب رشبي ليس مجرّد كتاب عن الألماس أو عن أشهر ماسة في العالم، بل يمكنك أن تعتبره تاريخا لرحلة واقعية عبر الثقافة الهندية الثريّة والغريبة. والمؤلّف هنا يتصرّف كما لو انه عين وأذن القارئ، فيحدّثك بإسهاب عن تفاصيل زياراته لأطلال قصور ملوك المغول ومهراجات الهند، ولقائه مع راهب بوذي، وذهابه بصحبة راجا سابق للبحث عن فصيلة من الأسود الآسيوية النادرة والمهدّدة بالانقراض.
وفي معرض حديثه عن سلسلة الطغاة المتعطّشين للدماء ممّن تقاتلوا ليظفروا بامتلاك هذه الماسة، لا يفوت المؤلّف أن يتحدّث أيضا عن الرمزية الصوفية والدينية وراء الشغف بالألماس في العديد من ثقافات العالم.
ملوك الهند وفارس والسيخ والأفغان والانجليز تقاتلوا على "جبل النور" بضراوة في مراحل مختلفة من التاريخ. وفي كلّ مرّة، كان يستولي عليها شخص أو طرف ما كغنيمة حرب. لكن الماسة انتهت أخيرا في يد شركة الهند الشرقية بعد أن استولت عليها من آخر مالك لها، وهو المهراجا السيخي دوليب سنغ.
وفي مرحلة تالية، وعقب انتصار الانجليز على السيخ في الحرب الثانية بين الطرفين، صادر الانجليز الماسة. ثم أصبحت جزءا من مجوهرات التاج البريطاني عندما نُودي بالملكة فيكتوريا إمبراطورة على الهند عام 1877. ويقال إن لعنة الماسة تلاحق أسرة وندسور الانجليزية منذ ذلك الحين.
وقبل عامين، تقدّمت عائلة تزعم بأنها من سلالة دوليب سنغ الذي كان آخر مالك للماسة والذي سبق للإنجليز أن نفوه، تقدّمت بالتماس يطالب الحكومة الهندية بتكثيف جهودها الدبلوماسية لاستعادة الماسة من بريطانيا. كما تريد العائلة عودة العرش الذهبي للمهراجا رانجيت سنغ كي يُحفظ في المعبد الذهبي؛ مركز الديانة السيخية في امريتسار بالهند.
الهنود السيخ يعتبرون نفي دوليب سنغ وإهداء "جبل النور" إلى الملكة فيكتوريا إهانة وطنية. وكانت الماسة قد مُنحت إلى والده المهراجا رانجيت سنغ من قبل حاكم أفغانستان المخلوع شجاع شاه دوراني كثمن لدعمه هذا الأخير كي يعود إلى السلطة في كابول.
أسطورة "جبل النور" تصلح مادّة لفيلم ضخم أو رواية تاريخية لا تخلو من الخيال. ومن الغريب أنها ظلّت فقط مثار اهتمام مؤلّفي كتب الأسفار والرحلات.
الكاتب كيفين رشبي عاش وعمل في السودان وماليزيا وتايلاند واليمن. كما عمل محرّرا في بعض الصحف مثل الديلي تلغراف والايسكواير. وممّا يُحسب للكاتب عينه الفاحصة وتمتّعه بروح الدعابة. وهناك أمر آخر، فهو لا يتحدّث في الكتاب عن نفسه ولا عن مشاكله الشخصية كما يفعل غالبية كتّاب السفر والرحلات اليوم، بل يصف الأماكن التي يزورها والأشخاص الذين يلتقيهم ويقدّم لك المعلومات التي تستطيع من خلالها أن تشكّل رأيك الخاصّ.
إن كنت من هواة اللعنات والأساطير القديمة فهذا الكتاب يناسبك. كما انه يروق للرحّالة والمؤرّخين وخبراء المجوهرات، بل ولأيّ شخص يريد أن يرى جانبا غير مألوف من تاريخ القارّة الهندية. والكتاب يذكّر بكتاب آخر لا يقلّ متعة عنوانه على الدرّاجة مع محمّد: رحلات إلى اليمن والبحر الأحمر للمؤلّف اريك هانسن.

Credits
kohinoordiamond.org
internetstones.com