:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, May 19, 2012

دستويفسكي بعيون النقّاد

عاش فيودور دستويفسكي حياة حافلة بالأحداث والانفعالات والتجارب. والكثيرون ينظرون إليه ككاتب جادّ فحسب، تماما كما يظهر في بورتريه فاسيلي بيروف. ومع ذلك، فإن هذا البورتريه الجميل والمعبّر لا يقدّم سوى جانب يسير من شخصيّة هذا الكاتب الكبير.
كان دستويفسكي، وما يزال، كاتبا مثيرا للجدل، كما هو شأن كلّ الكتّاب العظام. والغريب انه لم يتمتّع بالكثير من مديح النقّاد وإشاداتهم أثناء حياته. كما لم تنشر الصحف مراجعات نقدية لرواياته إلا بالكاد.
وبعض من انتقدوا كتاباته، عابوا عليها افتقارها للأساليب الجمالية. وكان ردّ دستويفسكي انه كثيرا ما كان يكتب على عجل وأنه يفتقر للوقت الكافي لتجويد أسلوبه في الكتابة. وقد استغلّت أجيال من النقّاد هذه الجزئية للنيل من الكاتب ولإثبات تقييمهم السلبي لفنّه. وبنظر هؤلاء أن كتابات دستويفسكي ليست فوق مستوى النقد، وأنه كان يهتمّ بالنواحي الفلسفية والسيكولوجية على حساب الشكل والجودة الفنّية.
من الناحية البنيوية، نظر بعض النقّاد إلى حبكات رواياته على أنها فوضوية وغير منظّمة، بينما وجدها آخرون مرعبة وتهدف للتأثير الرخيص. وهناك من الكتّاب من وجدوا تحليلات دستويفسكي السيكولوجية مفرطة وشخصيّاته غير واقعية، بل وأحيانا مفتعلة.
غير أن النقد الأكثر حدّة كان موجّها إلى براعته الفنّية. قيل مثلا أن أسلوبه مسهب ومكرّر وغامض ومصطنع ووجداني أكثر من اللازم ويعوزه الصقل.
وهناك من ذهبوا إلى أن أعمال دستويفسكي تتضمّن عيوبا أخلاقية فادحة. كما أن فيها تشاؤما وهيستيريا وقدرا غير قليل من الطبيعة المهووسة. وأخذ عليه آخرون افتتانه بأكثر حالات الإنسان تطرّفا. كما عابوا عليه التملّق والنفاق اللذين أظهرهما عندما قدّم المسيحية الأرثوذكسية في رواياته بصورة وردية.
كانت حياة دستويفسكي مليئة بالخيبات والآلام والهزائم. فقد تحمّل ديون شقيقه المتوفّى ولجأ إلى القمار كمخرج من مشاكله المالية. كان أباً لثلاثة أطفال، ابنتان وولد. إحدى الابنتين توفّيت وهي صغيرة. والأخرى أصيبت بانهيار عصبيّ لم تُشفَ منه أبدا. بينما توفّي ولده الوحيد بالحمّى.
دستويفسكي نفسه كان يعاني من نوبات الصرع المستمرّة التي أفسدت حياته. وقد كتب عنها كثيرا في أعماله. ووالده كان رجلا فاسقا وقاسيا. وقد قُتل الأب في النهاية على أيدي بعض خدمه الذين كان يسيء معاملتهم.
في سنّ التاسعة والعشرين، وكان دستويفسكي وقتها مسجونا بسبب تورّطه في أنشطة ثورية، صدر عليه حكم بالإعدام. وبينما كان هو واثنان من رفاقه يقفون أمام فرقة الإعدام ظهر فجأة من بين الحشد رجل ليعلن أن القيصر قرّر العفو عن المجموعة. وبعد إعلان العفو أصيب اثنان منهم بالجنون، بينما خرج دستويفسكي ليبدأ حكما مخفّفا بالسجن والأشغال الشاقّة لمدّة أربع سنوات في سيبيريا.
زواج دستويفسكي لم يكن سعيدا. وقد وصف علاقته بزوجته آنذاك بقوله: كنّا تعيسين معا. لكن لم نستطع أن نتوقّف عن حبّ بعضنا البعض. وكلّما ازدادت تعاستنا كلّما أصبح كلّ منّا أكثر ارتباطا بالآخر".
من المآخذ الأخرى على دستويفسكي انه كان يشوّه الواقع بتناوله كلّ ما هو استثنائي وشاذّ ومتناقض في رواياته. كما يعاب على رواياته كثرة الشخصيات الثانوية والحبكات الجانبية والحوارات الفلسفية والصور المتكرّرة والاقتباسات المباشرة والاستطراد الذي لا لزوم له وغير ذلك من النقائص التي تحدّثت عنها أجيال من دارسي الأدب.
احد النقّاد شبّه دستويفسكي ذات مرّة بأنه كالقنفذ لأن فنّه يتناول قضيّة واحدة، ولم يكن ثعلبا يمتلك عدّة كاملة من الألاعيب والحيَل.
الذين يقدّرون موهبة دستويفسكي وصفوه بأنه أكثر الأدباء الروس أصالة، بينما وصفه آخرون ببطل المضطهدين. كما حظيت أعماله بثناء نخبة مثقّفي القرن العشرين مثل هيرمان هيسه وتوماس مان وفرانز كافكا ومارسيل بروست واندريه جيد وغيرهم.

نصوص دستويفسكي تتضمّن مستويات دلالية عديدة. كما أن مستوى سرده، المتعدّد الوجوه هو الآخر، دائما ما يترافق مع حديثه عن الأخلاق أو السياسة. في "الإخوة كارامازوف" مثلا، يتناول إشكالية تناقض العدالة البشرية مع العدالة الإلهية. وفي "الممسوسون"، يخبّئ رسالة رمزية على هيئة نبوءة بحدوث ثورة في روسيا. وفي "الجريمة والعقاب"، يثير فكرة القيامة بطريقة ميتافيزيقية.
الروائي التشيكي الأصل ميلان كونديرا اتهم ذات مرّة أفكار دستويفسكي بأنها كانت احد العوامل التي أسهمت في وقوع الغزو السوفياتي لبلاده عام 1968م في أعقاب ما عُرف بربيع براغ. وقد اتهم كونديرا الروس، ودستويفسكي على وجه الخصوص، بالعيش في القرون الوسطى وبتغليب المشاعر على العقل. يقول: لا يمكن أن يعيش الإنسان بلا مشاعر. لكن في اللحظة التي تتحوّل فيها المشاعر إلى قيم ومعايير للحقيقة وتبريرات للسلوك فإنها تصبح مخيفة. وعندما تحلّ المشاعر محلّ التفكير العقلاني فإنها تصبح أساسا للتعصّب وغياب الفهم. ويضيف كونديرا: إن ما أزعجني في دستويفسكي هو أجواء رواياته التي يتحوّل فيها كلّ شيء إلى مشاعر، ولا تلبث المشاعر أن تُرفع إلى مستوى القيم والحقائق".
كان دستويفسكي بارعا في لعب دور محامي الشيطان. ورواياته تتضمّن، برأي مخالفيه، فلسفات ومنظومات قيم عدائية. كما انه يقدّم شخصيّاته السلبية والشرّيرة بتعاطف مساوٍ لتعاطفه مع أبطاله المأساويين. وهناك من يعيب عليه تقديمه للبشر في حالات متطرّفة وبصفات مرعبة ووسط أجواء تتّسم بالتآمر والقتل والانتحار.
بعض النقّاد لا ينفون وجود نماذج دستويفسكي المأساوية من قدّيسين ومتعصّبين وقتلة في الحياة. غير أنهم يرون أن الحالات الإنسانية المتطرّفة، وإن كانت موجودة في الحياة الواقعية، تُعتبر نادرة واستثنائية. وجلّ ما في الأمر أن دستويفسكي كان يغضّ الطرف عن أشياء قد تبدو لغيره أكثر أهمّية، من قبيل الزواج والجري وراء لقمة العيش والاعتناء بالأسرة.. إلى آخره.
والذين يرون بأن شخصيّاته مصطنعة أو مفتعلة يتجاهلون حقيقة أن دستويفسكي كان يبني شخصيّاته كي تعكس أفكارا ومواقف معيّنة. وكلّ شخصيّة تستمدّ وجودها من الأفكار والتصوّرات التي تعبّر عنها.
وإحدى أشدّ التهم ضررا هي أن جميع شخصيّات دستويفسكي تتحدّث مثل المؤلّف. كان من عادة دستويفسكي أن يتيح لبعض شخصيّاته التعبير عن أفكار تبدو اكبر من مستواها الفكري أو الثقافي. لكن يمكن تبرير هذه الممارسة بالقول إن روايات دستويفسكي ليست عن الأخلاق أو عن الواقع الاجتماعي في المقام الأوّل، بل عن الأفكار بقدر ما هي عن الناس.
كانت هناك حرب ضارية ما بين المؤمن والمتشكّك داخل دستويفسكي استمرّت طوال حياته. وفكرته الغريبة عن وجودٍ من دون الله جعلت منه احد روّاد الوجودية. وهو لم يكن يتساءل ما إذا كان هناك إله من عدمه، بل ما الذي يعنيه الوجود، سواءً بخالق أو بدونه، بالنسبة للإنسان الحديث. يقول مثلا: الوجودية لا تحاول أن تنفي وجود الله. إنها تعلن انه حتى لو كان الله موجودا، فإن ذلك لا يغيّر من واقع الحال شيئا".
آراء دستويفسكي السياسية والاجتماعية كانت، غالبا، متطرّفة. كان، مثلا، يعتقد أن أوربّا الغربية على وشك الانهيار، وأن روسيا والكنيسة الارثوذكسية "التي لا يعيش المسيح خارجها" سيؤسّسان مملكة الربّ على الأرض".
ومما يؤخذ على دستويفسكي أيضا رفضه للعقلانية الأخلاقية والذي يتردّد صداه في العديد من رواياته. فهو يرى أن النعمة التي تصيب الفئات التي تقف مع الله، كالقدّيسين والبسطاء والخاطئين الصغار، ليست بسبب أعمالهم الصالحة أو ثمرة لكفاحهم، وإنما هي، وبشكل مطلق، بسبب قبولهم الذي لا نقاش فيه لأبوّة الله.
غير أن هناك من يرى أن فلسفة دستويفسكي الدينية تتناغم مع المعتقدات الأرثوذكسية التي كانت سائدة في عصره، بل وحتى مع بعض أفكار المثالية الرومانسية. ويرى هؤلاء أن رفض مثل هذه الأفكار اليوم لا يجب أن يمنعنا من تقدير عبقرية الرجل والإقرار بمكانته الكبيرة.

الروائي فلاديمير نابوكوف وصف دستويفسكي ذات مرّة بأنه "كاتب يتمرّغ في وحل مغامرات مأساوية تحطّ بالكرامة الإنسانية". يقول في معرض حديثه عن رواية دستويفسكي "رسائل من العالم السفلي"، إن هدف الكاتب من هذه الرواية هو إظهار أن كلّ إنسان هو مجرّد زبالة، وأنه لن يصبح في أيّ وقت إنسانا جيّدا ما لم يقتنع بالفعل انه زبالة. في هذه الرواية يأخذ دستويفسكي بطله إلى أدنى درجات الانحطاط والحقارة، فقط كي يقوده بعد ذلك إلى الإيمان والخلاص".
من وجهة نظر مسيحية بحتة، ليس هناك ثمّة حرج في هذا. ولكن من الصعب بالنسبة للقارئ الذي لا يشارك دستويفسكي قناعاته المسيحية أن يرى الأمر بهذه الطريقة.
قد لا تكون الكلمة الأخيرة عن دستويفسكي، النبيّ والمفكّر الديني، قد قيلت حتى الآن. لقد كان تحليله للعقلية التي تسبّبت في الثورة الروسية صحيحا وعميقا. لكنّه كان مخطئا في افتراضه أن الروحانية الروسية ستنتصر على ما اسماه "شياطين العدمية والنزعة الإنسانية الملحدة".
منذ بداية خمسينات القرن ما قبل الماضي، كان دستويفسكي يتمتّع بسمعة طيّبة باعتباره ضليعا في علم النفس. غير أن بعض تنظيراته السيكولوجية في ذلك الحين بدت لبعض الناس مفرطة وشاطحة. وكان هذا الانتقاد يُسمع بشكل متكرّر. وقد قيل إن شخصيّاته الممزّقة والسقيمة والهشّة لم تكن تمثل المجتمع الروسي، بل كانت "مجرّد إسقاطات لعقل كاتب مريض".
لكنْ ممّا لا شكّ فيه أن دستويفسكي كان يتمتّع بفهم عميق للبشر عندما يقعون تحت ظروف الضغط الكبير الناجم عن المعاناة والإحباط والرفض واليأس. كان يدرك، ربّما أفضل من معظم الناس، طبيعة الحالات النفسية التي يفرزها الفقر والإذلال والاستياء والغيرة والسخرية والقسوة وفقدان الكرامة.
هل كانت وجهة نظرة عن الرجال والنساء الروس في عصره متوازنة؟ هذه مسألة مختلفة. ومع ذلك، فالتفوّق في علم النفس ليس معيارا صالحا لقياس عظمة دستويفسكي. هو نفسه كان يتحدّث باستخفاف عن "علمية" النظريات السيكولوجية.
بعض النقّاد يتهمّون دستويفسكي بأنه كان يخلق قصصه السيكولوجية في فراغ ويتجاهل منحها خلفية طبيعية واجتماعية. لكنّ هذه التهمة تبدو بلا أساس. فالقارئ المدقّق سيكتشف أن كلّ مشهد في رواية من رواياته يُقدّم بتفاصيل وفيرة ومختارة بعناية. وهذه التفاصيل تقوم بوظيفة المكان الذي تجري عليه الأحداث.
وهناك من يشير إلى أن التفاصيل الدنيوية، كالملابس والطعام والشراب والأرض والمدينة، مفقودة من روايات دستويفسكي. وهذا ببساطة غير صحيح أيضا. فهناك مادّة وفيرة بما يكفي لكتابة دراسة متكاملة عن الطعام والشراب في "الإخوة كارامازوف"، أو عن تضاريس وطبيعة سانت بطرسبيرج في "الجريمة والعقاب".
على المستوى الشخصي، يمكن القول إن شخصيّة دستويفسكي نفسها تحمل سمات وخصائص بعض أبطاله. قال عنه احد أصدقائه مرّة: لا أعتبر دستويفسكي إنسانا طيّبا أو سعيدا. لقد كان شرّيرا وحسودا قضى حياته كلّها منفعلا ومتوتّرا". والكاتب تورغينيف وصف دستويفسكي بأنه أكثر المسيحيين الذين قابلهم في حياته ميلاً للشرّ".
غير أن آنا غريغورييفنا زوجة دستويفسكي الثانية ترسم له صورة مغايرة عندما تقدّمه في مذكّراتها بصورة الزوج الرقيق والأب الحنون والإنسان المتفهّم والعطوف.
وعلى الرغم من كلّ هذه التناقضات والمفارقات في شخصيّته، إلا أن عبقرية دستويفسكي تشعّ من ثنايا أعماله. ويندر أن استطاع كاتب تصوير شخصيّاته بمثل العمق والفكر اللذين كان دستويفسكي يرسم بهما أبطاله. والحقيقة أن كثيرا من النقد السلبي الموجّه له كان باعثه في الأساس خلاف النقّاد مع مواقف دستويفسكي السياسية والاجتماعية والإيديولوجية.

Credits
fyodordostoevsky.com
newcriterion.com

Wednesday, May 16, 2012

رحلة إلى الكوكب الأحمر

المرّيخ كوكب عاصف ومُغبرّ ومقفر وبارد. مساحته تبلغ أكثر من 4 آلاف ميل. ورغم انه غير مأهول، إلا أن إتش جي ويلز في روايته حرب العوالم (1898) يصوّر سكّان المرّيخ كغزاة متطورّين تكنولوجيّاً يقومون بقتل آلاف البشر في محاولتهم الاستيلاء على العالم.
سطح المرّيخ جافّ جدّا وجوّه شديد الرقّّة. لو وضعت على سطحه كأسا من الماء أو القهوة فإنه يتبخّر في لمح البصر. والهواء هناك عبارة عن ثاني اوكسيد الكربون مع كمّية اقلّ من بخار الماء وغاز الميثان.
ولأن الغلاف الجوّي للمرّيخ رقيق جدّا، فإن الماء لا يوجد هناك في شكله السائل، وإنما فقط كبخار ماء أو جليد. لذا، لو قدّر لك وذهبت إلى المرّيخ دون بذلة فضائية واقية، فإن الأكسجين في دمك سرعان ما يتحوّل إلى فقاعات مسبّبا موتا فوريّاً نتيجة انخفاض الضغط الجوّي هناك.
والمرّيخ، بالحسابات الفلكية، يُعتبر ثالث اقرب الكواكب إلى الأرض. ومع ذلك يلزم قطع بلايين الأميال قبل بلوغه. تخيّل انك تقود سيّارتك بسرعة 60 ميلا في الساعة. سيلزمك للوصول إلى المرّيخ من الأرض حوالي 270 عاما.
والمرّيخ اصغر حجما من الأرض. كما أن كتلته تعادل عشرة بالمائة فقط من كتلة الأرض. وهذا يعني أن شيئا ما حدث لهذا الكوكب في الماضي. وثمّة احتمال بأنه كان في وقت من الأوقات أكثر دفئا ورطوبة ممّا هو عليه اليوم.
تضاريس المرّيخ عبارة عن قنوات وخنادق وطبقات رسوبية. وهي سمات تشير إلى ماضٍ من المياه المتدفّقة والجداول والأنهار الجارية والبرك والبحيرات وربّما المحيطات. كما يحتوي الكوكب على أضخم متاهة من الأخاديد المتقاطعة في النظام الشمسي تُسمّى "متاهة الليل".
وطوال أكثر من 60 ألف عام، لم يقترب كوكب المرّيخ من مدار الأرض بمثل ما فعل في العام 2003م. كان حدثا فلكيا تاريخيّاً استقطب اهتمام العلماء وعامّة الناس على حدّ سواء. في ذلك اليوم بدا الكوكب الأحمر مذهلا ومتوهّجا وقريبا جدّا. كان أشبه ما يكون بطقم من الياقوت يلمع فوق سماء من المخمل الأسود.
الكوكب الأحمر مدهش ومثير للاهتمام حقّاً. فهو يضمّ أطول بركان معروف في النظام الشمسي. طول البركان حوالي 16 ميلا وقاعدته اكبر من ولاية واشنطن كاملة. وفي المرّيخ، توجد أعلى قمّة جبل في النظام الشمسي كلّه، أعلى من قمّة ايفرست بثلاث مرات.
وعلى سطح الكوكب، يوجد سهل واسع جدّا وبلا ملامح يغطّي مساحة تُقدّر بحوالي 1300 ميل. وقد تشكّل هذا السهل بفعل ارتطام مذنّب بسطح الكوكب قبل حوالي أربعة بلايين عام. ولأنه لا توجد طبقة أوزون في المرّيخ، فإن سطحه يستحمّ في حِزَم قاتلة من الإشعاع في كلّ مرّة تشرق فيها الشمس.
وبحسب العلماء، فإن الغلاف الجوّي للمرّيخ تشكّل نتيجة الغازات المنطلقة من البراكين. وفي أوّل بليون عام من عمره، كان للكوكب نواة منصهرة وتيّارات حمل حراري وبراكين نشطة وغلاف كهرومغناطيسي. لكن لأنه اصغر حجما من الأرض، فقد أصبح باردا وتلاشت تيّاراته الحرارية وخمدت البراكين على سطحه. وربّما كان لفوتونات الأشعّة ما فوق البنفسجية دور ما في بعثرة بخار الماء وهرب الهيدروجين إلى الفضاء وتفاعل الأكسجين مع الصخور، ما أدّى إلى صبغ المرّيخ بلونه الأحمر المعروف.
المصريون القدماء هم أوّل من أعطى المرّيخ اسمه، أي الكوكب الأحمر. والبابليّون كانوا يسمّونه "نجم الموت". والرومان أسموه على اسم إله الحرب "مارس". كانوا يظنّون أن أرضه مسرح لحروب ومعارك لا تهدأ وأن لونه الأحمر سببه كثرة الدماء فيه. أمّا أوّل من رصد المرّيخ من خلال التيليسكوب فقد كان غاليليو وذلك في العام 1609م.
المعروف أن واحدة فقط من بين كلّ ثلاث مركبات فضائية أرسلت إلى المرّيخ نجحت في الوصول إليه. وهذا ما دفع العلماء إلى التساؤل حول ما إذا كان الكوكب يؤوي "غولا ضخما" يبتلع الأجرام التي تقترب منه "مثلّث برمودا آخر مثلا".
والحقيقة انه لا يوجد كوكب آخر يشبه المرّيخ من حيث أن اليوم الواحد فيه يعادل تقريبا طول يوم على الأرض. ومع ذلك، فالسنة الواحدة فيه تعادل 700 يوم على الأرض. كما أن مناخه شديد البرودة إجمالا "متوسّط درجة الحرارة هناك حوالي 70 درجة مئوية تحت الصفر". وهناك إجماع بين العلماء على أن أكثر الأماكن قسوة على الأرض من الناحية البيئية ما يزال يوفّر فرص بقاء أفضل من الحياة على سطح المرّيخ.
وفي سماء المرّيخ هناك قمران، احدهما يطلع من جهة الغرب ويغيب في الشرق. ولأنه لا يوجد في سمائه قمر ضخم مثل قمر الأرض يقوم بمهمّة تثبيته، فإن المرّيخ يميل بصفة دورية نحو الشمس، وهو ما يجعل الصيف على سطحه أكثر سخونة.
الجاذبية في المرّيخ تعادل 37 بالمائة من جاذبية الأرض. أي أن الشخص الذي يزن على الأرض 100 رطل مثلا يزن 38 رطلا فقط على سطح المرّيخ.
في أزمنة مختلفة، سقط على كوكب الأرض 12 نيزكا قدمت من المرّيخ. أشهر هذه النيازك يقال انه اندفع باتجاه الأرض قبل حوالي 16 مليون عام وارتطم بالأرض قبل 13 ألف عام في مكان ما من القارّة القطبية الجنوبية.
العلماء تحدّثوا في أكثر من مناسبة عن احتمال وجود مياه جوفية تحت سطح المرّيخ، وعن احتمال وجود كائنات دقيقة متحجّرة في تربته. ويساور هؤلاء أمل بوجود نوع من الحياة البدائية على ارض المرّيخ وبأن يتمكّن العلم من الكشف عن المزيد من أسرار الكوكب الأحمر التي قد تمهّد الطريق إلى تحويله إلى مكان صالح للحياة البشرية في قادم الأيّام. "مترجم".

Tuesday, May 15, 2012

شخصيّات في الرسم: كليوباترا

ألهمت كليوباترا العديد من الفنّانين منذ عصر النهضة. كانت ملكة عظيمة خضع لسحرها اثنان من أقوى الزعماء العسكريين الرومان: يوليوس قيصر ومارك أنطوني. صحيح أنها هُزمت في النهاية، لكن موتها المأساوي حرم المنتصر من جزء من انتصاره على الأقلّ.
الكتّاب القدامى متفّقون على حقيقة أن كليوباترا ماتت بلدغة أفعى في يدها. غير أن شكسبير هو الذي اخترع قصّة أن اللدغة كانت في ثديها. ثم أخذت الفكرة بعد ذلك طريقها إلى الفنون البصرية. والملاحظ أن معظم اللوحات التي تصوّر كليوباترا تركّز على واقعة موتها، استنادا إلى ما تذكره بعض المصادر التاريخية والأعمال الأدبية.
ولدت كليوباترا لعائلة من الفراعنة عام تسعة وستّين قبل الميلاد. كان تعطّشها للسلطة قويّا، لدرجة أن شقيقها بطليموس الثالث عشر اجبرها على مغادرة مصر كي يتمكّن وحده من حكم البلاد.
كانت كليوباترا تستخدم حيلها النسائية. وقد اخفت نفسها في سجّادة تمّ تسليمها في ما بعد إلى يوليوس قيصر. وأصبح في النهاية متورّطا في علاقة عاطفية معها ووعدها بمساعدتها على استعادة عرش مصر.
أنجبت كليوباترا لقيصر ابنا. لكنها في ما بعد أصبحت عشيقة للجنرال الروماني مارك أنطوني الذي أنجبت له ثلاثة أطفال. لكن علاقتها بـ انطوني نتج عنها في النهاية عواقب مصيرية.
كانت كليوباترا قاسية على منافسيها بفضل ما كانت تمتلكه من جاذبية وسحر. ويبدو أن قصص حبّها كانت مبنية على أهداف استراتيجية.
كليوباترا الحقيقية قد لا تشبه في الواقع النساء اللواتي ظهرن في لوحات عديدة تصوّرها. غير أن حياتها الأسطورية وموتها المأساوي كانا عنصري إلهام للرسّامين على مرّ قرون. جمال كليوباترا الغرائبي استبعد الشقراوات وذوات الشعر الأحمر ووفّر بدلا من ذلك الفرصة للعديد من الملهمات ذوات الشعر الأسود أن يُخلّدن في الرسم.
الرسّامون الاستشراقيون والأكاديميون والنيوكلاسيكيون وجدوا في كليوباترا موضوعا مثاليا لأسلوبهم الغنّي والمفصّل. لوحة الفنّان الاستشراقي جان ليون جيروم بعنوان "كليوباترا وقيصر" تصوّر كليوباترا في اللحظة التي تغادر فيها السجّادة التي كانت قد اخفت نفسها بداخلها كي تتمكّن من الالتقاء بـ يوليوس قيصر. وكليوباترا هي النقطة المحورية في اللوحة، بينما يتراجع حضور قيصر إلى الخلفية. ويُرى وهو جالس عند طاولة بينما يحدّق في المرأة التي ستغيّر مسار حياته.

كان يوليوس قيصر في ذلك الوقت في العقد الخامس من عمره، في حين كانت كليوباترا في العشرينات من عمرها. كانت بحاجة إلى قوّة قيصر. وكان هو يطمح في توسيع نفوذه الشخصي من خلال كليوباترا. غير أن الرومان لم يوافقوا أبدا على تحالفه معها. لذا اغتيل قيصر عام 44 قبل الميلاد، بينما عادت كليوباترا إلى الإسكندرية لتحكم مصر مع طفلها الصغير منه.
في لوحة بعنوان "كليوباترا تجرّب السمّ على سجناء مُدانين"، رسم الفنّان الأكاديمي الفرنسي ألكسندر كابانيل (1823-1889) لـ كليوباترا صورة تقشعرّ لها الأبدان. وتظهر في اللوحة، بصحبة خادمتها ونمر مروّض، وهي جالسة تراقب مشهدا لرجال ينازعون الموت بعد تعريضهم لجرعات سمّ مميتة. في هذه اللوحة نرى كليوباترا الجميلة، لكن القاسية، وهي تلاحظ بلا مبالاة تأثير السمّ على السجناء الفقراء. وقد بذل الرسّام جهدا كبيرا في إبراز اللباس الغريب للمرأة والعمارة المصرية في الخلفية.
كان المصريون بارعين في استخدام العقاقير والسموم. وكليوباترا هنا تضيف إلى معرفتها الخاصّة بكيفية القضاء على منافسيها مهارة التحضير لطريقة انتحار سريعة.
الفنّان الرمزي الفرنسي غوستاف مورو (1826-1898) كان مفتونا على ما يبدو بالنساء الأشرار في التاريخ. ولوحاته تصوّر عددا من الإناث القاتلات مثل سالومي وباثشيبا وغيرهما. في إحدى لوحاته، رسم مورو كليوباترا وهي تجلس بطريقة مغرية أمام خلفية حالمة. نظراتها تبدو غير مكترثة. وهي هنا ليست مجرّد كائن مزخرف، بل امرأة تشعّ بهالة من الذكاء.
مع صعود أوكتيفيان وسقوط مارك أنطوني، وصل حكم كليوباترا إلى نهايته. وبعد معركة كارثية بالقرب من الإسكندرية، تم إبلاغ انطوني كذبا أن كليوباترا ماتت، فقام بطعن نفسه حتى الموت.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، كانت كليوباترا قد خطّطت لموتها. القصّة الشهيرة هي أنها ماتت بلدغة أفعى عام 30 قبل الميلاد. والمؤكّد أنها كانت تعرف الكثير عن السموم. وربّما كانت تفضّل جرعة سريعة على الموت البطيء بلدغة أفعى.

في لوحة بعنوان "موت كليوباترا"، رسم الفنّان الفرنسي أندريه جان ريكسانس (1846-1924) منظرا مذهلا لـ كليوباترا الميّتة مع خادمتها التي تعرّضت هي الأخرى للدغة قاتلة من الأفعى. ريكسانس رسم كليوباترا على هيئة امرأة عارية. وهي تبدو في اللوحة اقرب ما تكون إلى جارية أو محظية منها إلى ملكة.
الفنّان الايطالي غويدو ريني رسم كليوباترا بهيئة خاطئة تائبة، وعلى نحو لا يختلف كثيرا عن لوحته عن مريم المجدلية.
الفنّان النمساوي هانز ماكارت أيضا رسم موت كليوباترا مع أنماط فنّية وتفاصيل زخرفية.
والفنّان لورانس ألما تاديما أُظهر كليوباترا كملكة جميلة وواثقة. لكنه أهمل العري الذي كان آنذاك موضة سائدة، وتنازل عن الزخرفة الشرقية لمصلحة الزيّ الهلنستي الصحيح تاريخيّا.
الفنّان الأمريكي فريدريك آرثر بريدجمان رسم كليوباترا برفقة عدد من خادماتها وهي تتمشّى على مدرّجات جزيرة فيلة. بالنسبة لـ بريدجمان فإن العمارة تلعب دورا مهمّا. وقد أضاف إليها الضوء والمناظر الطبيعية. كان بريدجمان نفسه قد سافر إلى مصر وعكس انطباعاته عن تلك الزيارة في سلسلة من اللوحات. كليوباترا في لوحة بريدجمان لم تعد مهمّة كثيرا. هي ليست أكثر من ذريعة لرسم امرأة جميلة أمام خلفية مصرية.
في لوحته "كليوباترا والأفعى"، رسم الفنّان الفرنسي ميشيل كورنيلي كليوباترا بنفس الطريقة التي رسمها بها زميله اوجين ديلاكروا. وهي تظهر في اللوحة بصحبة الفلاح الذي يقدّم لها سلّة من التين تختبئ بداخلها أفعى، وسط دهشة اثنتين من وصيفاتها.
بعض المؤرّخين يشيرون إلى أن كليوباترا، رغم قوّتها، لم تكن تتمتّع بذلك الجمال الخارق. غير أن الأمر لا يتعلّق بالملامح. فالجمال العادي كان ولا يزال احد أعظم المغريات في جميع العصور. ويقال إن الوسامة تولد مع الإنسان، بينما الجمال يوفّر فرصا متساوية.
موت كليوباترا أصبح مع مرور الأيّام أسطورة رومانسية بعد أن خلّده شكسبير في مسرحيّته. وقد فضّلت الموت بالسمّ على أن تؤخذ أسيرة إلى روما على يد اوكتيفيان. وبعد موتها أحكم الرومان سيطرتهم نهائيا على مصر.
ومع ذلك، فإن التاريخ الحقيقي لـ كليوباترا دُفن معها إلى الأبد. والتاريخ الذي نعرفه عن تلك الحقبة هو ما سجّله المنتصرون.

موضوع ذو صلة: ديلاكروا ومصرع كليوباترا