:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, May 07, 2014

محطّات

الرجل في البحر

إذا كان الناس قد نسوا اليوم فيرجيني ديمونت بريتون، فلا شكّ أن هناك من المهتمّين بالرسم من يتذكّر لوحتها المسمّاة "الرجل في البحر". وربّما لولا استنساخ فان غوخ لهذه اللوحة لما عرفها الناس. وحتى عندما تكتب اسم اللوحة في محرّك غوغل الصوري دون ذكر اسم الرسّام، فإن نتيجة البحث ستحيلك في الغالب إلى نسخ من لوحة فان غوخ التي يقلّد فيها لوحة بريتون.
ولدت الرسّامة فيرجيني بريتون في يوليو من عام 1859 وتتلمذت على يد والدها الرسّام الفرنسيّ المعروف جول بريتون (1827-1906). وقد عاشت الرسّامة طفولة ومراهقة ريفية وبسيطة. لكنها كانت منفتحة بشكل دائم على الفنّ والأدب.
موهبتها الفنّية المبكّرة ازدهرت بتوجيهات والدها الذي كان يشجّعها على أن تركّز على دراسة الطبيعة وملاحظتها. وكانت ترسم مواضيع تاريخية ودينية ومشاهد من الحياة اليومية ومناظر للطبيعة. واشتهرت على وجه الخصوص برسوماتها عن حياة عائلات الصيّادين. كانت تتأمّل المآسي التي يسبّبها البحر، ورسمت معاناة الزوجات اللاتي ينتظرن عودة أزواجهنّ من البحر كما في هذا اللوحة.
وقد نالت فيرجيني بريتون العديد من الجوائز والأوسمة على بعض أعمالها. وأصبحت في ما بعد رئيسة لاتحاد الرسّامات والنحّاتات في فرنسا.
في الوقت الذي كان فيه فان غوخ يستنسخ لوحة بريتون هذه، كتب إلى أخيه ثيو يقول: أنا الآن أقوم باستنساخ صورة تلك المرأة مع طفلها وهما يجلسان إلى جوار مدفأة. السيّدة بريتون رسمتها بألوان بنفسجية بالكامل تقريبا. هذه اللوحة تصلح هديّة للأمّهات وللزوجات أو لأيّ شخص ينتظر بتوق عودة حبيب أو صديق. الهدوء الجميل والألوان الدافئة في هذه اللوحة تتناغم مع الألوان الباردة للملابس والخلفية. سأواصل النسخ بالتأكيد. وعندما تكتمل هذه المجموعة من اللوحات المستنسخة، سأقدّمها منحة لإحدى المدارس، وربّما أضمّ بعضها في النهاية إلى مجموعتي الخاصّة".

❉ ❉ ❉

أرض بقمرين

فكرة وجود قمرين للأرض فكرة قديمة ولطالما أسرت مخيّلة العلماء. وفي الآونة الأخيرة، عادت هذه الفكرة إلى الضوء من جديد.
خصائص الجانب البعيد للقمر دفعت العديد من العلماء إلى الاعتقاد بأن قمرا آخر كان يدور حول الأرض لبضعة ملايين من السنين قبل ارتطامه بالقمر الحالي قبل 4 بلايين سنة ومن ثمّ تحوّله إلى جزء من كتلته.
ويسوق هؤلاء دليلين يرون أنهما يدعمان هذه النظرية: الأوّل يتمثّل في المنظر الطبيعي الذي نراه على القمر والذي يُعتقد انه آثار أو بقايا القمر الأصغر التي نتجت عن ذلك الاصطدام. والثاني حقيقة أن جميع الكواكب، ما عدا الأرض، لها أكثر من قمر. وهذا الاستثناء يُعدّ، بنظر العلماء، أمرا غريبا ويحتاج إلى تفسير.
ومنذ عام 2006، تتبّع علماء الفلك أقمارا ثانوية أصغر يجتذبها نظام القمر التابع لكوكبنا وتمكث لبضعة أشهر ثمّ ترحل.
ولكن ماذا لو كان للأرض فعلا قمر ثان ودائم؟ كيف سيكون شكل الحياة على الأرض؟
الفلكيّ والفيزيائيّ نيل كامنز يتعمّق في هذه الفكرة ويشير إلى بعض النتائج المثيرة للاهتمام.
يقول كامنز إن نظامي الأرض والقمر عندنا فريدان من نوعهما في النظام الشمسي. فالقمر يشكّل نحو 1/81 من كتلة الأرض، في حين أن معظم الأقمار لا تشكّل سوى حوالي 3/10,000 من كتلة كواكبها.
وحجم القمر عامل مساهم ورئيسيّ في الحياة المعقّدة على الأرض. فهو المسئول عن المدّ والجزر. كما انه السبب في أن طول اليوم على كوكبنا هو 24 ساعة. والقمر أيضا يمنح الضوء لمجموعة متنوّعة من أشكال الحياة التي تعيش وتصطاد أثناء الليل. وهو الذي يحافظ على ميلان محور كوكبنا بنفس الزاوية كي يعطينا دورة مستمرّة من الفصول.
ويضيف: لو أن هناك قمرا ثانيا للأرض، ولنسمِّه "لُونا" مثلا "وهو اسم القمر باللاتينية"، ولنفترض أنه يقع في منتصف المسافة بين القمر الحالي والأرض، فإن القمر الثاني سيعيث في الأرض خرابا. جاذبيّته ستسحب الأرض بعنف، مما سيتسبّب في موجات سونامي ضخمة وزلازل عنيفة وزيادة كبيرة في النشاط البركاني. الرماد والموادّ الكيميائية ستمطر من السماء وستتسبّب في عملية انقراض جماعيّ على الأرض.
ولكن بعد بضعة أسابيع، ستبدأ الأمور في الاستقرار. وبعد بعض الوقت سيصبح لـ "لونا" وجود ثابت وجميل في سماء الليل. وستتكيّف الأرض أيضا مع القمرين. لكن الحياة على الأرض بقمرين ستكون مختلفة. فمزيج ضوء الاثنين سيجعل الليل أكثر إشراقا. كما أن اختلاف فترتي مدارهما سيعني أن الأرض ستشهد عددا اقلّ من الليالي المظلمة.
أيضا سيؤدّي هذا إلى ظهور أنواع مختلفة من الكائنات الليلية. فالحيوانات التي تصطاد بالليل سيكون من الأسهل عليها رؤية فرائسها المحتملة ليلا. لكن الفرائس ستطوّر آليات للتمويه بطرق أفضل. كما أن الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة يمكن أن تؤدّي إلى ظهور سلالات من الحيوانات الليلية الأكثر دهاءً والأشدّ مكرا.
وسيكون على البشر أن يتكيّفوا مع تحدّيات هذه الأرض التي أصبح لها قمران. فارتفاع المدّ الذي سيتسبّب به "لُونا" سيجعل العيش على الشواطئ يكاد يكون مستحيلا. وسيقاس الفرق بين المدّ والجزر العالي والمنخفض بآلاف الأقدام.
ومع المدّ العالي والتآكل الأقوى، ستصبح المناطق الصالحة للسكنى على الأرض أصغر بكثير. بل إن قياس الوقت أيضا سيكون مختلفا. وسينتهي حساب الشهور الذي نعرفه ويظهر بدلا منه نظام جديد بأشهر كاملة وأشهر جزئية لاحتساب حركة كلّ من القمرين.
لكن في نهاية المطاف، سيتراجع القمران عن الأرض ثمّ يصطدمان ببعضهما البعض. وسينهمر حطامهما كالمطر عبر الغلاف الجوّي للأرض، ما سيؤدّي إلى انقراض جماعي آخر.
وفي نهاية الأمر، سيكون هناك قمر واحد يدور حول الأرض التي ستتهيّأ لحقبة جديدة من الحياة.
وهذا هو نفس السيناريو الذي يتوقّع العلماء انه حدث فعلا على كوكب الأرض بعد الاصطدام الذي يُتخيّل انه حدث بين القمرين قبل بلايين السنين.

❉ ❉ ❉

مسمار في السياج

قرأت هذه الحكاية فأعجبتني وتوقّفت، بخاصّة، عند الدرس التربويّ والأخلاقيّ الرائع الذي تتضمّنه.
القصّة تحكي عن صبيّ كان يعيش في إحدى القرى مع عائلته. وكان الصبيّ يتّصف بالنزق وسرعة الغضب. وذات يوم، أعطاه والده علبة مسامير وأخبره بأن عليه في كل مرّة يفقد فيها مزاجه أن يأخذ مطرقة ويدقّ بها مسمارا في الجزء الخلفي من سياج بيتهم.
في اليوم الأوّل، ضرب الصبيّ 40 مسمارا في السياج. وطوال الأسابيع التالية، كان عدد المسامير التي يدقّها يتناقص باستمرار كلّ يوم. واكتشف الصبيّ أن من الأسهل له أن يسيطر على غضبه على أن يضرب المسامير في السياج.
وأخيرا أتى اليوم الذي أصبح فيه مسيطرا تماما على غضبه. وأخبر والده بذلك، فسُرّ بالأمر كثيرا واقترح عليه أن يبدأ الآن بانتزاع المسامير من السياج واحدا واحدا عن كلّ يوم.
ومرّت أيّام ثمّ اخبر الصبيّ والده في النهاية بأن المسامير أزيلت تماما. بعد ذلك اخذ الأب ابنه من يده وقاده إلى السياج. ثم قال له: لقد أنجزت عملا رائعا. لكن انظر إلى الفجوات التي خلّفتها المسامير على السياج. لن يعود السياج أبدا إلى حالته الأولى.
وبالمثل، عندما تقول أشياء وأنت غاضب فإنها تترك آثارا وندوبا في نفوس الآخرين مثل هذه التي على السياج. يمكنك أن تُغمد سكّينا في جسد إنسان ثم تسحبها. ولكن لن يجدي أبدا أن تقول له "أنا متأسّف"، لأن الجرح سيظلّ هناك لفترة طويلة، وأحيانا إلى الأبد. وجرح اللسان في كثير من الأحيان أسوأ وأكثر فتكا من جرح الجسد.

❉ ❉ ❉

ماندلسون

هناك مؤلّفون موسيقيون قد لا ترتاح لسماع موسيقاهم كثيرا، وليس في أعمالهم عموما ما يسهل تذكّره. لكنّ هذا لا يمنع أحيانا من وجود مقطوعة واحدة على الأقلّ لهذا الموسيقيّ أو ذاك من النوع الذي يرسخ في الذهن بسهولة ويتذكّره الإنسان من وقت لآخر.
من بين من ينطبق عليهم هذا الوصف، وهذه طبعا وجهة نظر شخصية، كلّ من بروكوفييف وسترافنسكي وماهلر وشوستاكوفيتش ورحمانينوف. معظم موسيقى هؤلاء جافّة ومملّة إلى حدّ ما وتكاد تخلو من العاطفة. على سبيل المثال، ما الذي يمكنك أن تتذكّره لماهلر غير هذه الحركة من سيمفونيته الخامسة، أو لرحمانينوف غير معزوفته المشهورة على البيانو بعنوان ارتجال على موضوع لـ باغانيني ، أو لشوستاكوفيتش غير مقطوعته القصيرة على الكمان بعنوان رومانس ، أو لسترافنسكي غير معزوفته طقوس الربيع . المعنى هو انك لن تعدم قطعة موسيقية أو اثنتين لكلّ واحد من هؤلاء تستحقّ أن تسمعها وتستمتع بها.
ويمكن أن تضيف إلى هذه القائمة اسم فيلكس ماندلسون. كان ماندلسون موسيقيّا ألمانيّا. ولم يكن اهتمامه مقتصرا على التأليف الموسيقيّ، بل كان يمارس الرسم بالألوان المائية والزيتية. وبعض لوحاته المنشورة على الانترنت تعكس تمكّنا وخبرة واضحين في الرسم. وقد رسم أثناء حياته ما لا يقلّ عن 300 لوحة.
في سيرة حياة هذا الموسيقيّ، نقرأ هذين السطرين: كان ماندلسون يُكنّى بموزارت القرن التاسع عشر وكانت رومانسيّته تتّسم بحبّه لباخ". لكن عندما تستمع لموسيقاه لا تجد فيها أيّ اثر لباخ أو موزارت. كما أنها تخلو من الجمل اللحنية السهلة التي تجد نفسك تردّدها في بعض الأوقات بطريقة عفوية ولا إرادية.
لكن هذا لا ينطبق على احد ألحانه على وجه الخصوص، ولعلّه أشهر ما كتبه، وأعني بالتحديد كونشيرتو الكمان . موسيقى الحركة الأولى من هذا الكونشيرتو "الفيديو فوق" مألوفة جدّا، كما أنها جميلة ومبهجة ومن النوع الذي يصعب نسيانه. وربّما لهذا السبب اقتبسها الرحابنة ووظّفوها كلحن لإحدى أغاني المطربة هدى حدّاد .

❉ ❉ ❉

المروحة في الفنّ

هذه اللوحة الجميلة هي لرسّام ايطالي من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين يُدعى ادواردو توفانو . وفيها تظهر امرأة شابّة وهي تحمل بيدها مروحة. فكرة رسم امرأة مع مروحة كانت سائدة في تلك الفترة. وهناك عشرات اللوحات التي تناولت هذه الفكرة في ما بعد. ومن أشهر من رسموها كلّ من غوستاف كليمت وموديلياني وجيمس تيسو وبيرتا موريسو ومانيه والكسندر روزلين ورينوار وغيرهم.
المعروف أن أوّل مروحة على هيئة ورقة نبات عثر عليها الاثاريون في الصين ويعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وعبر العصور، كانت مراوح اليد تؤدّي وظيفة جمالية وفنّية، ثم أصبحت رمزا للطهارة أو القداسة. وهناك دليل على أن الإغريق والرومان استخدموا المراوح كأدوات لتلطيف الهواء. كما استخدموها في الاحتفالات الدينية وذلك لإبعاد الحشرات عن القرابين.
ومن الأمم القديمة التي عرفت المراوح كجزء من الدين الفراعنة والآشوريون والفينيقيون. الرومان أيضا صنعوا مراوح من الخشب، والصينيون استخدموا في صنعها الريش. المراوح الصينية القابلة للطيّ احضرها إلى البرتغال ماركوبولو عبر طريق الحرير في القرن الرابع عشر، رغم أن شعبيّتها انخفضت خلال عصر النهضة.
والمروحة يمكن أن تساوي الشيء الكثير. يقال مثلا أن مدام دي بومبادور كان عندها مروحة استغرق صنعها تسع سنوات وكلّفت حوالي ستّة آلاف جنيه استرليني. كانت مصنوعة من الورق المقطوع بطريقة فنّية كي يحاكي رباط الخصر. كما كان مرسوما عليها منمنمات.
وتقول أسطورة انه في القرن السادس عشر كان عند دوقة مانتوا مروحة مزيّنة بالزمرّد النادر. وعندما كانت تحتاج إلى النقود كانت تقوم برهنها في احد البنوك.
وفي ذلك الوقت راج نوع من المراوح لها أيد بجيب سرّي يخفي السمّ، وكان الطلب عليها كبيرا. وقد شهد القرن التاسع عشر زيادة في شعبية المراوح اليدوية. ولم تكن هناك طريقة لتُظهر المرأة ذوقها الفنّي أفضل من حمل مروحة رَسَمها ووقّع عليها فنّان مشهور.
نساء القرن التاسع عشر استخدموا مراوحهنّ كوسيلة للتواصل مع المعجبين. وقد ظهرت مجموعة من الرموز أو الإشارات وكتاب دليل تمّ نشره ليترجم معاني حركات السيّدات اللاتي يحملن مراوح. فمثلا إذا ضربت امرأة نفسها بالمروحة بسرعة، فهذا يعني "أنا احبّك". أمّا إن ضربت نفسها ببطء فهذا يعني "أنا لا اهتمّ بك". أما إن وضعت المروحة على شفتيها، فالرسالة هي "أنا لا أثق بك". وإذا لوّحت بالمروحة بيدها اليسرى فهذا يعني "لا تغازلني".
التغيّرات الاجتماعية في مطلع القرن العشرين عكست التغيّر في طريقة صنع واستخدام المراوح اليدوية. فقد أصبحت المراوح تصوّر الإعلانات بدلا من الأعمال الفنّية.
وبينما كانت النساء يناضلن من اجل نيل حقوقهنّ، لم يعدن يرغبن في حمل أداة كان يرى فيها الكثيرون رمزا لضعف المرأة وسهولة انقيادها. كان المجتمع ينتقل بسرعة إلى عصر الحداثة. ثمّ وصلت المراوح الكهربائية. وشيئا فشيئا، اختفت من التداول، أو كادت، المراوح اليدوية التي كانت رمزا للفنّ والأناقة.

Credits
earthsky.org
inspire21.com
wikipedia.org