:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, April 21, 2017

أقوال مأثورة

قال كاتب ذات مرّة إن الأفكار الجيّدة هي أكثر من الكلمات وأكثر من اللغة. ولكي تقول فكرة رائعة، ينبغي أن تكون قد فهمت أشياء كثيرة عن الحياة وأصبح لك موقف تجاهها ووجدت طريقة للتعبير عن تلك الأشياء بشكل يحوّل تجاربك إلى فنّ.
والعثور على فكرة جيّدة يشبه البحث عن معدن نفيس في منجم. في البداية، لا بدّ من استخراج أطنان من الأتربة والحجارة من باطن الأرض، ثم تنقيتها وغربلتها للعثور على حجر مختلف يُقطع بعد ذلك ويصاغ على هيئة جوهرة ثمينة بأيدي خبراء مهرة.
ومن عادة الناس اليوم أن يتداولوا الأفكار والأقوال المأثورة التي تصف الحالة الإنسانية بعبارات موجزة، لكنها بليغة ومليئة بالمعاني العميقة.
ومن العبارات التي تتكرّر دائما والتي لا بدّ وأن تكون قد قرأتها إمّا في مواقع الأدب أو في وسائل التواصل الاجتماعيّ عبارة تقول: إنني نادم، ليس على الأشياء التي فعلتها، وإنّما على الأشياء التي لم افعلها".
هذه العبارة يبدو أنها تعبّر عن رأي الكثيرين ممّن يرون أنها يمكن أن تنطبق على أحوالهم وظروف حياتهم. لكن غالبا فإن مثل هذه المأثورات الشائعة كثيرا ما تُنسب إلى أكثر من شخص، وأحيانا إلى أشخاص مجهولين.
والعبارة أعلاه ليس واضحا من أين أتت ولا من قالها. قد تكون وردت في قصّة أو في كتاب أو على لسان شخصية في فيلم سينمائي مثلا.
لكنها أحيانا تُنسب إلى الكاتب الأمريكيّ مارك توين. غير انه حتى في المواقع التي تتحدّث عن أشهر أقواله لن تجد لهذه العبارة أثرا. لكن يُفترض أن توين قال بالنصّ: بعد عشرين عاما من الآن، ستندم على الأشياء التي لم تفعلها أكثر من الأشياء التي فعلتها. لذا أبحر بعيدا عن الموانئ الآمنة ومارس الاستكشاف والحلم".
وأحيانا تُنسب نفس العبارة إلى شخص يُدعى روي كوكران، أو إلى هوميروس، أو إلى كاتب يُدعى انون، وفي بعض الأحيان إلى اينشتاين.
وثمّة من يقول أنها لكاتب اسمه لوسيل بول، لكنه قالها بطريقة مختلفة: أفضّل أن اندم على الأشياء التي فعلتها أكثر من الأشياء التي لم افعلها".
وقيل إن أصل العبارة منسوب إلى امرأة عاشت طويلا وكانت تتذكّر حياتها الماضية وتعبّر عن ندمها لأنها كانت ترغب في فعل أشياء كثيرة كي تسعد نفسها، لكنها لم تفعل لأنها لم تكن تريد إغضاب والديها.
وهناك قصّة قصيرة عن حوار بين طفل ووالده. الطفل يسأل الأب عن معنى الندم فيجيبه عن سؤاله ثم يقول في سياق كلامه: من الأفضل أن تندم على شيء فعلته أكثر من أن تندم على شيء لم تفعله".
لكن بصرف النظر عمّن قال تلك العبارة، فإنها أصبحت مشهورة ومتداولة على نطاق واسع رغم اختلاف الناس حول مدى مصداقيّتها أو انطباقها على ظروفهم.
والحقيقة أننا جميعا نندم على أشياء كثيرة فعلناها وعلى أشياء كثيرة لم نفعلها. لكنّنا نندم أكثر على ما لم نفعله، بدليل انه لو واتتنا الفرصة لفعله الآن لفعلناه.
والأشياء التي فعلناها وندمنا عليها يمكن أن يتجاوزها الزمن ويُنسى تأثيرها مع مرور الوقت. لكن في كثير من الأحيان يكون ندمنا على الأشياء التي لم نفعلها اكبر، وهو ندم لا يمكن أحيانا إصلاحه أو تجاوز آثاره.
وهناك عبارة أخرى مشهورة ومتداولة كثيرا وتُنسب غالبا إلى اينشتاين تقول: لا اعرف بأيّ أنواع الأسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصيّ والحجارة".
وهذا الاقتباس يشبه هذا القول المنسوب إلى اللورد مونتباتن: إذا خيضت الحرب العالمية الثالثة بالأسلحة النووية، فإن الحرب الرابعة ستُخاض بالسهام والرماح".
ونفس هذا القول يُنسب أيضا إلى اومار برادلي، وأحيانا إلى صحفيّ يُدعى والتر وينتشيل، والإشارة إلى هذا الأخير تعود إلى عام 1947، بينما نُقلت العبارة عن اينشتاين بعد ذلك بثلاث سنوات. وعلى الأرجح كان الأخير يردّد بشكل مختلف ما سمعه أو قرأه في مكان آخر، أي أن وينتشيل هو على الأرجح من قال هذه العبارة.
وبالمناسبة، يقال أن اينشتاين كان مرعوبا من نتائج الحرب العالمية الأولى. وقد قضى وقتا طويلا يتأمّلها ويفكّر فيها بعمق. ثم ذهب إلى مؤتمر في جينيف. وكان يظنّ أن المجتمعين هناك سيناقشون وسائل نزع السلاح والتخلّص من كلّ أدوات الحرب.
لكنه فوجئ بأن ممثّلي الدول المشاركة يناقشون أيّ الأسلحة يجب أن تُستخدم وأيّها ينبغي أن تُحظر. وقد صرّح للصحفيين بعد المؤتمر انه كان مذهولا ممّا سمعه، وقال إن الحرب لا يمكن أنسنتها، كما أنها لا تصبح اقلّ احتمالا بوضع قواعد للصراع. والشيء الوحيد المقبول والمجدي هو منع الحروب نهائيا.
لكن أيّا يكن قائل تلك العبارة، فإنها لا تخلو من بلاغة في التصوير. ويُرجّح أنها قيلت لاكتساب حجّة سياسية أو أخلاقية لغرض حَشد الناس لقضايا السلم والتحذير من أخطار الحرب.
لكن هل يصمد مضمون العبارة أمام التحليل العلميّ؟
بعض المحلّلين يقولون انه لن تكون هناك حرب عالمية رابعة، ربّما لآلاف السنين. فحرب ثالثة من شأنها أن تبيد كافّة أشكال الحضارة على الأرض وتعيد البشر للعصر الحجريّ. وبعد ذلك ستنشب حروب قبلية وطائفية وقومية صغيرة تناسب العصر الحجريّ.
والحرب النووية قد تُفني البشر وتُبقي على التكنولوجيا. ولو بقي بعد الحرب بشر قليلون فلن يعودوا بالضرورة إلى حال البشرية قبل ثلاثين ألف عام. وستظلّ بحوزة الناجين أسلحة وذخيرة بما يكفي لأن يبيد بعضهم بعضا.
لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول بأن الحرب العالمية القادمة لن تخاض بالأسلحة النووية الفتّاكة، وإنّما بأسلحة فضائية وبطائرات من دون بشر، أي بتكنولوجيا فائقة التطوّر.
وعلى الأرجح لن تنشب مثل هذه الحرب في المستقبل المنظور، وإنّما بعد أن يكون البشر قد شيّدوا لهم مستعمرات على المرّيخ وغيره من الكواكب وأصبح بإمكانهم تسيير رحلات منتظمة بين الأرض وتلك العوالم البعيدة.

Monday, April 17, 2017

النباتيّة: رأي آخر

قد تكون شخصا نباتيّا. وإن لم تصبح بعدُ كذلك، فقد يكون لديك صديق يحاول أن يقنعك بالمبرّرات الصحّية والأخلاقية التي تفرض عليك أن تتجنّب تناول اللحم وتصبح نباتيّا.
النباتية فكرة جذّابة. وأكثر علماء الإنسان يقولون إن البشر في الأساس مخلوقات نباتية وأن أسلافنا الأوائل كان غذاؤهم مماثلا لغذاء القردة العليا، أي معتمدا على النباتات. وعلماء الغذاء، من جهتهم، يؤكّدون أننا نصبح أصحّاء أكثر إذا تمسّكنا بجذورنا النباتية.
وأنصار النباتية يقولون انه منذ بدء الخليقة إلى اليوم، لا يستطيع الإنسان أن يمزّق سمكة أو لحم حيوان بيده، لأن وظيفة اليدين في الأساس هي قطف الخضار والفواكه. كما لم يخلق الله لنا أنيابا ولا مخالب لكي نطارد ونقتل الحيوانات ثم نفترس جثثها.
وهناك رأي يقول انه منذ آلاف السنين، أي عندما كان البشر يعتمدون في عيشهم على النباتات، فإنهم ربّما أضافوا في أوقات الندرة بعض اللحم إلى طعامهم.
النباتيون وأنصار النباتية يقولون أيضا أننا عندما نقتل الحيوانات لنأكلها فإنها تقتلنا، لأن لحمها يحتوي على كولسترول ودهون مشبعة، والحيوانات لم تُخلق لكي يأكلها البشر لأن غذاء الإنسان الذي خُلق له هو النباتات. وليس مستغربا أن آكلي اللحوم هم أكثر عرضة للإصابة بالسرطان والسكّر وغيرهما من الأمراض.
وما يجعل فكرة النباتية أكثر إغراءً هو أن العديد من مشاهير العالم قديما وحديثا كانوا نباتيين. ومن هؤلاء الفيلسوف زينون الرواقي وأوفيد الشاعر الرومانيّ وليوناردو دافنشي الذي يعتبره البعض أوّل نباتيّ في أوربّا.
أيضا ليو تولستوي وغاندي وبرنارد شو وبنجامين فرانكلين احد المؤسّسين الأوائل للولايات المتحدة كانوا جميعا نباتيين.
ومما لا شكّ فيه أن المهاتما غاندي ومنهجه في اللاعنف تجاه الحيوان أسهم كثيرا في رواج فكرة النباتية في عديد من البلدان الغربية. والهنود يمثّلون الآن سبعين بالمائة من نسبة النباتيين في العالم. كما أن أكثر من أربعين بالمائة من سكّان الهند نباتيون.
وهناك عامل آخر يرجّح فكرة النباتية ويتمثل في مبدأ تقديس الحياة الذي قال به البيرت شفايتزر وما يزال يُستشهد به كلّما كان هناك حديث عن الجوانب الأخلاقية للغذاء.
لكن هناك من الأوّلين من قالوا بعكس هذا الكلام. الفيلسوف توما الاكويني، مثلا، رأى أن ليس للحيوان حرمة أو حقّ على الإنسان، ومن ثم فأكل لحمه جائز.
وديكارت أيضا تبنّى نفس هذا الموقف، على الرغم من انه قال إن كلّ من يقسو على الحيوانات لا بدّ في النهاية أن يصبح قاسيا على البشر.
لكن مؤخّرا صدر كتاب يشكّك فيه مؤلّفه اندرو سميث، وهو أستاذ فلسفة بيئية، في جدوى تبنّي النباتية كأسلوب غذاء وينفي أيّ حجج أخلاقية تجاه الحيوانات.
وليس هذا فحسب، بل إن المؤلّف يدفعنا لأن نتخلّى عن بعض الافتراضات التي نعتبرها بدهية ولا تقبل الجدل، ويؤكّد انه من غير الممكن أن يصبح الإنسان نباتيّا أصلا.
سميث نفسه كان نباتيّا لأكثر من ربع قرن قبل أن يتخلّى عن الفكرة. وقد اعتمد في آرائه على الأبحاث الأخيرة في علم النبات وايكولوجيا النظم وعلم الإنسان الثقافيّ لكي ينفي التمييز بين النباتيين والحيوانيين.
وهو يشرح كيف أن الفروقات التي صنعناها في عقولنا بين النباتية والحيوانية تعكس نظرة عالمية تنتهي بتدمير الطبيعة. بمعنى انه لو كان جميع الناس يفضّلون اللحم على النبات بالكامل، أو العكس، لاختلّ توازن الطبيعة نتيجة استهلاك نوع واحد من الغذاء وإهمال الآخر.
كما ينتقد المؤلّف الفكرة القائلة أن الحيوانات تأكل النباتات ونحن نأكل الحيوانات. وما يحدث فعلا، حسب كلامه، هو أن الحيوان يأكل النبات ونحن نأكل الحيوان والدود يأكلنا والنبات بدوره يأكل الدود .. وهكذا.
وبهذه الطريقة فالإنسان لا يمكن أن يكون نباتيّا، لأنه حتى النباتات تتغذّى في النهاية على الحيوانات بعد نفوقها. وأيّا كان ما تأكله، فإنك في نهاية الأمر تأكل الحيوانات وكلّ شيء آخر، لأن الطبيعة بأكملها مترابطة وكلّ عنصر فيها يعتمد في وجوده على الآخر.
ويقول: نحن جزء من شبكة غذاء ممتدّة ولسنا في قمّة هرم الغذاء لأنه لا توجد قمّة. وكلّ شيء يُودع في الأرض، من إنسان أو طير أو حيوان، يتحلّل ويختلط بالتراب، ومن ذلك الخليط تنمو مختلف أنواع النباتات والأشجار التي تتغذّى عليها الحيوانات والبشر الأحياء. أي أن كلّ كائن حيّ يأكل ويؤكل، وهذا شيء جيّد، لأن دورة الحياة تظلّ مترابطة ومستمرّة دونما انقطاع. والعالم يصبح أفضل إذا اقتنعنا بأننا أعضاء متكاملون في مجتمع الطبيعة.
سميث أيضا ينفي الزعم القائل بأن أكل الحيوانات عمل متوحّش بحكم أنها تشعر وتعاني. ومثل هذا الدفاع يَفترض أن النباتات لا تعاني، وهذا غير صحيح. ويورد تجارب علمية تثبت كيف أن النباتات تعاني مثلها مثل الحيوان والإنسان.
مثلا زراعة بعض النباتات في غير تربتها الأصلية ثم رشّها بالمبيدات الحشرية لإطالة عمرها كي تكمل دورة الحصاد يجعلها عرضة للأمراض ويُلحق الضرر بها وبالإنسان الذي يستهلكها وبالتربة.
وبرأي سميث انه لو لم يتغذَّ البشر الأقدمون على طعام يحوي كمّيات من بروتين الحيوان، ما كان بالإمكان أن يتحوّلوا إلى مخلوقات ذكيّة وبنفس هذه السمات العقلية والجسدية التي يبدون عليها اليوم.
ويضيف: قبل أكثر من بليوني عام، أصبح اللحم جزءا مهمّا من غذاء أسلافنا من البشر. والفرائس التي كانت تُقتل ثم تُحضّر بتقطيعها وتجهيزها كانت توفّر وجبات غذائية غنيّة بالسعرات الحرارية ويتطلّب مضغها جهدا اقلّ من مضغ جذور النباتات.
كما أن طبخ الطعام جعل الأشياء أسهل، مع أن الطبخ لم يُعرف إلا مع اكتشاف النار منذ حوالي خمس مائة ألف عام.
وأكل اللحم، كما يقول المؤلّف، كان خطوة ضرورية ومهمّة في مسيرة تطوّر الإنسان. وقد ثبت أن لحم الحيوان ضروريّ لنموّ دماغ الإنسان، كما انه غنيّ بالبروتينات والسعرات أكثر من النبات.

Credits
thetab.com