:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, December 15, 2010

المرأة التي ألهمت كليمت

كانت المرّة الأولى التي اسمع فيها باسم اميلي فلوغي عندما كنت أدرس تاريخ الفنّ. وأعتقد أن ذلك كان نوعا من القدَر.
كنت قد بحثت طويلا عن فنّان مناسب كي ادرسه، شخص ما يمكن أن يلهمني ويثير اهتمامي. وقد وجدت هذا في غوستاف كليمت. إن سرّ شعبية كليمت الدائمة هو قدرته على اخذ الحياة الداخلية لشخصياته وإسقاطها من خلال صورة خارجية. وكليمت يعمل مع الألوان الزاهية والأشكال المجرّدة لخلق صورة بصرية عن الحالة العاطفية التي تشعر بها الشخصيات التي يرسمها.
ومع ذلك، عندما كنت ادرس حياة هذا الفنّان اللامع لم أكن اعرف إلا القليل عن ملهمته العظيمة اميلي فلوغي.
إنها صاحبة الوجه الذي يظهر في إحدى أشهر تحف كليمت "بورتريه اميلي فلوغي" والذي تطوّر ليصبح تجسيدا للحداثة التي تمثّل جوهر الجمال في فيينّا.
كان كليمت قد أنجز الكثير عندما قابل اميلي وعائلتها. وكان وشقيقه ارنست وطالب آخر قد أسّسوا مجتمعين شراكة ناجحة وكُلّفوا برسم لوحات لمسرح بورغ الذي كان قد أعيد بناؤه. وعندما انتهت اللوحات، مُنحوا وسام الاستحقاق الذهبي من قبل الامبراطور فرانز جوزيف.
وقد تزوّج ارنست كليمت من "هيلين" شقيقة اميلي في عام 1891م. وبعد فترة وجيزة بدأ غوستاف كليمت علاقته الطويلة مع اميلي.
اميلي فلوغي هي شخصية تاريخية. لكن لأنه لا يُعرف عن حياتها سوى النزر اليسير، فإن الكاتبة اليزابيث هيكي اضطرّت لإعادة كتابة حياة اميلي لروايتها القبلة المرسومة والتي هي عبارة عن سرد روائي حول الصداقة التي ربطت بين كليمت واميلي.
ومع ذلك فإن اميلي فلوغي يتمّ تذكّرها اليوم، ليس فقط بسبب علاقتها بـ كليمت، وإنما أيضا لأنها كانت واحدة من ألمع مصمّمي الأزياء في فيينّا في الفترة ما بين عامي 1904 و1938م.
وكانت اميلي قد أسّست دار الأزياء الخاصّة بها عام 1904 بالتعاون مع شقيقتيها هيلين وبولين. وكان كليمت شخصيا مشاركا في ذلك المشروع.
في البورتريه، كان النمط الخاصّ بالفستان الفضفاض الذي ترتديه اميلي هو الذي تبنّته حركة إصلاح اللباس. وفي 1897 أسّس كليمت مع عدد من أصدقائه جمعيّتهم الفنّية المسمّاة "الانفصال". كان كليمت رئيس تلك الجمعية وكان هدفها تنشيط الفنّ النمساوي. اهتمام كليمت بإصلاح اللباس كانت له علاقة وثيقة بدعوة "الانفصال" إلى المشاركة الإبداعية في جميع جوانب الفنون الزخرفية.
ولم يقتصر نشاط كليمت على تصميم ملابس لـ اميلي، بل كانت مجموعتها من الأقمشة والمنسوجات الشعبية متأثرة ومستوحاة من نقوشه وأنماطه التجريدية والملوّنة الموجودة في لوحاته.
وعلى الرغم من إصرار عائلتيهما وأصدقائهما على أن العلاقة بين الاثنين كانت مجرّد علاقة صداقة، إلا انه ما يزال هناك نقاش حول ما إذا كان هناك شيء ما أكثر. ومن الواضح أن هذا النقاش قد لا يُحسم أبدا.
لسنوات، كان كليمت مرتبطا بعلاقة صداقة وثيقة مع هذه المرأة. لكنه لم يجرؤ على تحمّل مسؤولية إسعاد امرأة أحبّها لأعوام عديدة. وقد كوفئت فحسب بالحقّ في رعايته في لحظات الألم التي سبقت وفاته.
ومع ذلك، فبعد وفاة كليمت في العام 1918 متأثّرا بالالتهاب الرئوي، احتفظت اميلي بغرفة كانت تُحكم إقفالها حيث حفظت بداخلها جميع أدواته ولوحاته.

لم يستطع كليمت أن يقول نعم لامرأة واحدة. ومع ذلك يقال انه كان أبا لـ 14 طفلا على الأقل. والفكرة الرائجة عنه تقول انه كان رجل نساء. فقد ربطته قصص حبّ مع العديد من نساء الطبقات الاجتماعية العليا. لكنّ كلّ هذا تغيّر في اللحظة التي قابل فيها اميلي التي كان عمرها في ذلك الوقت اثني عشر عاما.
ولو افترضنا وجود منافسة لـ اميلي، فلا شكّ أنها كانت ألما شيندلر التي كانت في سنّ التاسعة عشرة عام 1898م. وكان كليمت مفتونا بها كثيرا. غير أن والد ألما سارع إلى كبح كليمت بسرعة وأبعده عنها.
وقد ظهرت اميلي في عدد من الصور الفوتوغرافية التي التقطها لها كليمت عام 1906م. وليس مفاجئا أنها ترتدي ملابس من تصميم جماعة إصلاح اللباس. وكانت تلك إحدى المرّات الأخيرة التي استخدمها فيها كموديل.
في يوليو 1908، اخبر كليمت اميلي بأن البورتريه الذي رسمه لها تمّ شراؤه. وقد وبّخته والدته على بيع البورتريه وأظهرت سخطها وألزمته بأن يرسم بورتريها آخر بأسرع وقت ممكن. لكن كليمت لم ينفّذ طلب والدته أبدا.
ورغم الضجيج الكثير الذي يحيط بعلاقة كليمت واميلي، إلا أن معظم مؤرّخي الفنّ يعتقدون أنهما لم يكونا عاشقين. والمراسلات التي كانا يتبادلانها توحي بأن العلاقة بينهما كانت أفلاطونية إلى حدّ كبير.
لكن إذا لم يكونا كذلك، فلماذا ضحّت اميلي، وهي الجميلة والموهوبة على أكثر من صعيد، بالحبّ والزواج والأطفال في سبيل كليمت الذي بدا واضحا انه لم يكشف لها عن مشاعره وظلّت هي مخلصة له حتى نهاية حياته؟
هل كانت اميلي فلوغي امرأة سبقت عصرها وفضّلت الوظيفة والانجازات الشخصية على العيش في ظلّ رجل؟
هل كانت مؤمنة أصيلة بالأفكار النسوية التي تدعو إلى الاستقلالية وتحقيق الذات؟
كانت اميلي فلوغي المرأة الوحيدة التي استطاعت ترويض جموح كليمت في تلك الأوقات الصعبة. وكانت بنفس الوقت ملهمته وطبيبته التي خفّفت عنه آثار نوبات الاكتئاب التي كان يعاني منها.
البورتريه الذي رسمه لها يقدّمها كأيقونة من جمال مذهّب. كان البورتريه راديكاليا بالنسبة لعصرهما. وربّما لهذا السبب لم تحبّه اميلي كثيرا ولا عائلتها.
كان كليمت يكبر اميلي بعدّة سنوات. ومع ذلك كانا يروقان لبعضهما البعض، وأصبحت هي موضوعا للكثير من لوحاته.
وبالتأكيد لم يدر بخلد الإثنين أن قصّتهما ستصبح مشهورة جدّا وأن الناس سيتذكّرونها لعدّة قرون تالية.
- دانيال سارتوري "مترجم بتصرّف"