:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, March 07, 2018

جياكوميتّي: سارتر النحت


في عام 1939، وفي احد المقاهي الليلية في باريس، كان يجلس النحّات السويسريّ البيرتو جياكوميتّي (1901-1966). كان المقهى شبه فارغ في تلك الساعة المتأخّرة من الليل. ثم جاء رجل وجلس على المائدة المجاورة.
ولم يلبث أن أمال رأسه ناحية جياكوميتّي وقال: المعذرة، لقد رأيتك هنا مرارا وأظنّ أننا نفهم بعضنا جيّدا". ثم صمت قليلا وأضاف: ليس معي نقود، ولا ادري إن كان بمقدورك أن تطلب لي كوبا من القهوة".
ولم يكن من عادة جياكوميتّي أن يرفض مثل ذلك الطلب. ثم تلا ذلك حديث طويل بدا أثناءه أن الرجلين يفهمان بعضهما بالفعل.
كان جياكوميتّي قد سمع عن جان بول سارتر من قبل، لكن كانت تلك أوّل مرّة يراه فيها عيانا. وسارتر من ناحيته كان قد سمع الكثير عن جياكوميتّي ورأى بعضا من منحوتاته. وكان ذلك اللقاء بداية لعلاقة وثيقة وممتدّة بين الفيلسوف والنحّات.
وقد كتب سارتر بعد ذلك اللقاء مقالا مشهورا بعنوان "البحث عن المطلق"، تحدّث فيه عن جياكوميتّي وامتدح فنّه وأشار إلى انه يطرح أسئلة وجودية عن البشرية وعن هشاشة وغربة الإنسان. وكان النحّات نفسه قد بدأ يرى في أفكاره وفنّه امتدادا للتقاليد الوجودية التي أرساها سارتر.
وبالنسبة للأخير، كانت تماثيل جياكوميتّي مليئة بالمعاني، كما أنها تقف دائما في منتصف المسافة بين الكينونة والعدم.
وقد كتب في مقاله ذاك أن لا احد يشبه جياكوميتّي في إحساسه بسحر الوجوه والحركات ومحاولته أن يغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. وأضاف أن النحّاتين ولأكثر من ثلاثة آلاف عام كانوا صامتين دون أن يثيروا ضجيجا وأنهم كانوا ينحتون جثثا لا أكثر.
كما أشار سارتر إلى أن التماثيل الجامدة في المتاحف، بأعينها البيضاء وهيئاتها الساكنة، تتظاهر بأنها تتحرّك، لكن أجزاءها ملحومة بقضبان من حديد. وختم مقاله بالقول: بعد ثلاثة آلاف عام من النحت، فإن مهمّة جياكوميتّي وزملائه المعاصرين ليست أن يضيفوا أعمالا جديدة إلى ما هو موجود في المتاحف، بل أن يثبتوا أن النحت ممكن فعلا".
عندما ترى عملا لجياكوميتّي، ينتابك إحساس بأن هذا الفنّان يتعارك مع نفسه في محاولته العثور على شكل مناسب يعبّر من خلاله عن رؤاه. ومعظم منحوتاته تمنح شعورا بأنها خاصّة ولم تُصنع لكي يراها عامّة الناس.
كان يهتمّ بكل تفصيل في عمله، وطالما دمّر العديد من منحوتاته بعد أن يكون قد اشتغل عليها لأسابيع وأحيانا لأشهر. وكثيرا ما نجح أصدقاؤه في استنقاذ رأس أو ذراع أو ساق تمثال. وكان يتركهم يفعلون هذا ويعود إلى عمله من جديد. وطوال خمسة عشر عاما لم ينظّم معرضا واحدا لأعماله.
ويمكنك تمييز منحوتات جياكوميتّي بلا عناء وبنفس سهولة التعرّف على تماثيل النحّات البريطانيّ هنري مور التي تتّسم بكثرة الفتحات والتجاويف فيها. فرجال ونساء جياكوميتّي دائما طوال القامة ورفيعو القوام وبالغو الهشاشة. أطرافهم رفيعة جدّا مثل عيدان الثقاب، ورؤوسهم متناهية الصغر لدرجة أنها تبدو بعيدة جدّا في الفراغ. ولمسات أصابع النحّات على أسطحها تمنحها ملمسا خشنا كما لو أنها محروقة أو متآكلة.
وجياكوميتّي لا يتحدّث عن الخلود، بل ولا يفكّر فيه أبدا. وقد قال ذات مرّة لسارتر بعد أن اتلف بعض تماثيله: لقد كنتُ سعيدا بها، لكنها صُنعت لتعيش فقط لبضع لساعات، مثل ومضات الفجر الخاطفة ولحظات الحزن العابرة".
شخصيات جياكوميتّي هي عبارة عن بشر مجهولين ومعقّدين ومنعزلين بشكل لا يُحتمل. وهذا هو جوهر ما تقول به الفلسفة الوجودية. وتماثيله تعكس رؤية حداثة القرن العشرين والتي تتلخّص في أن الحياة الحديثة خاوية بشكل متزايد وخالية من المعنى. وهذه النظرة يؤكّدها قول الفنّان ذات مرّة: إذا جلستَ أمامي لأنحتك، فإنك ستصبح غريبا بالكامل، حتى لو كنت أعرفك".
وقد اختار جياكوميتّي لعمله مادّتين خفيفتين هما الجبس والطين، وهما من أكثر المواد روحانيةً وقابليةً للاختراق. "ليس هناك مادّة اقلّ خلودا وأكثر ضعفا وشبها بالإنسان من الطين".
كان جياكوميتّي مهجوسا برؤوس ووجوه الناس الذين كان يراهم حوله، وهو يتعامل مع الوجوه بعاطفة قويّة وكما لو أنها آتية من عالم آخر.
وقد كان له معجبون كثر، مثل الشاعر جان جينيه الذي كان مفتونا بفنّه وبتقشّفه الغريب واحتقاره للراحة والبذخ. لكن اقرب أصدقائه إلى نفسه كان الروائيّ سامويل بيكيت الذي طالما رافقه أثناء مغامراتهما الليلية في أحياء باريس. ومثل شخصيّات بيكيت، كانت تماثيل جياكوميتّي تعكس نظرة إلى عالم معزول ومغرق في فردانيّته وأنانيّته.
كان جياكوميتّي يتمتّع بروح دعابة عالية، وكان شخصا ناجحا في حياته. لكن عندما تنظر إلى صوره في الانترنت، ستلاحظ انه نادرا ما يبتسم، وكلّ صوره ومقابلاته تحيل إلى شخصية متحفّظة وخجولة.
وبعد مرور أكثر من خمسين عاما على رحيله، ما يزال جياكوميتّي يتمتّع بحضور كبير في المشهد الفنّي العالمي وفي سوق الفنّ اليوم. ففي عام 2010، بيعت إحدى منحوتاته بمبلغ خمسة وستين مليون جنيه استرليني. ثم بيعت منحوتة أخرى له بعنوان رجل يؤشّر بيده بمبلغ مائة وستّة وعشرين مليون دولار، لتصبح أغلى منحوتة بيعت في العالم حتى الآن.

Credits
fondation-giacometti.fr/en
theartstory.org