:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, September 23, 2006

رمضان كريم

كالعادة ومع حلول اول أيّام الشهر الفضيل داهمتني نوبات الصداع العنيفة. وهي لا تأتي عادةً سوى في اليوم الاول، وسرعان ما تختفي في الايام التي تليه. صداع يضرب مقدّمة الرأس كالمطرقة ويسبّب زغللة وتشوّشا في النظر، ووتيرة الالم لا تخفّ عادةً الا بعد الافطار وتناول قرص بروفين أو حتى قرصين إذا لزم الامر.
المشكلة أن الانسان الصائم لا يستطيع أن يكسر صيامه ليتناول حبّة دواء هي في الحقيقة لا تسمن ولا تغني من جوع لكنها تستطيع إراحة متناولها من أذى جسدي أو ذهني ألمّ به فجأة.
أظنّ أن صداع أولّ يوم من رمضان أصبح عندي كالهاجس أو الخوف المرضي، بمعنى أنني لو لم افكّر به أو اترقّب مجيئه لربّما لا يأتي أبدا. وهناك من قال لي إن سبب هذه النوبات له علاقة بالاثار الانسحابية للتدخين وقد يكون اختلالا في وظائف المعدة نتيجة الامتناع المفاجئ عن الطعام والشراب مما ينعكس سلبا على الجهاز العصبي والدماغ.
وقد سمعت منذ يومين المفكّر الاسلامي المعروف والمثير للجدل جمال البنّا وهو يقول ان التدخين حلال في نهار رمضان، لانه – كما قال – لا يفطّر الصائم وهو مثل الهواء الذي يدخل الرئتين وأثره اقلّ من اثر المغذّيات الطبيّة التي تدخل جوف الصائم ومع هذا رخّصها العلماء، ولهذا لا يسري على التدخين ما يسري على الاكل والشرب حسب رأي البنّا.
طبعا رأي الاستاذ البنّا قد يروق للمدخّنين الذين لا يقوى بعضهم على الصيام بسبب ضعفهم واستسلامهم لسحر السيجارة الذي لا يردّ ولا يقاوم احيانا. لكن هذا الرأي لن يعجب أصحاب الفتاوى بالتأكيد، خاصة وأن بعضهم يذهب الى أن التدخين محرّم في كلّ الاحوال نظرا لمضارّه الكثيرة والثابتة، وبناءً على هذا فحرمته في رمضان اشدّ وأعظم.
كتبت هذه الخاطرة قبيل المغرب. وبعد أن تناولت الافطار وأدّيت الصلاة في البيت كما هي عادتي عمدت الى البروفين فأخذت حبّة على السريع وما هي الا دقائق حتى أحسست ببعض الراحة والاسترخاء بعد نهار طويل كنت خلاله كالمشلول الذي لا يقوى على فعل شئ لمساعدة نفسه والتخفيف من معاناته مع نوبات الصداع اللعين.
ورمضان كريم.

Sunday, September 17, 2006

تصريحات البابا - 2

ما يزال الحديث عن تصريحات البابا الأخيرة والجدل الواسع الذي أثارته وما تزال تثيره.
اليوم سألت زميلا، كثيرا ما استفدت من فكره الثاقب ورؤيته الصائبة للأمور، سألته عن رأيه في مغزى الخطاب وتوقيته فقال:
إننا نخطئ عندما نظنّ أن البابا رجل مخرّف أو عبيط. البابا يا عزيزي رجل حادّ الذكاء، مثقّف، يفكّر ويزن الأمور جيّدا قبل أن يتفوّه أو يصرّح بأي كلام. ولو تمعّنت في الخطاب مليّا لعرفت كم أن فكر الرجل واسع ونظرته بعيدة.
قلت: قرأت الخطاب، واطلعت على نصّه الآخر الموجود على موقع الفاتيكان. كان كلامه في اللاهوت والفلسفة عموما وقد تحدّث عن صورة الله وصورة الإنسان وبنية الإيمان في الأديان كما تحدّث عن الله والعقل وأورد إشارات سريعة إلى أفكار ديكارت وابن الهيثم وغيرهما من الفلاسفة. لكن الانطباع الذي تشكّل لديّ هو أن البابا أقحم في خطابه، بشكل متعسّف ولغاية ما، قصّة الحوار بين الإمبراطور والسفير عن الإسلام.
قال: أنا لا أشاطرك الرأي، بل ازعم أن الرجل يعني ما يقوله تماما. البابا يدرك أن ثمّة حوارا على وشك أن يبدأ بين الإسلام والمسيحية وهو يريد من خلال ما قاله أن يفرض رؤيته وشروطه لذلك الحوار قبل بدئه. وقد يكون قصد ايضا بعث رسائل الى ايران وتركيا لها علاقة بملف الاولى النووي ومحاولات الثانية الانضمام الى الاتحاد الاوربي.
قلت: لكن لماذا الحديث عن تجاوزات مزعومة للإسلام بينما اغفل تماما الحديث عن أخطاء الكنيسة؟
قال: هذا تصوّر ليس في مكانه تماما. يجب أن نقرأ خطاب البابا وأن نفهمه من منظور معاصر، كما يجب ألا ننسى مثلا أن البابا الحالي كان عضوا مهما في لجنة محاكمة عصر التفتيش والجرائم التي ارتكبت آنذاك. ممارسات الكنيسة في الماضي معروفة لكن لم يتبقّ من آثارها اليوم شئ مع تجذّر القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم المسيحي. بينما العنف الذي يمارسه الاسلاميون الآن ليس وليد صدفة بل تمتدّ جذوره عميقا في تاريخ الإسلام. لا اعتقد أن أحدا يجادل في هذه الحقيقة. وهو عنف يصيب المسلمين ويصيب غيرهم. هذا ما أراد أن يقوله البابا بوضوح.
قلت: هل عند البابا اجندة معينة أو رسالة أراد أن ببعثها لطرف أو أطراف ما؟
قال: لا شكّ في أن لدى البابا اجندة محدّدة ترتكز على التبادلية في علاقة المسيحية مع الإسلام في مقابل التوافقية التي تبنّاها سلفه والتي يرى البابا الحالي أنها لم تفلح في كبح جماح العنف الإسلامي ولم تحقّق التقارب المنشود بين الفريقين.
وليس من قبيل المصادفة أن يتحدّث البابا في خطابه عن كون الدين، أيّ دين، ذا صلة وثيقة بالروح والنفس وليس بالجسد، ومن هنا أهمية عنصر الإقناع في العقيدة في مقابل الإجبار والقسر.
قلت: هل للوجود الإسلامي المتنامي في أوربا علاقة بكلام البابا؟
قال: البابا يدرك جيدا تزايد أعداد المسلمين في أوربا والعالم الغربي وما يستتبع ذلك من اشكالات دينية وثقافية. وهو يريد من هؤلاء أن يلتزموا بالقيم المسيحية المعاصرة مثل تقديس الحريات الفردية واحترام عقائد الآخرين والإيمان بحرية الفكر وان يبتعدوا عن ممارسة العنف والتفجير والقتل.
وعلى نطاق اوسع، كأن البابا أراد أن يقول إن على المسلمين إن أرادوا التعايش معنا أن يتعاملوا معنا بنفس قيمنا وأعرافنا، إذ لا يعقل أن نبني في بلداننا مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين يمارسون فيها عباداتهم بحرية بينما تحرّم بعض الدول الإسلامية بناء كنيسة على أراضيها وتمنع المسيحيين المقيمين فيها من حقهم في ممارسة عباداتهم.
كما لا يعقل – بحسب رأي البابا الجديد طبعا – أن يتمتّع المواطن المسيحي في الغرب بكامل حرّيته في أن يترك المسيحية ويعتنق الإسلام باعتبار تغيير الديانة حقا من أهم حقوق الإنسان، في الوقت الذي يعاقب كلّ من يتحوّل إلى المسيحية في أوطان المسلمين بالقتل ويساق الناس إلى دور العبادة سوقا كالبهائم دون مراعاة لحقوق الإنسان أو اعتبار لحرياته الفردية.
ويضيف الزميل مختتما ملاحظاته: هذه هي التبادلية التي يريد البابا الجديد ومساعدوه ان تكون اساسا لعلاقة الفاتيكان المستقبلية بالعالم الاسلامي.