:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, July 07, 2012

القوّة الخفيّة للأحلام

ذات ليلة، حلم الاسكندر المقدوني أنه يراقص إله الغابات "ساتاير" الذي يأخذ شكل فرس جامح. وقد استدعى مفسّرا ليشرح له معنى الحلم. فقال له: هذه بشارة لك بأنك ستفتح مدينة صُوْر". وقد بنى المفسّر نبوءته على أساس أن المقطع الأخير من اسم إله الغابات يطابق اسم صُوْر باللاتينية. وفي نفس تلك السنة، فتح الاسكندر صُوْر بالفعل وضمّها إلى امبراطوريّته الواسعة.
الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن داهمه في إحدى الليالي حلم غريب. رأى نفسه جالسا ليلا داخل قاعة فسيحة ومضاءة. وفجأة تناهت إليه أصوات رصاص، وشعر بأنه يسقط على الأرض فاقدا الوعي. وهُرع باتجاهه أشخاص كان بعضهم يصيح والبعض الآخر يبكي. وبعد ذلك بأيّام، أي في الخامس عشر من ابريل عام 1865م، اغتيل لينكولن برصاصة في الرأس أطلقها عليه احد الأشخاص بينما كان يحضر عرضا في احد مسارح ولاية إلينوي.
الزعيم النازيّ ادولف هتلر رأى ذات مرّة حلما مزعجا جعله يقفز من سريره مرعوباً. وبعد لحظات، اخترقت قذيفة مدفع جناح المبنى الذي كان يستخدمه كمكتب وقتلت كلّ من كان فيه.
كارل يونغ، المفكّر وعالم النفس السويسريّ المشهور، حلم في إحدى الليالي أن طوفانا عظيما غمر كافّة أرجاء أوربّا ووصلت مياهه إلى قمم جبال سويسرا، ثمّ تحوّلت المياه إلى دماء. وبعد أشهر من ذلك الحلم الغريب، انطلقت شرارة الحرب العالمية الأولى.
الموسيقيّ الايطالي جيوسيبي تارتيني أمضى أشهرا عديدة وهو يبحث، دون جدوى، عن خاتمة مناسبة لتحفته المشهورة سوناتا الشيطان. وذات ليلة، حلم انه عثر على زجاجة على شاطئ البحر وبداخلها شيطان محبوس. وقد توسّل إليه الشيطان أن يطلق سراحه. وتوصّل الاثنان إلى صفقة. ناول تارتيني كمانه للشيطان، وذُهل لروعة وجمال عزفه. وعندما استيقظ من حلمه، حاول أن يستعيد ما سمعه في الحلم. وقد كتب تارتيني بعد ذلك يقول: سوناتا الشيطان هي أفضل ما كتبت. غير أنها اقلّ جمالا بكثير من الموسيقى التي سمعتها في الحلم".
هذه فقط بعض الأمثلة التي تدلّل على القوّة الخفيّة والغامضة للأحلام وعلى أهميّتها وحضورها الدائم في حياة الإنسان.
تخيّل، على سبيل المثال، دور الأحلام في الأدب والفنّ. العديد من الأعمال الأدبيّة المشهورة ظهرت بفضل حلم رآه الكاتب في منامه: فرانكنشتاين لـ ميري شيللي، والشفق لـ ستيفاني ماير، ودكتور جيكل ومستر هايد لـ روبيرت ستيفنسون.. والقائمة تطول.
وهناك الكثير من الروايات التي تستند حبكتها الرئيسية على عنصر حلم. في رواية المسخ لـ فرانز كافكا، مثلا، يستيقظ غريغور سامسا بطل الرواية من حلم ذات صباح ليجد نفسه وقد تحوّل إلى صرصار ضخم.
وهناك عدد لا يُحصى من الكتّاب الذين وظّفوا قصص الأحلام في رواياتهم: جوزيف كونراد، آرثر ميللر، جيمس جويس، شكسبير، لويس كارول، دستويفسكي، جورج اورويل، ايتالو كالفينو، ادغار الان بو وغابرييل غارسيا ماركيز.. وغيرهم.
الأحلام أيضا حاضرة بقوّة في الفنّ التشكيليّ. العديد من لوحات هنري روسّو وسلفادور دالي وجاسبر جونز وهنري فوزيلي وغيرهم كانت نتاج أحلام.
وفي السينما أيضا استخدم مخرجون كثر صور الأحلام في أفلامهم مثل انغمار بيرغمان، ارسون ويلز وفيدريكو فيلليني وسواهم. كما ألهمت الأحلام عددا من الموسيقيين من أمثال هاندل، شوبيرت وفاغنر وغيرهم.
أهميّة وقوّة الأحلام معروفة وراسخة. ومن معابد العصور القديمة، إلى مختبرات النوم في العصر الحاضر، حاول البشر أن يفهموا الأحلام وأن يفسّروها.
وأقدم الأحلام المسجّلة وجدت في وثائق يعود تاريخها إلى ما يقرب من 5000 عام، في بلاد ما بين النهرين أو الهلال الخصيب. السومريون، أوّل مجموعة ثقافية قطنت تلك المنطقة، تركوا سجلات للأحلام يعود تاريخها إلى عام 3100 قبل الميلاد. ووفقا لتلك الكتابات المبكّرة، كانت الآلهة والملوك، مثل الملك العالم آشور بنيبعل من القرن السابع، يبدون اهتماما كبيرا بالأحلام.
ومن ضمن أرشيف هذا الملك من الألواح الطينية، تمّ العثور على أجزاء من ملحمة الملك الأسطوريّ غلغامش. في هذه القصيدة الملحمية، وهي واحدة من أقدم القصص الكلاسيكية المعروفة، يسرد غلغامش أحلامه المتكرّرة على أمّه الإلهة نينسون التي قدّمت أوّل تفسير مسجّل لحلم. كما اتخذت أحلامه كنبوءات. المواقف المدوّنة في ملحمة غلغامش توفّر مصدرا قيّما للمعلومات حول المعتقدات المتعلقة بالأحلام في العصور القديمة.

العبرانيون القدماء كانوا يعتقدون أن الأحلام هي عملية اتصال مع الله. الشخصيّات التوراتية، مثل سليمان ويعقوب ونبوخذ نصّر ويوسف، كلّهم زارهم الربّ أو الأنبياء في أحلامهم وساعدوهم في توجيه قراراتهم. كان من المسلّم به والمقبول أن أحلام الملوك يمكن أن تؤثّر على أمم بأكملها وعلى مستقبل شعوب بأسرها. التلمود، المكتوب ما بين عامي 200 و 500م، يتضمّن أكثر من 200 إشارة لأحلام. وهو يشير إلى أن الأحلام غير المفهومة هي "مثل الرسائل التي لم يتمّ فتحها".
قدماء المصريين أيضا أولوا اهتماما خاصّا بأحلام قادتهم الملكيين، بالنظر إلى أن الآلهة كانوا أكثر عرضة للظهور فيها. سيرابيس، إله الأحلام المصريّ، كانت له معابد لحضانة الأحلام. وقبل الذهاب إلى هذه المعابد، يصوم الحالمون ويصلّون كي يضمنوا رؤية أحلام سعيدة.
الصينيون اعتبروا أن روح الحالم هي العامل المهمّ في توجيه الحلم. كانوا يعتقدون أن "الهون" أو الروح تغادر الجسد أثناء الحلم لتتواصل مع أرض الأموات.
كتاب الأوبنيشاد، ظهر ما بين 900 و 500 قبل الميلاد. وهو يتناول منظورين عن الأحلام: الأوّل يرى أنها مجرّد تعبير عن الرغبات الداخلية. والثاني يشبه الاعتقاد الصيني عن الروح التي تغادر الجسد أثناء النوم لتعود عندما يستيقظ الجسد ثانية.
القرن الخامس قبل الميلاد شهد ظهور أوّل كتاب يونانيّ معروف عن الأحلام. وقد كتبه انتيفون الذي كان رجل دولة من أثينا. في تلك الفترة، ساد بين الإغريق اعتقاد بأن الروح تغادر جسد الإنسان الحالم. اوسكولابيوس كان معالجا إغريقيا، وكان على اتصال بالطوائف التي بدأت في ممارسة حضانة الأحلام. كان يزور النائمين ويقدّم لهم المشورة والنصح.
أبقراط، والد الطبّ ومعاصر سقراط، ألّف كتابا اسماه "عن الأحلام". وكانت نظريّته بسيطة: في النهار تستقبل الروح الصور، وفي الليل تعيد إنتاجها. وهذا هو السبب في أننا نحلم".
أرسطو كان يعتقد بأن الأحلام ليست محصّلة وحي إلهي، وإنّما مؤشّرات عن أوضاع داخل الجسم. كما افترض بأن المؤثّرات الخارجية تكون غائبة أثناء النوم. ولهذا فإن الأحلام هي مظاهر وعي عميق بالأحاسيس الداخلية التي يُعبّر عنها على هيئة صور في الأحلام.
جالينوس ركّز على الحاجة لملاحظة الأحلام بعناية بحثا عن أيّ رسائل قد تتضمّنها. معاصره ارتيميدوراس وضع كتابا عن تفسير الأحلام يعتبره البعض أفضل مصدر عن الأحلام في العصور القديمة. وهو يصف نوعين من الأحلام: الأوّل يتنبّأ بالمستقبل، والثاني يتعامل مع مسائل الحاضر.
في أوربّا العصور الوسطى، كانت الأحلام كثيرا ما تُدرّس في سياق علاقتها بالله. والسؤالان النموذجيان اللذان كانا يُطرحان عادة في تلك الفترة هما: هل الأحلام مرسلة من الله للصالحين وأصحاب الكرامات؟ أم أنها مرسلة من الشياطين إلى الخاطئين والمذنبين؟!
في القرن العشرين، مُنحت الأحلام حياة جديدة على يد سيغموند فرويد الذي احدث تغييرا جذريّا في دراسة الأحلام مع ظهور كتابه المشهور "تفسير الأحلام".
فرويد رأى أن الأحلام عبارة عن رغبات لم تتحقّق، أو محاولات من اللاوعي لحسم صراع من نوع ما، وأن الرمز أو الصورة التي تظهر في حلم قد تنطوي على معان متعدّدة.
كان فرويد يركّز على الدوافع البيولوجية للفرد، الأمر الذي باعد بينه وبين العديد من زملائه مثل يونغ وأدلر. كما أن تعويله الكبير على دور الدافع الجنسيّ في الأحلام دفع معارضيه لوصفه بـ "عدوّ للبشر" لأنه تعامل مع البشر كما لو أنهم حيوانات برّية.
وفي حين أن نظريّاته ودراساته النفسية عن الأحلام شابتها بعض العيوب المنطقية والافتراضات المتحيّزة، إلا أن انجازات فرويد في هذا الميدان لا يمكن إغفالها أو التقليل من شأنها.

موضوع ذو صلة: المدن والذاكرة

Credits
plato.stanford.edu
simplypsychology.org

Wednesday, July 04, 2012

الفنّان والمكانة: رينولدز نموذجاً

إحدى مزايا كون الإنسان رسّاما هي أن وظيفته تسمح له بالتعامل مع الطبقات العليا في المجتمع. وفي حين انه لم يعد من الضروريّ أن تكون غنيّا كي تشتري فنّا جيّدا، إلا أن امتلاكك قدرا معقولا من الدخل هو شرط مسبق لاقتناء الفنون الجميلة. وبطبيعة الحال، كلّما كان الفنّان مبدعا، كلّما استطاع اجتذاب فئات أفضل من الزبائن.
هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن ذهن فنّان شابّ وطموح يُدعى جوشوا رينولدز. فقد أتمّ في عامين فقط تدريبا مهنيّا يدوم عادة أربع سنوات في الظروف العاديّة. كان رينولدز في بداياته يعيش في ديفونشاير، بالقرب من قاعدة للبحرية الملكية البريطانية. وقد اعتاد أن يرسم لوحات للضبّاط الشبّان أثناء رسوّ سفنهم في الميناء.
كان رينولدز شخصا متواضعا. وكان عمله يتراوح بين الجيّد والرديء، رغم انه حتى أفضل أعماله لم تكن استثنائية. ولكن ما كان لهذا الشابّ أن يصبح شيئا لو لم يكن متّصفا بالمثابرة والعزيمة.
وقد رسم أوّل بورتريه في سنّ الثانية عشرة على قماش شِراع، مستخدما طلاءً من حوض بناء السفن المحليّة. وأنهى تعليمه النظامي في سنّ مبكرة عندما غادر عائلته قاصدا لندن. وفي سنّ الثالثة والعشرين استقلّ سفينة تابعة للبحرية البريطانية وذهب إلى ايطاليا، حيث درس باهتمام أعمال رافائيل وغيره من كبار الرسّامين الإيطاليين.
وعندما عاد إلى انجلترا، بدأ يرسم صورا لأطفال العائلات الارستقراطية. ورغم انه ظلّ عازبا طوال حياته، إلا أن لوحاته من تلك الفترة تشير إلى انه كان يفهم الأطفال ويحبّهم كثيرا. الشقاوة والمرح والبراءة التي كان يمسك بها في الوجوه تضيء كلّ واحدة من صوره التي رسمها لأطفال.
في لوحته بعنوان "سامويل الرضيع"، يوظّف رينولدز مجموعة من الخصائص التي طبعت فنّه: تأثّره الملحوظ بالمدرسة الايطالية في الرسم، استلهامه للمواضيع التي تشيع البهجة والبراءة، أسلوبه الجميل في التلوين وصنعته البارعة التي تعكس أفكاره وتصوّراته.
غير أن رينولدز كان يتوق لأشياء أفضل. وفي عام 1760، ومع ارتقاء جورج الثالث سدّة العرش في انجلترا، أسّس الفنّان مع 69 من زملائه الآخرين ما يمكن وصفه بالنسخة الانكليزية من صالون باريس.
وكانت اللوحة التي رسمها رينولدز لأميرال انجليزي يُدعى لورد كيبيل من بين أوّل اللوحات التي عُرضت آنذاك. وقفة الأميرال في اللوحة استعارها الرسّام من التمثال الروماني المعروف باسم أبوللو بيلفيديري الذي كان رينولدز قد رآه ودرسه في روما.
وبعد هذا النجاح، اشترى رينولدز قصرا في ضاحية ليستر فيلدز الفارهة في لندن. وأصبح يرسم ما يزيد على 150 لوحة في السنة، مستعيناً بأفراد مساعدين لرسم الخلفيات والملابس في الصور.
كما استعان بعدد من أصدقائه الأدباء لمساعدته في اكتساب التعليم الكلاسيكيّ الذي افتقده وهو طفل. وقد وظّف هؤلاء علاقاتهم لتعزيز موهبة رينولدز والترويج له في أوساط الفنّ. وتكرّست مكانته أكثر في ما بعد عندما ساعد في تأسيس الأكاديمية الملكية للفنّ، والتي أدارها شخصيا حوالي عشرين عاما وحتّى وفاته. ويعود الفضل لـ رينولدز في تحمّل الأكاديمية المسؤولية الكبرى عن رفع مكانة الفنّ والفنّانين في انجلترا إلى ما هي عليه اليوم.
لم يتزوّج جوشوا رينولدز طيلة حياته، لأنه كان يرى أن النساء اللاتي كان يألفهنّ سرعان ما يصبحن غير مباليات أو مكترثات. وفي عام 1789، بدأ يفقد بصره تدريجيّا. ثم نصحه أطبّاؤه بالتوقّف عن الرسم نهائيا. وتوفّي في فبراير من عام 1792 بعد إصابته بمرض في الكبد.

Tuesday, July 03, 2012

كارهو البَشَر

كارهو البشر هم فئة من الناس الذين يشعرون بالكراهية وعدم الثقة ببقيّة البشر. ولدى هؤلاء سبب وجيه يدعوهم لهذا الشعور. يكفي أن ننظر إلى الوراء لنتذكّر الفظائع التي ارتكبتها البشرية في الماضي، أو حتى الأفعال الشنيعة التي ما زالت تُرتكب حتى اليوم، من حروب وقتل واغتصاب وإبادة واحتلال. إذن ليس من الصعب على كارهي البشر أن يؤسّسوا لهم قضيّة وأن يدافعوا عن وجهة نظرهم.
الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت عُرف بأنه كان احد أشهر كارهي البشر. وإليه يُنسب القول المشهور: مِن عُود البشرية الأعوج لا يمكن صنع شيء مستقيم أبدا".
وأرسطو اعتبر أن كاره البشر "إمّا أن يكون وحشا أو إلها". وهذه النظرة نجدها متجسّدة في فنّ عصر النهضة الذي يصوّر كاره البشر بحالة متوحّشة.
الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كان، هو الآخر، كارها للبشر. عبارته المشهورة "الآخرون هم الجحيم" تختصر نظرته إلى الطبيعة البشرية. لكن ربّما كان سارتر يلمّح أيضا إلى أن البشر تنقصهم المعرفة الكاملة بالذات. فنحن عادة نميل إلى إسقاط مخاوفنا وهواجسنا المظلمة على الآخرين الذين نرى فيهم أسوأ ما فينا، بدلا من أن ننظر إلى دواخلنا ونواجه عيوبنا ونواقصنا بجسارة.
الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور كان، هو الآخر، مشهورا بكراهيته للبشر. وقد كتب ذات مرّة يقول: إن الوجود الإنساني ما هو إلا نوع من الخطأ. والإنسان في أعماقه ليس أكثر من وحش كاسر. ونحن لا نعرف هذا الوحش سوى في حالته المروّضة الني نسمّيها الحضارة". غير أن شوبنهاور كان يدعو إلى معاملة الآخرين بطريقة كريمة، لأن البشر جميعا متساوون في معاناتهم في هذه الحياة.
إنّ من السهل علينا أن نفهم كارهي البشر وأن نتفهّم أسباب موقفهم لنرى كيف ظهروا ومن أين أتوا. والمسألة تتعلّق بنظرتنا إلى الطبيعة البشرية نفسها وطريقة فهمنا لها. يمكننا، مثلا، أن نكون مثل جان جاك روسّو الذي زعم أن الطبيعة البشرية نقيّة وطيّبة في الأساس، وأنها لا تنقلب ولا تتبدّل إلا من خلال اتصال الفرد بمجتمع قذر وفاسد. ومع ذلك، فنحن جميعا نعرف أننا لسنا ملائكة، وأن المجتمع في النهاية ليس أكثر من مجموعة من الأفراد يتمازجون ويتفاعلون معا.
الفنّان الهولندي بيتر بريغل له لوحة مشهورة اسمها كاره البشر. وفيها يظهر رجل يلفّه السواد وهو يخطو على ارض تتناثر فوقها المسامير. وفي أسفل اللوحة عبارة يُجريها الرسّام على لسان الرجل تقول: لأن العالم مليء بالشر، أنا ذاهب للحداد". الرجل الكاره للبشر يتعرّض للسرقة على يد شخص ضئيل الحجم وباسم الوجه يبرز من كرة زجاجية تمثّل العالم.
والمثير للاهتمام هو أن المحفظة التي تتعرّض للسرقة مليئة بالنقود، ما يدلّ على أن الرجل ليس منفصلا تماما عن العالم على الرغم من سخطه عليه. وفي خلفية المنظر يظهر راع مع قطيعه. الرسالة التي أراد بريغل إيصالها هي انه لا يمكن للإنسان أن ينفصل عن العالم وأنه يجب أن يواجه الصعاب وألا يتخلّى عن مسئولياته. الراعي في اللوحة هو، بنظر الرسّام، أكثر تقوى من الرجل الملتحف بالسواد، لأنه بسيط ولأنه يملك إحساسا بالمسئولية يدفعه لأن يؤدّي واجباته في الحياة كما ينبغي.
الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز كان يتبنّى وجهة نظر أكثر تشاؤما عن البشرية. كان يؤمن بأن البشر بحاجة إلى توجيه مستمرّ، وأن القوانين وحدها هي التي تحميهم وتمنعهم من إيذاء بعضهم البعض. كما كان يرى انه بدون قوانين وكوابح أخلاقية، فإنّ كلّ شيء يتفكّك وينهار ويتحوّل الأفراد إلى وحوش تسرق وتنهب وتقتل وتدمّر بلا رادع أو وازع. ومثل هذه الأشياء تحدث في أوقات الأزمات والثورات خاصّة. بل قد تحدث حتى عندما ينهزم فريقك المفضّل في مباراة مهمّة.
وجهة نظر سيغموند فرويد عن الطبيعة البشرية معقّدة للغاية. فهو يتحدّث عن مبدأ اللذّة الذي يدفع الإنسان لإشباع رغباته، بغضّ النظر عن النتائج. ولدينا، بحسب فرويد أيضا، الدافع الجنسي أو الشهوة، والرغبة في إنهاء الحياة. لكن من بين نوازع البشر الأخرى ميلهم للتدمير. ونيتشه يرى أن هذا الدافع الأخير مفيد جدّا للبشرية لأنه يقرّبها من ولادة عصر السوبرمان أو الإنسان المتفوّق!
الأمر الذي لا شكّ فيه هو أن هناك صراعا أبديّا بين الخير والشرّ، ونحن عالقون في الوسط. صحيح أن هناك أفعالا بشرية نبيلة وجيّدة، ولكنها تغرق في خضمّ أفعال الشرّ الكثيرة.
إن قدرة البشرية على التسبّب في الألم والدمار كبيرة بما لا يقاس. بل إننا نسيء حتى معاملة الحيوانات والبيئة. وفي كثير من الحالات نمارس تدميرا ذاتيّا بحقّ أنفسنا.
وإجمالا، من الخطأ أن نعتبر كارهي البشر منعزلين أشرارا أو مرضى نفسيّين. بل على العكس تماما، هم أفراد تحرّروا من الوهم وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وهم يرون كيف تسير الأمور على الأرض والى أين تمضي البشرية. خطأ هؤلاء، ربّما، أنهم كانوا مغرقين في التفاؤل الساذج. وتوقّعاتهم عن البشر الآخرين كانت أعلى ممّا ينبغي. ونسوا أن معظم البشر هم خليط من الخير والشرّ معا.
المغنّي بوب ديلن له أغنية مشهورة يقول فيها: اعتدت أن أهتمّ بالآخرين، لكنّ الأمور الآن تغيّرت. فالبشر مجانين والزمن غريب. يمكن أن تجرح إنسانا، حتّى دون أن تعرف. وكلّ الحقائق في العالم تضاف إلى كذبة واحدة وكبيرة".
في الختام، لا يملك الإنسان إلا أن يتمنّى أن يكون سقراط والأنبياء على حقّ عندما قالوا إن الشرّ ينبع من الجهل وأننا، ببساطة، لا نعرف ما نفعله.

Credits
experienceproject.com

Sunday, July 01, 2012

محطّات

أوراق الخريف

الرسّامون الذين يتقنون تصوير الفصول هم في الغالب محبّون للطبيعة وملاحظون عن قرب لما يطرأ عليها من أحوال وتغيّرات.
أحيانا تنظر إلى لوحة ما فيخطر بذهنك أن الرسّام أودع فيها إشارة أو أكثر تقول لك مسبقا عن أيّ وقت في اليوم وعن أيّ فصل تتحدّث، وذلك من خلال الألوان وعرض ضربات الفرشاة وكثافة الطلاء.
وبالنسبة للرسّامين، لا ينافس الربيع في جماله ورونقه سوى الخريف. والخريف ليس مجرّد طور من أطوار الطبيعة، وإنما حدث تتغيّر فيه الحياة وحركة وإيقاع الأشياء بشكل جذريّ. وهناك مناطق كثيرة في العالم معروفة بجمال خريفها وبالمناظر الأخّاذة للسماء الخريفية وأوراق الشجر المتساقطة، التي تختصر بعض بهاء فصل الخريف.
وعلى الرغم من أن ألوان الخريف لا تدوم طويلا، إلا أن هذا الفصل من السنة أصبح فكرة مفضّلة في الشعر والموسيقى والرواية والتصوير الفوتوغرافي.
وهو عند البعض رمز للتحوّل والتغيير والولادة الجديدة. بينما يرى فيه آخرون رمزا لدورة الحياة والموت التي تمرّ بها جميع الكائنات والمخلوقات.
وفي الأحلام، يقال أن منظر أوراق الخريف المتساقطة قد يعني أن ذكريات الإنسان ومهاراته القديمة لم يعد لها من جدوى لأنها لم تعد تنفعه أو تلزمه، وبالتالي فمن الأفضل نسيانها أو تجاهلها.
من أشهر الفنّانين الذي رسموا الخريف كلود مونيه وويلارد ميتكالف وكاندينسكي وتشارلز وايت ودايان رومانيللو وفان غوخ ورينوار وفريدريك تشيرش وغيرهم.
وبعض الأعمال التشكيلية التي تصوّر الخريف تكشف عن جمال عابر وحزين. وبعضها عبارة عن تجلّيات لمشاعر داخلية عميقة عن مرور الزمن وأفول الجمال والحنين إلى أزمنة وأمكنة من الماضي.
أوراق الخريف الذاوية والمتساقطة يمكن أن ترمز إلى فناء الأشياء. كما أنها تثير بعض التأمّلات الروحية والدينية. والتغيّر الذي يطرأ على الأرض مع حلول الخريف هو أيضا تذكير بنقاء الأرض وعودتها إلى حالتها الأصلية.
الخريف أيضا ينطوي على حكمة كامنة، فهو يعلّم الإنسان أن كلّ شيء في الحياة موقّت وزائل وأن هناك دائما حاجة للتجدّد والتغيير الذي لا تستقيم الحياة ولا تستمرّ بدونه.

❉ ❉ ❉

الفنّ العاري

ما رأيك في الفنّ العاري؟ بعبارة أخرى، هل تروق لك رؤية لوحة تشكيلية أو عمل نحتيّ لامرأة عارية، أم أن ذلك ممّا يزعجك ويدفعك لأن تشيح بوجهك بعيدا بداعي الحرج أو الحياء؟
بالتأكيد ليس المقصود هنا الصور الإباحية والفاضحة أو الخادشة للحياء التي تمتلئ بها بعض مواقع الانترنت. لكن أيّا تكن إجابتك، قد يدهشك أن تعلم أن الفنّ العاري موجود في معظم المجتمعات. غير انه ما يزال يُنظر إليه باعتباره أمرا محظورا أو على الأقل موضوعا مثيرا للجدل، برغم قيمته الفنّية.
غير أن معظم الثقافات اليوم أصبحت تُظهر موقفا متفهّما، وأحيانا مقدّرا لهذا الشكل الخاصّ من الفنّ. لكن ما يزال بوسع المرء أن يقول إن الفنّ العاري لم يحظ بعد بقبول شامل في معظم المجتمعات.
الفنّ العاري موجود منذ زمن طويل. ويقال انه يعود إلى زمن الحضارتين الإغريقية والفرعونية. وقد كان هذا الفنّ مترسّخا كشكل من أشكال تقدير الجسد الإنسانيّ. لكن تعريف الفنّ العاري تَوسّع اليوم ولم يعد مقتصرا على دراسة الجسد وإنما امتدّ ذلك لكي يشمل أعضاء معيّنة في جسد الإنسان. وقد تعزّزت دراسة جسد الإنسان كثيرا بفضل عصري النهضة والباروك اللذين اهتمّا باكتشاف طبيعة الإنسان. وشيئا فشيئا ظهرت الأهمّية الكبيرة التي أعطيت للفنّ العاري.
وقد ناقش أناس كثيرون هذا النوع من الفنّ بسبب طبيعته الخلافية والمثيرة للجدل.
المؤسف أن العري أصبح يُربط هذه الأيّام بالإباحية، مع أن الفنّ العاري الحقيقيّ يمكن أن يكون أيّ شيء إلا أن يكون إباحيّا.
وأكثر خبراء ونقّاد الفنّ العاري يعرّفونه على انه شكل من الفنّ الذي يثير العاطفة لا الشهوة. كما انه ينصرف أساسا إلى دراسة جسد الإنسان وإظهار جمالياته.
وأيضا فالفنّ العاري الحقيقيّ يفضّل تصوير الإنسان في أكثر أشكاله الخام. والفنّان الذي يرسم أو يصوّر العري يتخلّص من الزينة لأنها تقلّل من جمال الجسد الإنسانيّ في عملية التصوير الفنّي. بل إن الزينة، بما فيها المكياج أو الوشم أو غيرهما من وسائل الزينة، يمكن أن تلطّخ أو تفسد جمال الإنسان الطبيعيّ، من وجهة نظر بعض الفنّانين والنقّاد.

❉ ❉ ❉

استراحة موسيقية



❉ ❉ ❉

هاينريش كْلي والحالة الإنسانية

لا يُعرف عن حياة هاينريش كْلي الشيء الكثير. والمعلومات القليلة المتوفّرة عنه تشير إلى انه ولد في كارلسروهي بـ ألمانيا عام 1863 وتوفّي في ميونيخ عام 1945م. وقد كان مشهورا في زمانه برسومه الكاريكاتيرية التي تتناول الحالة الإنسانية وتثير السؤال القديم عن ماهيّة وطبيعة الفنّ.
كان كلي يضمّن تلك الرسومات قصصا موحية وحالات درامية مرحة وساخرة. ولم يكن مستغربا أن يُعجَب برسوماته والت ديزني الذي استلهم بعض أعماله في أفلامه الأولى.
العلاقة بين الإنسان وعالم الطبيعة هو الموضوع الذي تتمحور حوله رسومات هاينريش كْلي. وهو كان معروفا بخياله الخصب وملاحظاته العميقة عن طبيعة الإنسان والحيوان.
وتمتلئ رسوماته بصور الحيوانات، كالتماسيح والفيلة والفئران والأرانب وغيرها، وهي ترتدي ملابس البشر وترقص وتعزف الموسيقى ولا تكلّ أو تملّ من النشاط والحركة.
والبشر والحيوانات في هذه الصور يتبادلون الأدوار ويشتركون في أوضاع اجتماعية متشابهة. وكثيرا ما يظهر البشر في صوره وهم عراة، بينما ترتدي الحيوانات الملابس، في محاولة لإبراز نقاط الشبه والاختلاف. ورسومات كلي تذكّر إلى حدّ ما بصور رسّام الكاريكاتير الأمريكي المشهور توماس سوليفان الذي عاش في بدايات القرن الماضي.
صحيح أن اسم هاينريش كْلي لم يعد متداولا كثيرا الآن. كما أن الخلفية الاجتماعية والتاريخية لصوره قد تكون أصبحت جزءا من الماضي. لكن ما يزال بالإمكان رؤية بعض رسوماته في الصحف وعلى أغلفة الطبعات الشعبية لبعض الكتب والروايات الرائجة هذه الأيام.

Credits
arthistory.net
heinrich-kley.com